قال أشهب: كالسارق ينقل من الحرز قليلاً قليلاً في فور واحد إما لضعفه أو لئلا يُقطع؛ في سرقة واحدة ويقطع.
قال في كتاب محمد: واختلف في هذا مالك وعبد العزيز.
فقال مالك: إذا كان الضرب في فور واحد فهو كضربة واحدة، إلا أن يريد ضربة واحدة ثم يبدو له فيضرب أخرى.
وقال عبد العزيز: ما كان مفترقاً فلا يضم بعضهم إلى بعض وإن كان في فور واحد، وليس كالضربة الواحدة.
أشهب: وقول مالك أحب إلي، كالسارق يواصل سرقته.
قال ابن المواز: واختلف قول ابن القاسم في الأسنان:
فجعلها مرة كالأصابع يحاسب بما تقدم إلى ثلث الدية.
قال أصبغ: وقوله الأول: في كل سن خمس من الإبل، ولا يحاسب بما تقدم وإن أتى على جميع الأسنان ما لم يكن في ضربة واحدة بخلاف الأصابع، وإلى هذا رجع ابن القاسم، وهو أحب إلي.
قال محمد: الأسنان عندي كالرأس يصاب بمواضح أو مناقل؛ فلا يجمع عليها إلا ما كان في ضربة ما لم يكن من شيء واحد له دية، فيحسب منه ما ذهب كالأرنبة، والسمع، والبصر، وأما المواضح والمناقل فلا يضم شيء منها إلى ما قبله.
محمد: والف عبد العزيز مالكاً في الأصابع فجعلها وإن كانت من كف واحدة كالأسنان والمواضح؛ أن لها في كل إصبع عشرة من الإبل، وإن أتى على جميع الأصابع ما لم يكن ذلك في ضربة واحدة، وقاله ابن وهب وعبد الملك.
وقال عبد العزيز: وإن قطع لها أربع أصابع في ضربة فأخذت فيها عشرين بعيراً، ثم قطعت لها الخامسة ففيها خمس فرائض.
وقال عبد الملك: بل فيها عشر فرائض.
وهو أقيس لقول أبيه.
وهذا كله خلاف لمالك وأصحابه.
وقولهم: فيه خمسة كان قطع الأربعة مجتمعاً أو مفترقاً.
وعبد العزيز يقول: فيه خمسة بعد ضربة واحدة في الأربع، ويخالف في ضربة بعد ضربة، فيرى حينئذ في الخامس عشرة.
[الباب الخامس]
فيمن جنى على عضو ضعيف أو ناقص، عمداً أو خطأ
[32 - فصل: في الجناية على لسان الأخرس، واليد الشلاء، وذكر الخصي، والرجل العرجاء، وما كان ناقصاً بأصل الخلقة، أو ضعف لكبر أو مرض]
قال مالك رحمه الله تعالى: وفي لسان الأخرس الاجتهاد.
قال أصحاب مالك في كتاب محمد والمجموعة: أن المجتمع عليه عندهم أن ليس في لسان الأخرس، وفي العين القائمة التي ذهب بصرها، وفي اليد الشلاء، وفي الأصابع إذا تم شللها، وفي ذكر الخصي إذا قطع ذلك؛ إلا الاجتهاد، وليس في هذا كله مما ذهب منافعه قصاص.
قال مالك: وفي ذكر الخصي هذا عسيب قد قطعت حشفته، فأما مقطوع الأنثيين فقط؛ ففي ذكره الدية كاملة.
قال مالك: وكذلك الرجل العرجاء التي لم يبق فيها منفعة؛ فإنما فيها الاجتهاد كاليد الشلاء.
ومن المدونة قيل لابن القاسم: كم في الرجل العرجاء؟ قال: العرج مختلف، وما سمعت من مالك فيه شيئاً، إلا أني سمعته يقول: كل شيء من الإنسان إذا أصيب منه شيء وانتقص ثم أصيب بعد ذلك الشيء؛ فإنما له على حساب ما بقي من ذلك العضو.
قال مالك: وما كان من خلقة خلقها الله تعالى لم ينتقص منها شيء مثل استرخاء البصر، أو العين الرمدة يضعف بصرها، أو ضعف في يد أو رجل من كبر أو علة إلا أنه يبصر بالعين، ويستمتع بيده ورجله، ويبطش بيده؛ ففي هؤلاء الدية كاملة.
وكذلك الذي يصيبه أمر من السماء مثل العرق يضرب في رِجل رَجُل فصيبه منه عرض، أو رمد، إلا أنه يمشي على الرجل، ويبصر بالعين،
وقد مسها ضعف؛ ففيها إن أصيبت الدية كاملة، ولو كان ضعف هذه العين، أو اليد، أو الرجل بجانبه خطأ أخذ فيها عقلا، ثم أصيبت بعد ذلك فإنما له ما بقي من العقل.
قال ابن القاسم: والعرج عندي مثل هذا، قال: وإن كان الذي أصيبت به بعد ذلك عمداً اقتص منه ولم يحاسب، بخلاف الدية، وأما أصابع الكف يصاب بعضها عمداً، أو خطأ، أو من السماء، ثم يقطع باقيها؛ خطأ ففيها حصة ذلك من الدية.
[33 - فصل: في الجناية على عضو سبقت عليه جناية]
قال مالك في باب بعد هذا في العين يصيبها الرجل بالشيء فينقص بصرها، أو اليد فيضعفها ذلك، وبصرها قائم، واليد تبطش، ولم يأخذ لها عقلاً: فعلى ما أصابها بعد ذلك العقل كاملاً، وذلك أن في السن السوداء إذا أصيبت العقل تاماً.
قيل لمالك: فإن كان أخذ لنقصان العين واليد شيئاً؟ قال: ذلك
أشكل، أي ليس له إلا ما بقي، ويقاص بما أخذ.
قال ابن القاسم: وقد قال لي قبل ذلك: ليس له بحساب ما بقي.
م: فظاهر هذا إنما اختلف قول مالك إذا لم يأخذ لنقص ذلك عقلاً، فقال مرة: يحاسب الثاني ينقص ذلك.
وقال مرة: لا يحاسب، ويكون عليه العقل تاماً، فأما إن أخذ لنقصان ذلك شيئاً فإنه يحاسب بلا اختلاف من قوله، هذا ظاهر المدونة.
وفي كتاب ابن المواز، قال ابن القاسم: اضطرب في هذا قول مالك.
م: يريد وإن أخذ للنقص عقلاً.
قال: فقال فيمن أصيب على بصره بشجة أو بشيء، فنقص لذلك بصره، ثم تفقأ بعد ذلك: فإن كان نقص الأول نقصاً إلا أنه يبصر بها كلها وينتفع فله الدية كاملة.
فقلت له: فإن كان أخذ لذلك عقلاً.
فقال: ذلك أشكل.
ثم قال قد قال ابن المسيب في السن: إذا اسودت ففيها العقل، ثم إن طرحت بعد ذلك كان فيها عقلها ثانية أيضاً.
فهذا مثله، ولا يضربه ما نقص من بصره إذا كان يبصر به ففيه الدية كاملة وقال أيضاً مالك إن كان أخذ لما نقص بصره عقلاً، وكان ذلك من جناية بها أو ضربة في رأسه فنقص بذلك بصره، ثم فقأت بعد ذلك؛ لم يعط إلا بحساب ما بقي، وإن كان من ضعف الكبر، أو الرمد، أو خلقة؛ لم يوضع لذلك شيء.
قال محمد: هذا أحسن ذلك عندنا، وهو وجه ما قال مالك، ومذهب ابن القاسم وأشهب، وإن كان لأشهب فيه اختلاف: أن العين إذا أصيبت خطأ، وقد كان أصابها قبل ذلك شيء نقص بصرها؛ فإن كان من جناية وقد أخذ لها عقلاً حوسب به قل أو كثل؛ لأنه لم يأخذ إلا من نقص معروف، وجزء مسمى، فأما من ضعف البصر فلا يأخذ
لذلك شيئاً أبداً، إلا أن ينقص لذلك شيئاً معلوماً وإن قل.
يريد: فيأخذ له.
قال: ثم لا يكون على الفاقئ إلا ما بقي، وإن كان عمداً اقتنص منه، ولم يحاسب.
م: يريد وإن كان ضعف لا يؤخذ له شيء لقلته، فعلى الفاقئ بعد ذلك العقل تاماً.
قال: وكذلك إن كان ذلك بأمر من السماء ليس من جناية، ولا ضربة؛ لم يحاسب مما كان من ضعف يسير، وكان لها عقلها تاماً.
34 - فصل [في الجناية على العين القائمة، والسن السوداء والحمراء والخضراء والصفراء]
وقد تقدم أن في العين القائمة الاجتهاد.
ولم يأخذ مالك بما ذكر عن زيد: أن فيها مئة دينار.
وأن في السن السوداء، والحمراء، والصفراء؛ العقل كاملاً، وإذا ضربت سِنة فاسودت، أو احمرت أو اخضرت، أو اصفرت، ففي السواد تم عقلها، وإن كان ذلك كالسواد فقد تم عقلها، وإلا على حساب ما نقص، وإن اضطربت اضطراباً شديداً تم عقلها، وإن كان خفيفاً؛ عقل لها بقدر ذلك وينتظر بالشديدة الاضطراب سنة.
35 - [فصل]: فيمن جنى على يد ناقصة، أو كانت يد الجاني ناقصة
قال: وإذا ذهب إصبع من الكف بأمر من الله سبحانه، أو بجناية وقع فيها قصاص أو عقل، ثم أصيبت الكف خطأ؛ ففيها أربعة أخماس الدية، ولو ذهب منها أنملة قد اقتص منها لقوصص بها في دية الكف، ومن قطع كفاً خطأ وقد ذهب بعض أصابعهما؛ فإنما عليه بحساب ما بقي من الأصابع في الكف، فإن لم يبق في الكف إلا أصبع واحدة؛ فعليه في الإصبع
ديته، وأستحسن في الكف حكومة.
وقال أشهب: لا شيء في الكف ما دام يبقى شيء له دية.
قال ابن القاسم: ومن قطع كف رجل عمداً وقد ذهب منها إصبعان أو ثلاثة بأمر من الله تعالى، أو بجناية وقع فيها قصاص، أو عقل، لم يقتص منه، ولكن عليه العقل في ماله، ولو ذهب منها إصبع واحدة؛ فقطعت يده قصاصاً، وسواء كانت المقطوعة الإبهام أو غيرها.
محمد: وقال أشهب: لاقتصاص له مثل الإصبعين؛ وإنما له أربعة أخماس دية اليد في ماله، وكذلك في الأنملتين مثل الإصبع؛ لأنه إذا ذهب أكثر الشيء جعلت أقله تبعاً، ولكني أستحسن في الأنملة أن يقتص منه.
ابن القاسم: ولو كانت المقطوعة صحيحة وقد ذهب من يد القاطع إصبع؛ لاقتص منه أيضاً.
وقال في المدونة: ولو كان قد ذهب منها إصبعان أو ثلاثة؛ لخير المقطوعة يده بين أن يقتص من اليد الناقصة، أو يغرمه دية يده.
محمد: قال ابن القاسم: قال مالك: إذا ذهب من يد القاطع إصبع فقطعت هذه اليد قصاصاً؛ فإنه يغرم دية الإصبع الخامس.
قال ابن القاسم: وأنا أرى أن ليس له إلا قطع كفه بأربع أصابع، ولا دية له في الإصبع الخامس، ولا خيار له في غير ذلك.
محمد: وقد قال ابن القاسم: إن شاء استقاد من يد [ذي] الإصبع، وإن شاء غرمه دية يده، مثل ما لو ذهب من يد القطاع إصبعان.
وقال مالك وابن القاسم: إنه مخير في الإصبعين، إن شاء استقاد، أو أخذ دية يده.
وقال أشهب وعبد الملك: ليس له أن يستقيد إذا كان قاطعه مقطوع
أكثر من إصبع؛ لأن ذلك من وجه العذاب، إلا أن يكون إنما نقصت بعد أن قطع كف الأول فإنه يقتص منه فيقطع ما بقي ثم يرجع على من قطع من كف قاطعه، فإن شاء أخذ منه عقل ذلك، أو اقتص منه إلا أن يرضيه قاطع قاطعه.
[الباب السادس]
فيمن جنى على عضو وليس له مثله، أو له مثله وهو مما لا يقاد منه، وما تحمله العاقلة من ذلك
قال: ومن قطع يمين رجل عمداً ولا يمين له فديته في ماله لا على العاقلة، فإن كان عديماً ففي ذمته، ولا تغلظ عليه الدية كدية العمد إذا قبلت.
وعقل المأمومة والجائفة عمداً على العاقلة، كان للجاني مال أو لم يكن، وعليه ثبت مالك، وبه أقول، وكان مالك يقول: إنه في ماله إلا أن يكون عديماً فيكون على العاقلة، ثم رجع.
والفرق بين ذلك وبين اليد: أن الجائفة والمأمومة موضعها قائم ولا يستطاع منه القود؛ لأنه متلف، واليد المقطوعة لا نظير لها عند القاطع.
قال أشهب: ولأن عمد الجائفة والمأمومة بمنزلة الخطأ إذ لا قود فيها وموضعها قائم؛ فمنزلة المجنون والصبي يقتل أو يجرح رجلاً عمداً، فلما ارتفع عنهما القصاص للجنون والصغر وفيهما موضع ذلك القود وعد فعلهما كالخطأ فكذلك الجائفة والمأمومة والمنقلة.
ومن المدونة قال مالك: كل ما يجنيه الجاني عمداً وفي جسده مثله ولا يستطاع منه القود فعل ذلك على العاقلة، وعلى الجاني الأدب، وذلك في المأمومة والجائفة وكذلك كل ما لا يستطاع منه القود لأنه متلف إذا بلغت الحكومة فيه ثلث الدية.
وأما ما ذهب من جسد الجاني ولو كان قائماً لاقتص منه فعقل ذلك في ماله، أو في ذمته في عدمه ولا تحمل العاقلة أقل من الثلث، وإنما تحمل الثلث فصاعداً إذا كان خطأ.
ومن شج رجلاً ثلاث مأمومات في ضربة واحدة خطأ ففيها الدية كاملة على العاقلة.
وإن شجه ثلاث منقلات في ضربة واحدة حملته العاقلة؛ لأن هذا يبلغ أكثر من ثلث الدية، وإن كان ذلك في ثلاث ضربات وكان ضرباً متتابعاً لم يقلع عنه؛ فهي كضربة وا حدة تحمله العاقلة، فإن كان متفرقاً في غير فور واحد؛ لم تحمله العاقلة.
[الباب السابع]
فيمن طرح سن صبي لم يُثغر
قال مالك: ومن طرح سن صبي لم يثغر خطأ؛ وقف العقل بيد عدل، فإن عادت لهيئتها رجع العقل إلى مخرجه، وإن لم تعد؛ أعطي الصبي العقل كاملاً، وإن هلك الصبي قبل أن تنبت سنه؛ فالعقل لورثته، وإن نبتت أصغر من قدرها الذي قلعت منه؛ كان له من العقل قدر ما نقصت، ولو قلعت عمداً؛ وقف له العقل أيضاً، ولا يعجل بالقول حتى يستبرأ أمرها، فإن عادت لهيئتها فلا عقل فيها ولا قود، وإن عادت أصغر من قدرها؛ أعطي الصبي ما نقصت، وإن لم تعد لهيئتها حتى مات الصبي؛ اقتص منه، وليس فيها عقل، وهو بمنزلة ما لم ينبت.
تم كتاب الجراح بحمد الله وعونه وصلى الله على محمد رسوله وعبده
بسم الله الرحمن الرحيم وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم