هي التي سبقها.
قال ابن شاذان: والذي تقول به في أسماء الله عز وجل أنها على ثلاثة أضرب:-
منها ما يرجع إلى مجرد الذات لا إلى معنى، كقولنا: أنه موجود وذات ونفس وقديم، وهو الله عز وجل.
ومنها ما يرجع إلى صفات الذات كعالم وقادر وحي ومتكلم وسميع وبصير ومريد وما أشبه ذلك فهو من العلم والقدرة والحياة والكلام والإرادة، وهذه الصفات خطأ أن يقال هي هو، وخطأ أن يقال هي غيره.
وصفات أفعال كرازق وخالق ومحي ومميت وما أشبه ذلك، وما كان من ذلك فهو من الخلق والرزق وحياتها وموتها وهذه غيره.
وزعمت المعتزلة أن أسماء الله عز وجل هي غيره, وأنها مخلوقة، وأسماؤه: الله الرحمن الرحيم، والمخلوقات تبيد، وأنه كان تعالى في الأزل بلا اسم ولا صفة، وهذا ما اجتمعت الأمة على خلافه.
ويجب أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم دعا الناس إلى عبادة غير الله عز وجل؛ لأنه قال لهم: اعبدوا الله، والله اسم مخلوق، ويجب أن يكون قوله تعالى: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ فيسبح معنى: سبح غير ربك، وكذلك قوله تعالى: ﴿تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ﴾ معناه: تبارك غير اسم ربك إذا كان اسمه غيره، وهذا كفر صراح من قائله.
قال القاضي أبو بكر: وتعتقد أن مشيئة الله سبحانه ورضاه ورحمته وكراهيته وغضبه وسخطه وولايته وعداوته هو أجمع راجع إلى إرادته، وأن الإرادة صفة لذاته غير مخلوقة لا على ما يقوله القدرية، وأنه مريد لكل حادث في سمائه وأرضه مما ينفرد سبحانه بالقدرة على إيجاده، وما يجعله منه كسبا لعباده من خير وشر، ونفع وضر وهدى وضلال وطاعة وعصيان، ولا يخرج حادث عن مشيئته، ولا يكون إلا بإرادته وقصده.
قال أبو بكر بن فورك: وأن الله عز وجل علم أن أقواما يسعدون بتوفيقه إذا خلقهم وكلفهم، فكان مريدا في الأزلية أن يسعدوا بذلك كما علمهم فخلقهم سعداء.
وعلم أن آخرين يشقون عند خلقه بحرمانه إياهم العطا والتوفيق فأراد أن يكونوا كما علمهم فخلقهم أشقياء، وهو ما ذكره عز وجل في كتابه: ﴿فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ﴾.
وقوله تعالى: ﴿فَرِيقًا هَدَى وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلَالَةُ﴾.
وأنه عز وجل قد أراد الخير لأهل الخير، وأن يكونوا هم الخيرين به، وأراد الشر لأهل الشر وأن يكونوا هم الشريرين به.
وأنه تعالى لا يخرج عن الحكمة بإرادة شيء من أفعاله، كما لا يخرج عنها بعلمه بها، بل يجب أن يكون كلما جرى في ملكه قصورا على علمه وحكمته وقضائه.
فصل [6] في الكلام
وأن تعلم أن كلام الله عز وجل صفة لذاته لم يزل ولا يزال موصوفا به، وأنه قائم به ومختص بذاته، وأنه لا يصح وجوده لغيره، وإن كان محفوظا في القلوب ومتلوا بالألسن ومكتوبا في المصاحف، ومعزوا في المحاريب على الحقيقة لا المجاز، وغير حال في شيء من ذلك، فإنه لو حل في غيره لكان ذلك الغير متكلما به وآمرا وناهيا ومخبرا وقائلا إنني أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدوني، وذلك خلاف دين المسلمين.
وأن كلامه سبحانه لا يجوز أن يكون جسما ولا جوهرا ولا عرضا، وأنه لو كان كذلك لكان من جنس كلام البشر ومحدثا كهو فتعالى الله عز وجل عن ذلك علوا كبيرا أن يتكلم بمثل كلام المخلوقين.
وتعلم أن كلامه مسموع بالآذان وإن كان مخالفا لسائر اللغات وجميع الأصوات، وأنه ليس من جنس المسموعات، كما أنه عز وجل مرئي في القيامة بالأبصار وإن كان مخالفا لأجناس المرئيات، وكما أنه موجود مخالف لسائر الحوادث الموجودات.
وأن سامع كلامه سبحانه منه بغير واسطة ولا ترجمان كجبريل وموسى ومحمد صلى الله عليهم وسلم سمعوه من ذاته غير متلو ولا مقروء، ومن عداهم ممن لم يتول الله عز وجل خطابه بنفسه، إنما سمع كلاما متلوا مقروءا.
وكذلك قال الله عز وجل: ﴿كَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾.
وقال تعالى: ﴿مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ﴾.
وإن قراءتنا للقرآن كسب لنا نثاب عليها ونلام ونذم على تركها إذا وجبت علينا في الصلوات، وأنه لا يجوز أن يحكى كلام الله عز وجل ولا أن نلفظ به لأن حكاية الشيء مثله أو مقاربة، وكلام الله عز وجل لا مثل له من كلام البشر، ولا يجوز أن يلفظ به ويتكلم الخلق به؛ لأن ذلك يوجب كون كلام الله عز وجل للمتكلمين قائم بذاتين قديم ومحدث؛ وذلك فاسد بالإجماع والمعقول.
وأن كلامه عز وجل غير منتقض ولا متغاير.
قال ابن شاذان: الدليل على أن القرآن غير مخلوق:-
قوله عز وجل: ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ﴾ ففصل بين الخلق والأمر، فلو كان أمره مخلوقا لكان كأنه قال: ألا له الخلق والخلق، وهذا تكرار من الكلام ولا فائدة فيه، فعلمنا أن أمره غير مخلوق.
وآخر قوله عز وجل: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ بِأَمْرِهِ﴾ والسماء والأرض لا تقوم بمخلوق، فعلمنا أن أمره غير مخلوق.
وجواب آخر: قوله عز وجل: ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ﴾ وما لا نفاذ له فغير مخلوق.
وقد روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "أعوذ بكلمات الله التامات"، والنبي عليه السلام لا يستعيذ بمخلوق، وإنما يستعيذ بالله وصفاته.
وروي عنه أنه صلى الله عليه وسلم قال: "القرآن كلام الله ليس بمخلوق".
وروي عنه أنه قال: "فضل كلام الله على سائر الكلام كفضل الله على سائر خلقه" فلما كان الله عز وجل غير مخلوق وهو مخلوقين كان كلامه غير مخلوق، وكلامهم مخلوق.
وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه في قصة الحكمين: ما حكمت مخلوقا إنما حكمت القرآن.
ودليل عقلي: أنه لو كان القرآن مخلوقا لكان لا يخلوا:-
أن يكون الباري خلقه في نفسه، أو قائما بنفسه، أو قائما بغيره.
فيستحيل أن يحدث بنفسه؛ لأنه تعالى ليس بمحل للحوادث.
ويستحيل أن يحدثه قائما بنفسه؛ لأنه صفة، والصفة لا تقوم بنفسها.
ويستحيل أن يحدثه في غيره؛ لأنه لو خلقه في غيره لوجب أن يكون كلاما لذلك الغير.
فلما فسد جميع ذلك صح أنه غير مخلوق.
آخر: أن الباري سبحانه لا يخلوا:-
أن يكون لم يزل متكلما، أو غير متكلم؟
فإن كان لم يزل متكلما ثبت أن كلامه غير مخلوق.
وإن كان لم يزل غير متكلما ثبت أن كلامه غير مخلوق.
وإن كان لم يزل غير متكلم وجب أن يوصف بضد الكلام كالسكوت والآفات الدالة على حدث من جازت عليه، وقد أثبتنا قدمه تعالى.
-وأيضا- فلو لم يزل غير متكلم لكان عاجزا عن الكلام، والعاجز لا يكون إلها.
فثبت أنه لم يزل متكلما، وأن كلامه قديم كهو.
وفيما ذكرنا من ذلك كفاية مقنعة.
فصل [7 - في مسائل شتى من الاعتقادات]
قال القاضي أبو بكر بن الطيب: وأن تعلم أن صفة الشيء ما قامت بالشيء الموصوف، وأن الوصف: هو قول الواصف الدال على الصفة، بخلاف ما تذهب إليه القدرية.
وأنه عز وجل مقدر لأرزاق جميع الخلق ومؤقت لآجالهم، وخالق لأفعالهم، وقادر على مقدوراتهم، وأنه رب لها لا خالق لها غيره، ولا رازق سواه.
كما أخبر تعالى في قوله عز وجل: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ﴾.
وقال عز وجل: ﴿فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَاخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ﴾.
وقال تعالى: ﴿هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ﴾.
وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ﴾.
وأن بيده الخير والشر, والنفع والضر, وأنه مقدر جميع الأفعال لا يكون حادثا إلا
بأمره وإرادته، ولا يخرج مخلوق عن مشيئته، ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، وأنه عز وجل فعال لما يريد، وأنه يهدي من يشاء ويضل من يشاء، ولا هادي لمن أضله، ولا مضل لمن هداه.
كما قال تعالى: ﴿مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا﴾.
وكل ينتهي إلى سابق علمه، ولا محيص لأحد عنه.
وأنه موفق لأهل محبته وولايته لطاعته، وخاذل لأهل معصيته، عدل ذلك من تدبيره وحكمته.
وأنه عادل على خلقه بجميع ما يبتليهم به ويقضيه عليهم من خير وشر، ونفع وضر، وغنى وفقر، ولذة وألم، وصحة وسقم، وهداية وضلالة، لا يسأل عما يفعل وهم يسألون ﴿قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ﴾.
وأن على العباد حفظة يكتبون أعمالهم كما قال تعالى: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾، ولا يسقط شيء من ذلك عن علم الله عز وجل ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ﴾.
وأن ملك الموت يقبض الأرواح كلها بإذن الله عز وجل كما قال تعالى: ﴿قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ﴾.
وأن الخلق ميتون بآجالهم، وأنه ينفخ في الصور فيصعق من في السماوات ومن في الأرض إلا من شاء الله ثم نفخ فيه أخرى فإذا هم قيام ينظرون، كما بدأهم يعودون حفاة عراة غرلا.
وأن الأجساد التي أطاعت أو عصت هي التي تبعث يوم القيامة لتجازى، والجلود التي كانت في الدنيا والألسنة والأيدي والأرجل هي التي تشهد عليهم يوم القيامة على من يشهد عليه منهم.
وأنه سبحانه يعيد العباد، ويحي الأموات، وأنه يجيء يوم القيامة لفصل القضاء، ويجيء بالملائكة صفا صفا.
ويمد الصراط، وتوزن صحائف الأعمال كما قال عز وجل: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا﴾، ﴿فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾.
وأنهم أهل يمين وشمال، يؤتون كتبهم بأيديهم، فمن أوتي كتابه بيمينه فأولئك هم المفلحون، ومن أوتي كتابه وراء ظهره فأولئك هم الخاسرون.
وأنه سبحانه قد خلق الجنة والنار وأعدهما لأهل الثواب والعقاب، وقد أخبر بذلك في كتابه في قوله تعالى: ﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ﴾.
وقال تعالى: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾.
وقال تعالى: {}.
وقال تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا﴾.
وذكر الصراط في غير موضع من كتابه، وورد بثبوته صحيح الروايات، وما يلحق الناس عليه من الأهوال، ﴿وَيُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا بِمَفَازَتِهِمْ﴾.
فيجوزه العباد بقدر أعمالهم مناجون متفاوتون في سرعة النجاة عليه من نار جهنم، وقوم أوبقتهم فيها أعمالهم فيطرحون في غير الحياة فينبتون كما تنبت الحبة.
وأن الله عز وجل لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء لمجتنبي الكفر، وهو الذي أراد بقوله تعالى: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا﴾.
وأنه يقبل التوبة عن عباده ويعفو عن السيئات، وأنه يغفر لمن يشاء من المذنبين من أمة نبيه محمد صلى الله عليه وسلم مع المقام على ظلمهم كما قال عز وجل: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلَى ظُلْمِهِمْ﴾.
وأنه يشفع نبيه محمد صلى الله عليه وسلم وأهل بيته وأصحابه ومن يشاء من صالح عباده في عصاة أهل ملته ويخرج بشفاعة رسوله صلى الله عليه وسلم قوما من النار بعد أن صاروا جمعا وامتحشوا فيها.
وأنه لا يديم عذابه إلا على الكافرين، ولا يخلد في ناره إلا الجاحدين المكذبين، كما قال تعالى: ﴿لَا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ﴾، ﴿وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ﴾.
وأنه تعالى يجازي بالحسنة عشر أمثالها، وبالسيئة مثلها، ويعفو عن كثير، ولا يضيع عمل عامل من المؤمنين، كما قال سبحانه: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا﴾.
﴿أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى﴾.
﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا﴾.
﴿وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لَا رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾.
وأن ورود حوض النبي صلى الله عليه وسلم لحق، لا يظمأ من شرب منه من المؤمنين، ويمنع منه من انحرف عن الدين وخالف الطريق المستقيم.
وأن المؤمنين والكافرين يحيون في قبورهم، وأنهم يفتنون ويسألون، ويثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة، وأن أرواح المؤمنين منعمة إلى يوم الدين، وأرواح الكافرين في سجين في العذاب الأليم إلى يوم الدين.
وأن الله سبحانه قد احتج على عباده برسله، وكشف قناعهم، وقطع عذر العباد في الدلالة على صدقهم بما آتاهم به من الآيات وظاهر المعجزات، وتابع الرسل وأنزل عليهم الكتب، وشرع الشرائع وفرض الفرائض، وختم النبوة برسالة محمد عليه السلام، وقال صلى الله عليه وسلم: "لا نبي بعدي"، فجعله آخر
المرسلين، وفضله على العالمين، وجعل دينه وكتابه مقدما على جميع الكتب والأديان.
ـ[فصل 8 - في فضل الصحابة ومراتبهم والكف عنهم]
وأن خير القرون قرنه الذي بعث فيه، وأفضل أمته الذين شاهدوه فصدقوه ونصروه، وأخذوا عنه وبلغوا الخطاب عنه، ثم الذين يلونهم، كما قال صلى الله عليه وسلم: "خيركم قرني ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم".
وقال في أصحابه رضي الله عنهم: "لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهبا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه".
وأفضل أصحابه رضي الله عنهم أهل عصره المهاجرون معه الذابون عنه، ثم الأنصار، ثم التابعون لهم بإحسان إلى يوم الدين رضي الله عنهم أجمعين.
وأن أفضل المهاجرين رضي الله عنهم العشرة المعدودون في الجنة.
وأن أفضل العشرة رضي الله عنهم الأئمة الأربعة أبو بكر ثم عمر ثم عثمان ثم علي رضوان الله عليهم أجمعين.
وقيل: ثم عثمان وعلي، ويكف عن التفضيل بينهما، وروي ذلك عن مالك، وقال: ما أدركت أحدا أقتدي به يفضل أحدهما على صاحبه، ويرى الكف عنهما.
وروي عنه القول الأول وعن سفيان وغيره، وهو قول أهل الحديث.
ثم بقية العشرة، ثم أهل بدر من المهاجرين، ثم من الأنصار، ومن جميع أصحابه على قدر الهجرة والمسابقة والفضيلة.
وكل من صحبه ولو ساعة ولو رآه مرة فهو بذلك أفضل من أفضل التابعين رضي الله عنهم أجمعين.
والكف عن ذكر أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا بخير ما يذكرون به، وأنهم أحق أن تنشر محاسنهم، ويلتمس لهم أفضل المخارج، ويظن بهم أحسن المذاهب، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا تؤذوني في أصحابي، فوالذي نفسي بيده لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهبا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه".
فصل [9 - في الإمامة]
وأن الإمامة في قريش محصورة عليهم دون سواهم من جميع العرب والعجم.
وأن إقامة الإمام مع القدرة عليه والإمكان منه فرض على الأمة لا يسع تركه ولا التخلف عنه، وأنه موكول إلى أهل الحل والعقد دون النص من الرسول صلى الله عليه وسلم، وأنه
من فروض الكفاية، وإذا قام به البعض سقط عن الباقين، وأنه واجب طاعة الأئمة وإعظامهم وتوقيرهم، وطاعة خلفائهم والنائبين عنهم، وترك المسابقة لهم، وذلك متفق في عليه العادل المستقيم منهم.
وأما العادل عن ذلك منهم بظلم وتعطيل حد فإنه بجب وعظه وترك طاعته فيما هو عاص فيه ومعونته على ذلك، ويلزم إذكاره بالله عز وجل ودعاؤه إلى طاعته ومراجعته وإقامة العدل والقسط.
قال أبو محمد: وكل ولي المسلمين عن رضى أو عن غلبة فاشدت شوكته [و] وطأته من بر وفاجر فلا يخرج عليه جار أو عدل، ويغزى معه العدو، ويحج البيت، وتدفع الصدقات إليهم وهي مجزية إذا طلبوها، وتصلي خلفهم الجماعة والعيدين.
قال غير واحد من العلماء، وقاله مالك: لا تصلي خلف المبتدع منهم إلا أن تخافه فصل وراءه، واختلف في الإعادة.
ولا بأس بقتال من دافعك من الخوارج واللصوص من المسلمين وأهل الذمة عن نفسك ومالك.
قال الرسول عليه السلام: "تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم.
وقال صلى الله عليه وسلم: "عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي عضوا عليهم بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار".
وحذر صلى الله عليه وسلم من الفتن والأهواء والبدع، ومن زلة العالم.
فصل [10 - في التزام السنن وتأويل السلف] ويلزم تسليم السنن وأن لا تعارض برأي ولا ترفع بقياس، وما تأوله منها السلف الصالح تأولناه، وما عملوا به عملناه، وما تركوه تركناه، ويسعنا أن نمسك عما أمسكوا، ونتبعهم فيما بينوا، ونقتدي بهم فيما استنبطوه ورأوه في الحوادث، ولا نخرج عن جماعتهم فيما اختلفوا فيه وفي تأويله.
وكل ما قدمنا ذكره هو قول أهل السنة وأئمة الناس في الفقه والحديث على ما بيناه، وكله قول مالك رضي الله عنه، فمنه منصوص من قوله ومنه معلوم من مذهبه.
قال مالك: قال عمر من عبد العزيز رضي الله عنه: سن رسول الله صلى الله عليه وسلم سنة الأخذ بها تصديق لكتاب الله عز وجل، واستكمال لطاعته سبحانه، وقرة على دين الله عز وجل، ليس لأحد تبديلها ولا تغيرها، ولا النظر فيما خالفها، من اهتدى بها مهتد، ومن استنصر بها منصور، ومن تركها واتبع غير سبيل المؤمنين ولاه الله ما تولى وأصلاه جهنم وساءت مصيرا.
قال مالك: أعجبني عزم عمى في ذلك.
قال مالك: والعمل أثبت من الأحاديث، قال من اقتدى به: وإنه لضعيف أن يقال: حدثني فلان عن فلان، وكان رجال من التابعين يبلغهم الحديث عن غيرهم فيقولون: ما نجهل هذا ولكن مضى العمل على خلافه.
وكان أبو بكر محمد بن أبي بكر بن حزم ربما قال له إخوة: لم لم تقض
بحديث كذا! فيقول: لم أجد الناس عليه.
قال النخعي: لو رأيت الصحابة رضي الله عنهم يتوضؤن إلى الكوعين لتوضأت.
كذلك، وأنا أقرؤها إلى المرفقين؛ وذلك لأنهم لا يتهمون في ترك السنن، وهم أرباب العلم وأحرص خلق الله على اتباع رسوله صلى الله عليه وسلم، ولا يظن ذلك بهم أحد إلا ذو ريبة في دينه.
قال عبد الرحمن بن مهدي: السنة المتقدمة من سنة أهل المدينة خير من الحديث.
وقال ابن عيينة: الحديث مضلة إلا للفقهاء.
يريد: أن غيرهم قد يجهل شيئا على ظاهره وله تأويل من حديث غيره، أو دليل يخفى عليه، أو متروك أوجب تركه غير شيء مما لا يقوم به إلا من استبحر وتفقه.
قال ابن وهب: كل صاحب حديث ليس له إمام في الفقه فهو ضال، ولولا أن الله عز وجل أنقذنا بمالك والليث لضللنا.
وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله ينفون
عنه تحريف الضالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين".
وقال ابن مسعود: من كان مستنا فليستن بمن قد مات، أولئك أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم كانوا أفضل هذه الأمة وأنورها قلوبا، وأعمقها علما، وأقلها تكلفا، قوم اختارهم الله عز وجل لصحبة نبيه صلى الله عليه وسلم وإقامة دينه، فاعرفوا لهم فضلهم، واتبعوهم في آثارهم، وتمسكوا بما استطعتم من أخلاقهم وسيرهم، فإنهم كانوا على الهدى المستقيم.
قال عمر رضي الله عنه: قد سننت لكم السنن وفرضت لكم الفرائض وتركتكم على الواضحة إلا أن تميلوا بالناس يمينا وشمالا.
قال مالك: وإنما فسدت الأشياء حين تعدى لها منازلها، وليس هذا الجدل من الدين بشيء.
وقال عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه: من جعل دينه عرضا للخصومات أكثر الشغل، والدين قد فرغ منه، وليس بأمر يتوقف فيه النظر.
قال عمر بن عبد العزيز: لست بمبتدع ولكني متبع.
قال مالك: وكان يقال: لا تمكن زائغ القلب من أذنيك؛ لأنك لا تدري ما يبلغك من ذلك.
ولقد سمع رجل من أهل المدينة شيئا من بعض أهل القدر، فعلق بقلبه، فكان يأتي إخوانه الذين ينصحهم فإذا نهوه قال: فكيف بما علق بقلبي، ولو علمت أن لله رضى ألقي نفسي من فوق هذه المنارة فعلت.
قال مالك: ولقد قال رجل: دخلت هذه الأديان كلها فلم أر شيئا مستقيما، فقال له رجل من أهل المدينة من المتكلمين: أنا أخبرك لم ذلك؛ لأنك لم تتق الله عز وجل، ولو اتقيته لجعل لك مخرجا.
قال مالك: ولقد قال رجل: دخلت هذه الأديان كلها فلم أر شيئا مستقيما، فقال له رجل من أهل المدينة من المتكلمين: أنا أخبرك لم ذلك؛ لأنك لم تتق الله عز وجل، ولو اتقيته لجعل لك مخرجا.
ومن قول أهل السنة: أن لا يعذر من أداه اجتهاده إلى بدعة؛ لأن الخوارج اجتهدوا في التأويل فلم يعذروا إذ خرجوا بتأويلهم عن الصحابة فسماهم النبي صلى الله عليه وسلم: مارقين في الدين، وجعل المجتهد في الأحكام مأجورا وإن أخطأ.
قال مالك: والقدرية أشر الناس، ورأيتهم أهل طيش وسخافة عقول، ونزع بآي كثيرة عليهم منها:-
قول الله تعالى: ﴿لَا يَزَالُ بُنْيَانُهُمُ الَّذِي بَنَوْا رِيبَةً فِي قُلُوبِهِمْ﴾.
ومنها: ﴿وَأُوحِيَ إِلَى نُوحٍ أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ﴾.
وقال عز وجل: ﴿وَلَا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا﴾.
فصل [11 - في ثبوت بعض الأحاديث] قيل لمالك: فمن يحدث بالأحاديث: أنه الله عز وجل خلق آدم على صورته، وأن الله يكشف عن ساقه يوم القيامة، وأنه يدخل يده في جهنم فيخرج منها من
أراد، وأن ابن عجلان يحدث بذلك!
فأنكر ذلك إنكارا شديدا، وقال: لم يكن ابن عجلان من الفقهاء.
ولم ينكر حديث التنزيل ولا حديث الضحك، وأنكر حديث أن العرش اهتز لموت سعد.
[فصل 12 - في جملة اعتقاد المكلفين] قال القاضي وغيره: ويجب أن يعتقد المكلف، ويقول إن أمكنه القول: إنني رضيت بالله وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبيا، وبالقرآن إماما، وبالسنة والأثر حجة وبيانا، وبالكعبة قبلة، وبالمسلمين إخوانا، وبالسلف الصالح والتابعين لهم بإحسان والذين جاؤا من بعدهم والمتمسكين بهديهم أئمة للدين أعلاما، وإنني دائن بكل ما أوجبه الله على خلقه من الإقرار بالشهادتين، وتصديق جميع ما أتت به الرسل والكتب،
وجميع فرائض الله في الدين، وما ندب الله عز وجل إليه ورغب في فعله، وإباحة جميع ما أحله وأطلقه لعباده، وتحريم جميع ما حرمه من سفك الدماء والسرقة والزنا واستحلال الأموال، وترك الواجبات، ونكاح ذوات المحارم من النسب والرضاع والصهر والمحصنات إلى غير ذلك من جميع المحرمات.
واعتقاد هذه الجملة التي ذكرنا والتصديق بها وبما جاء من خبر الإسراء بالنبي صلى الله عليه وسلم إلى السماوات على ما صحت به الروايات، وأنه رأى من آيات ربه الكبرى، وبما ثبت من خروج الدجال، ونزول عيسى عليه السلام وقتله إياه، وبالآيات التي بين يدي الساعة من طلوع الشمس من مغربها، وخروج الدابة، وغير ذلك مما صحت به الروايات.
[الباب الثامن]
باب في مبعث النبي صلى الله عليه وسلم وأيامه ونسبه وعمره وصفته، وذكر ولده وزوجاته والعشرة من أصحابه رضي الله عنهم أجمعين وشيء من التاريخ، ومتى فرضت الشرائع؟
[فصل 1 - في مبعثه وأيامه]
قال الإمام أبو محمد رضي الله عنه: قال غير واحد من أهل العلم ومنه كثير مما حفظ عن مالك في هذا المعنى: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولد يوم الإثنين لاثني عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الأول عام الفيل.
ونبئ يوم الإثنين، قال مالك وغيره: وهو ابن أربعين سنة.
قال محمد بن عبد الله بن عبد الرحيم البرقي: ويقال: إنه نزل عليه القرآن
وهو ابن ثلاث وأربعين سنة.
قال مالك: وأقام بمكة عشرا، وبالمدينة عشرا.
قال وفرضت: الصلوات الخمس ليلة الإسراء بمكة، وأتمت الصلاة بالمدينة.
قال مالك: وأقام أبو بكر للناس الحج سنة تسع بعد خروج أبي بكر لإقامة الحج من غير فرض ولكن لإقامة الحج على ما تقدم، ولو كان مفروضا ما أخره رسول الله صلى الله عليه وسلم.
قال مالك: وصرفت القبلة قبل بدر بشهرين.
وقالوا توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الإثنين لاثني عشرة ليلة خلت من شهر ربيه الأول حين اشتد الضحى لإحدى عشرة سنة
خلت من الهجرة، وهو ابن ثلاث وستين سنة، فيما قالت عائشة وابن عباس رضي الله عنهما، وفيما روى مالك عن أنس بن مالك أنه كان ابن ستين سنة.
قال مالك: توفي النبي صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وعمر ابنا ستين سنة.
[فصل 2 - في صفاته] قال مالك: قال أنس بن مالك: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ليس بالطويل البائن، ولا بالقصير، وليس بالأبيض الأمهق ولا بالأدم، وليس بالجعد القطط، ولا
بالسبط، بعثه الله عز وجل على رأس أربعين سنة، وتوفاه الله عز وجل على رأس ستين سنة، وليس في رأسه ولحيته عشرون شعرة بيضاء.
[فصل 3 - في ذكر أولاده] وقالوا: مات صلى الله عليه وسلم ولم يخلف من ولده غير فاطمة رضي الله عنها، وكان جميع ولده ثمانية، ويقال: سبعة، فالذكور منهم القاسم وبه كان صلى الله عليه وسلم يكنى، والطاهر والطيب وإبراهيم، ويقال: أن الطاهر هو الطيب، ويقال: هو عبد الله، وبناته:
زينب ورقية وأم كلثوم وفاطمة رضي الله عنهم أجمعين.
وولده كلهم من خديجة بنت خويلد إلا إبراهيم فإنه من مارية القبطية مات وهو ابن ثمانية عشر شهرا، ويقال: ستة عشر شهرا، وبناته كلهن أدركن الإسلام وهاجرن، وكانت زينب تحت أبي العاص بن الربيع زوجها إياه النبي
صلى الله عليه وسلم قبل أن ينزل عليه الوحي، وأسلم أبو العاص زوجها بعدها، وتوفيت سنة ثمان، وتوفي أبو العاص في ذي الحجة سنة اثني عشرة.
وأما رقية وأم كلثوم فتزوجهما عثمان بن عفان رضي الله عنه، فتوفيت رقية في خروج النبي صلى الله عليه وسلم إلى بدر.
قال أسامة بن زيد: خلفني رسول الله صلى الله عليه وسلم مع عثمان عليها.
ثم تزوج بعدها أم كلثوم، ويقال: توفيت أم كلثوم سنة تسع.
وتزوج علي فاطمة سنة اثنتين من الهجرة، فولدت له الحسن والحسين، وتوفيت بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم بستة أشهر.
[فصل 4 - في ذكر زوجاته] وتزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم أربع عشرة امرأة كلهن من العرب إلا صفية، وتوفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وعنده من زوجاته تسع: عائشة بنت أبي بكر الصديق، وحفصة بنت عمر بن الخطاب، وسودة بنت زمعة العامري، وأم سلمة بنت أبي أمية بن المغيرة المخزومية، وجويرية ويقال: برة وهي بنت أم حبيبة بنت أبي سفيان بن حرب الأموية هؤلاء قرشيات.
ومن قيس ميمونة بنت الحارث الهلالية أخت أم الفضل امرأة العباس بن عبد المطلب، وزينب بنت جحش الأسدية أسد خزيمة، وجويرية بنت الحارث ابن أبي ضرار الخزاعي، وصفية بنت حيي بن أخطب الإسرائيلية.
وأول زوجاته خديجة بنت خويلد تزوجها وهو ابن خمس وعشرين سنة، وتوفيت بمكة قبل مخرجه إلى المدينة بثلاث سنين، وتزوج عائشة بمكة وهي بنت ست سنين، وقيل سبع سنين، وأدخلت عليه بنت تسع سنين بعد مقدمه المدينة بثمانية
أشهر، ومكثت عنده تسع سنين، ثم مات صلى الله عليه وسلم وعاشت بعده ثمانية وأربعين سنة، وتوفيت في شهر رمضان سنة ثمان وخمسين سنة.
ومات من أزواجه قبله خديجة وزينب.
ولم يدخل بالعامرية، ولا بالتي تزوج من كندة حتى فارقهما صلى الله عليه وسلم.
وفارق العالية بنت ظبيان بعد أن جمعها إليه.
وتسرر مارية القبطية، وريحانة بنت زيد وهي من بني قريظة، ثم أعتقها فلحقت بأهلها، وقيل: إنه تزوجها ثم طلقها، وقيل: أنه مات عنها وهي زوجة له.
قال ابن حبيب: وتزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم فاطمة بنت الضحاك بن سفيان
الكلابية من قيس، وقد بنى بها.
واللائي لم يبن بهن: مليكة بنت داود الليثية، وأسماء بنت الحارث، وامرأة من بني كلاب، وليلى بنت الخطيم الأنصارية.
فصل [5 - في نسبه]
ونسب النبي صلى الله عليه وسلم: محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف من قصي بن كلاب بن مرة بن كعب من لؤي بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان.
وأمه آمنة بنت وهب بن عبد مناف بن زهرة بن كلاب بن مرة.
[فصل 6 - في ذكر سيرة مختصرة عن العشرة المبشرة]
واسم أبي بكر الصديق رضي الله عنه: عبد الله بن عثمان بن عامر بن عمرو بن كعب بن سعد بن تميم بن مرة، ويقال: عتيق بن عثمان.
وتوفي أبو بكر لثمان بقين من جمادى الآخرة يوم الإثنين سنة ثلاث عشرة، وكانت خلافته: سنتين وأربعة أشهر إلا عشر ليال.
واستخلف أبو بكر: عمر رضي الله عنهما وهو: عمر بن الخطاب بن نفيل بن عبد العزى بن عبد الله بن قرط بن رباح بن رزاخ بن عدي بن كعب بن لؤي بن غالب، ويقال: عبد العزى بن رباح بن عبد الله بن قراط بن رزاخ.
وقتل عمر رضي الله عنه في ذي الحجة سنة ثلاث وعشرين.
قال مالك: طعنه أبو لؤلؤة غلام نصراني للمغيرة عند صلاة الصبح قبل أن يدخل
في الصلاة, فصلى بهم: عبد الرحمن بن عوف بأمره.
ويقال: كانت خلافته: عشر سنين وخمسة أشهر وتسعة عشر يوما.
ويقال: مات أبو بكر وعمر وهما ابنا ثلاث وستين سنة، ويقال: توفي عمر ابن خمس وخمسين سنة.
ومات عمر وقد جعلها شورى إلى ستة نفر وهم: عثمان وعلي وطلحة والزبير وعبد الرحمن بن عوف وسعد بن أبي وقاص، فاجتمعوا على خلافة عثمان.
وهو عثمان بن عفان بن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف، يكنى: أبا عمر، ويقال: أبا عبد الله.
وكانت خلافته: اثنتي عشرة سنة، ويقال: إلا اثني عشرة ليلة.
وقتل رضي الله عنه سنة خمس وثلاثين، وهو ابن تسعين سنة، ويقال: ثمان وثمانين سنة، ويقال: ست وثمانون سنة.
ودفن ليلا، وصلى عليه: جبير بن مطعم.
ثم بويع علي رضي الله عنه بالخلافة.
وهو: علي بن أبي طالب بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف.
وملك رضي الله عنه العراق على رأس ستة أشهر من مقتل عثمان، ويقال كانت خلافته: خمس سنين إلا ثلاثة أشهر.
وأصيب غداة الجمعة لتسع عشر ليلة مضت من شهر رمضان، ومات رضي الله عنه ليلة الأحد لتسع بقين من شهر رمضان سنة أربعين، وهو ابن سبع وخمسين سنة، ويقال: ابن ثمان وخمسين.
وروى شعبة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "الخلافة ثلاثون سنة، ثم تكون ملكا".
وكانت الجماعة على معاوية سنة أربعين.
وطلحة بن عبيد الله بن عثمان بن عامر بن كعب بن سعد بن تميم بن مرة، قتل يوم الجمعة سنة ست وثلاثين، أصابه سهم فقطع من رجله عرق النساء فشج حتى نزف فمات، يقال: ابن خمس وسبعين سنة.
وعبد الرحمن بن عوف بن الحارث بن زهرة بن كلاب، يكنى: أبا محمد، توفي بالمدينة سنة اثنتين وثلاثين.
والزبير بن العوام بن خويلد بن أسد بن عبد العزى بن قصي بن كلاب، يكنى: أبا عبد الله، قتل يوم الجمل وهو منصرف في جمادى الأولى، ويقال: في رجب سنة
ست وثلاثين، قتله: ابن جرموز من بني تميم، وهو ابن أربع وستين سنة.
وقال له علي بن أبي طالب رضي الله عنهما: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "بشر قاتل ابن صفية بالنار".
وسعد بن أبي وقاص، واسم أبي وقاص: مالك بن أهيب بن عبد مناف بن زهرة بن كلاب من مرة بن كعب، يكنى: أبا إسحاق.
توفي سنة خمس وخمسين، ويقال: سنة ست وخمسين، ويقال أن ابن عمر خرج إليه إلى العقيق أول النهار يوم الجمعة وهو على أربعة أميال من المدينة، وترك الجمعة.
وسعيد بن زيد بن عمر بن نفيل بن عبد العزى بن قرط بن رباح بن رزاي بن عدي، يكنى: أبا الأعور.
توفي سنة إحدى وخمسين، وكان قدم من الشام منصرف إلى النبي صلى الله عليه وسلم من بدر، فضرب له النبي صلى الله عليه وسلم بسهمه وأجره.
وأبو عبيدة بن الجراح، اسمه: عامر بن عبد الله بن الجراح بن هلال بن أهيب بن ضبة بن الحارث بن فهر.
توفي بالشام بالأردن سنة ثماني عشر من التاريخ.
[الباب التاسع]
باب في فضل المدينة، وذكر القبر والمنبر والمسجد والكعبة
[فصل 1 - في فضل المدينة]
قال مالك رضي الله عنه: اختار الله سبحانه لرسوله صلى الله عليه وسلم المدينة لمحياه ومماته، وافتتحت القرى كلها بالسيف حتى مكة، وافتتحت المدينة بالقرآن.
قال مالك: ولو علم عمر موضعا أفضل منها لم يدع الله أن يدفن فيها.
قال مالك: وبها حدث رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبها آثاره ومنبره، ومنها يحشر خيار الناس.
وقد بارك فيها النبي صلى الله عليه وسلم في مدهم وفي صاعهم.
ورغب في سكانها، والصبر على لأولئها وشدتها.