[الباب الأول]
جامع البيوع الفاسدة وما يفيتها
[فصل 1 - في بيع الغرر والخطر]
ونهى الرسول صلى الله عليه وسلم عن بيع الغرر، وهذا يشتمل على أشياء كثيرة، ومنه نهيه عن بيع حبل الحبلة وهو نتاج ما تنتج الناقة، قال ابن وهب وغيره، وقد قيل إنه البيع إلى نتاج نتاج الناقة كالأجل المجهول، وروي ذلك عن مالك وابن القاسم.
ونهى صلى الله عليه وسلم عن بيع المضامين، قال مالك: وهو ما في بطنها.
وعن الملاقيح قال
مالك قاله ابن المسيب.
وقال ابن حبيب وغيره أن المضامين ما في بطون الإناث.
قال الراجز: ملقوحة في بطن ناب حائل.
قال ابن حبيب: ومن الغرر ما نهي عليه صلى الله عليه وسلم من بيع الحصاة، كان في الجاهلية تكون حصاة بيد البائع فيقول: إذا سقطت وجب البيع بيني وبينك.
ومنه ما نهى عنه من بيع العربان في البيع والكراء وهو أن ينقده دينارًا ويقول
له إن تم العقد فهو من الثمن وإلا كان لك باطلاً، ولا بأس بالعربان من غير هذا الشرط.
ومعنى العربان أول الشيء وعنفوانه.
[قال] ابن المواز: وكره مالك بيع العشرات التي تزداد في الأعطية، ورواه ابن القاسم وأشهب عن مالك.
قال مالك وغيره: فكل بيع دخله غرر أو مجهول من ثمن أو مثمون أو في أجل فلا يجوز.
ولما لم يكن قبض المبتاع في البيع الفاسد على الأمانة كان لما قبض ضامنًا، فكل من جعل له التوا جعل له النماء وأوجب عليه القيمة عدلاً بين النقص والزيادة.
[فصل 2 - الحكم في البيع الفاسد وذكر ما تفوت به السلع]
ومن المدونة: قال مالك: ويرد الحرام البين فات أو لم يفت، وإن كان مما كرهه الناس رد إلا أن يفوت فيترك.
قال ابن المواز عن ابن القاسم: مثل من أسلم في حائط بعينه وقد أزهى، ويشترط أخذه ثمرًا فيفوت بالقبض.
قال بن القاسم في كتاب بيع الخيار: وأكره لمن باع ثمر نخلة واستثنى تمر أربع نخلات يختارها، فإن نزل أمضيته لقول مالك فيه.
وقال في الأكرية فيمن اكترى بثوب وشرط حبسه يومين أو ثلاثة لا لتوثق ولا لانتفاع أكرهه، فإن نزل أمضيته.
ومن البيوع ما لا يمضي لشرط فيه أو كذب، فإذا تركه مشترطه جاز، فإذا فات قبل العلم به قضي لطالب الفضل بما هو أفضل من قيمة أو ثمن، وذلك مفسر في موضعه.
فمنه بيع الكذب في المرابحة وبيع سلف، قال ابن المواز: والبيع على أن تتخذ الأمة أم ولد على أن لا يخرجها من البلد [قال] ابن المواز: وهو قول ابن القاسم.
وروى أشهب أنه يفسخ في شرط الاتخاذ والخروج من البلد.
ومنها ما يكون أن يبتدياه فإن وقع جاز البيع وبطل الشرط كالبيع إن لم يأت بالثمن إلى ثلاثة أيام فلا بيع بينهما.
م ومعنى قول مالك يرد الحرام البين فات او لم يفت.
يريد يرد بيعه، فإن كان قائمًا رد عين المبيع، وإن فات ترد قيمته ورجع بثمنه.
قال ابن القاسم: وما فسد من البيع لفساد عقده أو لفساد ثمنه فلا بد من فسخه.
قال ابن عبدوس: فما فسد لثمنه ففات رد إلى قيمته وما فسد لفساد عقده كبيع يوم الجمعة - يريد بعد الأذان يوم الجمعة - وبيع الولد دون أمه ففات، فإنه يمضي بالثمن المسمى كالنكاح الذي فساده في عقده ففيه المسمى، والذي فساده في صداقه ففيه صداق المثل.
م وقوله فيما فسد لعقده إذا فات يمضي بالثمن خلافًا لقول ابن القاسم وأشهب، وذلك أن ابن القاسم يقول في البيع يقع يوم الجمعة في الوقت المنهي عنه إذا فات، ففيه القيمة حين القبض/ وقال أشهب بل فيه القيمة بعد فراغ صلاة الجمعة في وقت يجوز
فيه البيع فاعلمه.
قال ابن القاسم: وكل بيع انعقد فاسدًا فضمان السلعة فيه من البائع حتى يقبضها المبتاع، وكل ما كان من حرام بين قفسخ على المبتاع رد السلعة بعينها، فإن فاتت بيده رد القيمة فيما له قيمة، والمثل فيما له مثل من موزون أو مكيل من طعام أو عرض، وجزاف الطعام كالعروض فيه القيمة، والقيمة فيما ذكرناه يوم قبضها لا يوم البيع، ويرد المثل بموضع قبضه.
ومن المدونة: قال مالك: والفوت مختلف.
فالرفيق يفيته العتق والكتابة والتدبير والولادة، قال ابن المواز: والطء فقط.
م حكي عن بعض شيوخنا: وإنما كان وطء الأمة فوتا إذا لا بد فيها من تالمواضعة لاستبرائها فيطول الأمر في ذلك، وطول الزمان يفيت الحيوان، إذ لا تبقى على حاله.
ويفيت الحيوان والثياب ونحوها من العروض النماء والنقص في سوق أو بدن والعيب يحدث، والبيع والهبة والصدقة، ويفيت الدور والأرضين البيع والهبة والصدقة أيضًا والبناء والهدم والغرس.
م قال ابن المواز: ولا يفيتها الزرع فيها، وإن فسخ البيع في إبان الزراعة لم يقلع، وعليه كراء المثل كالزارع لشبهة، وإن فسخ الإبان فلا كراء عليه، وإذا كانت أصولاً فأثمرت عند المبتاع ففسخ البيع وقد طابت الثمرة فهي للمبتاع جدت أو لم تجد وإن لم تطب فهي للبائع وعليه للمبتاع ما أنفق.
وأما الغراس في الأرض ففي العتبية قال أصبغ: إذا اشترى أرضًا بيعًا فاسدًا فغرس حولها شجرًا أحاطت بها وعظمت فيها المؤنة، وبقي أكثرها بياض، فذلك
فوت، وتجب فيها القيمة، وإن كان إنما غرس ناحية منها وبقى جلها رد منها ما بقي وعليه فيما غرس القيمة، وإن كان إنما غرس يسيرًا لا بال له رد جميعًا، وكان للغارس على البائع قيمة غرسه.
[فصل 3 - الدور والأرضون لا يفيتها حواله سوق أو طول زمان]
ومن المدونة قال ابن القاسم: ولا يفيت الدور والارضين حوالة الأسواق أو طول زمان.
[قال] ابن المواز: قال أشهب: حوالة الأسواق في الدور فوت، وقاله اصبغ في كتاب ابن حبيب، وقال في كتاب محمد: وطول الزمان مثل عشرين سنة فيها فوت.
م قيل إنما فرق ابن القاسم بين الربع وبين العروض ونحوها في حوالة الأسواق، فلم يجعله في الربع فوت؛ لأن الأغلب في الربع إنما يشتري للقنية لا للتجارة، ةلا سةق له كالسلع والحيوان فلم يكن التأثير في ثمنه فوتًا، وغيره من العروض والحيوان الأغلب فيه إنما يشتري للتجارة وطلب النماء فيها فكان التأثير في أثمانها مفيتًا لها.
م وبلغني أن فضل ابن سلمة روى أن ابن وهب يقول: حوالة الأسواق في كل شيء فوت، كان مما يكال أو يوزن أم لا، ويجب فيه القيمة.
ووجه هذا القول: كأنه رأى أن لا فرق بين عين الثوب إذا حال سوقه وبين مثل المكيل والموزون إذا حال سوقه أو ذهبت عينه، فكما ليس له أن يرجع في عين ثوبه وإنما له قيمته، فكذلك
لا يرجع في عين قمحه إذا حال سوقه؛ لأنه عرض مثمون حال سوقه كالثوب، فوجب أن يرجع بقيمته، فإذا ذهبي عين قمحه كان أحرى أن يرجع بقيمته؛ لأن مثل الشيء ليس هو كعينه على الحقيقة، وكذلك إذا حال سوقه؛ لأنه صار ليس كعين شيئه.
ووجه قول مالك وغيره أنهم لما اتفقوا أن ذهاب عين غير المكيل والموزون في التعدي يوجب قيمته، وذهاب عين المكيل والموزون يوجب مثله، واتفقوا أن حوالة الأسواق في البيع الفاسد في السلع كذهاب أعيانها، وجب أن يكون إذا حال سوق عين المكيل والموزون أن تكون فيه قيمته كذهاب عينه، وأن تكون أيضًا حوالة سوق المكيل/ والموزون كذهاب عينه، وذهاب عينه إنما فيه مثله، فوجب إذا حال سوقه أن يرده بعينه فهو أقرب من رد مثله، وهذا بين وبه أقول.
م وإنما أوجبنا القيمة في حوالة الأسواق بزيادة أو نقصان لأن ذلك عدل بين المتبايعين، فكما لم يكن للبائع أن يأخذها إذا زادت، فكذلك لم يكن للمبتاع أن يردها عليها إذا نقصت، وكما أن هلاكها من المبتاع، فكذلك تكون له زيادتها؛ لأن من عليه التوى له النماء، وهذا أصلهم وبالله التوفيق.
فصل [4 - الحكم في بيع السلعة الفاسدة إذا زال سبب فواتها]
ومن المدونة قال ابن القاسم: وإذا تغير سوق السلعة ثم عاد لهيئته فقد وجبت له القيمة - وكذلك أن ولدت الأمة ثم مات الولد - وأما إن باعها ثم رجعت إليه بعيب أو
شراء أو هبه أو ميراث، أو كاتبها ثم عجزت بعد أيام يسيرة، فله الرد إلا أن يتغير سوقها قبل رجوعها إليه، فذلك فوت، وإن عاد لهيئته أو مضى للأمة نحو الشهر فلا بد أن تتغير في بدنها أو سوقها وأشهب يفيتها بعقد البيع والكتابة وإن رجعت إليه
بقرب ذلك، كحوالة الآسواق.
م وإنما فرق ابن القاسم بين حوالة الأسواق وبين البيع في رجوعها إليه لأن حوالة الأسواق ليس من فعله ولا صنع له فيها، فلا تهمة تلحقه فيه، والبيع من فعله وسببه فيتم أن يكون أظهر البيع ليفيتها به فيتم له البيع الحرام وهي لم تخرج عن ملكه، كقوله فيمن حلف بحرية عبده إن كلم فلانًا فباعه ثم اشتراه أن اليمين باقية عليه للتهمة في ذلك، لكن أضعف قوله إذا عادت إليه بميراث، فكان ينبغي أن لا يتهم في ذلك.
وذكر أن أبا عمران عاب هذا التفريق وقال: إنما الفرق في ذلك أنه إذا باعها، فإنما منع من نقض البيع اليد الحائلة بين المشتري وبين السلعة، فإذا ارتفع المانع بوجه وجب نقض البيع إذا لم يجر في خلال ذلك مظلمة على أحد المتابعين، بل السلعة كما هي على الحال الأول، وأما إذا حالت الأسواق فقد صارت كأنها غير السلعة للزيادة أو النقصان الحادث فيها، وأما البيع فلم يغيرها عن حالها الأول
فحكم ذلك مفترق.
وذكر عن ابن القابسي أنه قال: إن الأسواق إذا حالت ثم رجعت لم ترجع إلى ذلك السوق بعينه وإنما رجعت إلى سوق مثله، وإذا باعها ثم رجعت إلي فقد عادت على الملك بنفسه.
م وقول أشهب أن حوالة الأسواق والبيع سواء هو أقيس وبالله التوفيق.
وقال بعض شيوخنا القرويين: كان ينبغي على قول أشهب إذا ردت ليه بعيب أن ترد لأن البيع الذي كان قد انتفض وكأنه لم يكن؛ لن الرد بالعيب نقض بيع، ولكنه لما كان لو أقيم عليه حين باع لم يقدر على الرد ولزمته القيمة لم يكن له بعد ذلك سبيل إلى الرد.
قال: ويلزم على قياس قوله لو بعث بها إلى موضع أو سافر هو بها ثم قدم أو مرض العين المشتري ثم صح أو دخله عيب ثم زال أن لا يرد؛ لأنه قد مر به وقت لا يقدر على رده، وأعاب قول ابن القاسم إذا باعه ثم اشتراه أن له رده إذا لم يتغير سوقه.
قال: وكيف ذلك وقد افاته من يده ببيع صحيح، واشتراؤه لا ينقض بيعه؛ لأن عهدته على هذا البائع منه؛ ولأنه لو اشتراه بأقل مما باعه منه ثم رده بالبيع الفاسد لم يكن للبائع منه أن يرجع عليه بتمام ثمنه، وفي مسألة العيب يرجع عليه بتمام
ثمنه لانتقاض البيع أولاً ترى أنهم قالوا فيمن/ اشترى عبدًا بثمن إلى أجل ثم باعه من آخر بثمن نقدًا ثم اشتراه منه ثم فليس المشتري لم يكن البائع الأول أحق به؛ لأن هذه عهدة كان خرج منها بالبيع ثم بالشراء، فإذا لم يجعل البائع الأول أحق به في التفليس، لاختلاف العهدة فينبغي أن لا يرده في البيع الفاسد على البائع منه إذا باعه بيعًا صحيحًا ثم رجع إليه ببيع آخر؛ لأن هذه عهدة غير الأولى.
م وإنما قال ابن القاسم في الهبة للثواب إذا باعها الموهوب قيل أن يثيب عليها ثم رجعت إليه، أن القيمة قد لزمته، وفرق بينها وبين مسألة البيع الفاسد من أجل أن الموهوب له أن يلتزم الهبة بقيمتها وإن لم تفت، فلما بسط يده فيها بالبيع كان ذلك اختيارًا منه للقيمة، والبيع الفاسد هما مغلوبان على فسخه، فإذا رجعت إليه فسخ للتهمة على إجازته إلا يكون قد تراجعا إلى القيمة أو فاتت بشيء من وجوه الفوت فلا ترد وإن رجعت غليه.
قال في كتاب التدليس: ورهن العبد في البيع الفاسد وإجارته فوت إلا أن يقدر على افتكاكه من الراهن لملائه او يقدر على فسخ الإجازة، وقال أشهب: إذا رهنه فقد لزمته القيمة.
قال ابن المواز: ومن اتباع حليًا بيعًا فاسدًا، فإن كان جزافًا فاتته حوالة الأسواق وليرد قيمته، وإن كان على الوزن لم يفيته ذلك ورد مثله.
فصل [5 - فيمن باع دارًا بيعًا حرامًا ثم علم البائع بفساد البيع]
ومن العتبية: قال ابن القاسم: فيمن باع دارًا بيعًا حرامًا ثم علم البائع بفساد البيع فيقوم على المشتري ليفسخه قبل فواتها فيفوت المبتاع الدار حينذ بصدقة أو بيع أو يكون عبدًا فيعتقه بعد قيام البائع، فأما الصدقة والبيع فليس بجائز بعد قيام البائع وأما العتق فأراه فوتًا لحرمته.
فصل [6 - في بيع جارية بجاريتين غير موصوفتين وفوات الجارية بعيب ونحوه]
ومن المدونة: قال ابن القاسم: ولا يجوز أن يبتاع جارية بجاريتين غير موصوفتين ويرد ذلك، فغن فاتت الجارية عندك بعيب أو نقص سوق لزمتك قيمتها يوم القبض، وليس لبائعها منك أخذها مع ما نقصها، ولا أخذها بغير شيء تأخذه لنقصها، كما ليس لك ردها عليه مع ما نقصها من عيب ولا بعد زيادتها في سوق أو بدون إذا لم يقبلها البائع الأول إلا أن يجتمعا في جميع ما ذكرنا.
قال ابن المواز: وبعد معرفتهما بالقيمة التي لزمت المبتاع بتغيرها.
قال بعض شيوخنا: إنما يصح هذا إذا كانت الجارية وخشا لا تتواضع فأما التي فيها المواضعة فلا يجواز تراضيهما فيها بما وصفنا؛ لأن القيمة دين على المشتري؛ اخذ البائع فيها جارية فيها مواضعة، فهو فسخ الدين في الدين.
[فصل 7 - في فوات الجارية بالولادة وبيع السلعة إلى أجل مجهول]
ومن المدونة: ولو ولدت هذه الجارية عند المشتري فذلك فوت، وكذلك قال مالك: إذا ولدت الجارية في البيع الحرام فهو فوت، ثم إن مات الولد فليس له ردها كانت من المرتفعات أو من الوخش؛ لأن القيمة قد وجبت وليس ما ذكرنا من حوالة سوق أو بدن أو ولادة يفيت الرد بالعيب في البيع الصحيح، وإن كان عيبًا مفسدًا ردها وما نقصها ولا شيء عليه في العيب الخفيف ولا يفيت ردها.
والفرق أن بيع الحرام دخل فيه المتبايعان بمعنى واحد فليس للمبتاع رده في النقص كما ليس للبائع أخذه في الزيادة، والعيب في البيع الصحيح سببه من عند البائع خاصة، فالحجة للمبتاع في الرد.
قال مالك: ولا يجوز بيع سلعة بثمن إلى أجل مجهول، فإن نزل لم يكن للبائع تعجيل النقد لإجازة البيع؛ لأنه عقد فاسد وللبائع أخذها أو قيمتها في الفوت.
[قال] محمد: وإذا حال سوق/ السلعة أو تغيرت بيد البائع وهي حيوان أو عرض ثم قبضها المبتاع وفاتت عنده فإنما عليه قيمتها يوم قبضها، وقال أشهب: إلا أن يكون نقد ثمنها ومكن من قبضها فتركها فعليه قيمتها يوم مكن من قبضها أو نقد ثمنها.
وإذا كان في الأمة مواضعة فإنما يلزم المبتاع قيمتها بعد الاستبراء وكذلك تعتبر قيمتها في البيع الصحيح ترد فيه بعيب وقد فاتت بيد المبتاع بعيب مفسد، فإنما
يغرم قيمتها يوم خرجت من الاستبراء، لأنه من يومئذ ضمنها وإن لم يقبضها في البيع الصحيح، وأما في البيع الفاسد فيوم قبضها وبعد خروجها من الاستبراء.
قال بعض القرويين: فإذا وجبت القيمة في البيع الفاسد، فأجرة المقوم في ذلك إن كان لا يقوم إلا بأجرة عليهما جميعًا؛ لأنهما دخل في البيع بمعنى واحد.
[الباب الثاني]
ما يحل ويحرم من بيع التمر والقرط والقصيل واشتراط خلفته
[الفصل 1 - في بيع الثمار قبل بدو صلاحها]
ونهى الرسول صلى الله عليه وسلم عن بيع الثمار حتى يبدو صلاحها وحتى تزهي، قيل وما تزهي يا رسول الله، قال (حتى تحمر) وقال: (لايباع الحب في سنبله حتى يبيض).
قال ابن القاسم: وحد ذلك في الحب غناه عن الماء حتى لا ينفعه السقي، وقيل حده: أن يفرك، ولم يأخذ مالك به، وهذا موعب في كتاب السلم.
قال عبد الوهاب: بيع الثمار قبل بدو صلاحها على ثلاثة أوجه:
على الجد أو على التبقية أو مطلقًا لا شرط فيه، فأما على الجد فيجوز بإجماع.
وأما على التبقية فلا يجوز بإجماع، وأما مطلقًا فلا يجوز عندنا خلافًا لأبي حنيفة.
ودليلنا: قوله تعالى} وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا ﴿[البقرة: 275]، ونهيه صلى الله عليه وسلم عن بيع الثمار قبل بدو صلاحها والعنب حتى يسود والحب حتى يشتد، والنهي يقتضي فساد البيع، قال: وبيع الثمار بعد بدو صلاحها على هذه الثلاثة الأوجه جائز، وقال أبو حنيفة لا يجوز بيعها على التبقية.
ودليلنا قوله تعال﴾ وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا {ونهيه صلى الله عليه وسلم عن بيع الثمرة حتى يبدو صلاحها، فأطلق، ولأن بيعها مطلقًا جائز باتفاق، وهو معرض للتبقية.
ودليله قوله صلى الله عليه وسلم (أرأيت أن منع الله الثمرة فبم يأخذ أحدكم مال أخيه) ومنع الثمرة ذهابها بجائحة وذلك إنما يتقى باستدامة تبقيتها.
ومن الواضحة قال ابن حبيب: وثمر النخل يكون سبع درجات، فأوله طلع ثم ينفلح الجف عنه ويبيض فيكون إغريضًا ثم يذهب عنه بياض الإغريض
ويعظم حبه وتعلوه خضرة فيكون بلحًا ثم تعلو الخضرة حمرة وهو الزهو ثم يصير صفرة فيكون بسرًا ثم تعلو الصفرة دكنة ويلين ويستنضج فيكون رطبًا ثم ييبس فيكون تمرًا.
وقوله صلى الله عليه وسلم حتى تزهي وحتى يبدو صلاحها وحتى تنجو من العاهة كله بمعنى واحد، وقول زيد حتى تطلع الثريا؛ لأنها تطلع في نصف مايو وهو وقت تؤمن العاهات على الثمار وتحمر وتصفر.
ومن كتاب ابن المواز: وإذا أزهى في الحائط نخلة أو دالية بيع جميع ذلك ما لم تكن باكورة.
قال مالك: وإذا عجل زهو الحائط جاز بيعه.
وإذا أزهت الحوائط حوله ولم يزه هو جاز بيعه.
[قال] ابن القاسم: وأحب إلي حتى يزهو هو.
[قال] ابن حبيب: وقاله مطرف وهو أحب إلي، والأول القياس؛ لأنه لو ملك ما حواله جاز بيعها بازهاء بعضها إلا أن يتفاحش تباعد بعضها من بعض.
ومن المدونة: قال مالك: ومن اشترى/ تمرًا لم يزه - يريد على أن يجده فجده قبل إزهائه - فالبيع جائز إذا لم يكن شرط تركه إلى إزهائه، وإن اشتراه قبل بدو صلاحه فتركه حتى أرطب أو أتمر فيجده، فليرد قيمة الرطب يوم جده، يريد ولو كان قائمًا لرده بعينه، ولو فات، والإبان قائم وعلم وزنه أو كيله رد مثله.
قال ابن القاسم: ويرد مكيلة التمر إن جده تمرًا - يريد إذا فات ذلك عنده أيضاَ - وإن كان قائمًا رده بعينه.
قال أبو محمد: انظر قد قال ابن المواز في جزاف الطعام إنما عليه قيمته إن حال سوقه، ولم يقل إن عرف المكيلة أدى المكيلة.
م والذي جرى هاهنا إن عرف المكيلة ردها، وأصل بيعه جزاف، فلعله يريد إنما تكون عليه قيمته إذا فاتت عينه ولم يعد كيله، وأما لو علم كيله فليرد مثل المكيلة ولا يكون اختلاف قول، ورد المكيلة أعدل والله أعلم.
قال في غير المدونة: وسواء تركه بهرب أو لدد أو غير ذلك حتى أرطب أو أتمر، فإنه لا يجوز ويفسخ ويرد قيمة الرطب أو مكيلة التمر كما ذكرنا.
م وقيل غير هذا إذا تعمد بتركه أن يحرم ذلك ويلزمه.
فصل [2 - فيمن ابتاع نخلاً وفيها ثمر مأبور من اشترى ثمرًا قبل بدو صلاحه على الجد ثم اشترى الأصل]
ومن كتاب ابن المواز: ومن ابتاع نخلاً وفيها ثمر مأبور فله شراء ثمرها بعد ذلك، واختلف فيه قول مالك، وفي شراء مال العبد بعد الصفقة.
قال مالك: ولو اشترى الثمرة أو زرعًا قبل أن يبدو صلاحه على الجد أو القصل، ثم اشترى الأصل أو الأرض بعده، فله أن يقر ذلك، ولو عقد البيع الأول على أن يقره ثم اشترى الأصل فالبيع فاسد - يريد ويثبت شراء الأصل - ثم أن اشترى ذلك قبل طيبه فذلك له، وقال كله ابن القاسم في العتبية وزاد: ولو اشترى الثمرة على الفساد ثم ورث الأصل من البائع فلا بأس أن يقر ذلك.
م ولو كان إنما اشترى الثمرة أو الزرع قبل الإبار على أن يقره ثم اشترى الأصل أو الأرض بعد ذلك قبل الإبار فليفسخ البيع الأول والثاني؛ لأنه يصير كأنه اشترى الأصل، واستثنى البائع الثمرة قبل الإبار ولو لم تفسخ البيعتان حتى أزهت الثمرة وقد قبضها المشتري مع الأصل فالثمرة للمشترى ويكون عليه قيمتها يوم قبض الأصل ويرد الأصل إلى ربه، ولو اشترى الأصل بعد الإبار فليفسخ بيع الثمرة وترجع إلى ربها ويثبت بيع الأصل، ولو لم يفسخ حتى أزهت في شجر المشتري فهي للمشتري ويكون عليه قيمتها يوم اشترى الأصل على الرجاء والخوف، ولو كان إنما اشترى الأصل بعد زهو الثمرة في شجر البائع، فالثمرة للبائع وعليه للمشتري أجر علاجه.
واختلف إن جدها المشتري هل له أجر جداده أم لا؟
[قال] ابن حبيب: إذا اشترى الثمرة أو الزرع قبل بدو صلاحه على القطع ثم اشترى الأرض فأقره فيها ثم استحقت الأرض قبل استحصاده أو بعد، فإنه يفسخ البيع في الثمرة وإن وجدت وفي الزرع وإن حصد، كمن ابتاعه على الجد ثم أخره حتى طاب.
ولو ابتاع الأرض بزرعها في صفقة ثم استحقت الأرض خاصة قبل استحصاده انفسخ فيه البيع، وإن كان بعد استحصاده تم فيه البيع وهو للمبتاع، وكذلك في الثمرة في استحقاق الأصل.
وقد قال ابن الحبيب في الدار المكنزاة فيها شجرة يستثنى المكنزاة ثمرها وهو تبع للكراء ثم تستحق الدار إلا موضع الشجرة، أن الثمرة ترد، طابت أو لم تطب؛ لأنه ضمها إلى غير ملكة.
فهذا من قوله يناقض قوله في الأرض تستحق خاصة بعد طياب الثمرة؛ لأنه قال الثمرة للمبتاع فقد تناقض.
م قال بعض شيوخنا القرويين: إذا اشترى الثمرة قبل بدو صلاحها على/ البقاء، فأبقاها حتى أثمرت فضمانها من البائع ما دامت في رؤوس النخل، وإن كان
البائع قد مكنه من قبضها عند ابن القاسم، وينبغي على مذهب أشهب أن يضمنها المشتري، ولابن القاسم مثله.
قال: وإذا فسخ البيع وردت إلى البائع، كان عليه أجر ما سقى المشتري وعالج، وأجر الجداد إن جد، إذ لا يصل البائع إليها إلا بذلك.
قال: ويمكن أن يجري في ذلك اختلافهم في من اشترى ابقا فجعل فيه جعلاً وفسخ البيع ورد على بائعه، ففي كتاب ابن الوزان أن البائع يغرم الجعل، وفي المستخرجة لا يرغم شيئًا لأن الطلب إنما وقع لنفسه، والجداد والسقي أيضًا إنما فعلهما لنفسه.
م وذكر عن أبي القاسم ابن الكتاب أنه قال: إذا اشتراها على البقاء فجدها المشتري قبل بدو صلاحها فعليه للبائع قيمه الثمرة يوم جده بخلاف من استهلك لرجل زرعًا قبل بدو صلاحه، هذا يغرم قيمته على الرجاء والخوف، والفرق أن مشتري الثمرة ربها هو الذي أطلق يده عليها فكأنه أذن له في ذلك، وأيضًا فغن البيع الفاسد أن يضمن المبتاع ما وضع يده عليه يوم وضعها، ألا ترى أن ضمناها قبل الجداد من البائع حتى يجدها، هذا يضمن بجداده، والمتعدي استهلك ما لم يؤذن له فيه.
وقال بعض القرويين أن عليه قيمتها على الرجاء والخوف؛ لأن البائع إنما باعها على البقاء، فصار المشتري كالمتعدي.
م وأنا أقول إن اشترط عليه البائع البقاء؛ لأن قطعها قبل صلاحها يضر بشجره، فجدها قبل بدو صلاحها أن عليه قيمتها على الرجاء والخوف؛ لأنه متعد
في ذلك، وإن كان المشتري اشترط بقاءها في الشجر لانتفاعه بطيابها، فعليه قيمتها يوم جدها؛ لأن شرط البقاء غنما كان لحاجته، والبائع قد أطلق يده فيها.
فصل [3 - في بيع الأصول بثمرها والأرض بزرعها]
ومن كتاب ابن المواز والواضحة قال مالك: إذا أبر أكثر الحائط فالثمرة للبائع وإن أبر أقلها فالثمرة كلها للمبتاع، وإن كان المأبور منتاصفًا أو قريبًا منه، فإن كان المأبور على حدة - قال في الواضحة في نخل دون نخل - فما أبر للبائع وما لم يؤبر فللمبتاع، وإن لم يكن ما أبر على حدته، قال فيس كتاب محمد: لم يجز إلا أن يكون ذلك للمشتري كله.
قال في الواضحة: إذا كان ذلك عامًا في سائر النخل فذلك للبائع.
وفي العتبية قال سحنون عن ابن القاسم: إذا أبر نصفها قيل للبائع أما أن تسلم جميع الثمرة وإلا فسخ البيع، وإن رضي المشتري بالتماسك بما لم يؤبر ورد ما أبر لم يجز.
قال مالك في كتاب محمد: فإذا ألقحت شجر الرمان والعناب والفواكه كذلك فيها كالإبار، واللقاح: أن يثمر الشجر فيسقط منها ما يسقط ويثبت منها ما يثبت، وليس ذلك أن يورد، ولقاح القمح أن يسنبل [ويتحبب] وكذلك في المختصر.
وروى عنه أشهب إذا طلع [الزرع] من الأرض فهو للبائع وهو مذهب المدونة، وسقيه على من يكون له، وأما ما كان حرثًا وبذرًا فللمبتاع.
[فصل 4 - في الصفقة تجمع حلالاً وحرامًا]
ومن المدونة: قال ربيعه وغيره وإذا جمعت صفقة حلالاً وحرامًا فسد جميعها.
قال: ومن البيع الحرام ما يدرك فينقض ومنه ما يفوت فلا ينقض إلا بظلم فيترك، قال الله تعالى} وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لا تَظْلِمُونَ وَلا تُظْلَمُونَ {.
[فصل 5 - في اشتراء القصيل والقرط واشتراط خلفته]
قال مالك: واشتراء القصيل والقرط واشتراط خلفته إنما يجوز ذلك إذا بلغ أن يرعى أو يجز للعلف، ولم يكن في ذلك فساد، فيجوز شراؤه واشتراط الخلفة فيه إن كانت مأمونة لا تخلف، أو يشترط منه جزة أو جزتين إذا لم يشترط أن يتركه حتى يصير حبًا.
قال ابن حبيب/ إنما يجوز اشتراط الخلفة في ذلك كله في بلد السقي لا في بلد المطر إذ ليست فيه بمأمونة، وإذا لم يشترط الخلفة، فإنما له الجزة الأولى، فإن
اشترطها فله ما اخلفت وإن كانت خلفة بعد خلفة كالبقول.
ومن المدونة: قال مالك: وإن اشترط ترك القصيل حتى يصير حبًا لم يجز وفسخ البيع، فإن لم يشترط ولكن غلبه الحب في اشتراط الخلفة وقد جز أو رعى رأسه أو ما قل أو أكثر، قوم ما رعى أو جز بقدر تشاح الناس فيه في وقته.
قال سحنون: فيعرف قيمته وقت الصفقة - يريد على أن يقبض في أوقاته - ويقوم ما كان يرجى من خلفته أو باقيها، ولا يقوم الحب ولا ينظر إلى غزر نبات أوله أو آخره, وإنما ينظر إلى قيمة القصيل في أوقاته كان أوله أغرر أو آخره فتجمع قيمة ما جز مع قيمة ما تحبب فإن كان قيمة ما تحبب قدر ثلث ذلك أو نصفه أو أقل أو أكثر، رد من الثمن بقدر ذلك قل الثمن أو كثر.
[قال] ابن المواز: قال ابن القاسم في القصيل يجاح أن اشترى منه جزة واحدة فلا تقويم فيه وإن اشترط خلفته فإنه يقوم مثل ما ذكرنا في المقاثي وشبهها.
يريد ابن
القاسم وكذلك ما تحبب من القصيل في تقويمه وحسابه.
قال ابن القاسم: ولو اشترى قصيلاً فاستغلاه فاستقال منه فلم يقله، فقال: لا تركته حتى يصير زرعًا، فليرفعه البائع إلى الإمام حتى يأمره بقصله، فإن تراخى حتاتحبب فلا بيع بينهما.
قال أصبغ: ولو قضى عليه الإمام ثم لم يقصله حتى تحبب أو تحبب وهما في الخصومة، فذلك سواء، وقد انتقض البيع.
م إذا كان لا ينفعه القضاء، فما فائدة رفعه.
م وقد قال مالك في كتاب محمد في قوم اشتروا قلادة من ذهب وفيها لؤلؤ على النقد فلم ينقدوا حتى فصلت وتقاوموا اللؤلؤ وباعوا الذهب، فلما وضعوا أرادوا نقض البيع لتأخير النقد.
قال: لا ينتقض ذلك.
وقاله ابن القاسم؛ لأنه إنما باع على النقد ولم يرض بتأخيرهم.
وقال سحنون جيدة.
فكذلك كان ينبغي في هذه المسألة؛ لأنه باع منه على أن يقصله، فإذا طالبه بقصله وبأن أنهما لم يتعاملا على التأخير، ينتقض البيع، وقد أوعبت الحجة في هذا في كتاب الصرف، فأغنى عن إعادتها.
قال ابن القاسم في كتاب محمد: وما غلبه الحب فيه مما يشترط خلفته، فإنه ينتقض بيع باقيه ويرجع بحصته، كان يتعد من المشتري أو بتوان منه، ويقوم بحسب نفاقه في اختلاف أزمنته، فإن تقارب في ذلك كله - وفي الأكرية واللبن
والجوائح مما لا يرغب فيه لدهر دون دهر بالأمر البين - حمل على أنه متفق كله في المحاسبه.
قال في العتبية: في القصيل يباع فيتحبب - يريد ولم يشترط الخلفة، قال: يعدل بالفدادين ويقلس فإن تحبب منه قدر الثلث أو الثلثين وضع بقدره وليس ذلك بالقيمة وإنما يقدر بالقياس والتحري.
قيل: فإن بعضه أجود من بعض؟ قال: يقدر جودة ذلك من رداءته.
م وقال بعض فقهائنا: إنما يقع التقويم إذا غلب الحب في الخلفة وقد جز الرأس كله، وأما إن غلب الحب في الرأس أو في بعضها فليس في ذلك تقويم؛ لأنه إن غلب في جميعه انتقض البيع ورجع بالثمن كله وإن غلب في نصفه سقط عنه نصف الثمن
وفي ثلثه ثلث الثمن.
م يريد لا ما تحبب انفسخ فيه البيع وفي خلفته، ورجع إلى البائع فوجب أن يرجع بحصته قليلاً كان أو كثيرًا بخلاف الجوائح في القليل؛ لأن ما أجيح قد ذهب ولم يحصل للبائع منه شيء، وهذا قد رجع إليه فافترقا.
م وهذا الذي ذكره ظاهره خلاف ما تقدم لابن/ القاسم في العتبية وكتاب محمد والمدونة؛ لأن الذي يظهر من قولهم أنه إذا اشترط الخلفة فتحبب شيء من
الرأس والخلفة فلا بد من التقويم وإن لم يشترط الخلفة لم يكن تقويم كالجوائح في الوجهين.
م والذي أرى إن كانت الخلفة مأمونة تنبت - وإن تحبب الرأس - فلا بد من التقويم تحبب بعض الرأس أو بعض الخلفة وإن كان إذا تحبب شيء من الرأس لم يخلف ما تحبب فلا تقويم فيما تحبب من الرأس؛ لأنه ينفسخ فيه البيع وفي خلفته، وإن تحببت الخلفة فلا بد من التقويم والله أعلم.
فصل [6 - في اشتراء القصيل ونحوه واشتراط تركه إلى أن يبلغ]
ومن المدونة: قال ابن القاسم: ومعنى قول مالك إذا لم يكن في ذلك فساد يريد إذا كان قبل أن يبلغ أن يرعى أو يحصد، قال: وإذا خرج القصيل من الأرض ولم يبلغ أن يرعى أو يحصد، لم يجز عند مالك شراؤه، ويشترط تركه حتى يبلغ أن يرعى أو يحصد.
ولا يجوز شراء قصيل أو قرط أو قضب قد بلغ أن يرعى أو يحصد على أن يتركه مبتاعه حتى يتحبب أو يقضب أو يتركه شهرًا إلا أن يبدأ الآن في قصله فيتأخر شهرًا وهو قائم فيه، وأما تأخيره لزيادة نبات فلا يجوز، وليس كتأخير ما يشترى من تموه نخل أو تين بعد طيبه، إذا نمى يريد في الثمرة حلاوة ونضجًا وقد تناهى
عظمها، والقصيل يزيد نشوزًا، ومنه ما يسقى فيشترط سقيه شهريًا أو أكثر وهو كشراء شيء بعينه يقبض إلى أجل والجائحة فيه من البائع، ولو جاز ذلك لجاز شراؤه بقلاً على أن يترك يرعى أو طلعًا، ويترك حتى يصير بلحًا وإنما يجوز ذلك على القلع، وكذلك صوف الغنم لا يجوز اشتراط تركه إلى تناهيه.
وإن ابتاع بقل الزرع على رعيه مكانه جاز، وإن اشترط سقيه إلى أن يصير قصيلاً لم يجز، وكذلك أن اشترى طلع نخل على أن يجدها جاز، ولو اشترط على رب النخل سقيها حتى تصير بلحًا فيجدها لم يجز، ويجوز لمن اشترى أول جزة من القصيل شراء خلفته بعد ذلك، ولا يجوز ذلك لغيره.
م قال بعض أصحابنا: وإنما يجوز شراء الخلفة بعد الرأس إذا كان مشتري الرأس لم يجزه حتى اشترى الخلفة، وأما إن جز الرأس ثم أراد شراء الخلفة فهو وغيره سواء، لا يجوز له ذلك، لأنه غرر منفرد، والأول قد أضاف إلى الأصل فاستخف؛ لأنه في حين البيع تبع.
[فصل 7 - في اشتراء ما تطعم المقثاة شهرًا وبيع النخل بعد زهو أوله وغير ذلك]
ومن المدونة قال مالك ولا يجوز أن يشتري ما تطعم المقثاة شهرًا لاختلاف الحمل فيها في كثرة الجد وقلته.
قال أبو محمد: وإذا أزهى أوائل التمر وإن قل ما أزهى منه، جاز بيع 1 ذلك كله لتلاحقه.
ومن الواضحة وغيرها لمالك: وكذلك لو أزهت في الحائط كله نخلاً أو كان جنانًا كله تينًا أو كرمًا إلا أن فيه أجناسًا من ذلك التمر أو من التين أو من العنب، فطاب جنس من ذلك أو بعضه فإنه يجوز بذلك بيع جميع الحائط، وإن كان فيه تين وعنب أو أجناس مختلفة فأزهى بعضها فلا يجوز إلا بيع الجنس الذي أزهى دون ما لم يزه من صنف غيره.
قال ابن المواز: قال مالك: فيمن باع ثلاث مائة شجرة تين قد طابت وفيها خمس شجرات شتوية/ أنه لا خير فيه، وكذلك العنب، زأما زرع قد يبس بعضه، وفيه ما لم يبس مما لا خطب له، فلا بأس به.
قال ابن حبيب: وإنما يجوز بيع القثاة والفقوص إذا بلغ، وذلك حين يؤكل فيوجد له طعم لا عند أول ظهوره، وأما البطيخ فليس كذلك، ولكن إذا نحا ناحية البطيخ بالإصفرار واللين والطياب والخربز والموز كذلك، فحينئذ يجوز بيعه مع بقية بطونه.
قال عبد الوهاب: يجوز بيع المقاثي والمباطخ إذا بد صلاح أولها ون لم يظهر ما بعده، خلافًا لأبي حنيفة والشافعي والدليل لقولنا قوله تعالى} وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ {، ولأن الغرر اليسير إذا دعت الحاجة إليه جاز البيع معه، ولو لم يجز البيع في مسألتنا لجملة المقثاة والمبطخة حتى يظهر جميعًا، لأدى ذلك إلى فساد أولها، ولو أفرد البيع فيما بد صلاحه لأدى ذلك إلى اختلاط ما ظهر بما لم يظهر؛ لأن خروجه متتابع فشق التمييز بينهما فجاز بيعه لهذا، وكذلك الورد والياسمين كالمقاثي وأما الموز فلا بد فيه من ضرب الأجل، أو يشتري بطونًا معلومة وكذلك القرط والقضب.
قال: ويجوز بيع الزرع إذا يبس واستغنى عن الماء خلافًا للشافعي، لنهيه صلى الله عليه وسلم عن بيع السنبل حتى يبيض، وروي عن بيع الزرع حتى يبيض.
قال: ويجوز بيع الجوز واللوز والباقلاء في قشرة الأعلى، وقال أبو حنيفة والشافعي لا يجوز.
دليلنا قوله تعالى} وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا} [البقرة:275] ولأنه مأكول في أكمامه من أصل الخلقة، فجاز بيعه كالرمان ولأن الضرورة تؤدي إلى ذلك، وبالناس حاجة إلى بيعه رطبًا وفي نزع قشره فساد له فجاز بيعه كذلك.
قال ابن حبيب: ويجوز بيع الزيتون إذا أسود ونحا ناحية الإسوداد.
قال غيره: وأما ما يطعم بطونًا متوالية فيجوز بيعه بطيب أول بطن منه، وبيع باقي البطون.
فإن قيل: إن الثمرة إنما تزيد منها حلاوة ونضجًا وهذا بطن بعد بطن؟
قيل: ذلك كاتصال خروج لبن الظنر، يحدث كل حين وقد أجاز الله الإجازة على ذلك، والإجازة بيع.
م وكبيع لبن غنم معينة جرافًا شهرًا، وأما بيع البيقر وهو الباكور عندنا بصقليه فلا يجوز بيع البطن الثاني منه بطيب الأول، لانقطاعه منه وتباعد ما بينهما فهو بخلاف المتصل.
[الباب الثالث]
ما يحل ويحرم من شرطين في بيع وهو من بيعتين في بيعه وفي مجهلة الثمن وشرط العتق والتدبير وفي اتخاذ أم ولد
[الفصلٍ 1 - في النهي عن بيعتين في بيعه]
ونهى الرسول صلى الله عليه وسلم عن بيعتين في بيعه، قال مالك: وهو أن يشتري الرجل سلعة بدينار أو بشاة أو يشتريها بعشرة دنانير نقدًا أو بخمسة عشر إلى أجل، وقد وجبت للمشتري بأحد الثمنين إلزامًا فلم يجز، لأنه أن أخذها بخمسة عشر إلى أجل، فكأنه فسخ العشرة التي كان له أن يأخذها بها في هذه الخمسة عشر إلى أجل،,عن أخذها بالعشرة النقد فكأنه دفعها إلى الخمسة عشر إلى أجل؛ لأنه كان له أن يأخذها بذلك.
قال مالك: ولا يجوز على أنها إلى شهر بدينار أو إلى شهرين بدينارين على الإلزام لهما أو لأحدهما.
قال ابن القاسم: وليس للمبتاع تعجيل النقد لأجازة البيع؛ لأنه عقد فاسد، قال مالك: وإن كان على غير إلزام جاز.
قال بعض أصحابنا: وإذا وقع البيع على الإلزام دخله الغرر/ على كل حال والربا في وجه، وذلك إذا كان أحد الثمنين لا يجوز فسخه في الآخر كدينار في اثنين أو في دراهم، فهذا ربا وغرر، وإذا كان بدينار وثوب نحوه فذلك غرر، وكله غير جائز.
فصل [2 - في الجهالة في الثمن أو في السلعة]
ولا يجوز شراء السلعة بمائة مثقال من ذهب وفضة لا يسمي كم من هذا وهذا.
لأنه غرر، وكذلك لا يجوز شراء سلعة بمائة دينار وشراء أخرى بخيار صفقة واحدة، وكذلك لا يجوز شراؤها بمائة دينار وتحلة اليمين الا أن يسموا كم تحلة اليمين فيجوز.
فصل [3 - في الرجل يبتاع العبد على أن يعتقه]
قال مالك: ومن اشترى عبدًا على تعجيل العتق جاز ذلك، قال ابن القاسم: لأن البائع تعجل الشرط بما وضع من الثمن فلم يقع فيه غرر وإنما الغرر لو كان عتقًا مؤجلاً أو تدبيرًا الخوف أن يموت العبد قبل أن يلحقه ذلك.
م حكي عن بعض فقهاء القيروان أنه قال: لم يذكر في هذه المسألة هل نقد الثمن أو لم ينقده، فإن كان معناه أنه نقد وأنه يعتقه على التراخي إن أراد أن يردوه فينبغي أن لا يجوز هذا البيع؛ لأن النقد يصير تارة سلفًا وإن كان لا ينقده وقد فهم القدر الذي يدبر رأيه فيه وذلك يسير، فالبيع جائز وإن كان معناه أنه يعتقه للوقت وبالقرب فهذا أيضًا جائز.
قال: وفي قولهم ما يدل على خلاف هذا؛ لآنه قال: إن مات بالفور لم يكن للبائع رجوع على المشتري بشيء، فمفهوم هذا أنه على التراخي بالعتق.
قال: وإن دخله عيب فالبائع مخير أن شاء أن يرده ولا شيء له من أجل العيب، وإن شاء أمضاه بالثمن، وإن قام مثل الشهر ونحوه وفات بعيب، فإن للبائع الرجوع بما نقص من جهة العتق وإن طال الزمان مثل السنة وشبهها فلا قيام للبائع على المشتري أن لم يفت، ويعد ذلك منه رضي بطرح الشرط، فهذا الكلام يدل على النقد وعلى التراخي في العتق، وهذا في القياس يوجب فساد البيع إلا أن يتأول متأول أن الأمر وقع على التعجيل ثم تأخر الأمر.
م وعلى هذا كان الأمر عندنا، وعليه يدل الكتاب أن المبتاع اشتراه على تعجيل العتق، ألا ترى احتجاج ابن القاسم، قال: لأن البائع تعجل الشرط بما وضع من الثمن فلم يقع فيه غرر وإنما التراخي وقع من المشتري، أو لا ترى أن أشهب يلزمه تعجيل العتق وهو أول قول مالك، ولا يمكن أن يجب عليه العتق إلا أنه اشترط عليه تعجيله، فعلى هذا محمل المسألة والله أعلم.
قال مالك: فإن أبى أن يعتق فإن كان اشترى على إيجاب العتق لزمه العتق، وإن لم يكن على الإيجاب لم يلزمه.
قال ابن القاسم: ويكون للبائع أن يدع العتق ويسلمه إلى مبتاعه بلا شرط أو يرد البيع ويأخذه ما لم يفت، فإن رد البيع بعد إن فات بغير العتق فله القيمة.
يريد له الأكثر من القيمة أو الثمن.
قال ابن القاسم في كتاب محمد والعتيبة: وحوالة الأسواق فأعلى فيه فوت يوجب له ما نقص من الثمن للشرط.
قال أصبغ في العتيبة: وإذا غرم المبتاع ما نقص من الثمن فلا عتق عليه وليصنع به ما شاء، وذلك في فواته بعيب مفسد أو نقص فاحش أو زيادة بيئة، فأما بحوالة سوق أو ما خف من زيادة البدن أو نقص فالمبتاع مخير، أما أن يعتق ولا شيء للبائع أو يرده إلا أن يترك البائع شرطه أو يكون اشتراه على إيجاب العتق.
قال بعض الفقهاء: والصواب أن حوالة الأسواق لا تفيته لأنه بيع جائز وإنما بقيت حوالة الأسواق البياعات الفاسدة أو المكروهة، ومثل الكذب في المرابحة وشبه ذلك فوت، فأما بياعات الشروط الجائزة فلا، وكذلك قال ابن أبي زمنين أنه لا يفيته إلا العيوب المفسدة، والنقص والزيادة البينة، أما التغير الخفيف وحوالة الأسواق فلا، والمشتري بالخيار أما أن يعتق أو يرد إلا أن يشاء البائع إنفاذه له بالثمن الأول، فيلزمه البيع.
قال: وإن فات بموت فليرجع عليه البائع بما وضع له من الثمن إن وضع له شيئًا، وإن لم يضع له شيئًا أو قارب القيمة فلا شئ له، وهذا إذا فرط المشتري في العتق حتى تطاول، وإن لم يفرط ولم يطل ومات في فور البيع وما يكون في مثله النظر فلا شيء على المشتري للبائع مما نقص بشرط العتق.
وحكى لنا عن بعض شيوخنا القرويين أن أصبغ بقول في المشترط عليه أن يتخذ الأمة أم ولد أن حوالة السواق لا تفيتها.
قال: وفي هذا الكتاب ما يدل على أن ذلك يفيتها وهي مسألة البيع والسلف؛ لأن السلف إذا أسقطه مشترطه تم البيع، كإسقاط شرط الاتخاذ فهي مثلها بقيتها حوالة الأسواق والله أعلم.
وقال أشهب في المدونة: إذا اشتري عبدًا على أن يعتقه فله أخذه بذلك ويلزمه العتق.
قال ابن المواز: كان مالك يقول: إذا اشتراه على أن يعتقه فليعتق عليه ثم رجع فقال: لا يعتق عليه إلا أن يشتريه على الإيجاب، والإيجاب أن يشتريه على أنه حر، فهذا يلزمه العتق ولا خيار له فيه ولا رجوع.
[فصل 4 - في الرجل يبتاع الجارية على أن يعتقها
أو يديرها أو يتخذها أم ولد]
قال مالك فيه وفي العتيبة: ومن باع أمة على أن يعتقها فحبسها يطأها ويستخدمها ثم أعتقها بعد ذلك فللبائع أن يرجع عليه بما وضع له من الثمن، وكذلك إن حبسها حتى ماتت أو مات، فإن كان ذلك بعلم البائع ورضاه فلا شي له وقد سقط شرط العتق، ولو قام عليه حين علم فله ردها أو تركها بلا شرط.
ومن المدونة: قال ابن القاسم: وأما إن ابتاعها على أن يعتقها إلى أجل أو يدبرها أو يتخذها أم ولد لم يجز للغرر بموت السيد أو الأمة قبل تمام ذلك، ولحدوث دين يرد التدبير، فإن فاتت المشترط فيها أن تتخذ أم ولد بولد أو عتق أو فاتت المشترط فيها التدبير أو العتق المؤجل بذلك أو غيره فللبائع الأكثر من
قيمتها يوم قبضها أو الثمن، ولا حجة للمبتاع إن كانت القيمة أقل ولا يرجع على البائع بشيء؛ لأنه قد رضي أن يأخذها بذلك الثمن، وإنما الحجة هاهنا للبائع.
ومن كتاب ابن المواز: وروى أشهب عن مالك أنه يفسخ في شرط الاتخاذ أو الخروج من البلد.
قال مالك: ومن باع عبده ممن يدبره لم أحب ذلك، فإن نزل مضى ويرد إلى القيمة يوم قبضه إذا باعه على الإيجاب أنه مدبر.
قال أصبغ: ولو كان على أن يدبره فليس بإيجاب، فإن أدرك قبل التدبير فسخ بيعه.
قال ابن المواز: ولو أخذ مالاً من رجل على أن يدبر عبده فدبره فليرد المال وينفذ التدبير، وكذلك ما أخذ على الاتخاذ ثم اتخذ كما يرجع عليه إن لو باعها على ذلك يرجع عليه بما وضع له.
[فصل 5 - في الشروط المقارنة لعقد البيع]
ومن المدونة: قال مالك ومن باع عبدًا على أن لا يبيع ولا يهب ولا يتصدق لم يجز - يريد إلا أن يطرح البائع شرطه - قاله في كتاب محمد، قال في المدونة: فإن فات بيدك رددت إلى القيمة - يريد الأكثر من الثمن أو القيمة - وقال عمر في الموطأ للذي ابتاع أمة من زوجته على أنه متى باعها كانت أحق بها بالثمن، (لا تقربها وفيها شرط لأحد).
ومن العتيبة: قال ابن القاسم: فيمن باع أرضه أو جاريته ثم استقال مبتاعه، فقال: أخاف أنك إنما رغبت في ثمن فقال: لا، فقال أنا أقيلك على أنك إن بعتها فهي لي بالثمن الأول، فباعها بأكثر منه، فإن علم أنه إنما طلب الإقالة رغبة في الزيادة فهي للمقيل بالثمن الأول، وإن كان لغير ذلك قال في رواية أخرى: أو طال الزمان فبيعه نافذ، كالذي طلب من زوجته وضيعة من صداقها، فقالت أخاف أن تطلقني بعد، فقال: لا أفعل، فوضعته ثم طلقها، فإن كان بقرب ذلك فلها