الجامع لمسائل المدونةصفحات 41-80

للصلاة، وأنتم تجيزون غسل الرجلين واليدين قبل ذلك.
قيل: الفاء عند النحويين إذا جاءت جواباً للشرط لم تكن للتعقيب، وإنما تكون للتعقيب إذا كانت العاطفة، كقولك: "جاءني زيد فعمرو"، وفي الأمر، كقولك إعط زيداً/ فعمراً، وبالله التوفيق.
[فصل-6] ذكر أدلة الفضائل: فأول ذلك أن لا يتوضأ في الخلاء؛ لنهي النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك مخافة الوسواس.
وتحويل الإناء عن يمينه؛ لفعله صلى الله عليه وسلم لذلك؛ ولأنه أمكن لنقل الماء إلى الأعضاء.

والتسمية فضيلة؛ لما روي أنه صلى الله عليه وسلم فعله، وليس له نص في كتاب الله ولا ثبات في سنة نبيه صلى الله عليه وسلم.
فإن قيل: فقد روي ((لا وضوء لمن لم يذكر اسم الله)).
قيل: هذا حديث لم يصح، أوقفه أئمة الحديث ابن حنبل وغيره.
والسواك، لقوله صلى الله عليه وسلم: ((لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك مع كل

وضوء)).
وهو في الموطأ/ وأن يبدأ بالميامن؛ لما روىّ عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال ((إن توضأ أحدكم، فليبدأ بميامنه)).
وأن يبدأ بمقدم رأسه؛ لما روُى أن الرسول صلى الله عليه وسلم فعله.
وتكرار مغسوله؛ فلما روُىّ أنه صلى الله عليه وسلم توضأ مرة مرة، وقال: ((هذا وضوء

لا يقبل الله الصلاة إلا به))، يريد لا تجزئ بأقل منه، ثم توضأ مرتين مرتين وقال: ((من توضأ مثله أوتى أجره مرتين))، ثم توضأ/ ثلاثاً، وقال: ((هذا وضوئي ووضوء الأنبياء قبلي)).
قال الأبهري: فمرة هو الفرض، ومرتان مستحب، وثلاث فضل، فمن توضأ ثلاثا، فقد أتى بالفرض، والاستحباب، والفضل.
وذكر عبد الوهاب في حديث النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال في الوضوء:

((مرة ومرتين وثلاثا، فمن زاد، فقد أساء، وأخطأ)).
قال: وروي أنه صلى الله عليه وسلم قال: الثالثة في الوضوء شرف، والرابعة سرف.
[فصل-7] في توقيت الوضوء وصفته.
قال ابن القاسم: لم يوقت مالك في الوضوء واحدة، ولا اثنتين، ولا ثلاثا، إلا ما أسبغ.
وقد قال الله تعالى: (إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ)، ولم يوقت واحدة من ثلاث.

وقد اختلفت الآثار في التوقيت: فروى مالك في الموطأ أن عبد الله بن زيد بن عاصم، وكان من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وصف وضوء النبي صلى الله عليه وسلم فدعا بوضوء فأفرغ على يديه فغسل يديه مرتين، ثم مضمض واستنثر ثلاثاً، ثم غسل وجهه ثلاثاً، ثم غسل ذراعيه إلى المرفقين مرتين مرتين، ثم مسح رأسه بيديه فأقبل بهما، وأدبر، بأمن مقدم رأسه، ثم ذهب بهما إلى قفاه، ثم ردهما حتى رجع إلى المكان الذي منه بدأ، ثم غسل رجليه.
قال ابن وهب: ((قال مالك وعبد العزيز بن أبي سلمة: أحسن ما سمعنا في ذلك/، وأعمه عندنا في مسح الرأس هذا)).

وروى ابن وهب، وهو في البخاري أن عثمان بن عفان توضأ، فغسل كفيه ثلاث مرات، ثم مضمض واستنشر، ثم غسل وجهه ثلاث مرات ثم غسل يده اليمني إلى المرفق ثلاث مرات، ثم غسل يده اليسري مثل ذلك، ثم مسح برأسه، ثم غسل رجله اليمنى إلى الكعبين ثلاث مرات، ثم غسل اليسرى مثل ذلك، ثم قال: ((رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم توضأ نحو وضوئي هذا، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من توضأ نحو وضوئي هذا، ثم قام فركع ركعتين لا يحدث نفسه غفر له ما تقدم من ذنبه)).
قال ابن شهاب: وكان علماؤنا يقولون هذا الوضوء أسبغ ما توضأ به أحد للصلاة.
وفي صفة ابن عباس لوضوء النبي صلى الله عليه وسلم أنه توضأ مرة مرة، ذكره البخاري أيضاً، وأن عمر بن الخطاب توضأ مرتين مرتين.
أبو محمد: قال ابن عباس: ((الواحدة تجزئ، والاثنتان تسبغان، والثلاث شرف، والأربع سرف)).
البخاري: وقال ابن عمر: إسباغ الوضوء الإنقاء.

قال ابن حبيب: ليس في الوضوء عدد مؤقت، إلا الإسباغ، وإسباغه كماله وإتمام حدده، لا كثرة صب الماء، وأكمله ثلاث، وأدناه واحدة.
قال مالك: ولا أحب الواحدة إلا من العالم بالوضوء، ولا أحب أن ينقص من اثنتين إذا عمتا، ولا يزاد على ثلاث، ولا يزاد في المسح على واحدة، وأما غسل القدمين فلا حد في غسلهما، وينبغي أن يتعاهد عقبيه في وضوئه بالماء.
قال غيره: ويجيد عرك مالا يداخله الماء بسرعة لجسارة برجليه أو عرقوبية أو شقوق برجليه حتى يسبغه؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: ((ويل للأعقاب من النار)).

[باب-2] في غسل اليدين والمضمضة والاستنشاق والاستثار وغسل الوجه والذراعين ومسح الرأس/ وغسل الرجلين

. [فصل-1 - في غسل الكفين قبل إدخالهما في الإناء] من الواضحة وغيرها: نهى النبي صلى الله عليه وسلم المستيقظ من نومه أن يدخل يده في وضوئه حتى يغسلها)).
فقيل: إن ذلك لما لعله قد مس من نجاسة خرجت منه، لا يعلم بها، أو غير نجاسة مما يتقذر، وقيل أيضاً: وقد يكو ذلك؛ لأن أكثرهم كان يستجمر بالحجارة، وقد يمس موضع الأذى.
والله أعلم.
وقال الحسن: معنى ذلك في الجنب من احتلام.

وقال ابن حبيب: ((أو جنب لا يدري ما أصاب يده من ذلك، قال: فإن أدخل هذا يده قبل أن يغسلها أفسد الماء.
ولمالك في المجموعة في إدخال يده في الإناء نحوه.
وقال أيضاً مالك في المجموعة والمختصر في من أدخل يده في الإناء قبل أن يغسلها من جنب، أو حائض، أو من مس فرجه، أو أنثييه في نومه فلا يفسد الماء، وإن كان قليلاً، إلا أن يوقن بنجاسة في يده، ولا ينبغي له ذلك، وإن كانت يده طاهرة، وكذلك من انتقض وضووُه)).
ومن العتبية قال أشهب: استحب مالك للمتوضئ أن يفرغ الماء على يده اليمنى فيغسلها-يريد-ثم يفرغ بها على اليسري/ فيغسلها.
قال عيسى عن ابن القاسم: أحب إلى كما جاء في الحديث: أن يفرغ

على يديه فيغسلها ثلاثا، فإن غسيل يمينه، ثم أدخلها في الإناء أجزأه.
قال ابن القاسم: ومن توضأ بعض وضوئه، ثم خرج منه ريح فليعد غسل يده قبل أن يدخلها في الإناء.
وقال عبد الملك بن الحسن عن ابن وهب: ومن استنجى ثم قطر منه بول فحلب ذكره فليعد غسل يده قبل أن يدخلها في الإناء، وكذلك من أتم وضوءه، ثم خرج منه ريح قاله مالك استحبابا.
وقال أشهب: ليس ذلك عليه إن لم تصب يده نجاسة، وعهده بالماء قريب، إلا أن يبعد ذلك.
فصل -2 {حكم ترتيب الأعضاء في الوضوء { م ومن ابتدأ وضوءه فغسل يديه قبل إدخالهما في الإناء، ثم بني/ على

وضوئه، ولم يعد الماء لكفيه، فإن كان إنما قصد بذلك السنة فلا يجزئه، ويعيد ما صلى/ بذلك، وإن قصد بذلك الفرض فتجزئة صلاته، إلا أنه يصير كمن نكس وضوءه.
وقيل: لا يجزئه، لأنه غسل يديه قبل وجهه، وقد قال الله تعالى: (إذَا قُمْتُمْ إلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وجُوهَكُمْ وأَيْدِيَكُمْ إلَى المَرَافِقِ)، وهذا قد غسل يديه قبل وجهه، قاله أبو بكر بن عبد الرحمن وإلى هذا رجع الشيخ أبو محمد بعد أن قال: يجزئه.
فصل-3: {المضمضة والاستنشاق من غرفة { قال ابن وهب: "إن النبي (ص) تمضمض واستنثر- ثلاث مرات-، من غرفة واحدة.
م ذكر البخاري في بعض رواياته عن عبد الله بن زيد أنه تمضمض واستنثر

ثلاث مرات من غرفة واحدة.
وذكر في رواية أخرى عنه: أنه تمضمض واستنثر من كفة واحدة فعل ذلك ثلاث.
قال ابن حبيب: "وليبالغ في الاستنشاق ما لم يكن صائماً، كما جاء في الأثر".
قال مالك في العتبية: والاستنثار أن يجعل يده على أنفه ويستنثر.
وقال

ابن حبيب في شرح غريب الموطأ: الاستنشاق، جبذه الماء بنفسه إلى خياشيمه، والاستنثار نثر ذلك الماء بنفسه إلى خارج.
وقال ابن قتيبة في شرح غريب الحديث: "الاستنشاق والاستنثار واحد، وسمي بذلك؛ لأن النثرة هي الأنف، فإذا أدخل الماء في نثرته قيل: استنشق واستنثر.
م والأول أبين، لقول النبي (ص): "إذا توضأ أحدكم فليجعل في أنفه ماء،

ثم لينثر"، وهو في الموطأ ورواه البخاري أيضاً.
فصل -4 [حد الوجه في الوضوء]: قال سحنون في العتبية: حد الوجه في الوضوء دور الوجه كله، واللحي الأسفل منه، وإن كان لا موضحة فيه، كالأنف هو من الوجه، ولا موضحة فيه.
وقال ابن وهب: قال مالك: وليس ما خلف الصدغ الذي من وراء شعر اللحية إلى الأذن من الوجه.

قال عبد الوهاب البغدادي: غسله سنة، ولم أره لغيره.
قال ابن القاسم عن مالك: واللحية من الوجه، وليمر عليها يده من فضل ماء/ الوجه من غير تخليل، ولا يجدده لها.
قال سحنون: ومن لم يمر عليها الماء أعاد، ولم تجزئه صلاته.
وأعاب مالك أن يخللها في الوضوء.
قال أبو إسحاق في البياض الذي بين الصدغ والأذن: قد اختلف فيه.
فقيل: لا يغسل، سواء كان من أمرد أو ملتح، وقيل: يغسل، وقيل: تغسله المرأة والأمرد، ولا يغسله الملتحي.
واحتج من قال: لا يغسل: بأنه ليس من الوجه، وأن المرأة تغطيه في

الإحرام فلو كان من الوجه لكشفته؛ لأن إحرامها في كفيها ووجهها.
وقال في المجموعة: ولم يأت أن النبي (ص) خلل في وضوئه، وجاء أنه خلل أصول شعره في الجنابة.
قال في المختصر: ويحركها في الوضوء إن كانت كبيرة، ولا يخللها/، وأما في الغسل فليحركها، وإن صغرت، ويخللها أحب إلي.
أبو محمد: وقال بعض أصحابنا: ومعنى تحريكها في الوضوء: تحريك اليد عليها عند مره الماء عليها؛ ليداخلها الماء؛ لأن الشعر ينبو عنه الماء.
ومحمد بن عبد الحكم يرى تخليلها في الوضوء.

قال غيره: وليتحفظ من غسل ما تحت مارنه بيده، وما غار من أجفائه وأسارير جبهته، وليس عليه غسل ما غار من جرح برئ على استغوار كبير أو كان خلقاً خلق به، ولا يجب غسل ما تحت ذقنه، ولا ما تحت اللحي الأسفل منه.
{فصل-5: إدخال المرفقين والكعبين في الوضوء { وفي المجموعة، قال ابن نافع عن مالك: وليس عليه أن يجاوز بالغسل المرفقين والكعبين في الوضوء، وإنما عليه أن يبلغ- الماء إليها.
قال غيره: هذا قول مالك؛ ولأن إلى غاية.
وقد قيل: بإدخالهما في الغسل وإليه نحا ابن القاسم في المدونة، وذكره أبو الفرج عن مالك.
قال أبو الفرج: ويؤمر بغسلهما لتوعر التحفظ في مبلغ الغسل إليهما،

وليزال ريب الاحتراس بإدخالهما في الغسل.
فصل -6 {صفة مسح الرأس في الوضوء {. قال ابن حبيب: وليأخذ الماء لمسح رأسه بيديه، ثم يرسله، ثم يمسح رأسه بيديه من أصل منابت شعر جبهته إلى آخر شعر قفاه، ثم يعيدهما إلى حديث بدأ.
قال أبو محمد: "اختلف في معنى قوله: "بدأ من مقدم رأسه".
فقيل أنه بدأ من حد منابت الشعر، وفيل بدأ بناحيته، وكل واسع والأول أصوب.
وقد روى أشهب عن مالك: أنه يبدأ من حد منابت الشعر، قال غيره: لأن الرتبة المستحسنة أن يبدأ بأول كل عضو قال/ غيره: وشعر الصدغين من الرأس، يدخل في المسح.
قال ابن القاسم في العتبية: ولو مسح رأسه بيد واحدة، أو بإصبع واحدة حتى أوعبة لأجزأه.
قال غيره: ولا يؤمر بذلك.

قال مالك: ومن مسح مقدم رأسه أو بعضه وصلى فليعد أبداً، وقال أشهب: إن مسح المقدم لم يعد، وإن مسح البعض أعاد.
وقد تقدم أن محمد ابن مسلمة يقول: إن مسح ثلثيه أجزأه، وأن أبا الفرح يقول: إن مسح ثلثه أجزاء.
فصل-7 {:-معنى الكعب والعقب وتخليل اصابع الرجلين { قال مالك في العتبية: والكعب الذي إليه الوضوء هو الملتزق بالساق في ظهره المحاذي للعقب، وليس بالظاهر في ظهر القدم.
وقيل: هما العظمان اللذان عند معقد شراك النعل.
وقال غيره في غير العتبية: العقبان عند مالك مؤخر الرجل

قال ابن حبيب: "وحسن تخليل أصابع رجليه في الوضوء مرغب فيه، وليس كوجوبه في اليدين وأما في الطهر فلا بد من التخليل في ذلك".
وقد روي عن مالك أنه ليس عليه تخليل أصابع رجليه في غسل ولا وضوء.
قال أبو محمد: يحتمل أن مالكاًَ لم ير ذلك في الرجلين؛ لأنه إذا غسل أصابع رجليه بيديه وجب احتكاك بعض أصابعه ببعض فناب ذلك عن التخليل.
وقال غيره: وإنما قال ذلك؛ لاختلاف الناس في غسل الرجلين إذ ثم من يقول فيهما بالمسح فخفف ترك التخليل فيهما لهذا.
وقيل: إنما ذلك/ لأنهما كعضو مستور لاجتماعهما.- والله أعلم.
فصل-8 {إيصال الماء إلى العضو وكراهة نفض الماء قبل بلوغه العضو { قال أصبغ: ولينقل المتوضئ الماء إلى كل عضو يغسله نقلا، وإن لم ينقل أعاد أبداً.

وسئل مالك عن الرجل يأخذ الماء لوضوئه فإذا حمل الماء نفض يديه منه قال: لا خير في ذلك، وكرهه ولا يجزئه إن فعل.
قال عنه ابن وهب: هذا يريد أن يبرق وجهه.
وفي البخاري قال أبو هريرة: سمعت رسول الله (ص) يقول: "إن أمتي يدعون يوم القيامة غراً محجلين من آثار الوضوء فمن استطاع منكم أن يطيل غرته فليفعل/.
وأنكر مالك في المدونة قول من قال في الوضوء حتى يقطر أو يسيل، يعني أنه أنكر أن يكون ذلك حده.
قال مالك: وقد كان بعض من مضى يتوضأ بثلث المد يعني مد هشام.
قال في العتبية: ورأيت عياش بن عبد الله بن معبد، وكان رجلا صالحاً من أهل الفضل والفقه يتوضأ بثلث مد هشام، ويفضل له منه، ويصلي بالناس،

وهو إمام، فأعجبني ذلك منه.
وروى البخاري أن النبي (ص) كان يغتسل بالصاع إلى خمسة أمداد، ويتوضأ بالمد.
فصل-9: {في الدعاء بعد الوضوء { قال الشيخ أبو محمد:"وقال الرسول (ص): "من يتوضأ فأحسن الوضوء، ثم رفع طرفه إلى السماء فقال: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شرك له، وأشهد أن محمدأ عبده ورسوله فتحت له أبواب الجنة يدخل من أيها شاء ". وقد استحب بعض العلماء أن يقول بإثر الوضوء: "اللهم اجعلني من التوابين

واجعلني من المتطهرين".
ويجب عليه أن يعمل عمل الوضوء احتسابا لله تعالى لما أمره الله تعالى به يرجو تقبله وثوابه وتطهيره من الذنوب به، ويشعر نفسه أن ذلك تأهب وتنظف لمناجاة ربه والوقوف بين يديه؛ لأداء فرائضه، والخضوع له بالركوع والسجود، ويعمل على يقين بذلك، وتحفظ فيه، فإن تمام كل عمل بحسن النية فيه".

باب -3: في الوضوء بما بل فيه شيء من الطعام أو بماء مضاف

أو وقع فيه خشاش

قال الله تعالى: (وأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا) {فصل -1: في حد الماء الطهور { والطهور في اللغة: ما طهر غيره، وتكرر به الطهر.
وقال رسول الله (ص): " خلق الله الماء طهوراً لا ينجسه شيء، إلا ما غير لونه أو طعمه أو ريحه".
فحكم للماء بالطهورية، إلا أن يتغير أحد أوصافه، لنجس حل فيه أو غيره.
قال عبد الوهاب: إلا ما لا ينفك عنه غالباً، مما هو قرار له أو/ متولد عنه، كما لو تغير بطين، أو جرى على كبريت؛ لأنه قراره، أو تغير لطول مكثه،

أو بالطحلب/؛ لأنه متولد عن مكثه.
فصل -2 {في حكم الوضوء بالماء إذا خالطه شيء طاهر { ومن المدونة قال مالك رحمه الله: ولا يتوضأ بالماء الذي يُبل فيه الخبز.
قال ابن القاسم: وكذلك الفول والعدس والحنطة، وشبه ذلك.
وبلغني أن مالكا قال: لا بأس بالوضوء بماء وقع فيه جلد أو ثوب، فأخرج مكانه.
قيل له: فما / بال الخبز، فقال مالك: أرأيت إن أخذ رجل جلداً فأنقعه في الماء أياما فابتل الجلد فيه أيتوضأ بذلك الماء؟ فقال: لا.
فقال مالك: هذا مثل الخبز، ولكل شيء وجه.

م يريد لسرعة إضافة الخبز للماء، ولو بل رجل كعكاً يابساً في ماء، ثم أخرجه مكانه، ولم يتغير الماء، لم يكن بالوضوء منه بأس، ولو أنقع رجل جلداً مبلولاً فأخرجه مكانه، وقد غير الله، لم بتوضأ به، وإنما العلة تغير أحد أوصاف الماء.
م واختلف المتأخرون من علمائنا، في الملح إذا طرح في الماء فذهب بعض شيوخنا: إلى أن ذلك يضيفه، إذا غيرته الإضافة، كوقوع الطعام فيه وخالفه غيره، ولم يجره مجرى الطعام، وترجح فيه ابن القصار.
والصواب: أن لا يجوز الوضوء به؛ لأنه إذا فارق الأرض صار طعاماً لا يجوز التيمم عليه، فهو بخلاف التراب؛ لأن التراب لا يتغير حكمه، ولا تخلو بقعة الماء منه.
م اختلف في الماء المضاف هل إذا أزال عين النجاسة يزول حكمها؟.
والصواب: أن لا يزول حكمها؛ لأن المضاف لا تؤدى به الفرائض ولا النوافل.

فصل-3: [حكم الوضوء بالنبيذ ونحوه] ومن المدونة قال مالك: "ولا يتوضأ بشيء من الأنبذة ولا بالعسل الممزوج بالماء، والتيمم أحب إلى من ذلك كله، ولفظه أحب إلى هاهنا على الوجوب.
قال مالك: ومن توضأ بشيء من ذلك وصلى أعاد الوضوء والصلاة أبداً.
م قال بعض البغداديين: وقد قال الله تعالى: (فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا) فأمر بالتيمم عند عدم الماء، والنبيذ ليس بماء مطلق، ولا يطهر محدثاً إلا الماء المطلق؛ قوله تعالى: (ويُنَزِّلُ عَلَيْكُم مِّنَ السَّمَاءِ مَاءً لِّيُطَهِّرَكُم بِهِ).
وقول الرسول (ص): "خلق الله الماء طهوراً.. الحديث.
فإن قيل: فقد روي أن النبي (ص) / قال لابن مسعود ليلة الجن: هل معك ماء؟ فقال: لا، إلا إداوة فيها نبيذ، فقال النبي:"ثمرة طيبة وماء

طهور" فأخذه، وتوضأ به.
قيل: هذا الحديث ضعيف، ضعفه أئمة الحديث، وتكلموا في رواته، فأحدهم أبو زيد قد طعن فيه وضعف، والآخر أبو فزارة كان نباذاً بالكوفة، فروى هذا الحديث لتنفق سلعته، ولا يحتج بمثل هؤلاء في رفع موجب القرآن، ولو كان صحيحاً لنقله الأثبات من أصحاب ابن مسعود؛ لأنه كان يكون من مفاخرة لتفرده بالنبي (ص)، دون سائر أصحابه.

وقد روى أبو داود أن ابن مسعود قال: لم يكن منا مع رسول الله (ص) ليلة الجن أحد، وهو الصحيح.
فصل-4: {في الوضوء مما مسته النار ومن أبوال الإبل وألبانها { ومن المدونة قال مالك: ولا يتوضأ من شيء من الطعام والشراب، ولا من أبوال الأبل، ولا من ألبانها، وأحب إلى أن يتمضمض من اللبن واللحم، ويغسل الغمر، إذا أراد الصلاة، ورواه مالك في الموطأ.
وروى البخاري أنه صلى الله عليه وسلم أكل سويقاً فمضمض، وصلى، ولم يتوضأ

وروي عن ابن عباس أن النبي - صلى الله عليه وسلم - شرب لبناً فمضمض وقال: "إن له دسماً".
وقال مالك: وسواء كان طعاما مسته النار أم لا، خلافاً لمن أوجب الوضوء مما مست النار.
قال ابن القصار: والدليل لمالك رضي الله عنه ما روى عن جابر أنه قال: كان آخر الأمرين من فعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ترك الوضوء مما مست النار، فذلك ناسخ لما قبله.

وروي مثله عن ابن عباس، قال جابر: وقد أكلت مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ومع أبي بكر وعمر وعثمان رضي الله عنهم خبزاً ولحماً، فصلوا، ولم يتوضأوا.
وروى مالك في الموطأ، ورواه البخاري عن ابن عباس أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أكل كتف شاة، ثم صلي، ولم يتوضأ.
ويحتمل أن يكون معنى ما روى أن النبي - صلى الله عليه وسلم - توضأ مما مست النار أنه الوضوء اللغوي، وكذلك فسره معاذ، وقال: إن قوماً سمعوا ولم يعوا كنا نسمي غسل الفم واليد وضوءاً وإنما أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - المؤمنين أن يغسلوا أيديهم

وأفواههم مما مست النار.
فصل-5] حكم الوضوء بالماء المستعمل [ ومن المدونة قال مالك: ولا يتوضأ بماء قد توضئ به مرة ولا خير فيه.
قال ابن القاسم: فإن لم يجد غيره توضأ به، أحب إلي، إذا كان الذي توضأ به طاهراً، يريد طاهر الأعضاء من نجاسة أو وسخ.
قال: وإن أصاب هذا الماء الذي توضئ به مرة ثوب رجل لم يفسده إذا كان الذي توضأ به طاهراً، يعني ها هنا طاهر الأعضاء من نجاسة فقط.
وروى عن مالك أنه قال: لا يتوضأ به بحال، وقاله أصبغ.
وقال أصبغ: ومن لم يجد إلا ماء قد توضئ به مرة فليتيمم لأنه غسالة

قال الشيخ أبو الحسن ابن القابسي: إنما كره مالك وغيره الوضوء به، أو الاغتسال منه، وإن لم يتغير، لأنه قد استعمل في الطهارة، ورجا أن يكون خرجت الخطايا معه، أو مع آخر قطرة، كما جاء في الحديث، وأجزأ من تطهر به، من قبل أن استعماله لم يحدث في أوصافه حدثاً.
قال غير واحد من البغداديين: وهذه الرواية أولى، دليله قول النبي - صلى الله عليه وسلم - "خلق الله الماء طهوراً لا ينجسه شيء إلا ما غير لونه أو طعمه أو ريحه" وهذا ماء طاهر لم يلاق نجساً، ولا ما أحدث في أوصافه تغيراً، فهو كما لو غسل به شيء طاهر فلم يغيره.
فإن قيل: فإنه ماء الذنوب.

قيل: إنما ضرب النبي - صلى الله عليه وسلم - المثل به، لا أن الذنوب تنماع فيه، أو تؤثر في حكمه، وإنما أراد أن المتوضئ به يصير كمن لا ذنب له.
والله أعلم.
وقيل في الماء الذي توضئ به مرة أنه يتيمم، ويتوضأ به، ويصلي.
وذكر عن الشيخ أبي محمد في من لم يكن معه من الماء إلا مقدار ما يغسل به وجههه وذراعيه أنه إن كان يقدر على جمع ما يسقط من أعضائه فعل، ويغسل بذلك باقي أعضائه، ويصير كمن لم يجد إلا ماء قد توضئ به مرة أنه يتوضأ به، فإن لم يمكنه ذلك تيمم.
وهذا على قوله: أنه لم يجد إلا ماء قد توضئ به مرة لا يمتنع أن يصلي فيه.
قال القاضي أبو محمد بن حسين: يحتمل قوله: "في الكتاب" ثلاثة أوجه: أن يكون معناه لا يتوضأ به بحال، وإن كان المتوضئ به طاهراً، فإن لم يجد

غيره تيمم، وهو قول المغيرة، وروي لمالك، وليس القوي.
والثاني: لا يتوضأ به على الانفراد، ويتيمم بعد الوضوء به مع وجود غيره، فإن لم يجد غيره توضأ به إذا كان الذي توضأ به طاهرا ً، وهذا قول ابن القاسم في المدونة وغيرها.
وقوله طاهراً، يعني طاهر الأعضاء، وهذا القول أقيس.
واستدل لما حكي عن ابن القاسم بأنا إذا أبقينا الاستعمال علمنا أنه لم يؤثر في عينه، فلم يؤثر في حكمه، ألا ترى أنه لم يؤثر في طهارته، فلا يؤثر في تطهيره؛ ولأن مجرد الاستعمال لا يمنع جواز الوضوء به، دليله الثوب يصلي به مراراً، ولو رمى بحجر، ثم رمى به أجزأه، وإن كرهاه؛ ولأن من كفر بطعام، ثم عاد إليه بميراث جاز أن يخرجه ثانية عن كفارة أخرى، فلا يعترض على هذا بالعتق في الكفارات؛ لأن العتق يزيل الملك، ولا يصح إلا في مملوك يفارق الطعام والكسوة الذي يصح عودتهما إلى الملك.
فصل-6 {في الوضوء بالماء يقع فيه البصاق أو المخاط أو يقع فيه خشاش { ومن المدونة قال مالك: ولا بأس بالوضوء بالماء تقع فيه النخاعة، والبصاق، والمخاط؛ لأن ذلك طاهر، يريد ما لم يكثر، فيغير الماء، ويصير/ مضافاً.
قال مالك: وكل ما وقع فيه من خشاش الأرض في إناء فيه

ماء أو قدر فيه طعام، فإنه يتوضأ بالماء، ويؤكل ما في القدر.
وخشاش الأرض مثل: الزنبور، والعقرب، والخنفساء، وبنات وردان، وشبه ذلك، خلافاً للشافعي في قوله: أنه ينجس.
قال أبو جعفر الأبهري: وقد قال النبي (ص): "كل طعام أو شراب وقعت فيه دابة ليس لها دم سائل، فماتت فيه فهو حلال، أكله وشربه ووضوءه".
ويدل على ذلك قوله عليه السلام:" إذا وقع الذباب في إناء أحدكم

فامقلوه، وفي مقله تعريض لقتله، فلو كان ينجس الماء لما أمر بمقله.
قال أبو عبيد: والخشاش هو بفتح الخاء لا برفعها.
قال القاضي أبو محمد بن حسين في هذه المسألة: وخشاش دواب الماء ما وقع منه في طعام أو ماء لا يفسد، أي لا ينجسه؛ لأن الأصل في كل ما ليس له لحم ولا دم سائل أن لا ينجس ما مات فيه، وكذلك عن النبي (ص).
فإن قيل: والماء وإن ينجس، فإنه يراعى، فإذا لم يتغير فله حكم الطاهر وإن تغير كان مضافاً، ويشرب، ويؤكل الطعام، ولا يؤكل الخشاش؛ لأنه مات حتف أنفه، فلا يؤكل إلا بذكاة وذكاته مثل ذكاة الجراد.
وقال أشهب عن مالك في العتيبة: وإذا باعه فليبين؛ لأنه عيب، قيل: لأجل الخلاف فيه/ وإن النفوس تحافة.
قال الجوهري: والعلماء يحملهم على أن كل ما لا لحم له ولا دم سائل

لا ينجس ما وقع فيه إلا الشافعي وحده في أحد قوليه.
قال في غير كتابه: وأما الوزغة وشبهها فيفسد ما مات فيه؛ لأن لها لحم ودم.
م وإذا وقع الخشاش في طعام فتفرقت أجزاؤه فيه حتى لا يتميز فلا يؤكل الطعام، إلا أن يكون الطعام كثيراً والخشاش يسيراً فلا يضره ذلك، كما قيل في القملة تقع في الثريد فلا توجد أن الطعام يؤكل وهذا على قولهم: إن الخشاش لا يؤكل إلا بذكاة.
وقيل: إن مسألة الخشاش مبنية على قوله في الجراد.
قال مرة: لا يؤكل إذا مات حتف أنفه.
وقال مرة: يؤكل، وهو ظاهر مذهبه.
قال بعض أصحابنا: وقياسه الخشاش على الجراد فيه نظر، ولعله إنما قال: يؤكل الجراد، وإن مات حتف أنفه، لما جاء "أحلت لنا ميتتان ودمان، فالميتتان: الجراد والحوت".

وقد قال كعب: إن الجراد نثرة حوت، وإن كان عمر لم يرض ما قال كعب: إن الجراد نثرة حوت.
فأما الخشاش فلا أصل له في الماء، والله أعلم.
قال مالك: ودواب الماء مثل: السرطان، والضفدع، والحوت إذا ماتت في طعام، أو شراب، أو ماء لم تفسده.
م يريد؛ لأنها طاهرة العين حلال أكلها بعد موتها لقول النبي صلى الله عليه وسلم/ في

جارٍ التحميل