الجامع لمسائل المدونةصفحات 321-360

في الوقت أعاد الذي عنده علم من الماء ويخاف أن لا يبلغه, ولم يعد الذي لا علم عنده أصلا.
قال أبو إسحاق: وكأن هذا أشبه؛ لأنه قد غلب علي ظنه وجود الماء في آخر الوقت, وقد وجده, ولا يجوز التيمم قبل وجود الماء مع يقينه أنه يدركه في آخر الوقت, وقد وجده, والمصلي في آخر الوقت ليس بآثم, ولا حرج في الوقت: في الظهر القامة, وفي العصر القامتان, وفي المغرب غيبوبة الشفق, وفي العشاء/ ثلث الليل, وفي الصبح الذي يقرب طلوع الشمس, وما بين ذلك هو وسط الوقت.
قال ابن حبيب فيهما: يؤخرا إلي آخر الوقت كمن يعلم أنه يدرك الماء في الوقت, فإن تيمما في أول الوقت وصليا, ثم وجدا الماء في الوقت فليعيدا, فإن جهلا أن يعيدا حتى خرج الوقت فلا شيء عليهما, بخلاف الذي يعلم أنه يدرك الماء في الوقت.
قاله مطرف وابن عبد الحكم وأصبغ وعبد الملك.
م فوجه قول مالك: أنهما لما كانا غير موقنين بإدراك الماء في الوقت ولا مؤسين منه كان لهما حكم بين الحكمين, وهو وسط الوقت.

ووجه تفرقته بينهما في الإعادة هو: أن الذي عنده علم من الماء, ويخاف ألا يبلغه, إذا وجد الماء في الوقت, فقد بان تفريطه لخطئه في تقديره, إذا لو أيقن أنه يدركه في ذلك الوقت لوجب عليه التربص إليه, فهو كالمسافر يقدم والحائض تطهر, فيخطئان في تقديرهما بقية النهار أنهما يعملان بعد ذلك علي ما كان يجب عليهما, وأما الذي لا علم عنده من الماء فلم يفرط, ولا أخطأ في تقديره, بل دخل الصلاة بما يجوز له فوجب أن لا يعيد.
ووجه قول ابن حبيب هو: أن التيمم لا يجب إلا لعدم الماء علي الحقيقة؛ لقوله تعالى: {فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا {[المائدة:6], وهؤلاء غير موقنين بعدمه, فلا يسقط فرض الطهارة به, والوقت قائم بغير يقين عدمه فإذا خاف ذهاب الوقت وجب التيمم؛ لأنه إنما جعل لإدراك فضيلة الوقت, فإن تيمما, وصليا قبل ذلك وجب أن لا يعيدا أبداً؛ لأجل الاختلاف في ذلك, وأنه لم يجب عليهما ذلك, كوجوبه علي الموقن.
فصل-5 -:في تيمم المريض والخائف ومن المدونة/ قال مالك: ويتيمم المريض- يريد- الذي يجد الماء,

ولا يجد من يناوله إياه, والخائف الذي يعرف موضع الماء, ويخاف أن لا يبلغه, وكذلك الخائف من لصوص أو سباع علي الماء, في وسط الوقت, ثم إن وجدوا الماء في وقت, تلك الصلاة أعادوا.
قال ابن عبدوس: والوقت في ذلك كله وقت الصلاة المفروضة.
وقال أصبغ: في المريض والمتيمم إلي الكوعين وماسح أعلي الخف, والذي يستجمر بعظم أو عود أو فحم أو بعرة, إن وقتهم وقت الصلاة المفروضة.
م محمد قيل: إن وقت الصلاة المفروضة في العصر الاصفرار, وقيل: إذا صار الظل قامتين, والأول أصوب.
ومن المدونة روى ابن وهب ((أن رجلين أجنبا علي عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم -, وكانا في سفر, فلم يجدا ماءً, فتيمما, ثم صليا, ثم وجدا الماء قبل أن تطلع الشمس, فاغتسلا, وأعاد أحدهما الصلاة, ولم يعد الآخر, فذكرا ذلك للنبي - صلى الله عليه وسلم -, فقال للذي أعاد: ((لك الأجر مرتين)), وقال للآخر: ((تمت صلاتك)).
وفي رواية أخرى أنه قال للذي أعاد: ((لك مثل سهم جمع)).
وللذي لم يعد: ((أجزأت عنك صلاتك, وأصبت السنة)).

[فصل-6 -: في من نسي الماء في رحله أو جهله وصلى بتيمم] قال مالك: ومن تيمم ونسى الماء في رحله أو جهله وصلى, أعاد في الوقت.
وقال أصبغ: يعيد أبداً.
وفي المختصر الكبير: لا إعادة عليه, وإن أعاد فحسن.
م فوجه قول مالك: أنه يعيد في الوقت, ولم ير أنه تجزئه صلاته؛ فلأنه غير عادم للماء, وإنما لم يوجب عليه الإعادة أبداً؛ لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: ((حمل عن أمتي الخطأ والنسيان)) فجعل له بهذا حكمًا بين ذلك, وذلك الإعادة في الوقت.
ووجه قول أصبغ: فلأنه واجد للماء, وقد/ قال الله تعالي: {فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً

كما قال في الظهار: {فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْن {[المجادلة:4], فكما لا يعذر واجد الرقبة بنسيانه أو جهله أنه يملكها, فكذلك لا يسقط عنه ذلك الوضوء.
م والفرق عند مالك بين ناسي الماء في رحله, وناسي الرقبة: أن التيمم إنما يكون لإدراك فضيلة الوقت, وقد أديت الصلاة به في الوقت, وإما وجد الماء بعد ذهاب وقتها, والكفارة ليست متعلقة بوقت, فمتى وجدت الرقبة فهو وقت لها, فوجب أن لا يجزئه الصوم, كوجود الماء في الوقت؛ لأنه كان في حين الأداء واجداً للماء والرقبة, فلم يجزئه ما أدي.
ووجه ما في المختصر الكبير, كما وجهنا به قول مالك في العذر بالنسيان, واستحب له الإعادة ليأتي بالصلاة بأكمل الطهارتين.
ومن المدونة قال مالك: وإن ذكر أن الماء في رحله, وهو في الصلاة قطع؛ لأنه واجد للماء في حال صلاته وقادر عليه.
قال مالك: ولو اطلع عليه رجل بماء وهو في الصلاة تمادي, وأجزأته صلاته.

والفرق بينهما: أن الذي ذكر أن الماء في رحله حين قيامه للصلاة كان واجدًا للماء, ومالكًا له, فلما اجتمع عليه مع ذلك العلم به, وهو في الصلاة بطلت عليه؛ لأنه قادر علي الماء قبل تمامها, ومالك له حين القيام إليها, والذي طلع عليه رجل بالماء حين قيامه إلي الصلاة, ودخوله فيها هو غير واجد للماء, ولا مالك له.
م وقد قال الله تعالى: {فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا {[المائدة:6], فقد دخل في الصلاة بما أمر به, وحصل/ له منها عمل بإحدى الطهارتين, فوجب أن لا يبطله لقوله تعالي: {وَلا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ {[محمد:33].
م محمد وهذا كالأمة تعتق بعد ركعة ورأسها مكشوفة.
قال أصبغ: تتمادى, ولا تعيد في وقت ولا غيره, قال: وهي كالمتيمم يجد الماء بعد أن صلى ركعة, ولو عتقت قبل الصلاة, ثم علمت, وهي في الصلاة, فهذه تعيد, وهي كمن نسى الماء في رحله.
وقال ابن القاسم في المعتقة بعد ركعة إن لم تجد من يناولها خمارها,

ولا وصلت إليه فلا تعيد, وإن قدرت علي أخذه فلم تأخذه أعادت في الوقت.
م والفرق بينها وبين المتيمم في هذا: أن المتيمم إذا توضأ بذلك الماء أبطل الصلاة, وقد قال الله تعالى: {وَلا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ {[محمد:33], والأمة تقدر أن تستتر ولا تقطع صلاتها؛ لأنه خفيف, وفي الصلاة إيعاب هذا.
[فصل -7 -: في الذي يعجز ماؤه ومع أصحابه ماء هل يسألهم] قال مالك: في العتبية في المسافر يعجز ماؤه ومع أصحابه ماء, قال: أما المكان الكثير الماء فلا بأس أن يسألهم, وأما الموضع الذي يتعذر فيه الماء, فأرجو أن يكون في سعة أن لا يسألهم.
قال عنه أشهب: إنه يسأل من يليه, ومن يظن أنه يعطيه, وليس عليه أن يسأل أربعين رجلا.
قال ابن القاسم: وإن سأل من معه في الرفقة فقالوا: ليس عندنا ماء, فتيمم وصلى, ثم وجد الماء عندهم, فإن كاوا رفقاءه, ومن لو علم به عندهم لم يمنعوه, فليعد في الوقت.

م وهو كمن نسي الماء في رحله.
قال ابن القاسم: ولو كان يظن أن لو علم به منعوه, فلا إعادة عليه, قال: ولو نزلوا في صحراء وليس معهم ماء, فتيمموا وصلوا, ثم وجدوا بئراً أو غديراً قريباً منهم لم يعلموا به فإنهم يعيدون في الوقت؛ لتفريطهم في طلبه فهم كمن جهل الماء في رحله.
فصل-8 -: [في حكم تيمم الحاضر أو المقيم إذا فقد الماء] ومن المدونة قال مالك: ومن خرج من قرية يريد قرية أخرى وهو غير مسافر فغربت عليه الشمس, فإن طمع في إدراك الماء قبل مغيب الشفق مضى إليه, وإلا تيمم وصلى.
وقال مرة:- أيضاً- يتيمم, ويصلى.
قال ابن القاسم: ويتيمم في الحضر من لم يجد الماء, وكذلك المسجون الذي لا يجد الماء.
وقد قال مالك في من كان في المعافر, وأطراف الفسطاط فخاف

إن ذهب إلي النيل يتوضأ أن تطلع الشمس: إنه يتيمم.
واختلف فيه قول ابن القاسم, في غير المدونة فقال مرة: يتيمم ويصلى, وقال مرة: يتيمم ويصلى, ويعيد الصلاة بالوضوء, وقال مرة: لا يتيمم, ويطلب الماء وإن طلعت الشمس, إلا أن يكون له عدو.
وذكر غير واحد من البغداديين: هذا الاختلاف عن مالك.
فوجه قوله: إن خاف فوات الوقت تيمم ويصلى, ولا يعيد؛ فلأن التيمم إنما شرع لإدراك الوقت, وهو طهارة/ تستباح به الصلاة, فوجب أن يستوي فيه الحاضرو المسافر.
وقد روى أن أبا ذر قال: انتقلت بأهلي إلي الربذة, فكنت أجنب,

وأعدم الماء الخمسة الأيام والستة, فأعلمت بذلك النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال لي: ((الصعيد الطيب وضوء المسلم, ولو لم يجد الماء عشر حجج)).
فهذا نص بين في المقيم؛ لأن أبا ذر إنما انتقل إلي الربذة للإقامة بها, وهذا أقيس الأقوال.
ووجه قوله: لا يتيمم, ويطلب الماء, وإن طلعت الشمس؛ فلأن التيمم إنما/ ذكر في المريض الذي لا يستطيع استعمال الماء, والمسافر العادم له؛ لقوله تعالى: {وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَر {[المائدة:6] الآية.
فوجب أن لايعدى بها إلي غير ذلك.
ووجه قوله: يتيمم ويصلى, ويعيد بالوضوء: أنه لما ترجح عنده كل قول؛ لما قدمناه رأى أن يأتي بالاحتياط, ويصلي بالتيمم, فيدرك فضيلة الوقت, ويعيد بالوضوء خوفاً أن يكون ذلك التيمم لا يجزئه؛ إذ ليس هو من أهله, فأتي بالأمرين احتياطًا.
والله أعلم.

قال ابن حبيب عن ابن عبد الحكم في حضري لم يجد الماء: فتيمم وصلي، ثم وجد الماء بعد أن خرج الوقت فعليه أن يعيد؛ لأن الله تعالى إنما ذكر التيمم في المريض الحاضر والمسافر.
غبن حبيب: وكذلك المسجونون يحبس عليهم الماء إلى آخر الوقت، فليصلوا بالتيمم، ثم يعيدوا إذا وجدوا الماء.
فصل-9 -: [في من خاف فوات الوقت باستعمال الماء أو تحصيله] ومن المدونة قال مالك: ومن خاف في حضر أو سفر إن رفع الماء من البئر أن يذهب الوقت فليتيمم، ويصلي، ولا يعيد الصلاة بعد ذلك إذا توضأ، وقد كان من قوله في الحضري: أنه يعيد إذا توضأ.
قال ابن حبيب: أبداً، وبه أقول، وجعله ابن القاسم كالمسافر، وليس مثله.
محمد: قال بعض فقهائنا القرويين: ومن خاف إن توضأ بماء معه ذهب الوقت، وهو إن تيمم يدرك الوقت، فليتوضأ، وإن ذهب الوقت، بخلاف الذي يرفعه من البئر، لأن هذا واجد للماء قادر على استعماله.
وقال أبو محمد عبد الوهاب: له أن يتيمم متى خاف إن تشاغل باستعماله فوات الوقت.

م محمد: وهو الصواب عندي، ولا فرق بين تشاغله باستعمال الماء أو برفعه من البئر، وإنما وضع التيمم لإدراك فضيلة الوقت، وإلى هذا ذهب ابن القصار وغيره.
قال ابن القصار: وأما من خاف فوات الجمعة إن توضأ، لم يجزئه أن يتيمم؛ لأن الظهر هو الأصل، فإن فاته فرض الجمعة مع الإمام لم يفته وقت الظهر، وإنما يتيمم من فاته وقت الظهر المختار، ولم أر المالك فيه نصاً.
قال: وقد قال بعض أصحابنا: إن القياس يوجب إذا خاف بتشاغله بالوضوء أن تفوته الجمعة مع الإمام أن يتيمم ويدركها؛ لأن الجمعة فرض، والتيمم إحدى الطهارتين، فلأن يلحق الفرض بالطهارة الصغرى أولى من أن تفوته.
م وقال بعض شيوخنا: ولو قال قائل: يتيمم ويدرك الجمعة، ثم يتوضأ، ويعيد ظهراً احتياطاً لم يبعد، كقول مالك في أحد قوليه في الحضري لا يجد ماء.

فصل -10 -: [في حكم التيمم على موضع نجس] قال ابن القاسم: ومن تيمم على موضع نجس قد أصابه بول أو قذر، فإنه يعيد ما كان في الوقت، كقول مالك في من توضأ بماء غير طاهر: أنه يعيد في الوقت، فهذا مثله.
قال ابن حبيب: هذا إن لم يعلم نجاسة التراب، وأما إن علم فإنه يعيد أبداً، بمنزلة من توضأ بماء قد تغير لونه أو طعمه.
قال أبو الفرج: قول مالك: في من تيمم على موضع نجس أنه يعيد في الوقت، أراه يرييد خالطته نجاسة لم تطهر طهوراً يحكم لها به، فيصير مشكوكاً فيه، فإن لم يرد هذا، فلعله فرق بين الماء والأرض/: أن الماء ينقل المحدث إلى/ كمال الطهارة، والمتيمم، إنما ينتقل به عن حكم الحدث إلى وجود الماء، ويحتمل أن يكون الفرق بين المتيمم على الموضع النجس،

والمتوضئ بماء قد تغير لونه أو طعمه: أن المتوضئ ينتقل إلى ماء طاهر في الحقيقة؛ لأنه يدرك معرفته بالمشاهدة، والمتيمم إذا انتقل إلى تراب آخر أمكن أن يكون ذلك التراب نجساً؛ لأنه لا يدرك مشاهدته، كما هي في الماء، فلذلك لم يؤمر بالإعادة أبداً، والله أعلم.
[فصل-11 -: في التيمم بتراب مستعمل] قال ابن القاسم في العتبية: ولا بأس أن يتيمم بتراب قد تيمم به مرة، يريد؛ لأنه لا يصير تراباً مضافاً، ويريد أنه كان يرفع التراب لوجهه ويديه فيسقط له منه فإذا أراد التيمم بما سقط له فهذا تراب تيمم به مرة؛ لأنه يصير مضافاً، فأما لو وضع يديه على التراب الذي تيمم عليه ترابًا لم يتيمم به بعد، والأمر فيهما سواء؛ لما قدمنا أن التراب لا يكون مضافًا.

فصل-12 -: [في تفريق التيمم، وتنكيسه، والغسل من الجنابة عند وجود الماء] ومن المدونة قال مالك: ومن فرق تيممه فكان أمرًا قريبًا أجزأه، وإن تباعد ابتدأ، كالوضوء.
قال: وتنكيس التيمم، كالوضوء.
قال مالك: وإذا لم يجد الجنب الماء فتيمم وصلى، ثم وجد الماء، فإنه يغتسل لما يستقبل، وصلاته الأولى تامة، وقاله سعيد بن المسيب وابن مسعود، وقد كان يقول غير هذا/، ثم رجع إلى أنه يغتسل.
م محمد: واختلف في تأويل قوله: وقد كان يقول غير هذا، قيل: إنه كان يقول: إن التيمم يرفع حدث الجنابة، كالغسل، وأنه لا يغتسل إن وجد الماء بعد ذلك، ثم رجع إلى أنه يغتسل، وهذا أشبه بظاهر لفظه.

وقيل: بل كان يقول: إنه يغتسل، ويعيد الصلاة، ثم رجع إلى أنه يغتسل فقط ولا يعيد الصلاة، كما قال مالك.
قال أبو محمد: يريد ما لم يكن في بدنه أذى.
قال أبو بكر بن اللباد: أو لم يكن ببدنه جنابة، إلا أن جنابته من وطء في الفرج، فإن دخول الفرج في الفرج ينجس، فعليه أن يعيد الصلاة في الوقت.
فصل-13 -: [التيمم لتعذر استعمال الماء] ومن المدونة قال مالك: والمجدور والمحصوب إذا خافا على أنفسهما من الماء تيمما للجنابة لكل صلاة أحدثا أم لا.
وروى ابن وهب "أن رجلا في غزوة خيبر أصابته جنابة، وكان به جدري فغسله أصحابه فتهرأ لحمه فمات، فذكروا ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "قتلوه

قتلهم الله، أ/اكان يكفيهم أن ييمموه بالصعيد".
وأن ابن عباس أفتى مجدورًا بالتيمم.
وقال مجاهد: للمجدور وأشباهه أن لا يتوضأ ويتلو (وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ).
وذلك مما يخفي من تأويل القرآن.
قال أبو محمد عبد الوهاب: وجواز التيمم لتعذر استعمال الماء على أربعة أقسام: خوف تلف، أو زيادة مرض، أو تأخير برء، أو خوف حدوث مرض يخاف معه ما ذكرنا.
قال ابن القصار: وأما إن خاف التلف من استعمال الماء، فلا خلاف بين فقهاء الأمصار أن له أن يتيمم، واختلفوا إن خاف زيادة مرض كان به، أو تأخير برء، أو حدوث مرض، وإن لم يخف منه التلف: فعندنا يجوز له التيمم، والدليل على ذلك قوله تعالى: (وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ)، وأي من ضيق، فنفى الضيق عنا في الدين، واستعمال الماء مع الخوف من زيادة المرض ضيق، وقال تعالى: (يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ)، ومن العسر

وجوب استعمال الماء مع خوف المرض أو زيادته، وفي القرآن من ذلك كثير.
ويدل على هذا حديث عمرو بن العاص حين احتلم في ليلة باردة، فذكر حديث المدونة.
[فصل-14 -: في تيمم من في جسده بعض الجراحات] ومن المدونة قال مالك: ومن غمرات الجراح أكثر جسده ولا يستطيع أن يمس جسده فليتيمم، ويصلي، وإن كان بعض جسده صحيحًا وأكثره جراحات غسل الجنابة ما صح من جسده، ومسح على جراحه بالماء إن قدر، وإلا فعلى عصابها.
قال ابن القاسم: وإن غمرت الجراح جسده ورأسه، ولم يبق له إلا يد أو رجل تيمم، وصلى.
قال مالك: وإذا خاف/ الجنب الصحيح على نفسه الموت من الثلج أو البرد إن هو اغتسل أجزأه التيمم -يريد أنه يتيمم في أول الوقت- وكذلك المجدور.
وروى ابن وهب أن النبي صلى الله عليه وسلم أمّر عمرو بن العاص على جيش، وأنه احتلم

في ليلة باردة فخاف إن اغتسل بالماء البارد أن يموت فتيمم، ثم صلى بهم، فذكروا ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما أحب أنك تركت شيئًا مما فعلت، ولا فعلت شيئًا مما تركت؛ لأن تركك الغسل إذا خفت على نفسك صواب، وفعلك التيمم صواب".
وفي حديث آخر قال عمرو: فلما أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لي: "أصليت بالناس وأنت جنب؟ فقلت يا رسول الله: سمعت الله عز وجل يقول: (وَلا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا) قال: فضحك النبي صلى الله عليه وسلم ولم يقل له شيئًا".

قال بعض شيوخنا: في هذا الخبر فوائد: أحدها: جواز التيمم للجنب، وجوازه لمن خاف من استعمال الماء الهلاك من البرد، وفيه: أن التيمم لا يرفع الحدث؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "صليت بالناس وأنت جنب".
وفيه: أن المتيمم يصلي بالمتوضئين.
فصل-15 -: [في التيمم على كل صعيد طيب] ومن المدونة قال مالك: ويتيمم على الحصباء والجبل من لم يجد المدر.
قال: ويتيمم على الطين من لم يجد ترابًا ولا جبلاً، وليخفف وضع يده عليه.
قال في المختصر: وليخففه قليلاً.

قال ابن حبيب: ويحرك يديه بعضها على بعض يسيراً إن كان فيهما ما يؤذيه ثم يمسح بهما وجهه، ويصنع كذلك ليديه.
ثم قال مالك: ولا يتيمم على الرخام، وهو بمنزلة الزمرد والياقوت، ولا يتيمم على الشب، والزجاج، والملح، والزرنيخ، والكحل، والكبريت، وما أشبه ذلك، لأن الملح طعام، وهذه الأشياء عقاقير.
قال سليمان في السليمانية: فإن أدركه الوقت وهو في أرض ليس فيها إلا الملح والزجاج والشب والزرنيخ والكحل والكبريت، وما أصله من الأرض، ولا يقدر أن يخرج من تلك الأرض حتى يخرج من وقت تلك الصلاة، فأرجو أن يكون التيمم بذلك واسعاً، وإنما تكره هذه الأشياء إذا بانت عن الأرض، وصارت في أيدي الناس.
وذكر ابن القصار وغيره من البغدادين أنه يتيمم على كل أرض طاهرة، وإن كان

عليها زرنيخ أو نورة.
قال مالك: ويتيمم على المغر؛ لأنه تراب منه الأسود والأحمر والأصفر والأبيض، يريد إذا كان نياً غير مطبوخ.
[فصل -16 -: في التيمم على المتصل بالأرض] ومن المدونة قال مالك: وإذا كان الثلج ونحوه فلا يتيمم على لبد.
وذكر الأبهري أن أشهب روى عن مالك أنه لا يتيمم على الثلج.
قال الأبهري: يتيمم على الثلج والحشيش.
قال ابن القاسم: وبلغني عنه أنه قال: يتيمم على الثلج، وقال عنه علي أنه يتيمم على الثلج؛ لعدم الأرض؛ لأنه نابت في الأرض، كالرمل والحصا، واسم الأرض يقع عليه.
وذكر بعض البغداديين أن في التيمم على الزرع اختلافاً.
[فصل -17 - في من لم يجد الصعيد ووجد غيره تيمم عليه] قال علي عن مالك: من لم يجد الصعيد ووجد الثلج أو ماء جامداً أو حجارة تيمم على ذلك.

ابن حبيب إن تيمم على الثلج، وصلى، فإن وجد الصعيد في الوقت أعاد، ولا يعيد بعده، فإن فعله واجداً لصعيد أعاد أبداً، ولو تيمم على الحصبا أو على الجبل واجد الصعيد أعاد في الوقت، وإن كان غير واجد لم يعد.
وقال ابن سحنون عن أبيه: لا يعيد كان واجداً أو غير واجد.
محمد: وهو الصواب.
ومن المدونة قال يحيى بن سعيد: لابأس بالصلاة على الصفا والسبخة، ولا بأس بالتيمم عليها لمن لم يجد تراباً.
قال: وما حال بينك وبين الأرض فهو منها يريد إن كان غالباً لا ينفك عنه من غير علة بالمتيمم.
وقد قال ابن المواز عن ابن القاسم: في/ مريض لم يجد من يناوله ماء ولا تراباً، ولا عنده جدار فصلى بغير تيمم: أنه يعيد أبداً ولا يتيمم على جدار، إلا من ضرورة فيجزئه إن كان نياً.
وقال ابن حبيب: إن كان جيراً أو آجراً فلا يتيمم عليه، إلا أن لا يجد

من يناوله التراب فليتيمم عليه، ولا يعيد.
قال أبو إسحاق: وانظر قول ابن حبيب: أو آجراً، والآجر طين طبخ فكيف يتيمم عليه؟ وهو كالرماد، ولا يتيمم على جدار، إلا من ضرورة فيجزئه إذا كان نياً.
ابن المواز، وقال: يريد غير مطبوخ، وإن كسي جيراً لم يجزئه، وإن كان مبنياً بحجارة، ولم يستر بجير، فذلك يجزئه.
فصل -18 -: [في الجنب لم يجد الماء إلا بثمن، أو خاف العطش، أو كان معه ماء لا يكفي في الجنابة] ومن المدونة قال مالك: وإذا لم يجد الجنب الماء إلا بثمن، فإن كان قليل الدراهم فليتيمم، وإن كان يقدر، فليشتره ما لم يرفعوا عليه في الثمن، فإن رفعوا تيمم حينئذ.
قال: وإن خاف العطش إن توضأ بما معه من الماء تيمم، وأبقى ماءه، ابن وهب: وقاله علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وابن شهاب وربيعة.
قال أبو إسحاق: إن استسقاه غيره، فإن كان يخاف عليه الموت سقاه، وتيمم، وإن لم يبلغ منه الخوف فلا.

قال مالك: وإذا كان مع الجنب من الماء قدر ما يتوضأ به تيمم للجنابة؛ لكل صلاة أحدث أم لا.
وإن كان به أذى غسله بذلك الماء، ولا يتوضأ به.
ابن وهب، وقاله ابن شهاب وعطاء وابن أبي سلمة.
[فصل -19 - في حكم تيمم المريض والمسافر لخسوف الشمس والقمر] ومن المدونة قال ابن القاسم: ويتيمم المرضى والمسافرون لخسوف الشمس والقمر، ومن قول مالك أنه لا يتيمم من أحدث خلف الإمام في صلاة العيدين.
قال أبو إسحاق: قال: لا يتيمم، ولم يذكر وجه هذا، فإن كان لا يتيمم الحاضر عنده، لا يتيمم في الفرائض، ففي صلاة العيدين أحرى، وإن كان الحاضر يتيمم، فلم لا يتيمم هذا؟ إذا كانت بخطبة، وإمام ويخشى فواتها، إلا أن لا يكون فيها خطبة أو يرى أن السنن أخف من الفرائض، ونقلها أبو محمد، ولمن فرضه التيمم من مسافر أو مريض أن يتيمم لصلاة خسوف الشمس والقمر والعيدين.

[فصل -20 -: في من يجوز له الصلاة بالتيمم على الجنازة] قال مالك: ولا يصلي على جنازة بتيمم إلا مسافر عدم الماء، قال: ولا بأس أن تيمم من لم يجد الماء في السفر فيمس المصحف، ويقرأ حزبه.
قال ابن القاسم: ويسجد إذا مر بسجدة.
[فصل -21 -: في التيمم للنافلة] قال حبيب بن الربيع: قال مالك وأصحابه: لا بأس أن يتيمم للتنفل أو لقراءة مصحف.
وقال عبد العزيز بن أبي سلمة: لا يتيمم لنافلة؛ لأنه ليس بضرورة، وإنما يتيمم للفريضة التي لابد منها.
قال أبو إسحاق: وكان/ التيمم عنده رخصة لخوف فوات وقت الفريضة.
قال أبو إسحاق: ينبغي أن لا يتيمم الحاضر لنافلة إذا لم يكن مريضاً، ولا مسجوناً؛ لأنه قد اختلف في التيمم في الحضر في الفرائض، فكيف في النوافل؟.
ومن المدونة قال ابن القاسم: وإن تيمم الجنب لنوم ولا ينوي به غيره من صلاة، ولا مس مصحف لم يتنفل به، ولا يمس مصحفاً.

فصل -22 -: [لا يصلي نافلة ومكتوبة بتيمم واحد إلا أن تكون نافلة بعد المكتوبة] قال مالك: ومن تيمم لفريضة فتنفل قبلها أو صلى ركعتي الفجر أعاد التيمم للفريضة، قال: ولا بأس أن يتنفل بعد الفريضة بتيمم الفريضة.
وفي كتاب ابن المواز: ومن تيمم لمكتوبة فصلى به نافلة، أو ركعتي الفجر، ثم صلى المكتوبة أعاد الصلاة أبداً، ثم قال: هذا خفيف، وأرى أن يعيد في الوقت.
قال: ومن تيمم لنافلة، أو لقراءة مصحف، ثم صلى به مكتوبة أعاد أبداً.
قال ابن سحنون عن ابن القاسم في من تتيمم لركعتي الفجر، فصلى به الصبح، أو تيمم لنافلة، فصلى به الظهر: أنه يعيد في الوقت.
وقال البرقي عن أشهب: تجزئه صلاة الصبح بتيمم ركعتي الفجر،

ولا يجزئه إذا تيمم لنافلة، أن يصلي به الظهر.
وقال ابن حبيب: إذا تيمم لنافلة، فصلى به فريضة أعاد أبداً، ولو تيمم لفريضة فصلى به نافلة قبلها أعاد في الوقت، وإن تيمم لصلاة، ثم ذكر صلاة قبلها، فليعد التيمم لها، فيبدأ بها، وإن صلى بالتيمم الأول أعاد أبداً، قال: وله أن يوتر بتيمم العشاء، ويصليها، ويصلي من التنفل ما شاء.
قال ابن القاسم في المجموعة: ومن تيمم للوتر بعد الفجر فله أن يركع به ركعتي الفجر، وإن تيمم لنافلة فله أن يوتر به.
[فصل -23 -: لا يجمع بين صلاتي فرض بتيمم واحد] ومن المدونة قال مالك: ومن تيمم لفريضة فصلاها، ثم ذكر صلاة نسيها تيمم لها أيضاً، قال مالك: ولا يصلي مكتوبتين بتيمم واحد، بخلاف الوضوء.
ابن وهب: وقاله ابن عباس والنخعي وابن المسيب وغيرهم.
قال أبو محمد: والعلة في ذلك أنه بطلب الماء ينتقض تيممه، وقاله

مالك في الموطأ.
وقال غيره: قال الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إذَا قُمْتُمْ إلَى الصَّلاةِ {الآية.
فوجب على كل قائم إلى الصلاة الوضوء، أو التيمم فخصت السنة الوضوء، أنه يصلي به صلوات، وبقي التيمم على أصله.
وقد قال ابن المسيب: مضت السنة أن لا يجمع المتيمم بين صلاتي فرض.
قال أبو محمد عبد الوهاب: ولأن التيمم لا يرفع الحدث، وإنما يبيح الصلاة، فلم يستبح به إلا أقل ما يمكن فيه؛ ولأن ذلك يؤدي إلى سقوط طلب الماء، وتقديم التيمم على الوقت.
فصل -24 -: [في التيمم للصلاة قبل وقتها] ومن المدونة: ولا تيمم لصلاة قبل وقتها عند مالك.
محمد: وذلك؛ لقوله تعالى: {إذَا قُمْتُمْ إلَى الصَّلاةِ {إلى قوله

: {فَتَيَمَّمُوا {الآية.
فكان الواجب الوضوء أو التيمم لكل قائم إلى الصلاة، فلما جاء أن النبي - صلى الله عليه وسلم - صلى صلوات بوضوء واحد، أبان فيه أنه توضأ للصلاة الثانية وما بعدها قبل الوقت، ولم ينقل أنه فعل ذلك في التيمم، فوجب أن يبقي على أصله.
ومن طريق المعنى: أن الوضوء جوز فعله لغير ضرورة/، وما هذا أصله جاز أن يؤتى به إلا عندها، كأكل الميتة، وأيضاً فإن من شرط التيمم أن لا يؤتى به إلا بعد طلب الماء، فإذا عدمه تيمم، وأيضاً فإن من شرط التيمم أن يؤتى به إلا بعد طلب الماء، فإذا عدمه تيمم؛ لقوله تعالى: {فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا {فمادام وقت الصلاة قائماً فعليه طلب الماء حتى يخاف فواتها، فحينئذ يباح له التيمم.
قال أبو محمد: وعلى هذا مالك وأصحابه [فصل -25 -: في من صلى صلاتين أو أكثر بتيمم واحد] قال ابن القاسم في العتبية: ومن صلى الظهر والعصر بتيمم واحد، أو صلى به صلوات جهلاً أو نسياناً فليعد مادام في الوقت، مازاد على الواحدة

ولو أعادها أبداً كان أحب إلي.
وقال عنه ابن المواز: يعيد الثانية في الوقت سواء جمعهما أو فرقهما، وقال أيضا: يعيد الثانية أبداً.
قال ابن المواز وابن حبيب عن أصبغ: إن كان وقت الصلاتين مشتركاً، كالظهر والعصر أعاد الثانية في الوقت.
قال ابن حبيب: لاختلاف الناس في ذلك وإن كانت العصر والمغرب أعاد الثانية أبداً، ولم يختلف في هذا.
قال أصبغ: وهو معنى قول ابن القاسم.
وقال سحنون: يعيد الثانية، مالم يطل، كاليوم واليومين والثلاثة.
وقال ابن نافع عن مالك في المجموعة في الذي يجمع بين صلاتين: فليتيمم لكل صلاة.
وذكره أبو الفرج عن مالك، وقال في ذاكر صلوات: إن له أن يصليهن بتيمم واحد.

وأنكر ابن القابسي هذا، وقال: ليس هذا من أصلهم؛ لأنه يصير تيمماً للآخرة قبل وقتها، وعندهم لا يكون بين التيمم للصلاة، والدخول فيها فرجة، ولا عمل.
قال أبو محمد: وذكر لي عن ابن شعبان في المريض لا يقدر على مس الماء: أن له أن يصلي صلوات بتيمم واحد؛ لأنه ممن لا يطلب الماء.
وقال ابن القاسم في العتبية: إن فعل أعاد الثانية.
م وتحصيل هذا الاختلاف أن من تيمم لفريضة فتنفل قبلها أو تيمم لنافلة، فصلى به فريضة أو صلى فريضتين بتيمم واحد، فقيل: يعيد في الوقت.
وقيل: يعيد أبداً، وأن من ذكر صلوات أو المريض لا يستطيع مس الماء، فقيل: يتيمم للصلاتين تيمماً واحداً، وقيل: يتيمم لكل صلاة.
فوجه أنه يعيد في الوقت، فلمراعاة خلاف من يرى التيمم، كالوضوء.
ووجه أنه يعيد أبداً؛ فلأن التيمم خلاف الوضوء على ما بينا.
والله ولي التوفيق.

فصل -26 -: [في المسافرين وجدوا ماء لا يكفيهم] ومن العتبية قال سحنون: في مسافرين تيمموا، ثم وجدوا ماء فيه كفاية أحدهم، فبدر إليه أحدهم فتوضأ به، فلا ينتقض تيمم الآخرين؛ إذ لم يملكوه، وهو لمن أخذه، كالصيد، ولو أعطوه لأحدهم اختياراً منهم انتقض تيممهم أجمعين.
وقال في المجموعة: لا ينتقض، إلا تيمم المسلم إليه.
م فوجه الأول: فلأن الماء ملك لجمعيتهم، ملك كل واحد منهم حصة منه، فالواجب أن يقرع بينهم فيه، فلما اتفقوا على إسلامه إلى أحدهم باختيار منهم صار كأن كل واحد منهم أسلم جميعه؛ إذ قد كان يصير بالسهم له؛ فلذلك وجب انتقاض تيممهم؛ ولأن كل واحد لو بدر إليه/ ملكه، وتوضأ به فلما ترك ذلك وجب انتقاض تيممهم.

ووجه الثانية: فلأنهم/ قد ملكوه أجمعين، وليس فيما يخص كل واحد ما يجزئه، فوجب إذا أسلم تلك الحصة أن لا ينتقض تيممه.
قال سحنون: ولو كان الماء لرجل، فقال: هو لأحدكم، ولم يسمه، فأسلموه لأحدكم لم ينتقض إلا تيمم من أسلم إليه، وكذلك لو كانا رجلين فقال: هو لأحدكما.
وقال في العتبية: إذا قال: هو لأحدكما، فمن أسلمه إلى صاحبه انتقض تيممه، أعني التارك، وكذلك لو كانوا ثلاثة أو أربعة، فقال: هو لأحدكم فأسلموه لأحدهم، فإنه ينتقض تيممهم أجمعين.
وأما إذا أعطي ذلك لجماعة جيش أو عدد كثير، فأعطوه واحداً منهم، فلا ينتقض إلا تيمم من أسلم إليه.
م فوجه الأولى: فلأنه لما قال: هو لأحدكم، ولم يسمه وجب الاشتراك فيه؛ إذ لا مزية فيه لأحدهم على صاحبه، فلما وجب الاشتراك فيه، ولم يكن

في حصة كل واحد منهم ما يكفيه وجب أن لا ينتقض تيممه بإسلام حصته.
ووجه الثانية: أنه لما قال: هو لأحدكم، فقد قصد به أن يكون لواحد منهم؛ لأنه ينتفع به، ولم يقصد الجماعة، إذ لا نفع لهم فيه، فلما كان الأمر كذلك، ولم يبين من هو منهم وجب أن يقرع بينهم فيه، ولا ينتقض إلا تيمم من وقع له، فلما تركوا القرعة، وأسلموه لأحدهم، وجب انتقاض تيممهم؛ لأن كل واحد منهم أسلم حقه فيه، وقد كان يمكن أن يقع له جميعه، فيجزئه، فلذلك وجب انتقاض تيممهم، وأما العدد الكثير والجيش فلا يجب انتقاض تيممهم؛ لأن ذلك من الحرج.
وبالله التوفيق.
ومن العتبية قيل: فلو قال لثلاثة: هو لكم، قال: ليس هذا مثل الأول، هذا قد أوجب لكل واحد نصيبه، وليس فيه ما يكفيه، فإذا أعطى نصيبه لم ينتقض تيممه.
وللقزويني: إذا وهب لرجل ماءّ لزمه قبوله ويتوضأ به، ولا يتيمم،

ولا تدركه المنة في قبوله؛ إذ لا تدركه في ذلك منة؛ لأن الماء مبتذل لا ثمن له في غالب الحال.
قال غيره: ولو وهب له ثمن الماء، وهو لا يجد الثمن لم يلزمه قبوله، لأن هذا مما تدركه فيه المنة.
[فصل-27 -: في الجنب يعيد التيمم] ومن المدونة قال مالك: فإن تيمم لفريضة فصلاها، ثم أنه كان جنبًا أعاد التيمم، وأعاد الفريضة؛ لأن تيممه ذلك إنما كان للوضوء، لا للغسل.
قال مالك في الواضحة، والمختصر: يعيد أبدًا.
ومن رواية الأبهري، وأصل سماع ابن القاسم يعيد في الوقت؛ لأن التيمم لهما واحد.
م فوجه قوله يعيد أبدًا؛ لان تيمم الوضوء بدل منه فهو كالوضوء، وتيمم الغسل بدل منه، فهو كالغسل، فكما لا يجزئ الوضوء من الغسل، فكذلك لا يجزئ بدله من بدل الغسل.
ووجه قوله: يعيد في الوقت: فلأن تيمم الغسل وتيمم الوضوء فرضان، والفعل فيهما سواء، فهو فرض ناب عن فرض، كمن تطهرت للحيضة ناسية

للجنابة.
وقوله: "يعيد أبدًا" أصوب؛ لما قدمنا.
وبالله التوفيق.
[فصل-28 -: في حكم إمامة المتيمم للمتوضئين] ومن المدونة قال مالك: وأحب إلى أن يؤم المتوضئين متوضئ، فإن أمهم متيمم أجزآهم.
ابن وهب: وقاله علي بن أبي طالب، وابن عمر وربيعة وعطاء وغيرهم.
[فصل-29 -: في وطئ المسافر العادم للماء] قال مالك: ولا يطأ المسافر أهله، إلا ومعهما من الماء ما يتطهران به كانا على وضوء أم لا، وكذلك إذا كانا متوضئين فليس لهما أن يدخلا على/ أنفسهما ما ينقلهما إلى التيمم من قبلة أو غيرها إذا فقدا الماء.
وإذا تطهرت امرأة من حيضتها في سفر فتيممت فلا يطأها

زوجها حتى يكون معهما من الماء ما يغتسلان به جميعًا.
قال سحنون: ماء تغتسل هي به من الحيضة، ثم ماء تغتسلان به جميعًا من الجنابة يريد؛ لأنه بأول الملاقاة ينتقض تيممهما.
قال مالك: وإذا كان معه من الماء ما يكفيه وحده فلا يجامعها، وقد تقدم بعض ذلك.
وقال ابن شعبان: إذا تطهرت بالتيمم لعدم جاز له وطؤها.
وقال ابن بكير وغيره من البغداديين، والحجة في ذلك تأتي في منع وطئ الحائض إذا طهرت قبل الغسل.

[باب -23 -] جامع القول في الحيضة والاستحاضة

[فصل-1 -: في وطء الحائض قبل أن تغتسل] قال الله تعالى: (وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ).
وقوله: (حَتَّى يَطْهُرْنَ) يريد يرين الطهر، فإذا تطهرن/ يقول: بالماء فآتوهن.
وقد قرئت (حَتَّى يَطْهُرْنَ) مخففة ومشددة.
فالتخفيف يقول: يرين الطهر، والتشديد يطهر بالماء.
قال غير واحد من البغداديين: فعلق تعالى جواز الوطء بالطهارة، التي هي انقطاع الدم، والتطير هو الغسل، فلا تجوز استباحة وطئه إلا بعد.
حصول الشرطين اللذين علقت الإباحة عليهما، ثم إن الله تعالى أثنى على من فعل ذلك، كما في الطهارة، فقال: (إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ

الْمُتَطَهِّرِينَ، والثناء لا يقع إلا على فعل يصدر من جهتهن، وانقطاع الدم لا يكون من جهة المرأة، فلا يقع الثناء عليه، وقال تعالى: (َيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا).
وقد اجمع أهل التفسير، ابن عباس، ومجاهد، والحسن، وغيرهم أن معنى قوله: (فَإِذَا تَطَهَّرْنَ) هو فعل التطهير، وهذا يفيد فعلاً يكون منها، وهو الاغتسال، وهو يمنع من حمله على انقطاع الدم؛ لأن ذلك ليس من فعلها.
م وذهب ابن بكير وأهل العراق: إلى جواز وطئها إذا طهرت، وإن لم تغتسل.
قال ابن بكير ورواية أشهب عن مالك، أنه لا يجبر زوجته الكتابية على الغسل من الحيض، يدل على أن وطء الحائض إذا طهرت قبل أن تغتسل غير محرم؛ ولأنها إذا رأت النقاء، وزال الحيض، فلا سبب يمنع من وطئها، وإنما أستحب تركه إلى أن تغتسل.
وقد استدل من ذهب إلى هذا بأدلة، منها: قوله تعالى: (حَتَّى يَطْهُرْنَ)، فعلق المنع بغاية، وهي انقطاع الدم، ومن حكم الغاية أن يكون ما عدها مخالفًا لما

جارٍ التحميل