بسم الله الرحمن الرحيم
وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم
قال أبو بكر محمد بن عبد الله بن يونس التميمي الصقلي رحمة الله عليه: الحمد لله المنعم بهدايته، المتمم لنعمته، المتفضل على جميع بريته، أحمده على جميع آلائه، وسوابغ نعمه، حمد مقر بربوبيته، عارف بوحدانيته، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمداً عبده ورسوله، أرسله إلى كافه خلقه، بشيراً ونذيراً، وداعياً إلى الله بإذنه، وسراجاً منيراً، فبلغ رسالته، وأدى أمانته، فهدى به من شاء بفضله، وأضل به من خذله بعدله صلى الله عليه، وعلى آله وصحبه، وسلم تسليماً.
أما بعد:- يسرنا الله لهدايته، وهدانا إلى توفيقه:
فقد انتهى إلي ما رغب فيه جماعة من طلبة العلم ببلدنا في اختصار كتب المدونة، والمختلطة، وتأليفها على التوالي، وبسط ألفاظها تيسيراً، وتتبع الآثار المروية فيها عن النبي - صلى الله عليه وسلم - وعن أصحابه رضي الله عنهم، وإسقاط إسناد الآثار، وكثير من التكرار، وشرح ما أشكل من مسائلها، وبيان وجوهها، وتمامها من
غيرها من الكتب، فسارعت إلى ذلك رجاءَ النفع به، والمثوبة عليه إن شاء الله تعالى.
وأدخلت فيه مقدمات أبواب كتاب الشيخ أبي محمد بن أبي زيد رحمه الله تعالى وزياداته، إلا اليسير منها، وطالعت في كثير منها ما نقله في النوادر، ونقلت كثيراً من الزيادات من كتاب ابن المواز، والمستخرجة ولم أخل من النظر إلى نقل أبي محمد واختصاره فيها، وعملت على الأتم عندي من ذلك، وربما قدمت، أو أخرت مسائل يسيرة إلى شكلها؛ [لئلا] تفوت
قراءتها قارئ موعده في الأمهات، ورأيت العناية بذلك محمودة، والخير فيه مأمول، وكل ينتهي من ذلك إلى ما يسر إليه، وأعين عليه بمن الله وفضله، وتسديده، وتوفيقه.
باب-1 في فصل العلم والحث عليه وأصوله
.
فصل 1: في الدلائل على فضل العلم والعلماء، وحكم طلب العلم.
قال تعالى: {يَرْفَعْ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ {
وقال تعالى: {نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ {قال ابن أبي زيد: ((بالعلم في الدنيا)).
وفي قوله سبحانه: {يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيرا {، فقد جاء في التفسير أنه الفقه في الدين وقاله مالك بن انس، وقال الرسول - صلى الله عليه وسلم -: ((من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين)).
وقال: ((طلب العلم فريضة على كل مسلم أن يتعلمه)).
فطلب العلم فريضة، كفريضة الجهاد؛ لقوله تعالى: {فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إليهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ {،
فجعل ذلك فرضاً يحمله الخاص عن العام، إلا ما لا يسع جهله من اللوازم، من صفة الوضوء، والطهر، والصلاة، والصوم، والزكاة، والحج ففرض على كل من لزمه ذلك، معرفته.
وقد سئل مالك عن طلب العلم أفريضة؟.
فقال: أما على كل الناس فلا.
وذكر عن سحنون أنه قال: أما من كان فيه موضع لرجاء الإمامة، فواجب عليه قوة الطلب، أو كلاماً هذا معناه.
[فصل-2: الجد.
والمثابرة.
وهداية الله سبب الحصول على العلم.]
والعلم لا يأتي إلا بالعناية، والمباحثه والملازمة مع هداية الله تعالى وتوفيقه.
قال ابن المسيب: ((أن كنت لأسير الليالي والأيام في طلب الحديث الواحد)) وبذلك ساد أهل عصره، وكان يسمى سيد التابعين.
وقال مالك: أقمت خمسة عشر سنة أغدو من منزلي إلى منزل ابن هرمز وأقيم عنده إلى صلاة الظهر، مع ملازمته لغيره، وكثرة عنايته، وذيلك فاق أهل عصره، وسمي أمام دار الهجرة.
وإقام ابن القاسم متغرباً عن وطنه في رحلته إلى مالك عشرين سنة ولم يرجع حتى مات مالك رحمه الله، ورحل أيضاً سحنون إلى ابن القاسم حتى هذب هذه المدونة، والمختلطة، وحصلت أصل علم المالكيين، ومقدمة على سائر الدواوين بعد موطأ مالك رحمه / الله.
ويروي أن ما بعد كتاب الله تعالى اصح من موطأ مالك.
ومما تمثل به سحنون هذا الشعر:
اخلق بذي الصبر أن يحظى بحاجته ومد من القرع للأبواب أن يلجأ.
وقال مجاهد: ((لا يتعلم العلم مستحي، ولا مستكبر)).
وقالت عائشة - رضي الله عنه -: ((نعم النساء نساء الأنصار لم يمنعهن الحياء أن يتفقهن في الدين)).
وسنذكر، أن شاء الله، كثيراً من هذا، ومن فضائل العلم في الجامع لهذا الكتاب.
والله نسأل التوفيق، وإياه نستخير، وهو حسبي ونعم الوكيل.
فصل -3 [في أصول علم الفقه]
اعلم، وفقنا الله، أن الأصل في هذا العلم اتباع الكتاب، والسنة وإجماع الأمة، ثم النضر، والاستدلال، والقياس على ذلك.
والدليل على ذلك قوله تعالى: {مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ {
وقال: {فَإِذَا قَرَانَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ (18) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَه {.
فوجب علينا لذلك اتباعه، ثم اتباع السنة؛ لقوله تعالى: {مَنْ يُطِعْ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ {.
وقال: {وَمَا آتَاكُمْ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا {.
وقال: {فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً {.
ثم إجماع الأمة؛ لقوله تعالى: {وَمَنْ يُشَاقِقْ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيراً {.
وقال: {أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنْكُمْ {. فأمر باتباع سبيل المؤمنين، وقرن طاعتهم بطاعته، وطاعة رسوله.
وقال - صلى الله عليه وسلم -: ((لن تجتمع أمتي على ضلالة)).
ثم النظر، والاستدلال، والقياس؛ لقوله تعالى: {أَفَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ {وقوله: {فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الأَبْصَارِ {، وقوله: {فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ {. وقال تعالى: {وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ
يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ {. فقد ثبت أصل ذلك من كتاب الله تعالى الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه، ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد.
كتاب الطهارة
باب، -1 - في فرض الوضوء، وسننه، وفضائله
/
[فصل -1 - في حكم الطهارة.
وشروط وجوبها]
قال محمد بن عبد الله من يونس رحمه الله: ((الطهارة من الحدث فريضة واجبة على كل من لزمته الصلاة)).
وشروط وجوبها خمسة: الإسلام، البلوغ، وثبات العقل، وارتفاع دم الحيض والنفاس، وحضور وقت الصلاة.
قال ابن مسعود، وغيرة ((كان الطهر في أول الإسلام سنة حتى نزل
فرض الوضوء بالمدينة في سورة المائدة، وهو قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ {إلى قوله {فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً {.
قال زيد بن اسلم: أذا قمتم يعني من النوم.
وقيل: معناه، أذا قمتم محدثين.
وقيل: كان هذا أمراً من الله تعالى بالوضوء لكل صلاة، ثم نسخ ذلك بفعل النبي - صلى الله عليه وسلم - تخفيفاً على أمته؛ لان ذلك كان يشق عليهم.
وقيل: معنى قوله: {إِذَا قُمْتُمْ {أذا أردتم القيام إلى الصلاة.
قال محمد بن سلمة، وغيره: آية الوضوء فيها تقديم، وتأخير، والمعنى فيها: يا إيها الذين آمنوا أذا قمتم إلى الصلاة، أو جاء احد منكم الغائط، أو لامستهم النساء فاغسلوا وجوهكم، وأيديكم إلى المرافق، وأرجلكم إلى الكعبين وامسحوا برؤوسكم، وان كنتم جنباً فاطروا /، وان كنتم مرضى، أو على سفر فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيداً طيباً فامسحوا بوجوهكم، وأيديكم منه ما يريد الله؛ ليجعل عليكم من حرج، أي من ضيق، ولكن يريد ليطهركم، أي من الذنوب، بامتثال ما أمركم به، وفعل ما افترض عليكم.
وإنما قدرت هذا التقدير؛ ليكون ذكر هذه الإحداث معطوف متصلاً بقوله: {إِذَا قُمْتُمْ {فيتضح أن قوله: {إِذَا قُمْتُمْ {يعنى من النوم، كما قال زيد.
ويبعد قوله من تأول قوله {إِذَا قُمْتُمْ {، أي محدثين؛ لاتصال ذكر الإحداث بقوله {إِذَا قُمْتُمْ {، فيكون تكريراً في اللفظ بمعنى واحد، فحملها على فائدتين أولى وليكون - أيضاً - قوله {وَأَرْجُلَكُمْ {عطفاً متصلاً على غسل اليدين، فيكون حجة على من قال فيهما بالمسح، وجعل إنهما مطوفتان على مسح الرأس.
ولذلك قال ابن مسلمة: فيها تقديم وتأخير.
والتقديم والتأخير في كتاب الله تعالى كثير / قال الله تعالى: {يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ {، والمعنى: واركعي واسجدي؛ لأن الركوع قبل السجود باتفاق، والواو لا توجب رتبة في كلام العرب.
وقوله تعالى: {جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنْ الْغَائِطِ {يعني: السببين: الغائط، والبول، وقوله تعالى: {أَوْ لامَسْتُمْ النِّسَاءَ {يعني الملامسة الصغرى، دون الجماع، وقوله تعالى: {وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا {، أي فاغتسلوا، وقوله: {وَإِنْ كُنتُمْ مَرْضَى {يعني: لا تستطيعون مس الماء أو على سفر، وانتم على هذه الأحوال التي تقدم ذكرها، فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيداً طيباً.
وقيل: بل الآية على تلاوتها، لا تقديم فيها ولا تأخير فيها، لان التلاوة موافقة لصفة وضوئه عليه السلام، ولما عليه العمل.
وقوله تعالى: {وَإِنْ كُنتُمْ مَرْضَى {. يعني: لا تستطيعون مس الماء أو على سفر، أو جاء احد منكم من الغائط أو لامستم النساء فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيداً طيباً يعني: أن كنتم مسافرين، أو محدثين مقيمين وأردتم القيام إلى الصلاة فلم تجدوا ماء فتيمموا.
وهذا كله كلام مستقيم، لا يحتاج فيه إلى تقديم، ولا تأخير.
والله اعلم.
فصل -2 [في أنواع الطهارة]
قال عبد الوهاب: الطهارة من الحدث الفريضة الواجبة على كل من لزمته الصلاة، وهى ثلاثة أنواع: وضوء، وغسل، وبدل منهما عند تعذرهما، وهو التيمم، وهو طهارة على الحقيقة، وان كان لا يرفع الحدث.
وقال غيره: لا أقول أن التيمم بدل منهما، وإنما أقول: أنها عبادة مستأنفة وليس بدل؛ لان البدل يقوم مقام المبدل منه في كل الأحوال، والتيمم لا يقوم مقام الطهارة بالماء في كل الأحوال؛ لأنه لا يرقع الحدث رأساً، ولا يصلى به
صلاتين.
[فصل -3: في إحكام الوضوء]
قال عبد الوهاب: وإحكام الوضوء ثلاثة أنواع: فرض، وسنة، وفضيلة/، والسنة أوكد من الفضيلة.
ففروضه من غير المتطهر من جنابة، أو حيض سبعة، وهى: النية، والماء الطاهر، وغسل جميع الوجه، وغسل اليدين إلى المرفقين، ومسح ارأس كله عند مالك، وغسل الرجلين إلى الكعبين، والموالاة مع الذكر، ولا يفسده قليل التفريق.
وقد قيل: أن الموالاة سنة، والظاهر من قول مالك أنها واجبة.
وسننه سبع- أيضاً: غسل اليدين قبل/ إدخالها في الإناء، والمضمد، والاستنشاق، ورد اليدين في مسح الرأس إلى حيث بدأ منه، ومسح داخل الإذنين، وفى ظاهرهما اختلاف، فقيل: فرض، وقيل: سنة، وتجيد الماء لهما سنة، والترتيب سنة.
وفضائله سبع- أيضاً -، وهى: أن لا يتوضأ في الخلاء، وان يضع الإناء على يمينه، وان يسمى الله تعالى أذا شرع، والسواك قبله، وان يبدأ بالميامن، وان يبدأ بمقدم الرأس أذا مسح، وتكرار مغسولة مرتين أو ثلاثاً.
وقد اختلف الناس في هذه السنن، والفضائل، وهذا الذي ذكرت أحسن ما رأيت.
وبالله التوفيق.
[فصل -4] ذكر الأدلة في فرائض الطهارة.
أول ذلك النية، قال الله تعالى: {وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ {، والإخلاص هو القصد، والوضوء والغسل من الدين فيجب أن يخلصها لله تعالى.
قال الله تعالى: {قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ {جاء في التفسير على نيته.
وقال الرسول - صلى الله عليه وسلم -: ((الأعمال بالنيات)).
فعم جميع الأعمال، والطهارة عمل ثم قال: (وإنما لامرئ ما نوى)) فدل على أن ما لم ينوه لا يكون له، وقال - صلى الله عليه وسلم -: ((الوضوء شطر الإيمان)).
واتفقنا أن الإيمان لا يصح إلا بنية، فكذلك شطره، ولا فرق بين الوضوء، وبن الصلاة، والصيام، الذي اتفقنا إنهما لا يصحان إلا بنية؛ لان جميع ذلك عبادة واجبة يتقرب بها إلى الله تعالى فاستويا؛ ولأنهما طهارة عن حدث، كالتيمم.
فان قيل: فقد علم النبي - صلى الله عليه وسلم - الإعرابي الوضوء، ولم يذكر له نية.
قيل: وقد علمه الصلاة، ولم يذكر له نية، فلم يدل ذلك على سقوط النية فيها، بل قال له: ((توضأ كما أمرك الله به)) والله قد أمرنا بالنية فيما بينا.
وذهب أبو حنيفة إلى أن الطهارة لا تفتقر إلى نية، بخلاف التيمم الثاني: الماء المطلق.
لقوله تعالى: {وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنْ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ {؛
ولقوله - صلى الله عليه وسلم -: ((خلق الله الماء طهوراً لا ينجسه شيء إلا ما غير لونه / أو طعمه أو ريحه)) وإيعاب الحجة فيه في موضع الكلام على المياه.
الثالث: غسل جميع الوجه.
أجمعت الأمة على إيجاب غسله؛ لقوله تعالى: {فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ {.
الرابع: غسل الذراعين / مثله.
أجمعت الأمة على غسلهما، واختلفوا في إدخال المرفقين في الغسل؛ واختلف في قول مالك.
فوجه قول من قال: لا يدخلهما أن "إلى" موضوعها في اللغة الانتهاء فرآها مالك في هذا القول غاية، والصواب قوله بدخولهما في الغسل؛ لان "إلى" قد تكون بمعنى مع كقوله تعالى: {مَنْ أَنصَارِي إِلَى اللَّهِ {أي مع الله.
وقوله تعالى: {وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ {أي: مع شياطينهم، فلما كانت
تصلح للمعنيين وقع الخلاف.
وروى أن النبي - صلى الله عليه وسلم - توضأ، وأدار يده على مرفقيه فكان فعله بياناً، ورفعاً للإشكال.
ويأتي بعد هذا شيء من ذكر الحجة في ذلك.
الخامس: مسح الرأس.
اختلفوا في مسحه، فذهب مالك رحمة الله إلى مسح جميعه، خلافاً لأبي حنيفة والشافعي، وقال محمد بن مسلمة: أن مسح ثلثيه أجزأه.
وقال
أبو الفرج: أن مسح ثلثه أجزاه.
والدليل لمالك، قوله تعالى: {فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ {فهو كقوله في التيمم: {فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ {.
فلما لم يجز أن يقتصر على مسح بعض الوجه باتفاق، وجب أن لا يقتصر على مسح بعض الرأس.
وكقوله: {وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ {، الذي لا يجوز الاقتصار فيه على بعض الطواف؛ ولان الباء إنما دخلت للإلصاق، كقولك: كتبت بالقلم، أي ألصقت الكتابة به، وليس هو كما زعموا أنها للتبعيض.
دليلنا: أن الاستثناء يصح فيما ذكرنا، ولا يصح فيما كان للتبعيض، لو قلت: امسح برأسك، إلا بعضه جاز، وكأنك قلت: امسح رأسك، إلا بعضه، ولا يجوز امسح ببعض رأسك إلا بعضه؛ لأنك استثنيت مجهولاً من مجهول، ولو صح أنها تصلح للمعنيين وأشكل ذلك فقد رفع الإشكال فعل النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه توضأ ومسح جميع رأسه، وقال: ((هذا وضوء لا يقبل الله الصلاة إلا به)).
فان قيل: فقد روي أنه مسح ببعض رأسه فدل أنه الواجب، وما رويتموه استجاباً أذا إنما يقتدي في مثل هذا بالأقل.
قيل: بل ما رويناه هو الواجب؛ لإجماع الصحابة عليه رواية وفعلاً، وإنما شذت رواية أنه مسح برأسه، ويمكن أن يكون فعل ذلك لعلة، أو فعله مجدداً.
ومذهب مالك رحمه الله: أن لا يمسح الرأس على حائل، إلا لعلة، وبه
قال فقهاء الأمصار، إلا الثوري وابن حنبل، فأنهما أجازا أن يمسح الرأس على حائل، عمامة أو غيرها، وان كان لغير عذر.
فالدليل لمالك، قوله تعالى: {فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ {، فمن مسح على حائل فلم يمسح على رأسه.
ولما روي أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - مسح رأسه بيديه مباشراً له، وتمادى فعله وفعل أصحابه عليه، وانه توضأ، وعليه عمامة، فادخل يديه من تحتها ومسح برأسه.
فإن قيل: فقد روي أيضا أنه مسح على عمامته.
قيل: هذا حديث مضطرب فيه، غير معتمد عليه، ولو صح فهي فعلة واحدة يمكن أن تكون لعذر أو لتجديد.
السادس: غسل الرجلين:
فمذهب مالك غسل جميعهما إلى الكعبين، وهو مذهب، فقهاء الأمصار، إلا شذوذ طائفة من أهل الشيعة.
ذهبوا إلى المسح، ولا يعد مثل ذلك خلافاً.
ومن الدليل لمالك قوله تعالى: {وَأَرْجُلَكُمْ {، نصباً عطفاً على غسل الوجه واليدين؛ ولىنه إلى الكعبين كما حدد إلى المرفقين.
وقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: ((ويل للإعقاب من النار)) يدل على أنه الغسل، وكذل فعل الرسول - صلى الله عليه وسلم - وسلف هذه الأمة.
وحديث ((ويل للأعقاب من النار))، رواه مالك في الموطأ عن عائشة رضى الله عنها عن النبي عليه السلام، وروى البخاري عن عبد الله بن عمر قال: تخلف النبي - صلى الله عليه وسلم - عنا في سفرة سافرناها معه فأدركنا وقد رهقتنا الصلاة، ونحن نتوضأ فجعلنا نمسح على أرجلنا، فنادى بأعلى صوته ((ويل للإعقاب من النار، مرتين أو ثلاثاً)).
فان قيل: فقد قرئ / {وَأَرْجُلَكُمْ {بالخفض عطفاً على مسح الرأس.
قيل: فان الأئمة الذين قرءا بالخفض كانوا يغسلون، وحجتهم في القراءة أن من شأن العرب الاتباع على المجاورة، كقولهم: هذا جحر ضب خرب، فيخفضون خرباً على الجوار، والاتباع لضب، ومعناه خرب، لأنه صفة للجحر؛ لان الضب لا يخرب.
قال الشاعر:
لقد كان في حول ثواء ثويته.
فخفض الثواء على مجاورة الحول.
فإن قيل: فقد وصف ابن عباس وضوء النبي - صلى الله عليه وسلم - فمسح على رجليه.
قيل: يمكن أن يكون مسح على خفيه.
دليله أن قراءة ابن عباس {وَأَرْجُلَكُمْ {بالنصب.
السابع: الموالاة مع الذكر.
فرض، خلافا لأبي حنيفة، والشافعي.
ودليلنا على ذلك قوله تعالى {إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ {، والأمر المطلق
على الفور.
ولما رُوى أن النبي - صلى الله عليه وسلم - توضأ ووالى، وقال: ((هذا وضوء لا يقبل الله الصلاة إلا به)).
وهو قول عمر بن الخطاب، ولم يخالفه صحابي، فهذا كالإجماع؛ ولأنها عبادة تبطل بالحدث، فكان للتفريق تأثير في بطلانها، أصله الصلاة.
وما روى أن ابن عمر توضأ، ثم خرج إلى السوق، فدُعِي لجنازة، فمسح على خفية.
فيحتمل أن يكون ذلك بالقرب، أو يكون نسيهما ذكرهما.
فإن قيل: لو كان وجبًا؛ لما افترق عمده وسهوه؟ قيل: هذا غير لازم.
دليله: الأكل في الصيام، والكلام في الصلاة أن عمده مفارق لسهوه.
وجميع ما ذكرته هو لأصحابنا البغداديين، إلا ما اختصرت وبينت أنه منه.
[فصل-5] ذكر أدلة السنن:
فأول ذلك: غسل اليدين قبل إدخالهما في الإناء، ثم المضمضة، ثم
الاستنشاق فليس لذلك نص في كتاب الله تعالى فسقط أن يكون ذلك فرضًا.
وثبت فعل الرسول - صلى الله عليه وسلم - لذلك في حديث عبد الله بن زيد بن عاصم، وحديث عثمان بن عفان رضي الله عنه حين وصفا وضوء النبي - صلى الله عليه وسلم -، فدل / أن ذلك سنة.
وقد نهى النبي - صلى الله عليه وسلم - المستيقظ من نومه أن يدخل يده في وضوئه حتى يغسلها، فإن أحدكم لا يدرى أين باتت يده، وهو في الموطأ، ورواه البخاري.
وقال - صلى الله عليه وسلم -: ((من الفطرة خمس في الرأس)) فذكر ((المضمضة، والاستنشاق))، والفطرة هي السنة.
وقال عليه السلام: ((من توضأ فانتشر من فعل فقد أحسن، ومن لا فلا حرج))، فهذا يؤيد -أيضا- أن ذلك غير واجب، كوجوب الفرائض، خلافًا لأبي حنيفة والثوري.
وأما مسح ظاهر الأذنين، فالظاهر من قول مالك رحمه الله، وقو أكثر أصحابه: أنهما سنة.
وقال بعض أصحابنا البغداديين: أنهما داخلتان في فرض الرأس،
واستدلوا بما روى ابن عمر أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ((الأذنان من الرأس))، ويستأنف لهما الماء، قالوا: ومعلوم أنه لا يعلمنا المشاهدات، وإنما يعلمنا الأحكام، وينبهنا عليها، وهذا من أوكد أدلتهم، وليس في ما ذكروه، تحقيق وجوب فرضهما، وإنما أورد -والله أعلم- بقوله: ((الأذنان من الرأس)) أنهما من سنن الرأس سنتهما المسح، كما أن فرض الرأس المسح، كقولنا: إن الأنف والفم من الوجه وسنتهما الغسل، كما أن فرض الوجه الغسل، فأبان - صلى الله عليه وسلم - أن في الرأس فرضًا وسنة كما أن في الوجه فرضًا وسنة، فإذا كان المراد ما ذكرناه لم يكن لهم فيما رووا حجة.
والدليل على صحة قولنا: قوله تعالى {إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ {إلى أخر الآية ولم يذكر تعالى غسل فم، ولا أنف، ولا مسح أذن، فدل أن ذلك سنة.
وأيد ذلك قوله - صلى الله عليه وسلم -: ((خمس من الفطرة في الرأس)) فذكر ((المضمضة والاستنشاق ومسح الأذنين، فدل أنهما سنة، والفطرة هي السنة، ولا اختلاف بين المالكيين في المضمضة، والاستنشاق أنها سنة، فكذلك الأذنان؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم -: ((إن جميع ذلك من الفطرة)).
وقد روى /ابن شعبان عن عائشة رضي الله عنها: أن الأذنين من الرأس، وليس المسح عليها فريضة، فهذا نص، وهو كتأويلنا للحديث.
وقد قال ابن حبيب، وأبو محمد بن أبى زيد رحمهما الله تعالى -وهما
من أئمة الهدى- وسن الرسول - صلى الله عليه وسلم - المضمضة، والاستنشاق، ومسح الأذنين.
أفتراهما يقولان: سن فيما لم يصح عندهما أنه سنة؟
وقد فرق مالك رحمه الله بين حكمهما، وحكم الرأس، فقال: من ترك شيئًا من مسح رأسه/ عامدًا أو ساهيًا حتى صلى أعاد الصلاة أبدًا، ومن ترك مسح أذنيه عامدًا أو ساهيًا حتى صلى، فلا إعادة عليه ويمسحهما لما يستقبل، كقوله في من ترك المضمضة والاستنشاق فهذا يدل أنههما عنده سواء.
وبالله التوفيق/.
الرابع: تجديد الماء لأذنيه.
فلما روىَ أن الأذنين من الرأس، ويستأنف لهما الماء، ولا خلاف بيننا في ذلك.
الخامس: مسح داخل الأذنين.
فلما روىَ ((أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان إذا توضأ أدخل إصبعيه في حجرتي أذنيه)).
وروي أنه كان إذا توضأ أدخل إصبعيه في صماخيه.
السادس: رد اليدين في الرأس إلى حيث بدأ.
فلما روى في صفة عبد الله بن زيد حين وصف وضوء النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: بدأ من مقدم رأسه حتى ذهب بهما إلى قفاه ثم ردهما إلى المكان الذي منه بدأ.
ولا خلاف أن رد اليدين ثانية بعد استيعاب مسح الرأس ليس بفرض، وهو عند مالك وأصحابه سنة.
قال ابن القصار: ((ولو بدأ بالمسح من مؤخر الرأس لكان المسنون أن يرد يديه من المقدم إلى المؤخر)).
قال ابن شعبان: والمسنون أن يبدأ بالمقدم، ويُنهى من بدأ بالمؤخر عن العودة.
السابع: الترتيب.
فلما روى في حديث عثمان بن عفان، وعبد الله بن زيد.
فإن قيل /: فإن هذا يدل على أنه وجب؛ لأن أفعاله - صلى الله عليه وسلم - على الوجوب، وقد قال تعالى: {إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ {فقد وافق ذلك فعل النبي - صلى الله عليه وسلم - فدل على أنه الواجب، وهو قول الشافعي.
فالجواب لهم عن ذلك إجماع النحويين أن الواو لا توجب رتبةً في لغة
العرب التي نزل القرآن بلسانها، ولا حجة لهم أن الحديث أيد وجوبه، لما روى ابن عباس أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - توضأ، فغسل وجهه، ثم ذراعيه، ثم رجليه، ثم مسح برأسه، وروى عن عثمان رضي الله عنه أنه توضأ وعكس وضوئه بملأ من الصحابة، فقال: هكذا رأيتم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يتوضأ؟ فقالوا: نعم، وأن عليًا وابن مسعود قالا: ما نبالي بدأنا بأيماننا أو بأيسارنا، وقالا أيضا: ما نبالي إذا عممنا الوضوء بأي الأعضاء بدأنا.
فدل ذلك على بطلان وجوب الترتيب.
فإن قيل: فإن الفاء في لغة العرب للتعقيب، وقد قال الله تعالى {إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ {، فأمر بغسله عقيب القيام