1 - قال في حديث أبي هريرة أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: "لا حسد إلا في اثنتين: رجل آتاه الله القرآن".
فذكر مثله ولم يذكر "رجل اتاه الله مالا" قال: في الحديث النظر.
لم يخرجه مسلم، وأخرجه غيره 1.
2 - وفي حديث معقل بن يسار قال جاء رجل إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- فقال: "يا رسول الله إني أصبت امرأة ذات حسب ومنصب وجمال إلاّ أنها لا تلد.
أتزوجها؟ فنهاه عنها.
ثم أتاه الثانية فنهاه.
فقال: تزوجوا الودود الولود فإني مكاثر بكم"، قال أبو عوانة: في هذا الحديث نظر 2.
3 - وقال في حديث يونس بن يزيد، عن ابن شهاب الزهريّ، قال: أخبرني عروة بن الزبير، عن عائشة: "أن النكاح كانت في الجاهلية على أربعة أنحاء: .. الحديث
قال أبو عوانة: وفي إسناده ومتنه انظر، وذلك أنه خولف يونس في إسناده 3.
4 - وقال حدثنا يونس بن عبد الأعلى، قال: حدثنا سفيان بن عيينة،
عن ابن الهاد، عن عمارة بن خريمة بن ثابت، عن أبيه أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: "إن الله لا يستحي من الحق.
لا تأتوا النساء في أدبارهن" قال أبو عوانة: في إسناده نظر 1.
5 - وقال حدثنا يزيد بن سنان، قال: حدثنا أبو داود، قال: حدثنا رباح بن أبي معروف، عن عطاء، عن جابر بن عبد الله "أن النبي -صلى الله عليه وسلم- نهى عن نكاح النساء الحبالى من السبي أن يوطئن".
قال أبو عوانة: في هذا الحديث نظر في صحته وتوهينه 2.
6 - حدثنا الصغاني، حدثنا نعيم بن حماد، حدثنا ابن المبارك، عن معمر، عن ثابت، عن أنس قال: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: "لا شغار في الإسلام".
قال أبو عوانة: في هذا الحديث انظر 3.
7 - قال بعد أن خرج حديث إعطاء النبي صلى الله عليه وسلم الحجام أجره: "ورواه عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهريّ، عن ابن محيصة الأنصاري، عن أبيه، أنه سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن كسب الحجام فنهى عنه، فشكى من حاجتهم فقال: "اعلفه ناضحك، واطعمه رقيقك" وفيه نظر 4.
8 - قال في حديث رواه عن يزيد بن سنان، قال: حدثنا أبو عاصم، عن ابن جريج، عن أبي الزبير، عن جابر، قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "يسلم الراكب على الماشي، والماشي على القاعد، والماشيان أيهما بدأ فهو خير، أو أفضل": فيه نظر 1.
9 - قال في حديث عائشة رضى الله عنها قالت: اجتمعن أزواج النبي -صلى الله عليه وسلم- فقلن: يا رسول الله أينا أسرع لحوقا بك؟ قال: "أطولكن يدا فأخذن قصبة فجعلن يذرعنها، وكانت سودة أسرعهن به لحوقا، وكانت تطول يدها في الصدقة، وكانت امرأة تحب الصدقة.
وهذا لفظ أبي زرعة فيه نظر 2.
10 - ذكر حديث ابن مسعود قال: قال رجل للنبي -صلى الله عليه وسلم- كيف لي أن أعلم إذا أحسنت وإذا أسأت؟ فقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: "إذا سمعت جيرانك يقولون: قد أحسنت! فقد أحسنت، وإذا سمعتهم يقولون: قد أسأت! فقد أسأت".
وقال معلقا عليه: في هذا الحديث نظر في صحته وتوهينه 3.
ثانيا: الحكم على الرواية بالغلط كقوله "غلط فيه فلان" و "وهو
غلط عندي".
ومن أمثلة ذلك:
1 - في حديث رواه هشام بن سعد، عن الزهريّ، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم.
قال أبو عوانة: غلط فيه هشام، فقال: عن أبي سلمة 1.
2 - وقال في حديث روح، قال: أخبرني ابن جريج، قال: أخبرني يحيى ابن أيوب، أن يزيد بن أبي حبيب أخبره بإسناده مثله.
كذا قال روح، عن يحيى بن أيوب.
قال أبو عوانة: وهو غلط عندي، إنما هو عن سعيد بن أبي أيوب 2.
ثالثا: الحكم بغرابة الحديث أو بعض الطرق، كقوله: "وهو غريب" و "غريب لم نكتبه إلا عنه" ونحو ذلك.
ومن ذلك:
1 - في حديث رواه حدثنا إسحاق بن بكر بن مضر، قال: حدثني أبي، عن جعفر بن ربيعة، عن عِراك بن مالك، عن محمد بن مسلم ابن شهاب، عن حميد بن عبد الرحمن بن عوف، عن أبي هريرة، أن رجلا قال: يا رسول الله! فأخبره أنه وقع مع امرأته في رمضان.
فقال: "أتجد رقبة؟ " قال: لا قال: "فتستطيع صيام شهرين؟ " قال: لا قال: "فتطعم ستين
مسكينا؟ " قال: لا أجد.
فأعطاه رسول الله صلى الله عليه وسلم تمرًا وأمره أن يتصدق به].
فذكر لرسول الله صلى الله عليه وسلم حاجته فأمره أن يأكلوه.
قال أبو عوانة: وهذا لفظ بكر بن مضر، وهو غريب 1.
2 - وقال في حديث رواه عن بيان، عن أنس بن مالك، قال: ذكر النبي -صلى الله عليه وسلم-: فقال: كان أكرم الناس.
غريبٌ لم نكتبه لبيان إلا عنه 2.
3 - وقال حدثنا يونس بن حبيب، حدثنا أبو داود، حدثنا شعبة ابن الحجاج، عن الأعمش، ومنصور، عن سالم بن أبي الجعد، عن أنس ابن مالك:
أن رجلًا قال: يا رسول الله! متى الساعة؟ قال: "ما أعددت لها"؟ قال: ما أعددت لها من كثير صلاة ولا صيام ولا صدقة، إلا أني أحب الله ورسوله، قال: "فأنت مع من أحببت".
وكذا رواه جرير عن منصور، فيه: "ولا صدقة" وهو غريب للأعمش جدًّا، ليس إلا يونس بن حبيب 3.
4 - روى من طريق ابن جريج، عن صالح بن أبي الأخضر، عن الزهريّ، حديثا، وقال بعده: ابن جريج عن صالح غريب، لأنه أنبل من صالح 1.
رابعا: الحكم بصحة بعض الطرق، وهذا قليل كما تقدم كقوله: "صحيح عن فلان".
و"فلان عن فلان صحيح" ونحو ذلك ومنه:
1 - روى بسنده حديث ابن عمر في قدوم وفد عبد القيس وسؤالهم عن الأشربة رواه من طريق يزيد بن هارون عن عبد الخالق بن سلَمة.
ثم قال: يزيد عن عبد الخالق صحيح 2.
2 - روى حديث أبي هريرة شر الطعام طعام الوليمة من طريق أيوب عن الزهريّ، وقال: أيوب عن الزهريّ: حسن 3.
3 - روى من طريق الزهريّ عن أبي سلمة حديث أبي هريرة في الأعرابي الذي ولدت امرأته غلاما أسودا، وقال بعده: صحيح عن أبي سلمة 4.
خامسا: الحكم النسبي كقوله: "هذا اللفظ أصح" و "لفظ فلان
أصح".
ومن ذلك:
1 - قال حدثنا محمد بن إسماعيل الصائغ، والصغاني، قالا: حدثنا رَوح، قال: حدثنا زكريا بن إسحاق، بإسناده قال: "من رآني في النوم فقد رآني؛ فإنه لا ينبغي للشيطان أن يتشبّه بي".
هذا اللفظ أصح 1.
2 - روى حديث سليمان بن حرب عن حماد بن زيد، عن أيوب، عن عبد الرحمن الأعرج، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "أيما مسلم لعنته، أو شتمته، فاجعل ذلك له صلاة ورحمة"، ثم ذكر لفظ عارم فقال: قال عارم: "فاجعل ذلك له إما صلاة، أو رحمة".
وقال: لفظ سليمان أصح 2.
سادسا: الحكم بالاضطراب، ومنه:
قال أبو عوانة حدثنا أبو أمية، حدثنا أبو عاصم، عن ابن جريج، عن ابن شهاب، عن سعيد وأبو سلمة، عن أبي هريرة، عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "ليس منا من لم يتغن بالقرآن".
قال لنا أبو أمية، قال لنا أبو عاصم مرة عن سعيد ومرة عن أبي سلمة، فجمعتهما.
وحدثنا غير أبي أمية، عن أبي عاصم، فقال: عن أبي سلمة، عن أبي هريرة.
قال أبو عوانة: في هذين الحديثين: حديث ابن أبي مليكة، وهذا
الحديثُ اضطرابٌ (1).
المطلب الثاني: أحكامُه على الرِّجال.
وتعددت أحكامه في ذلك توثيقا وتجريحا أو إشارته إلى الاختلاف فمن أمثلة ذلك:
1 - يحيى بن صالح الوحاظي حسن الحديث، ولكنه صاحب رأي، وهو عديل محمد بن الحسن إلى مكة.
وأحمد بن حنبل لم يكتب عنه 2.
2 - دُرُسْت بن سهل، أبو سهل التُسْتَري، كان حافظا 3.
3 - عبد الله بن جعفر المَخْرَمي ثقة 4.
4 - عمرو بن قيس السكوني عزيز الحديث 5.
5 - وقال: سهل بن محمد العسكري: أَنبلُ من سهلِ بن عثمان 6.
6 - أبو على الحسن بن أحمد بن محمد بن بكّار بن بلال الدمشقي قال أبو عوانة: هو قدري لكنّه ثقة في الحديث 7.1
7 - أبو صالح فيه لين 1. 8 - الحسن بن سليمان وكان حافظا 2. 9 - أحمد بن جميل المروزي: ثقة 3. 10 - الأزرقي: ثقة شيخ من أهل مصر 4. 11 - الوليد بن صالح: ثقةٌ بغدادي 5. 12 - قال: في سماع بكر بن عبد الله من المغيرة بن شعبة نظر 6. وقال: اختلف أهل العلم في سماع أبي عبد الرحمن السلمي من عثمان 7.
المبحث العاشر: مؤلفاته
:
لا تكاد المصادر تذكر مؤلَّفًا لأبي عوانة غير كتابه المستخرج هذا، وبه اشتهر أبو عوانة وعُرِف، ولعلَّ عبارة عبد الغافر الفارسي يُفهم منها أنَّ لأبي عوانة مؤلفاتٍ أخرى حيث قال في ترجمة عبد الملك بن الحسن الأزهري -ابن ابن أخت أبي عوانة-: "وقد أجاز له أبو عوانة ولجماعة معه بجميع كتبه ومسموعاته" 1.
و"كتبه"، تشتمل ممتلكاته من الكتب؛ وربما شملت مؤلفاته؛ إن كانت له مؤلفات غير "المستخرج"، أما "مسموعاته" فهي المرويات، وهي كتبٌ لغيره يرويها هو بالسماع، على أنَّ الإمام الذهبي رحمه الله نقل عن أبي عوانة نصَّ إجازة لجماعة، وهي مُشعِرة بأن "كتبه" مفسَّرة بِـ "مسموعاته" التي يرويها، فعطف المسموعات على الكتب من عطف التفسير، والله أعلم.
قال الذهبي رحمه الله: "قد أجاز أبو عوانة أبا نعيمٍ جميع كتبه في وصيته له ولجماعة، فقال: قد أجزت لهم جميع كتبي التي سمعتها من جميع المشايخ منها كتب عبد الرزاق، كتب ابن أبي الدنيا، وأحاديث سفيان، وشعبة، ومالك، والأوزاعي، والتفاسير والقراءات ليرووها عني على سبيل الإجازة .... " 2.
وقد عزا الكتاني إلى أبي عوانة كتابًا آخر ضمن كتب الشمائل النبوية، والسير المصطفوية، والمغازي، وهو كتاب "دلائل الإعجاز"، وتفرد بذلك، فإن صحَّت نسبته فلعله في عداد المفقود، والله أعلم 1.
وأما مرويَّاته:
فإضافة إلى ما سبق ذكره -من روايته لكتب أئمة الحديث كشعبة، وسفيان، ومالك- فله مرويات لكتبٍ مشهورة منها:
1 - روايته لأحاديث مختصر المزني.
قال ابن الصلاح: "وقد سمعت بنيسابور أحاديث مختصر المزني، رواية أبي عوانة عنه، بإسنادها إليه" 2.
2 - روايته للعلل ومعرفة الرجال عن المرُّوذي، والميموني، وصالح بن أحمد بن حنبل عن الإمام أحمد بن حنبل 3.
المبحث الحادي عشر: وفاته
: وبعد هذه الحياة العامرة بطلب حديث رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ونشره وروايته أدركت أبا عوانة منيتُه فتوفي في سَلْخِ ذي الحجة سنة ست عشرة وثلاثمائة للهجرة النبوية، في بلدته إسفرايين 1. وقال عبد الغافر بن إسماعيل: توفي سنة ثلاث عشرة وثلاثمائة 2. وهذا قولٌ مرجوحٌ لثلاثةِ أمور: الأمر الأول: ذكر الإمام الذهبي أنَّ أبا عوانة أجاز أبا نعيم جميعَ كتبه في وصيةٍ له ولجماعةٍ في شهر رمضان سنة خمس عشرة وثلاثمائة للهجرة 3. الأمر الثاني: أسند الإمام الذهبي إلى عبد الملك بن الحسن أنه قال: أخبرنا يعقوب بن إسحاق الحافظ سنة 316 للهِجرة ... 4. الأمر الثالث: نص كثير من العلماء على أن وفاته كانت سنة 316 هـ، منهم: ابنه محمد 5، وابن أخته الحسن بن محمد الإسفراييني 6،
والسمعاني 1، وابن الصلاح 2، وابن خلِّكان 3، والذهبي 4، وابن كثير 5، والسخاوي 6، والسيوطي 7.
وصرّح بترجيح هذا القول الإسنويُّ 8، والسُّبكيُّ 9.
أنها ما جاء في كتاب مختصر تاريخ دمشق لابن منظور: "وقال حمزة بن يوسف توفي بجرجان سنة ثنتين وتسعين ومائتين" 10 فهو تصحيف، والصواب: "روى بجرجان سنة ثنتين وتسعين ومائتين" 11 والله تعالى أعلم.
ودُفِن -رحمةُ الله عليه- بإسفرايينَ على يسارِ الدَّاخلِ من باب مدينة نيسابور 12.
الفصل الثاني: دراسة الكتاب
، وفيه عشرة مباحث:
المبحث الأول: بيان اسم الكتاب
.
المبحث الثاني: توثيق نسبته إلى مؤلفه.
المبحث الثالث: مصادره في كتابه.
المبحث الرابع: درجة أحاديث الكتاب.
المبحث الخامس: درجة رجال أبي عوانة.
المبحث السادس: دراسة موضوع الكتاب، وبيان معنى الاستخراج.
المبحث السابع: دراسة الزوائد والمعلقات في المستخرج.
المبحث الثامن: أهمية كتاب أبي عوانة، وعناية العلماء به.
المبحث التاسع: بيان منهج المؤلف في كتابه.
المبحث العاشر: وصف النسخ الخطية، وتراجم رجال أسانيدها، ودراسة السماعات الموجودة عليها.
الفصل الثاني: دراسة الكتاب:
المبحث الأول: بيان اسم الكتاب
:
اختلفتْ نُسَخُ مُستخرجِ الحافظِ أبي عوانة في تَسميته، كما تعدَّدتْ أسامِيه في إطلاقاتِ العلماء بعد الحافظِ أبي عوانة، ويرجِعُ الاختلافُ في ذلِك إلى عدمِ وُجُودِ نصِّ مؤلِّف الكتابِ يحَدِّدُ تسميتَه، حيثُ لم نقفْ على نصٍّ يُحَدِّدُ تسميةَ الكتاب في مقدِّمة المؤلِّف، ولا منقولًا عنه في مصادرَ أُخر.
والإطلاقات التي وقفنا عليها في اسم الكتاب هي:
1 - مختصر أبي عوانة يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم مِمَّا ألَّفه على كِتاب مسلم بن الحجَّاج 1.
2 - مختصر المسند الصحيح المؤلف على كتاب مسلم 2.
3 - المُسند الصحيح المخرَّج على صحيح مسلم 3.
4 - الصحِيح المُسند المخرَّج على صحيح مسلم 1. 5 - الصحيح المخرَّج على كتاب مسلم بن الحجاج 2. 6 - المسند الصحيح المخرَّج على كتاب مسلم 3. 7 - المسند المصَحَّح المخرَّج على كتاب مسلم 4. 8 - المُسندُ المُخرَّج على كتاب مُسلم بن الحجَّاج 5. 9 - مسند أبي عوانة المخرَّج على صحيح مسلم 6. 10 - مخرَّج أبي عوانة الإسفراييني الحافظ على كتاب مسلم 7. 11 - مخرَّجُ أبي عوانة الإِسفَراييني 8. = انظر: طبقات الشافعية (ص 104)، النُّجوم الزَّاهِرة (3/ 222)، السير (14/ 417).
12 - المسند الصحيح على صحيح مسلم بن الحجاج القُشَيري 1. 13 - كتاب أبي عوانة الإسفراييني المخرَّج على شرط مسلم 2. 14 - كتاب أبي عوانة المخرَّج على مسلم 3. 15 - مختصر المسند الصحيح على مسلم 4. 16 - الصحيح المستخرج على مسلم 5. 17 - المستخرج على صحيح مُسلم بن الحجاج 6. 18 - صحيح أبي عوانة 7.
19 - مستخرج أبي عوانة 1. 20 - مُسند أبي عوانة 2. 21 - الصحيح المسند 3. 22 - المُسند 4. والأقرب -والله أعلم- في تَسميةِ الكتاب العلميَّة، هو تسميتُه بِـ "المسند الصحيح المخرَّج على صحيح مسلم"، وذلك لأمُور: أوَّلا: اختلافُ أهل العلم في اسم الكتاب، هو من باب الاقتصار بتسمية الكتاب بأحد الأوصاف التي يشملها موضوعُ الكتاب، فوصفوه بِـ: المسنَد، والمختصر، والصحيح، والمستخرج، والمخرَّج على: "مسلم / كتاب = بموصول السلف (ص 283)، ومحمد بن أحمد الفاسي المكي في ذيل التقييد (2/ 200) وحاجي خليفة في كشفِ الظنون (2/ 1075).
مسلم / صحيح مسلم" ونحوه، فأمَّا وَصفُه بالمسندِ فواضحٌ من حيثُ أسانيده المتَّصِلة، ووصفُه بالمختصرِ لعدمِ استيعابه جميعَ الأحاديثِ النَّبوية 1، ووصفُه بالصَّحيح باعتبارِ أغْلَبِ أحَادِيثه، ووصفُه بالمخرَّج والمستخرَج باعتبار النظر إلى موضوعه (الاستخراج)، فهذه الأوصافُ السابقة الذكر تصدُقُ على هذا الكتاب منفردةً ومجتمعةً، ولكنَّها بمجموعها تدلُّ على موضوع الكتاب ومحتواه بدقة، فيُستَحسَنُ وصفه بمجموع تلك الأوصاف.
ثاني: تصرُّف العلماء في اسم الكتاب تصرُّفٌ سائغٌ معمولٌ به بين أهل العلم يلجؤون إليه لأجل الاختِصار في اسم الكتاب، خاصَّةً إذا كان اسم الكتاب طويلًا، ومن هذا القَبيلِ تصرُّفهم بالاختصار في اسم صحيح
البخاري، وصحيح مسلم وصحيح ابن خُزيمة، وجامع التِّرمذي 1.
ثالثا: تسميةُ الكتاب بِـ "المُسند الصحيح المخرَّج على صَحيح مُسلم"، تسميةٌ جامعةٌ لجميعِ الأوصافِ التي وردتْ في كلام العُلماء، وأطلقها أكثرُ العُلماء، منهم ابن عساكر، وابن خلّكان، والذَّهبي، وابن قاضِي شهبة، وابن تغري بردي، وياقوت الحَموي، والسُّبكي، وصدِّيق حسن خان، على اختلافٍ في إطلاقيْ الإمام الذَّهبي في تقديم وتأخير بعض الأوصاف في الاسم، وذكرِ الحَموي والسُّبكي وابن عساكر وابن خلكان "كتابَ مسلمٍ" بدلَ "صحيحِ مسلمٍ" كما تقدَّم، وقريبٌ منها بعضُ إطلاقات الحافظ ابن الصلاح والاسم الذي وسمه به فؤاد سزكين 2، والتَّسميةُ التي جاءت في السَّماع الثاني الموجود بآخر المجلد الخامس من نُسخة "كوبرلي".
أما إضافةُ وصف "المختصر" إلى التَّسمية الراجحة فكان تركه لأمرين:
الأول: قلَّةُ من ذكره من العُلماء، مقارَنةً بالتَّسمية الراجحة الشامِلة للأوصافِ التي وردتْ مجتمعةً في إطلاق أكثر العُلماء، ومنثُورةً في إطلاقِ الباقين.
الثاني: أنَّه وصفٌ محتمل، فقد يكُون من وصْفِ بعض العُلماء للكِتاب، لأنَّه لم يستوعِب جميعَ الأحاديث.
المبحث الثاني: توثيق نسبه الكتاب للمؤلف
:
كتاب المستخرج على صحيح مسلم الذي بين أيدينا، ثابت النسبة إلى أبي عوانة الإسفراييني، للأمور التالية:
1 - كلُّ من ترجم لأبي عوانة رحمه الله نسب هذا الكتاب إليه، على اختلافٍ بينهم في التعبير عن اسم الكتاب كما سبق.
2 - اتفقت جميع النسخ الخطيَّة على نسبة الكتاب إلى أبي عوانة الإسفراييني في غلاف النسخ، وفي السماعات الموجودة بها.
3 - صحة أسانيد الكتاب -المثبتة في مستهلِّ أكثر النسخ- إلى أبي عوانة، كما سيأتي بيانه في مبحث وصف النسخ الخطية للكتاب.
4 - كثرة سماعات العلماء لهذا الكتاب، ومنهم علماء أجلَّة، وسيأتي بيان ذلك أيضًا في المبحث المذكور.
5 - ضمَّن الحافظ ابن حجر أسانيد أحاديثه مع أطراف متونه في كتابه "إتحاف المهرة بالفوائد المبتكرة" ونسبها لأبي عوانة، وهي موجودةٌ في هذا الكتاب كما ذكر الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى.
6 - أغلب الشيوخ الذين روى عنهم أَبو عوانة في كتابه هذا، نصَّ العلماء على أخذ أبي عوانة عنهم، وتتلمُذه عليهم.
7 - نقولاتُ بعض العلماء من هذا الكتاب ونسبة تلك النقولات إليه، وهي موجودةٌ في هذا الكتاب، ومن هؤلاء:
أ- ابن الصلاح في كتابه "صيانة صحيح مسلم 1 ". ب- المزي في "تهذيب الكمال 2 ". جـ- ابن حجر العسقلاني في كتابيه "فتح الباري 3 "، و "النكت الظراف 4 ". فكلُّ هذه الأمور تؤكد صحة نسبة الكتاب إلى أبي عوانة رحمه الله.
المبحث الثالث: مصادره في كتابه.
عاش أَبو عوانة -رحمه الله تعالى- في الفترة (230 - 316 هـ) التي كانت قد صُنِّفَتْ فيها أمهاتُ المصادر في علم الحديث من الصِّحَاح، والسُّنَنِ، والمسانيد، وغيرها، ومع ذلك فإن العلماءَ في تلك الحقبة من الزمن عُنُوا بالسماع والتلقّي عن الشيوخ، والرحلة في طلب الحديث، ولم يقتصروا على الأخذ من المصنفات الحديثية.
ورحلات أبي عوانة إلى الآفاق كانت من ثمار هذا الدافع، فقد مكَّنَتْه رحلاتُه من الالتقاء بعدد كبير من المشايخ -كما سبق- فروى عنهم ما دوَّنه في هذا السِّفْرِ العظيم.
ولأن مادة الكتاب مادة حديثية؛ فسنكتفي بدراسة مصادره الحديثية، حيث تنوعت إلى عدة أنواع:
النوع الأول: الرواية:
وهذا النوع هو الغالب على طابع الكتاب، فالإمام أَبو عوانة إمام رحَّال طاف البلدان، ورحل إلى الأمصار، ولقي أئمة الحديث أصحاب الرواية فأخذ عنهم، فمنهم من أكثر عنهم كأبي أمية محمد بن إبراهيم الطرسوسي، ومحمد بن يحيى الذهلى، ويونس بن عبد الأعلى، ومحمد ابن إسحاق الصاغاني، ومحمد بن جعفر الصائغ، ومحمد بن رجاء السندي -وله كتاب مخرج على صحيح مسلم 1 - ويونس بن مسلم وغيرهم.
ومنهم من روى عنهم ولكنه لم يكثر عنهم، كابن المنادي، وهلال ابن العلاء الرقي، وأبي قلابة الرقاشي، وغيرهم.
ومنهم من روى عنهم الحديث والحديثين، كمحمد بن عامر المصيصى، وعبد المؤمن بن أحمد، ويعقوب بن إسحاق القلوسي وغيرهم.
النوع الثاني: ما سمعه من شُيوخه من المصنَّفات والكتب والصحائف الحديثية 1:
ذكر الإمام الذهبي رحمه الله في ترجمة أبي نعيم عبد الملك بن الحسن الإسفراييني (ت 400 هـ)، أن أبا عوانة قد أجاز له جميع كتبه في كتاب كتبه، في وصية له ولجماعة فقال: "قد أجزت لهم جميع كتبي، التي سعتها من جميع المشايخ، منها كتب عبد الرزاق، كتب ابن أبي الدنيا، وأحاديث سفيان، وشعبة، ومالك والأوزاعي، والتفاسير، والقراءات، ليرووها عني على سبيل الإجازة، في رمضان سنة خمس عشرة وثلاث مائة 2 " أهـ.
فهذا النص يدل على أن أبا عوانة كانت عنده كتب سمعها من مشايخه قد أجيزت له، ومن طريقها كان يقتبس بعض المرويات.
ومن الكتب التي نقل منها أَبو عوانة بعض الأحاديث ما يلي:
1 - صحيفة همام بن منبه، برواية السلمي عن عبد الرزاق عن
معمر عن همام.
2 - موطأ الإمام مالك بن أنس.
3 - كتاب القدر لعبد الله بن وهب.
4 - مسند أبي داود الطيالسي، برواية يونس بن حبيب.
5 - مصنفات الشافعي برواية الربيع بن سليمان، والمزني عنه.
6 - مصنف عبد الرزاق برواية الدبري.
7 - مسند الحميدي، من طريق بشر بن موسى الأسدي، وابن أبي مسرة.
8 - سنن سعيد بن منصور.
9 - مسند مسدد بن مسرهد الأزدي.
10 - المصنفات عن يحيى بن معين.
11 - المسند للإمام أحمد برواية ابنه عبد الله.
12 - صحيح الإمام مسلم.
13 - السنن لأبي داود السجستاني.
14 - مسند الحارث بن محمد بن أبي أسامة داهر.
15 - السنن الكبرى والصغرى للنسائي.
16 - كتاب الجزية ليونس بن عبد الأعلى.
17 - كتاب العلم ليونس بن عبد الأعلى.
18 - كتاب الصمت وأدب اللسان لابن أبي الدنيا.
19 - كتاب المرض والكفارات لابن أبي الدنيا.
ومن مصادره في بيان غريب الحديث أَبو عبيد القاسم بن سلام ابن عبد الله (ت 224 هـ) مصنف غريب الحديث، والغريب المصنف، وفضائل القرآن وغيرها 1.
كما ينقل شرح بعض الغريب عن أبي العباس محمد بن يزيد المبرد (ت 285 هـ) شيخ النحاة وإمام العربية ببغداد في زمانه، صاحب الكامل، نقل عنه نصا في بيان معنى الأيم، فقال: سمعت أبا العباس المبرد يقول: "الأيم التي لا زوج لها نكحت أو لم تنكح 2 ".
النوع الثالث: ما رواه عن طريق الكتابة والمراسلة:
ومن ذلك قوله: كتب إلي الحسن بن سفيان على يدي عبد الله ابن محمد، يذكر أن حرملة بن يحيى حدثهم .... 3.
المبحث الرابع: درجة أحاديث الكتاب.
غالب أحاديث كتاب أبي عوانة صحاح، وممن نص على هذا العلامة المعلمي -رحمه الله- 1، لأنه في الأصل مستخرج على صحيح مسلم، وبالتالي فأحاديثه غالبها مخرجة في صحيح مسلم، وهذا لا كلام فيه، وإنما البحث والنظر في الأحاديث التي زادها أَبو عوانة على صحيح مسلم، وهذه الأحاديث قد تبين من خلال دراستها أن فيها الصحيح والحسن والضعيف، وهو ما أشار إليه بعض أهل العلم من قبل، كالحافظ ابن حجر حيث قال: "كتاب أبي عوانة وإن سماه بعضهم مستخرجا على مسلم، فإن له فيه أحاديث كثيرة مستقلة في أثناء الأبواب، نبه هو على كثير منها، ويوجد فيها الصحيح والحسن والضعيف أيضًا والموقوف 2 ". وكذا ذكر العلامة المعلمي أن في مستخرج أبي عوانة أحاديث ضعيفة 3 لكن أظهرت الدراسة لهذه الزيادات أن الغالب عليها الصحة، وهذا يتبين من خلال النظر في تخريجها والنظر في الكلام على أسانيدها 4. بل أشار الذهبي إلى وجود بعض الأحاديث الموضوعة أيضًا في كتاب
أبي عوانة، كما ذكر في ترجمة عبد الله بن محمد البلوي من الميزان: "روى عنه أَبو عوانة في صحيحه في الاستسقاء خبرا موضوعا 1 ". لكنَّ وجود الأحاديث الموضوعة في كتاب أبي عوانة إنما هو على سبيل النُّدرة.
المبحث الخامس: درجةُ رجال أبي عوانة.
أكثرُ رجال أبي عوانة في مستخرجه ثقات أو في حيز الاحتجاج، وهذا ظاهر لمن تأمل تراجمهم، وذلك أن كتاب أبي عوانة هو في الأصل مستخرج على صحيح مسلم، وهو يلتقي مع مسلم في أغلب الأحيان في شيخه أو شيخ شيخه، ورجالِ أَبي عوانة في الغالب هم رجالُ مسلمٍ الذين أخرج لهم في الصحيح، لكن مع هذا فقد أخرج أَبو عوانة في كتابه لجماعة من الضُّعفاء، بل وفيهم بعضُ المتروكين والكذابين، لكن على سبيل الندرة 1، وليس هذا غريبا، لأن أصحاب المستخرجات ومنهم أَبو عوانة، إنما جل قصدهم أن يعلو إسنادهم في الأحاديث التي يخرجونها، ويجتهدون أن يكونوا هم والمخرَّج عليهم سواء، فإن فاتهم ذلك فأعلى ما يرونه، فمن ثم فإنهم لا يلتزمون في أسانيدهم الصحَّة، لأنَّ هذا ليس هو قصدَهم الأصليّ، فمثلا ربَّما لا يقع لأبي عوانة الحديث إلا من طريقِ رجلٍ ضعيف، فيتساهلُ في ذلك، لأن أصل الحديث صحيح معروف، من غير طريق ذاك الضعيف، والقصد إنما هو العلو وقد حصل 2. وإذا نظرنا إلى مستخرج أبي عوانة وحال رجاله، فيما بينه وبين ملتقى
إسناده مع إسناد مسلم؛ نجدهم يختلفون في درجاتهم، فغالبهم ثقات، ومن سواهم وهم قلة على أنواع: أ- من يكتب حديثه مثل: 1 - مسلم بن خالد القرشي 1. 2 - العلاء بن هلال الرقي 2. 3 - زمعة بن صالح 3. ب: ضعيف لا يعتبر بحديثه -وهم قليل- منهم: 1 - أشعث بن سوَّار الكندي 4. 2 - بكار بن محمد 5. 3 - أحمد بن محمد بن يحيى الحضرمي 6. جـ: من لا يعرف فيه جرح ولا تعديل، مثل: 1 - فضل بن عبد الجبار 7.
2 - محمد بن عمرو بن نافع 1. د: من اتهم بالكذب مثل: 1 - عبد الله بن عمرو الواقعي 2. 2 - إسماعيل بن إبراهيم أَبو الأحوص الإسفراييني 3. 3 - جعفر بن عبد الواحد 4. 4 - عبد الرحمن بن عمرو بن جبلة 5. 5 - خالد بن يزيد العمري 6. وإجمالا فرجال أبي عوانة ينطبق عليهم ما تقدم نقلُه 7 عن الحافظ ابن حجر في قوله: إن من فوائد المستخرجات: "الحكم بعدالة من أخرج له فيه -أي صاحب المستخرج-، لأن المُخَرِّج على شرط الصحيح يلزمه أن لا يُخَرِّج إلا عن ثقة عنده، فالرجال الذين في المستخرج ينقسمون أقسامًا فهم: أ- من ثبتت عدالته قبل هذا المُخَرِّج، فلا كلام فيهم.
ب - ومنهم من طعن فيه غير هذا المُخَرِّج فينظر في ذلك الطعن إن كان مقبولًا فيقدم وإلا فلا.
جـ - ومنهم من لا يعرف لأحد قبل المخرج فيه توثيق ولا تجريح فتخريج من يشترط الصحة لهم ينقلهم من درجة من هو مستور إلى درجة من هو موثوق، فيستفاد من ذلك صحة أحاديثهم التي يروونها بهذا الإسناد ولو لم يكن في ذلك المستخرج والله أعلم".
المبحث السادس: بيان معنى الاستخراج، ودراسة موضوع الكتاب.
معنى الاستخراج:
الاستخراج لغة مصدر من باب الاستفعال، مأخوذ من: خَرَجَ يَخْرُجُ خُرُوجًا ومَخْرَجًا.
قال ابن فارس: (خرج) الخاء والراء والجيم أصلان، فالأول: النفاذ عن الشيء، والثاني: اختلاف لونين 1.
والاستِخراج بمعنى الاستنباط والاستِخلاص، يقال: استخرجت الشيء من المعدن: خلصته 2.
والمُستخرَج -بفتح الراء- اسمُ مفعولٍ منه، والمقصودُ منه الكتابُ الذي استُخرِجَ على كتابٍ آخر، وسمي بذلك لاستنباط مؤلفه للطرق المتعلقة بأحاديث الكتاب المستخرج عليه، وقد يقال له "المخرَّج" كما وقع في كلام ابن الصلاح، و "المستخرِجُ" -بكسر الراء- اسم فاعلٍ منه، ويرادُ به مصنِّفُ المستخرَجِ، أو من يقومُ بالاستخراج على أحاديث كتابٍ ما 3.
و "الاستخراجُ" في مصطلحِ أهل الحديث هو: أن يعْمدَ حافظٌ من الحفَّاظ إلى كتابٍ من كُتب الحديث فيخرِج أحاديثَه بأسانيدَ لنفسه من غير طريق صاحب الكِتاب فيِجتمعَ معه في شَيخه أو من فوقه، ولو في الصَّحابي 1. شرطُ الاستِخراج: كما قال الحافظ ابن حجر: "أن لا يصل إلى شيخ أبعد حتى يفقد سندًا يوصله إلى الأقرب إلا لعذر من علوٍ أو زيادة مهمَّة، ولذلك يقول أَبو عوانة في مستخرجه على مسلم بعد أن يسوق طرق مسلم كلها: من هنا لمُخَرِّجه 2، ثم يسوق أسانيد يجتمع فيها مع = مختار الصحاح (ص 72)، توجيه النظر إلى أصول الأثر (1/ 248).
مسلم فيمن فوق ذلك، وربما قال: من هنا لم يخرجاه، ولا يظن أنه يعني البخاري ومسلمًا، فإني استقريت صنيعه في ذلك فوجدته إنما يعني مسلمًا وأبا الفضل أحمد بن سلمة 1 فإنه كان قرين مسلم، وصنَّف مثل مسلم".
"ومقتضى الاكتفاء بالالتقاء قي الصحابي أنهما لو اتفقا في الشيخ مثلًا ولم يتحد سنده عندهما ثم اجتمع في الصحابي، إدخاله، وإن صرح بعضهم بخلافه وربما عز على الحافظ وجود بعض الأحاديث فيتركه أصلًا، أو يعلقه عن بعض رواته، أو يورده من جهة مصنف الأصل" 2.
وقال الإمام السَّخاوي: "وربما عزّ على الحافظ وجود بعض الأحاديث فيتركه أصلًا، أو يعلِّقه عن بعض رواته، أو يورده من جهة مصنف الأصل" 3.
ولا يلزَم في المستخرَج موافقةُ لفظِ الأصل المخرَّجِ عليه، لأنَّ المستخرِجين يروون بالألفاظ التي تقعُ لهم عن شُيوخِهم فيحصُل فيها تفاوتٌ في اللَّفظِ، أو في اللَّفظ والمعنى معا 4.
أما موضوع كتاب أبي عوانة رحمه الله: فحديث رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، والآثار عن صحابته والتابعين؛ التي رواها بأسانيد مسلم في صحيحه، كذلك ما رواه أحمد بن سلمة النيسابوري في صحيحه، وهذا الأخير مقصود أبي عوانة بقوله -أحيانًا "من هُنا لَم يخرِّجَاه 1 " أو يشير إليهما بصِيغة الجَمع -نادرًا-: "لَم يخرِجُوه 2 " أو "لم يخرجْه أصحابنا 3 " ونبَّه على ذلك الحافظ ابن حجر؛ فقد قال: "ولا يُظنُّ أنه يعني بذلك البخاري ومسلمًا، فإني قد استقرأت صنيعه في ذلك فوجدته إنما يعني مسلمًا وأبا الفضل أحمد بن سلمة (ت / 286 هـ) فإنه كان قرين مسلم وصنَّف مثل مسلم 4 ". على أنَّ الإمام الذهبي رحمه الله سبق الحافظ بقول كهذا، بل له فائدة أخرى، فقد قال رحمه الله في أثناء ترجمته لأحمد بن سلمة هذا: "له مستخرجٌ كهيئة صحيح مسلم 5 "، وهذا يُرشد إلى أنَّ كتاب أحمد بن سلمة:
"مستخرجٌ على صحيح مسلم" سابق لمستخرج أبي عوانة، ويؤيِّده أن الكتَّاني ذكر "صحيح أحمد بن سلمة" هذا في عِداد "المستخرجات على الصحيحين؛ أو أحدهما 1 ".
ومن ثم يمكن أن يكون معنى قول أبي عوانة رحمه الله: "من هنا لم يخرِّجاه" أي: لم يخرجه مسلم، وتبعًا لذلك لم يستخرجه أحمد بن سلمة -عليه- أيضًا.
وفي قول أبي عوانة: "من هنا لم يخرِّجاه" وقوله: "من هنا لم يخرجه" ما يلي:
1 - يلتقي إسناد أبي عوانة مع ما استخرج عليه فيمن فوق شيخ الأصل المستخرج عليه ولو في الصحابي.
ولعل مراد أبي عوانة في نفيه الإخراج هنا: أن صاحب الأصل المستخرج عليه لم يخرج الحديث من هذا المخرج الذي أورده أَبو عوانة، وإن كان قد أخرج أصل الرواية 2.
وقد يورد أَبو عوانة هنا أحاديث تشهد لما في الأصل ولكنه لم يخرجها، وقد يورد أيضًا أحاديث زائدة تدخل ضمن ترجمة الباب الذي
عقده أَبو عوانة، أو الكتاب الذي يتبع له ذلك الباب 1. وينتهي هذا الموضع بقول أبي عوانة في آخره: "إلى هنا لم يخرجاه"، أو قوله: "إلى هنا لم يخرجه مسلم" 2، أو بقوله: "إلى هنا زدته من عندي" 3 وقد ينتهي هذا الموضع بنهاية الباب الذي ترجم له 4. 2 - يختص الاستخراج في الموضع الذي يقول فيه أَبو عوانة: "من هنا لم يخرجاه" بكونه على صحيحي مسلم وأبي الفضل أحمد بن سلمة، وأما ما سواه فالاستخراج فيه مختصٌ بأصل موضوع الكتاب على صحيح مسلم وحده.
المبحث السابع: دراسة الزوائد والمعلقات في المستخرج.
المطلب الأول: دراسة الزوائد في المستخرج
.
اعتنى أَبو عوانة -زيادةً على الاستخراج على صحيح مسلم- بالزوائد المتنية والإسنادية وإيراد أحاديث مستقلة زائدة على ما في صحيح مسلم.
فقد يصدر بعض الأحاديث بقوله: "زيادات لم يخرجها مسلم في صحيحه"، أو يقول: "من هنا لم يخرجاه"، أو "من هنا لم يخرجه مسلم"، وهذا إنما يفعله أَبو عوانة بعد سياقه طرق مسلم كلها، فيورد في هذا الموضع أحاديثًا يجتمع فيها مع من فوق شيخ مسلم، أو تكون تلك الأحاديث زائدة لم يخرجها صاحب الأصل الذي استخرج عليه أصلًا.
ولذا يقول الذهبي: في ترجمة أبي عوانة من كتابه السير: " ... وزاد أحاديث قليلة في أواخر الأبواب" 1.
وقال في "التذكرة": " ... وله فيه زيادات عِدَّة" 2.
ويقول الحافظ ابن حجر في إتحاف المهرة في حديثه عن كتاب أبي عوانة: "وهو في الأصل كالمستخرج على صحيح مسلم، لكنه زاد فيه زيادات كثيرة جدًّا من الطرق المفيدة، بل ومن الأحاديث المستقلة" 3.
وقال في النكت: "كتاب أبي عوانة، وإن سمَّاه بعضهم مستخرجًا على مسلم فإن له فيه أحاديث كثيرة مستقلة في أثناء الأبواب نبَّه هو على كثير منها ويوجد فيها الصحيح والحسن والضعيف -أيضًا- والموقوف" 1.
وقال في المعجم المفهرس: "صحيح أبي عوانة، وهو مستخرج على صحيح مسلم لكن زاد فيه طرقًا في الأسانيد، وقليلًا في المتون ... " 2.
فالزيادات القليلة هي بالنسبة للأحاديث المستقلة، أما الزيادات العِدَّة فبالنسبة للطرق الزائدة لأحاديث مسلم، وعلى هذا يحمل كلام الذهبي السابق، وهذا هو واقع الكتاب من خلال العمل فيه.
وقد جنح ابن الصلاح في مقدمته إلى صحة ما وقع في الكتب المخرَّجة على الصحيحين أو أحدهما ككتاب أبي عوانة هذا من الزيادات 3، إذ نجده في صيانة صحيح مسلم يعبر عن كتاب أبي عوانة فيقول: "ورويناه في كتاب أبي عوانة الإسفراييني المُخَرَّج على شرط مسلم" 4.
وتبعه على هذا العراقي في التقييد 5، وابن الملقن في المقنع في علوم