مستخرج أبي عوانة ط الجامعة الإسلاميةصفحات 429-448

7246 - حدثنا عمّار، قال: حدثنا أبو داود 1، قال: حدثنا شعبة، عن الأعمش 2، قال: سمعت أبا وائل يقول: سمعت سهل بن حنيف يقول يوم صفين بمثله، وقال: إلّا أمرنا هذا 3.

7247 - حدثنا أبو أميّة، قال: حدثنا أبو النعمان، قال: حدثنا أبو عوانة 1، عن الأعمش 2 -بإسناده مثله- 3.

7248 - حدثنا العبّاس بن محمد، قال: حدثنا محاضر، عن الأعمش 1، عن أبي وائل، قال: سمعت سهل بن حنيف بصفين يقول: يا أَيّها النّاس اتهموا أنفسكم، فوالله لقد رأيتني يوم أبي جندلٍ ولو أستطيع أنْ أردّ أَمرَ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لرددته، والله ما وضعنا سيوفنا على عواتقنا إلى أمْرٍ قط مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إلّا أَسهل بنا إلى أمرٍ نعرفه إلّا قتالنا هذا

في يوم صفين 2.

7249 - حدثنا محمد بن حيّوية، قال: حدثنا الحميدي، قال: حدثنا سفيان 4، قال: سمعت الأعمش 5 يقول: سمعت أبا وائل يقول: لما كان يوم صفين وحكم الحكمين، سمعت سهل بن حنيف يقول: يا أيّها الناس اتهموا رأيكم، فلقد رأَيتنا مع رسول الله يوم أبي جندل ولو نستطيع أنْ نردّ على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أَمرَه لرددناه، وأَيمُ الله، وأيم الله ما وضعنا سيوفنا على عواتقنا منذ أسلمنا لأمر يفظعنا إلا أسهلت بنا إلى أَمرٍ نعرفه، ألا! وإنّ هذا الأمر ما نسدّ منه خُصْمًا 6 إلّا انفتح علينا منه خُصْمٌ آخر 7.

7250 - حدثنا الصغاني، وأبو أمية، قالا: حدثنا محمد بن سابق 3، قال: حدثنا مالك بن مغول 4، عن أبي حصين، قال: قال أبو وائل: لما قدم سهل بن حنيف من صفين أتيناه نستخبره فقال: اتهموا الرأي، فلقد رأيتني يوم أبي جندل ولو أستطيعُ أنْ أردّ على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أَمْره لرَدَدْتُ، والله ورسوله أعلم، ما وضعنا سيوفنا على عواتقنا لأمر يفظعنا إلّا أُسْهل بنا إلى أمر نعرفه قبل هذا الأمر، ما نسد منه خُصْمًا إلا انفجر علينا خُصْمٌ ما ندري كيف نأتي به 5. رواه أبو أسامة عن مالك 6.

7251 - حدثنا أبو الحسن جعفر بن محمد بن الحجاج بن فرقد

الرقي، قال: حدثنا عبد الله بن عمر الخطابي 1، وحدثنا موسى بن أبي عوف الدمشقي 2، وأحمد بن سهل بن أيوب الأهوازي، قالا: حدثنا عاصم بن النضر 3، قالا: حدثنا المعتمر بن سليمان 4، قال: سمعت أبي قال: حدثنا قتادة، عن أنس بن مالك، قال: في رجعنا من غزوة الحديبية وقد حِيْلَ بيننا وبين نسكنا، قال: فنحن بين الحزن والكآبة، قال: فأنزل الله - عز وجل -: ﴿إنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا (1) لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ...﴾ الآية إلى قوله ﴿مُسْتَقِيمًا﴾ 5، أو كما شاء الله، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "لقد أنزلت عليّ آية هي أحب إليّ من الدنيا جميعًا" وقال عاصم: "أَيَّةُ آية خير من

الدنيا جميعًا" 6.

7252 - حدثنا محمد بن أبي داود أبو جعفر المنادي، قال: حدثنا يونس بن محمد 1، قال: حدثنا شيبان، عن قتادة، قال: حدثنا أنس بن مالك: إنّما أُنزلت على نبي الله -صلى الله عليه وسلم- الحديبية، وأصحابه مخالطون الحزن والكآبة؛ قد حيل بينهم وبين مناسكهم، ونحروا الهدي بالحديبية، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- "لقد أنزلت علي آية أحب إليّ من الدنيا جميعًا، فقرأها على أصحابه" فقالوا: هنيئا مريئا يا رسول الله! قد بين الله ماذا يفعل بك فماذا يفعل بنا، فأنزل الله - عز وجل - في ذلك ﴿لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَيُكَفِّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ﴾ الآية 2 3.

7253 - حدثنا يعقوب بن سفيان الفارسي، وأبو داود الحراني، وأبو أميّة، قالوا: حدثنا عمرو بن عاصم، قال: حدثنا همام 1، عن قتادة، عن أنس بن مالك، قال: أنزلت على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا﴾ 2 مرجعهم من الحديبية، وقد خالط أصحابه الحزن والكآبة، قال: فقرأها عليهم حتى بلغ: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا (2) وَيَنْصُرَكَ اللَّهُ نَصْرًا عَزِيزًا﴾ 3، فقال رجل: هنيئًا لك يا رسول الله! قد بين الله لك ما يفعل بك، فماذا يفعل بنا؟ فأنزل الله الآية الأخرى بعدها: ﴿لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَيُكَفِّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَكَانَ ذَلِكَ عِنْدَ اللَّهِ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ 4 5. زعم بعض النّاس أن الصحيح من هذا الحديث عن أنس هو ما روى سليمان التيمي بزيادة هي عن قتادة، عن عكرمة 6.

ورواه أبو داود 7 عن همام.

7254 - حدثنا سعيد بن مسعود، قال: حدثنا المدائني محمد بن جعفر 1، قال: حدثنا شعبة عن قتادة 2، عن أنس، قال: كنّا مع النبي -صلى الله عليه وسلم- بالحديبية فنزلت: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا﴾ 3 4. رواه مسلم 5 عن نصر بن علي، عن خالد بن الحارث، عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن أنس حدثهم لما نزلت: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا﴾ 6 الآية، مرجعه من الحديبية، وهم مخالطهم الحزن والكآبة، وقد نُحِر الهدي بالحديبية، فقال: "آية أنزلت عليّ! آية هي أحب إلي من الدنيا وما فيها".

7255 - حدثنا سليمان بن شعيب الكيساني 8، قال: حدثنا عبد الرحمن بن زياد الرصاصي 9، قال: حدثنا شعبة، عن قتادة 10، قال: سمعت أنس بن مالك يقول: أنزلت هذه الآية حين رجع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- من الحديبية: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا (1)﴾ 11 12.

7256 - حدثنا أبو جعفر الدارمي 1، قال: حدثنا عثمان بن عمر، قال: أخبرنا شعبة، عن قتادة 2 عن أنس في قوله - عز وجل -: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا﴾ 3، قال: فتح الحديبية، قال أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم- هنيئًا لك يا رسول الله غفر لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر فما لنا؟ فأنزل الله - عز وجل -: ﴿لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ إلى قوله: ﴿فَوْزًا عَظِيمًا﴾ 4 قال شعبة: فأتيت الكوفة فحدثتهم بهذا الحديث عن قتادة، عن أنس، فلَمّا رجعنا إلى البصرة سألت عنه قتادة فقال: أَمّا الأَولُ فتح الحديبية فهو عن أَنس، وأَمّا هذا قول أَصحابه: هنيئًا لكَ، هذا عن عكرمة 5.

7257 - حدثنا الصغاني، قال: حدثنا أبو النضر 1، قال: حدثنا شعبة، عن قتادة 2، عن أنس بن مالك، قال: سمعته يقول: أنزلت هذه الآية حين رجع النبي -صلى الله عليه وسلم- من الحديبية: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾ 3 4.

باب عدد أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم- يوم الحديبية، وأنّهم بايعوه تحت الشجرة.

7258 - ز- حدثنا الصغاني 1، قال: حدثنا علي بن بحر 2، قال: حدثنا عيسى بن يونس 3، عن زكريا بن أبي زائدة 4، عن أبي إسحاق 5، عن البراء، قال: نزلنا الحديبية فوجدنا ماءَها قد شربه أوائل النّاس، فجلس النبي -صلى الله عليه وسلم- على البئر ثمّ دعا بدلو منها، فأخذه بفيه، ثمّ مَجَّه 6 فيها ودعا الله، فكثر ماؤها حتى تروّى الناس منه 7.

7259 - حدثنا الربيع، قال: أخبرنا الشافعي، قال: حدثنا سفيان 8، عن عمرو، عن جابر بن عبد الله قال: كنّا يوم الحديبية ألفًا وأربعمائة، فقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: "أَنتم اليوم خيرُ أهل الأرض"، قال جابر: لو كُنْتُ أُبْصِرُ لأَرَيْتُكُمُ موضع الشجرة 9.

7260 - ز حدثنا أبو داود الحراني 1، قال: حدثنا الحسن بن أعين 2، قال: حدثنا زهير 3، قال: حدثنا أبو إسحاق 4، قال: أنبأنا البراء بن عازب، أَنّهم كانوا مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يوم الحديبية ألفًا وأربعمائة أو أَقل أو أكثر، فنزلوا على بئرٍ فنزحوها 5، فأتوا رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فأتى

البئر، فقعد على شفيرها، ثمّ قال: "ائتوني بدلو من مائها"، فأتي فبسق 6 ودعا، ثمّ قال: "دعوها ساعة"، فأرْوَوْا أنفسهم وركابهم حتى ارتحلوا 7.

7261 - حدثنا أحمد بن يوسف السلمي 1، قال: حدثنا النضر بن محمد، قال: حدثنا عكرمة بن عمّار، قال: حدثنا إياس بن سلمة بن الأكوع، عن أبيه، قال: خرجت إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- وأَنا غلام حدث وتركت أهلي ومالي إلى الله - عز وجل - ورسوله -صلى الله عليه [وسلم] 2 - فكنت تبيعًا 3 لطلحة بن عبيد الله أخدمه وآكل معه من طعامه، فقدمنا الحديبية ونحن أربع عشرة مائة مع النبي -صلى الله عليه وسلم-، وعليها يومئذ خمسون شاة ما ترويها، فرأيت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- حين قعد

على جَبَاها 4 قال: فإمّا بسق فيها وإمّا دعا، فما نُزحت 5 بعد، ثمّ إنَّ نبي الله -صلى الله عليه وسلم- بايعنا تحت الشجرة، فبايعته في أَوَّل النّاس، ثُمّ بايع حتى كان في وسط من النّاس، ثمّ قال: "يا سلمة! أَلا تبايعني؟ "، قلت: يا رسول الله! بايعتك في أَوَّل النّاس، قال: "وأيضا"، ثمّ قال: "يا سلمة! أَما لك جُنَّة 6؟ " فاعطاني جَحَفَةً 7 -أو قال: دَرَقَةً-، ثمّ بايع حتى إذا كان في آخر النّاس، قال: "يا سلمة: ألا تبايعني؟ " قال: قلت: يا رسول الله! قد والله بايعتك أول النّاس، وفي أوسطهم! قال: "وأيضا"، ثمّ قال: "يا سلمة أين جحفتك -أو قال: درقتك- التي أعطيتك؟ "، قال: قلت يا رسول الله! أعطيتها عمّي عامرًا، وكان أعزل 8، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وضحك-: "إنك كالذي قال الأُوَل: اللهم! أبغني حبيبًا أحب إلي من نفسي"، ثمّ إنّ قومًا من المشركين من أهل مكة كان بيننا وبينهم صلح حتى تمشت بعضنا في بعض،

واختلطنا فأتيت الشجرة فكسحت 9 شوكها ثمّ نزلت في ظلّها، ثمّ اضطجعت ووضعت سلاحي، فأتاني أربعة من المشركين يتماشون، فجلسوا إليّ، فجعلوا يقعون في النبي -صلى الله عليه وسلم-، فأبغضتهم، فتحولت إلى شجرة أخرى، فما عدا أَنْ وضعوا ثيابهم، وعلَّقُوا سلاحهم إذ نادى منادٍ من أسفل الوادي: يا للمهاجرين قُتل ابن زُنَيم 10، قال: فأشُدّ عليهم حتى أقف على رؤوسهم بالسيف، ثمّ قال: والذي كرّم وجهَ محمدٍ لا يَمُدّ واحد منكم يده إلى سلاحه إلّا ضربت الذي فيه عيناه، ثمّ ضممتُ سلاحهم وسقتهم بسيفي حتى آتي بهم النبي -صلى الله عليه وسلم-، وجاء عمي عامر بمكرز 11 أو ابن مكرز -رجل من العبَلات 12 - يقود به فرسه متسلحًا في سبعين رجلًا، فلمّا نظر إليهم نبي الله -صلى الله عليه وسلم-، قال: "ذروهم، يكون لهم بدءُ الفجور وثناه" 13، ثمّ رجعنا إلى المدينة، فمررنا على جبلٍ بيننا وبين

العدو فاستغفر رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لمنْ طَلَعه تلك الليلة، فطلعته ثلاث مرات أو مرتين، ثمّ قدمْنا، المدينة، فخرجتُ بفرسِ طلحةَ بن عبيد الله مع رباح غلام رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في ظَهرِ 14 رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فلمّا كان بغلسٍ 15 إذا نحن بعبد الرحمن بن عيينة بن بدر الفزاري؛ قد أغار على سرح 16 رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فاستاقَ هو وأصحابُه وقَتَلوا راعيها، فقلت: يا رباح! اركب هذا الفرس فأبلغه طلحة، وأخبر رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أنّ المشركين قَدْ أَغاروا على سَرْحه وقتلوا راعيه، قال: فأشرفت شرفًا 17 من الأرض، ثمّ

ناديتُ بأعلى صوتي: يا صباحاه، ثُمّ اتَّبَعْتُ القوم أَرْمِيهِمْ بالنبل وأقول: أنا ابن الأكوع ... اليوم يوم الرُّضَّع 18 وأهوي لرجل منهم بسهم فأضعه في نُغْضِ 19 الكتف، ثمّ قلت: خذها: أنا ابن الأكوع ... واليوم يوم الرُّضّعَ فلم أزل أرميهم بالنبل، فإذا حَمَلوا عليّ لجأت إلى شجرة ونثرت 20 نبلي، فعقرت 21 بهم، وإذا تضايق الوادي علوتُ عليهم الجبلَ، فرميتهم بالحجارة، حتى أحرزتُ الظهر الذي أخذوا كلّه، وأخذتُ من مُشَاتهم سوى ذلك أَكثَر من ثلاثين رمحًا وثلاثين بُردةً يطرحونها، لا أَضمُّ منها شيئًا إلّا جعلته طريق رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وأصحابه، وجعلتُ عليه حجارةً علامةً ليعرفوا، فلمّا امتدّ الضحى إذا عيينة بن بدر

أبو عبد الرحمن قد أتاه مددًا، فنزلوا يتضحون 22، وعلوتُ عليهم الجبلَ فقعدتُ، فنظر إليّ عيينة، فقال: ما هذا الذي أرى؟، فقالوا: لقب من هذا البُرَحاء 23، ما فارقنا بغلسٍ حتى هذا مكانه، قال: أَفلا إليه نَفَرٌ منكم؟ فقام إليّ أربعةٌ منهم فسندوا إلى الجبل، فلمّا دنوا مني قلت: أتعرفوني؟ أنا ابن الأكوع! والذي نفسي بيده! لا يطلبني رجل منكم فيلحقني، ولا أطلبه فيفوتني، قالوا: إنّا نظنّ، فرجعوا، ثُمّ إذا أنا بفوارس رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أولهم الأخرم الأسدي، وأبو قتادة، والمقداد بن الأسود، فانحدرت من الجبل فأعرضَ الأخرمُ وهو أَوَّلُ القوم فأخذ بعَنَانِ 24 فرسه، فقلت: يا أخرم! أنذر القوم 25 أن يقتطعوك حتى يلحق رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وأصحابه؟ فقال: يا سلمة! إنْ كنت تؤمن بالله واليوم الآخر وتعلم أَنّ الجنّة والنّار حقٌّ فلا تحل بيني وبين الشهادة، فتركته، فتقدم، فالتقى هو وعبد الرحمن بن عيينة، فاختلفا طعنتين، فعقر بعبد الرحمن فرسه، فطعنه عبد الرحمن فقتله، ثُمّ تحولّ على فرسه

فالتقى عبد الرحمن، وأبو قتادة فاختلفا طعنتين، فعقر عبد الرحمن بأبي قتادة وطعنه أبو قتادة فقتله، وتحوّل على فرسه، ثُمّ ولى القوم لا يلوون على شيءٍ، فاتبعتهم على رجليّ حتى ما أرى من فرسان رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، ولا من رجالتهم أحدًا، ثُمّ مالوا إلى ماءٍ يقال له ذو قَرَد 26، فأبصروني وراءهم، فحليتهم 27 عنه وهم عطاش حتى ألحق في ثنية ذي الدثير 28، فألحقُ رجلا على راحلته في مؤخر القوم فأرميه بسهم، فقلت: خذها.
وأنا ابن الأكوع ... واليوم يوم الرُّضَّع قال: واثكل أمي، أكْوعيّا بكرةً 29؟ قلت: نعم، أي عدو نفسه! وأخذت بفرسين أرديهما 30 في الثنية، فسقتهما معي حتى ألقى عمي

عامرًا في الظلام على بعير معه سطيحتان 31 إحداهما 32 مذقة -أي بقية من لبن- وأخرى ماء، فتوضأت وصلّيت حتى أتى نبي الله -صلى الله عليه وسلم- نازلًا على الماء الذي حليتهم عنه -ذو قرد-، ووجدت بلالًا يشوي كبدًا وسنامًا من جزور نُحر من الإبل التي حويت 33 من المشركين، فقلت: يا نبي الله! بأبي أنت وأمي ذرني فأنتخب من القوم مائة، فأخذت عليهم بالعشوة 34، فأصْبح ولم يَبْقَ مخبرٌ، فرأيت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ضحك حتى بدت نواجذه 35 في عشوة النار 36، ثُمَّ قال رسول الله -صلى الله عليه [وسلم]-: "يا سلمة! أكنت فاعلا؟ " قلت: نعم، والذي بعثك

بالحق؟ فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "إنّهم الآن ليُقْرَوْنَ 37 في غطفان 38 فما برحت حتى جاء رجل، فقال: يا رسول الله نزلوا بفلان الغطفاني فنحر لهم جزورًا، ثمّ أبصروا الغبرة، فقذف الله في قلوبهم الرعب، فخرجوا وتركوا قِراهم، قال: وأعطاني رسول الله -صلى الله عليه وسلم- سهم الفارس، وسهم الراجل جميعا، وأردفني خلفه على العضباء 39، فلمّا كان بيننا وبين المدينة كالروحة أو الغدوة 40 أتانا رجل من الأنصار كان لا يسبق فقال: هل من سابق؟ ألا هل من سابق -مرتين أو ثلاثا- فأقبلت عليه فقلت: أما تُكْرِم عليه كريمًا ولا تهاب شريفًا؟ قال: لا، إلّا رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، قلت: يا رسول الله بابي أنت وأمي! أفلا أسابق الرجل؟ فقال: "إن شئت"، فثنيت رجلي، فطفرت عن ظهر الناقة، ثُمَّ قلت:

اذهب إليك، وربطت عليه شرفًا أو شَرَفَيْن 41، ثُمَّ ترفعتُ حتى أَلْحَقَه، فصككتُ بين كتفيه، ثُمَّ قلت: سبقتك والله! قال: إنّي أظنّ، ثمّ قدمنا المدينة، فما لبثنا بها إلّا ثلاثًا حتى خرج رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إلى خيبر، فخرجت؛ وعمّي عامر بن الأكوع، فجعل يرتجز القوم، ويقول: تالله لولا الله ما اهتدينا ... ولا تصدقنا ولا صلينا إن الذين هم بغوا علينا ... إذا أرادوا فتنة أبينا ونحن عن فضلك ما استغنينا ... فثبت الأقدام إن لاقينا وأنزلن سكينة علينا فنادى رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "من هذا؟ " قالوا: يا رسول الله! هذا عامر، فقال: "غفر لك ربك"، قال: فوالله ما استغفر رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قط يخصه لرجل إلّا استشهد، قال: فناداه عمر بن الخطاب وهو على راحلته في ناحية القوم يا رسول الله! لو متعتنا بعامر، قال: فلمّا قدمنا خيبر أقبل مرْحَبُ، فقال: قد علمت خيبر إني مَرْحَبُ ... شَاكِ 42 السلاح بطل مُجَرَّبُ.

إذا الحروب أقبلت تَلَهَّبُ فقال عامر: قد علمت خيبر أنِّي عامر ... شَاكِ السِّلاَحِ بطلٌ مغامر.
فاختلفا ضربتين، فوقع سيف مرحب في تُرس عامر، ورجع سيفُ عامرٍ عليه فأصاب ساقَ نفسه فأتى له فيها، قال: فمررت على نفرٍ من أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم- وهم يقولون: بَطَلَ عَمَلُ عامرٍ، فأتيت النبي -صلى الله عليه وسلم- أبكي، فقلت: يا رسول الله -صلى الله عليه وسلم-! أَبَطَلَ عملُ عامرٍ؟ قال: "ومن قال ذاك؟ " قال: قلت: بعض أصحابك، قال: "كذب ذاك، بل له أجره مرتين"، قال: ثمّ أَرسلَ نبيُّ الله -صلى الله عليه وسلم- إلى عليِّ بن أبي طالب، فقيل: يا نبي الله! إِنّه أَرْمَدُ 43، فجئت به أَقُودُه إلى النبي -صلى الله عليه وسلم-، وقد قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قبل ذلك: "لأُعطينَّ الرايةَ رجلًا يحب الله ورسولَه، ويحبُّه الله ورسولُه"، فبصق رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في عينيه، ثُمَّ أَعطاه الرايةَ، فكانَ الفتحُ على يديهِ، ولمّا بَرَزَ عليٌّ، فارتجز مَرْحَب، فقال: قد علمت خيبر إني مَرْحَبُ ... شَاكِ السلاح بطل مُجَرَّبُ.
إذا الحروب أقبلت تَلَهَّبُ قال: فقال عليٌّ -رضي الله عنه-:

أَنَا الذي سمتني أمِّي حيدرة 44 ... كليث غابات كريه المنظرة.
أوفيهمُ بالصَّاعِ كَيْلَ السَّندرة 45.

جارٍ التحميل