مستخرج أبي عوانة ط الجامعة الإسلاميةصفحات 345-384

مقدمة عميد البحث العلمي

صفحات 345-384

له بعض الخماسيات في مواضع أخرى من الكتاب، فهي أعلى ما يمكن له من الأحاديث، وذلك حيث يكون الحديث عند مسلم من الرباعيات، فوافقه أبو نعيم في الإسناد عاليا بدرجتين، فيكون كأنه سمع من مسلم.
وأما عكسه، وهو أنزل ما وقع لهما فلأبي عوانة الحديث رقم: (3095)، وهو من تساعياته؛ ولأبي نعيم الحديث نفسه من طريق أبي بكر الطلحي، حدثنا عبيد بن غنام، نا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا الحسن ابن موسى الأشيب، حدثنا شيبان، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، أن عمر بن عبد العزيز أخبره أن عروة بن الزبير أخبره أن عائشة أم المؤمنين أخبرته أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كان يقبلها وهو صائم، وهو من عشارياته، على أنه هو فيه عال نسبيًّا، لأنه لو رواه من طريق مسلم لكانت الوسائط إحدى عشرة 1. والنوع الثاني هو العلو النسبي، وهو القرب إلى إمام من أئمة الحديث، وهذا أكثر الأنواع وقوعًا في الكتابين، وقد تقدم أن الحافظ الذهبي ذكر أنه ليس في صحيح مسلم حديث عال عن شعبة، ولا عن الثوري، ولا عن إسرائيل، فهؤلاء وأمثالهم يكون حديثهم عند الحافظين عاليًا، يكون عند أبي عوانة عاليًا بدرجة حيث يساوي مسلمًا في عدد الوسائط بينه وبينهم، ويكون عند أبي نعيم عاليًا بدرجتين، كأنه سمع من مسلم، وفيما يلي ذكر بعض أسانيد المخرِّجين العالية إلى هؤلاء الأئمة.

حميد الطويل: عند أبي عوانة إسناد واحد يعلو به عنه في قسم هذه الدراسة من كتابي الصوم والركاة، وهو أبو أمية، عن الأنصاري، عنه، وهذا الإسناد فيه مساواة لأبي عوانة مع مسلم، فإن من أسانيده العالية إلى حميد: ابن أبي شيبة، عن لأبي خالد الأحمر، عنه، وأما أبو نعيم فعنده في قسم الدراسة: أبو بكر بن خلاد، عن الحارث بن أبي أسامة، عن عبد الله بن بكر عنه، وفيه علو له بدرجتين، لأنه لو رواه من طريق مسلم، لكانت الوسائط بينه وبين حميد خمسة: أبو أحمد الجلودي، وإبراهيم بن محمد بن سفيان، ومسلم، ثم اثنان بين مسلم وحميد.
الأعمش: أسانيد أبي عوانة إليه: 1 - علي بن حرب، عن أبي معاوية الضرير عنه.
2 - علي بن حرب، عن يعلى بن عبيد عنه.
3 - أبو علي الزعفراني، عن عبيدة بن حميد عنه.
4 - الحسن بن علي بن عفان، عن عبد الله بن نمير عنه، فبينهما واسطتان مثل ما عند مسلم.
ولأبي نعيم إلى الأعمش في قسم الدراسة أبو بكر الطلحي، عن عبيد ابن غنام، عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن وكيع، عنه؛ والطلحي، عن أبي حصين، عن يحيى الحماني، عن أبي معاوية عنه، فيعلو بدرجة عما لو رواه

من طريق مسلم.
شعبة: أسانيد أبي عوانة إليه: 1 - يونس بن حبيب، عن أبي داود الطيالسي، عنه.
2 - محمد بن إسماعيل الصائغ، والصاغاني، وإبراهيم بن مرزوق، كلهم عن روح، عنه.
3 - الصاغاني، عن أبي النضر، هاشم بن القاسم، عنه.
4 - الصاغاني، عن يحيى بن أبي بكير، عنه.
5 - أبو قلابة الرقاشي، عن عبد الصمد بن عبد الوارث، عنه، فساوى مسلمًا في عدد الوسائط إلى شعبة، قد ذكر الحافظ السيوطي أن حديث شعبة لم يقع في الكتب الستة بعلو إلا في كتاب البخاري، وأبي داود، حيث كان بينهما وبينه رجل واحد 1. وأما التي للحافظ أبي نعيم إليه، فمنها: 1 - أبو الشيخ الإصفهاني، عن يونس بن حبيب، عن أبي داود الطيالسي عنه.
2 - فاروق الخطابي، عن أبي مسلم الكشي، عن سليمان ابن حرب، وعمرو بن مرزوق عنه.

3 - فاروق الخطابي، عن أبي مسلم الكشي، عن أبي الوليد الطيالسي عنه.
4 - أبو بكر بن خلاد، عن الحارث بن أبي أسامة، عن روح عنه.
5 - حبيب بن يحيى، عن أبي يوسف الفارسي، عن سليمان ابن حرب عنه.
فالوسائط بينهما ثلاثة، ولو روى من طريق مسلم إليه لكانت خمسة: أبو أحمد الجلودي، وإبراهيم بن محمد بن سفيان، ومسلم، ثم اثنان بينه وبين شعبة.
الثوري: من أسانيد أبي عوانة إليه: 1 - علي بن حرب، عن القاسم بن يزيد الجرمي عنه.
2 - أحمد بن أبي رجاء، عن وكيع عنه.
3 - أبو أمية، عن عبيد الله بن موسى عنه.
4 - الدبري، والسلمي، وعبد الرحمن بن بشر، وأبو الأزهر، كلهم عن عبد الرزاق عنه.
5 - الحسن بن عفان، عن يحيى بن آدم عنه، فتساوت عدد الوسائط عنده وعند مسلم، ولو رواه من طريقه لزادت بواحدة.
ومما عند أبي نعيم: الطبراني، عن الدبري، عن عبد الرزاق عنه، يعلو

في هذا الإسناد بدرجتين، كأنه سمع من مسلم، والثاني، أبو الشيح، عن سليمان بن أيوب، عن زهير بن محمد بن قمير المروزي، عن عبد الرزاق عنه، يعلو في هذا الإسناد بدرجة.
ابن جريج: عند أبي عوانة الأسانيد التالية إليه: 1 - يوسف بن مسلَّم، عن حجاج بن محمد المصيصي الأعور عنه.
2 - الدبري، والسلمي، وعبد الرحمن بن بشر، وأبو الأزهر، كلهم عن عبد الرزاق عنه.
3 - الصاغاني، وعباس الدوري، عن روح عنه.
4 - قربزان، وعبد الرحمن بن بشر، عن يحيى القطان عنه.
فهذه مما ساوى مسلمًا فيها إلى ابن جريج.
وعند أبي نعيم: 1 - الطبراني، عن الدبري، عن عبد الرزاق عنه.
2 - محمد بن بركة، عن يوسف بن مسلَّم، عن حجاج عنه.
3 - ابن خلاد، عن الحارث بن أبي أسامة، عن روح عنه.
فهذه مما علا فيها بالنسبة لمسلم بدرجتين.
ابن عيينة: وقد لقي أبو عوانة عددًا من تلاميذه، منهم علي بن حرب، وأبو علي الزعفراني، وشعيب بن عمرو، ويعقوب بن إسحاق الحضرمي،

وعمر بن سهل المصيصي، وسعدان بن نصر، وأحمد بن شيبان الرملي، ويونس بن عبد الأعلى، فساوى الإمام مسلمًا في الرواية عن ابن عيينة من طرقهم، وحصلت له الروايات بالبدل عليا بدرجة، وأما أبو نعيم فله إسناد واحد في قسم هذه الدراسة يعلو فيه بالنسبة للرواية عن ابن عيينة بدرجتين، وهو: أحمد بن جعفر بن حمدان بن مالك، عن عبد الله بن شيرويه عنه، والآخر الذي أكثر عنه في المستخرج إلى ابن عيينة، هو أبو علي الصواف، عن بشر بن موسى، عن الحميدي، عن سفيان، يعلو فيه بدرجة.
وهناك أمثلة أخرى، وفيما ذكرته كفاية، وقد لا يحصل لأبي عوانة في بعض رواياته عن بعض الأئمة العلو، مثل مالك، وهشيم، وحماد بن زيد، والليث بن سعد، فإنه ما أدرك أحدًا من أصحابهم، بخلاف الإمام مسلم، الذي أدرك يحيى بن يحيى التميمي، وهو يروي عن مالك، وهشيم، وأدرك أبا الربيع الزهراني، وقتيبة، وهما من تلاميذ حماد بن زيد؛ وقتيبة، ومحمد ابن رمح من تلاميذ الليث، وقد أدركهما مسلم، فكل هؤلاء رواية أبي عوانة من طريقهم ليس فيها علو بالنسبة لما لو رواها من طريق مسلم عنهم، فلا يحصل له بالاستخراج لحديثهم فائدة العلو، وعنده عدد من هذا القبيل، وأما الحافظ أبو نعيم فلم أقف له على طريق خرَّجها لا يحصل له فيها علو بالنسبة لروايته لها من طريق مسلم على الأقل بدرجة، ومن ثم كانت فائدة العلو بالاستخراج أكثر عنده منها عند الحافظ أبي عوانة، والله أعلم.
والنوع الثالث هو العلو المعنوي: وهو الذي يرجع إلى صفة الراوي

التي تعتبر عند الترجيح، كأن يكون أفقه، أو أحفظ، أو أتقن، أو أضبط، أو أكثر مجالسة للمروي عنه، أو أقدم سماعًا من غيره، أو وفاة 1، وفائدة هذا النوع في الاستخراج أنه يعطي الأصل خصلة من خصال الترجيح المعتبرة عند التعارض، واقتصرت في قسم التحقيق من كتابي الصوم والزكاة على ما يرجع إلى الأوصاف الأولى، دون ما يتعلق بقدم السماع، أو الوفاة، فإن الأول يفقد الأهمية في غير الشيوخ المختلطين، وسيأتي الكلام عليهم، والثاني تركته مخافة الطول ثم إنه قد نازع فيه بعض الحفاظ 2. وصورته أن يروي صاحب الأصل حديث إمام من أئمة الحديث ممن يجمع حديثه، عن بعض تلاميذه، فيأتي المستخرج فيخرج الحديث من طريق من وصف بكونه أثبت أو أضبط، أو أحفظ تلاميذ ذلك الإمام، فيحصل له بذلك العلو المعنوي، فمما وقع عند الحافظين من هذا النوع روايتهما أحاديث ابن عيينة من طريق الحميدي، فإنه وصف بكونه أثبت الناس في ابن عيينة، وأنه رئيس أصحابه، وكان البخاري إذا وجد الحديث عنده لا يعدوه إلى غيره 3، وكذلك أحاديث ابن جريج من طريق حجاج بن محمد المصيصي الأعور، وكان أثبت الناس فيه 4، وكذلك أصبغ بن الفرج، عن

ابن وهب، قال ابن أبي حاتم: كان أجل أصحاب ابن وهب (1)، وكذلك أيوب السختياني، في ابن سيرين (2). ومنه أن يكون الحديث عند المستخرج من طريق من وصف بكونه مقدم على من عند صاحب الأصل في شيخهما، مثل ما قدم حبيب بن شهيد في ابن سيرين على هشام بن حسان (3)، وهذا كثير يميزه طبقات الرواة عن الأئمة.

2 -

كثرة الطرق

موضوع الاستخراج يقتضي بالأصالة زيادة الطرق على ما عند صاحب الأصل، وذلك أن المستخرج كلما روى طريقًا التقى مع صاحب الأصل فيمن فوقه ولو بدرجة، فقد ضم شخصًا آخر، فأكثر مع الذي روى مصنف الأصل عنه 4، وأهمية هذه الفائدة من وجهين: الأول: أنها تفيد في الترجيح عند المعارضة.
الثاني: أن بها يحصل تقوية للضعيف، ومن ينحط حديثه عن درجة الصحيح لذاته، وتزيد أهمية هذه الفائدة كلما بعد موضع الالتقاء من رأس الإسناد كما سبق تقريره في مطلب تحقيق شرط الاستخراج.123

وفي الجملة الحافظ أبو نعيم أكثر زيادة للطرق من الحافظ أبي عوانة، إلا أنهما اختلفا في كثرة تلك الزيادة بالنسبة لطبقة موضع الالتقاء مع الإمام مسلم منه، كما يتضح من الجدول 1:

الطرق عند أبي عوانة ... الطرق عند أبي نعيم ... طبقة موضع الإلتقاء من الإمام مسلم 7 ... 130 ... 1 209 ... 279 ... 2 237 ... 185 ... 3 78 ... 12 ... 4 9 ... 1 ... 5 1 ... 1 ... 6 541 ... 608 ... المجموع

فظهر من هذا الجدول أن أكثر الطرق التي زادها أبو عوانة، وهي قريب من نصف ما عنده؛ كان موضع الالتقاء مع الإمام مسلم بثلاث طبقات منه، أي في شيخ شيخ شيخه، وهي طبقة أمثال شعبة، وابن جريج، والأوزاعي، ويحيى بن أبي كثير أحيانًا، على حين كان أكثر ذلك عند أبي نعيم، وهو قريب من النصف أيضًا، بطبقتين أي في شيخ شيخه، وهي

طبقة أمثال عبد الرزاق، وابن عيينة، ومالك، وأيضًا قد زاد أبو عوانة في الطبقة الثانية أكثر مما زاد أبو نعيم في الطبقة الثالثة، ونسبة ما زاد أبو عوانة في الطبقة الأولى، وهي طبقة شيوخ مسلم، 5 % مما زاد أبو نعيم في هذه الطبقة.
وفائدة هذا الإحصاء هي الوقوف على ما سبق تقريره من أن الغالب في الاستخراج عند أبي عوانة أن يتأخر عنده موضع الالتقاء، وأن زيادة الطرق ثَم أكثر فائدة مما لو كانت قريبة من طرفه الذي فيه مصنف الأصل، وقد يصل في ذلك إلى طبقة التابعين، كما نص السيوطي على ذلك 1، ومن أمثلة ذلك زياداته لطرق حديث أبي سعيد الخدري: "ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة"، من غير طريق يحيى بن عمارة الذي اشتهر برواية الحديث عن أبي سعيد 2، فمثل هذا يجعل الحديث مشهورًا من طبقة التابعين، وهو مما يفيد في الترجيح، وكذلك استخراجه لحديث عائشة، أن معاذة العدوية سألتها: أكان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يصوم ثلاثة أيام من كل شهر، الحديث، ففيه رفع التفرد عن عبد الوارث بن سعيد، حيث تابعه شعبة عند أبي عوانة، فكان موضع الالتقاء بثلاث طبقات من الإمام مسلم، بخلافه عند أبي نعيم الذي كان الموضع عنده بطبقتين 3، والله أعلم.

وأما ما يحصل بهذه الفائدة من تقوية الرواة المتكلم فيهم، فليس في القسم المخصص لهذه المقارنة منه إلا في مواضع يسيرة جدًّا، وذلك أن أغلب الرواة المتكلم فيهم مما يتجاذب فيهم أقوال الحفاظ، بين التوثيق والتليين، ويغلب على ظن الباحث أن حديثهم لا ينحط عن أدنى حد الاحتجاج، ثم الغالب فيهم أن يكون الإمام مسلمًا أوردهم في موضع الاستشهاد، أو ذكر لهم متابعًا ممن هو مثلهم أو فوقهم، فبالتتبع المستعجل في هذا القسم اجتمع عندي واحد وعشرون موضعًا فيه راو متكلم فيه عند الإمام مسلم، وفي تلك المواضع إما أن يكون أورده في موضع الاستشهاد، أو المتابعة، ما عدا ستة مواضع، في اثنين منها توبع الراوي عند أبي عوانة، وفيما يلي تفصيلها: معاوية بن صالح الحضرمي، أبو عبد الرحمن الحمصي 1، روى عن ربيعة بن يزيد، عن قزعة، عن أبي سعيد الخدري، في الصوم في السفر، وقد تكلم في حديثه عن أهل الشام، وهذا منه، توبع متابعة قاصرة عند أبي عوانة 2. عبد العزيز بن محمد الدراوردي، تكلم فيه من قبل حفظه، وقال الذهبي: لا ينحط حديثه عن درجة الحسن 3، روى مسلم من طريقه

حديث عائشة في قضاء أمهات المؤمنين صوم رمضان في شعبان، والحديث في موضع الاستشهاد عنده، إلا أن عنده زيادة تفرد بها عند مسلم، وأبي نعيم: وهي قول عائشة: فما تقدر أن تقضيه مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- حتى يأتي شعبان، وتابعه يحيى بن أيوب الغافقي، ونافع بن يزيد عند أبي عوانة على أصل الحديث وذكر الزيادة 1. طلحة بن يحيى التيمي المدني، روى حديث إفطاره -صلى الله عليه وسلم- في صوم التطوع، عن عمته عائشة بنت طلحة، عن عائشة أم المؤمنين، وقد انفرد به، لكن له شواهد خارج الصحيح، والمستخرجين، ذُكرت في قسم التحقيق 2. الضحاك بن عثمان الحزامي المدني، روى حديث عبد الله بن أنيس في ليلة القدر ليلة ثلاث وعشرين، خالف في لفظ الحديث من هو أولى منه ثقة كثرة، فأورد أبو عوانة طريقًا آخر توضح أن الحديث معلول 3. يزيد بن كيسان: روى عن أبي حازم، عن أبي هريرة حديث ليلة القدر وعلامتها، توبع خارج الصحيح والمستخرجين، كما ذكرت في التحقيق 4. مخرمة بن بكير: تكلم في سماعه من أبيه، وعيب على مسلم إخراج حديثه عن أبيه، روى عن أبيه، عن عراك، عن أبي هريرة حديث: ليس في

العبد صدقة إلا صدقة الفطر، الجزء الأول من الحديث في موضع الاستشهاد، والزيادة يشهد لها أحاديث أخرى كما بينت في التحقيق.
فهذه جملة ما وقفت عليه، وليس عند أبي نعيم شيء من هذه المتابعات، ولو حصل له أن نزل في موضع الالتقاء كما فعل أبو عوانة في الأحاديث التي توبع فيها الراوي عند مسلم، لأتى هو أيضًا بمثل ما أتى به أبو عوانة، والله أعلم.
والكلام في الغالب في هؤلاء الرواة لا يحط حديثهم عن مرتبة الحسن، وكذا يتبين أن الإمام مسلم قد انتقى في الرواة وفي أحاديثهم.

3 -

بيان لفظ المتن المحال به عند صاحب الأصل:

وذلك بأن يروي صاحب الأصل الحديث ويحيل بلفظه على لفظ طريق آخر تقدم عنده، كأن يقول: بمثله، أو بنحوه، أو بمعناه، قال الحافظ ابن حجر: "ذلك في كتاب مسلم كثير جدًّا" 1، ويلتحق به بيان ألفاظ الأحاديث التي يسوق بعضها ثم يقتصر فيقول: وذكر الحديث، أو بهذا الإسناد، وأهمية هذه الفائدة أنه ربما يحيل صاحب الأصل، فيكون اللفظ المحال به يختلف عن اللفظ المحال عليه بالزيادة أو النقصان، خاصة إذا كانت الإحالة بقوله، بنحوه، أو بمعناه، فيستفاد ذلك من بيان صاحب المستخرج.
وقد وقع عند الإمام مسلم في القسم الموافق لهذه المقارنة ستة وسبعون

موضعًا أحال بلفظ الحديث أو قال فيه: وذكر الحديث، أو بهذا الإسناد، اشترك الحافظان أبو عوانة وأبو نعيم، في بيان اللفظ في خمسة وعشرين موضعًا، وانفرد أبو عوانة ببيان ثمانية عشر موضعًا، وانفرد أبو نعيم ببيان اثني عشر موضعًا، وظل واحد وعشرون موضعًا غير مبين، فمن هذا الإحصاء نتوصل إلى أن نسبة عدم البيان 28 %، وهي أقل من الثلث، ونتوصل أيضًا إلى معرفة أن هذا البيان وقع في كتاب أبي عوانة أكثر منه في كتاب أبي نعيم.

4 -

تصريح المدلس بالسماع فيما هو عند مصنف الأصل بالعنعنة:

ورد في الصحيحين أحاديث قوم وصفوا بالتدليس، وجعلوا في منزلة من لا يقبل ما رواه بالعنعنة حتى يرد تصريحه بالسماع في طريق من الطرق، وقد ذهب الحفاظ في عنعنة المدلسين في الصحيحين أو أحدهما إلى ثلاثة مذاهب: قبولها مطلقًا، تحسينًا للظن بصاحبي الصحيحين، بأنهما قد وقفا على التصريح بالسماع من جهة أخرى.
التوقف بناءً على أن بعض الأئمة يعللون أحاديث فيهما أو في أحدهما بتدليس رواتها.
التفصيل بين ما كان من تلك العنعنة في الأصول ووردت مورد الاحتجاج بها، وبين ما كان منها في المتابعات فيحتمل على أن يكون

حصل التسامح في تخريجها 1. ويترجح القول الثالث بأن إخراجهما لتلك الأحاديث للاحتجاج يقتضي زوال علة التدليس عندهما، لأنه من شرط الصحة، وقد اشترطاها في كتابيهما، ونظير هذا قول ابن حبان في مقدمة صحيحه: "فإذا صح عندي خبر من رواية مدلس أنه بين السماع فيه، لا أبالي أن أذكره من غير بيان السماع في خبره بعد صحته عندي من طريق آخر" 2، والفرق بين الصنيعين أن ابن حبان ذكر ذلك تنصيصًا وهو عند صاحبي الصحيحين مذكور ضمنًا في شرطهما، فمقتضى هذا التقرير قبول عنعنة المدلسين فيهما، لأن تلك العنعنة إما أن تكون في الأصول، فهي محمولة على ثبوت السماع تحقيقا لشرط الصحة، وإما أن تكون في المتابعات فتنجبر علة التدليس برواية الحديث من أوجه أخرى، إلا أن هذا الحمل ليس كالوقوف على التصريح بالسماع في تلك المواضع، لأنه ليس الخبر كالمعاينة، ومن هنا تدرك أهمية هذه الفائدة من الكتب المستخرجات.
ثم المدلسون في الصحيحين على مراتب، فمنهم من لم يوصف بذلك إلا نادرًا، وإطلاق التدليس عليهم فيه تجوز، ومنهم من قل تدليسه في

جنب ما روى، أو كان لا يدلس إلا عن ثقة فقبل الأئمة تدليسه، ومنهم من أكثروا من التدليس وعرفوا به فلم يقبل منهم إلا ما صرحوا فيه بالسماع، وقد جمعهم الحافظ ابن حجر مرتبين على هذه الطبقات الثلاث 1، فتتبعت عنعنتهم في القسم الموافق لهذه المقارنة عند الإمام مسلم، واقتصرت على من ذكرهم الحافظ في المرتبة الثالثة في النكت فبلغت ثمانية وعشرين موضعًا، ولم أذكر منهم ابن شهاب الزهري، لأن الحافظ العلائي ذكر أن الأئمة قبلوا عنعنته 2، وفي بعض تلك المواضع ورد التصريح بالسماع عند المستخرجين أو أحدهما، أو في موضع آخر إما عند صاحب الأصل أو عند غيره، أو كان ذلك في المتابعات، أو كان من رواية بعض النقاد ممن يميز ما دلسه مما سمعه، فذكرتها كلها إتمامًا للفائدة.

  • فمنهم الأعمش، سليمان بن مهران الأسدي الإمام، له عشرة مواضع، وهي: حديث عائشة في تعجيل الفطر والصلاة 3، لم يصرح بالسماع في شيء من الطرق التي وقفت عليها، لكن من الرواة عنه حفص بن غياث

عند الدارقطني في العلل، وقد ذكر الحافظ ابن طاهر، والحافظ ابن حجر بعده، أنه كان يميز بين ما دلسه الأعمش مما صرح فيه بالسماع، ومن أجل ذلك اعتمده البخاري في كثير من رواياته عن الأعمش، كما وضحت ذلك في التحقيق 1. حديث أبي هريرة في النهي عن الوصال في الصوم 2، الحديث من روايته عن أبي صالح، وهو من شيوخه الذين أكثر عنهم، وعنعنته عنه محمولة على السماع 3. حديث عائشة في القُبلة والمباشرة في الصوم، له موضعان فيه، الأول عن إبراهيم، عن الأسود وعلقمة عنها، والثاني، عن مسلم عن مسروق عنها، وفي كلا الموضعين ورد الحديث في المتابعات، فتابعه ابن عون عن إبراهيم، عن الأسود مسروق، وتابعه منصور عن إبراهيم عن علقمة، كلاهما عند الإمام مسلم 4. حديث حفصة في القبلة للصائم أيضًا، رواه عن مسلم، عن شتير ابن شكل عنها، تابعه منصور عن مسلم، عند الإمام مسلم أيضًا 5.

حديث ابن عباس فيمن ماتت أمه وعليها صوم، صرح بالتحديث عند أبي داود الطيالسي في المسند 1. حديث أبي هريرة في النهي عن صوم يوم الجمعة منفردًا، شيخه فيه أبو صالح، ومن الرواة عنه عند مسلم حفص بن غياث 2. حديث ابن مسعود في صيام عاشوراء، تابعه زبيد عند مسلم 3. حديث عائشة: ما رأيت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- صام في العشر قط، من الرواة عنه حفص بن غياث، عند النسائي في الكبرى وغيره 4. حديث جابر بن عبد الله: "إذا قضى أحدكم الصلاة في المسجد، فليجعل لبيته نصيبًا من صلاته، فإن الله جاعل في بيته ذلك خيرًا" 5، والحديث في موضع الاستشهاد عند مسلم، ثم هو من الأحاديث التي أخرجها ابن حبان بالعنعنة، وقد شرط على نفسه، ألا يخرج معنعَن المدلس إلا ما ثبت عنده من وجه آخر مصرحًا بالسماع 6.

حديث أبي ذر في باب تغليظ عقوبة من لا يؤدي الزكاة 1، من الرواة عنه حفص بن غياث، ومن طريقه أخرجه البخاري مقتصرًا عليه 2.

  • ومنهم حميد بن أبي حميد الطويل، وله موضعان: حديث أنس في النهي عن الوصال 3، تابعه سليمان بن المغيرة، عن ثابت، عن أنس عند مسلم 4. حديث أنس في الصوم في السفر 5، صرح بالتحديث في طريق آخر عند مسلم.
  • ومنهم هشيم بن بشير السلمي، له موضعان: حديث عبد الله أبي أوفى في بيان وقت انقضاء الصوم 6، صرح بالتحديث عند أبي نعيم في المستخرج 7.

حديث ابن عباس في صوم يوم عاشوراء 1، صرح بالخبر عند أبي عوانة وأبي نعيم في مستخرجيهما 2.

  • ومنهم الوليد بن مسلم القرشي مولاهم، أبو العباس الدمشقي، له موضع واحد، وهو: حديث أبي الدرداء في الصوم في السفر 3، صرح بالخبر عند أبي عوانة 4.
  • ومنهم عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج الأموي مولاهم المكي، له موضع واحد: حديث أبي سعيد الخدري في فضل الصيام في سبيل الله 5، صرح بالخبر عند أبي عوانة 6.
  • ومنهم قتادة بن دعامة السدوسي، وله موضع واحد: حديث أبي سعيد الخدري: غزونا مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لست عشرة

مضت في رمضان، الحديث 1، ومن الرواة عنه شعبة عند الثلاثة 2، وقد قال: كفيتكم تدليس ثلاثة، الأعمش، وأبي إسحاق، وقتادة 3.

  • ومنهم يحيى بن أبي كثير الطائي، وله موضعان: حديث عائشة في القبلة للصائم 4، الحديث في المتابعات عند مسلم وقد صرح بالتحديث في مسند عمر بن عبد العزيز كما أشير إليه في التحقيق 5. حديث أبي سعيد الخدري في قيام ليلة القدر 6، صرح بالتحديث عند أبي عوانة 7.
  • ومنهم عبد الملك بن عمير، وله موضعان: حديث أبي سعيد الخدري في النهي عن صوم يوم الفطر ويوم

الأضحى 1، صرح بالتحديث عند مسلم في موضع آخر، وعند أبي عوانة 2. حديث أبي هريرة: أفضل الصيام بعد رمضان شهر الله الحرام 3، الحديث من طريقه في المتابعات.

  • ومنهم أبو الزبير محمد بن مسلم بن تدرس المكي، له موضعان: حديث كعب بن مالك: "أيام التشريق أيام أكل وشرب" 4، الحديث في موضع الاستشهاد عند مسلم.
    حديث جابر بن عبد الله: "ليس فيما دون خمس أواق من الورق صدقة" الحديث 5، وهو في موضع الاستشهاد عند مسلم.
  • ومنهم هشام بن حسان القردوسي، له موضع واحد، وهو: حديث أبي هريرة: "من نسي وهو صائم فأكل أو شرب، فليتم صومه، فإنما أطعمه الله وسقاه" 6، وهو مقرون عند أبي عوانة بغيره في

الإسناد 1.

  • ومنهم أبو سفيان، طلحة بن نافع، له موضع واحد، وهو ما سبق ذكره في أحديث الأعمش برقم: (3009)، والكلام فيه مثل ما تقدم هناك.
  • ومنهم مروان بن معاوية الفزاري، وله موضعان: حديث أبي سعيد الخدري، وجابر: سافرنا مع رسول الله -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فيصوم الصائم ويفطر المفطر، فلا يعيب بعضهم على بعض 2، الحديث في موضع الاستشهاد عند مسلم، إلا ما ذكر من زيادة ذكر جابر في الإسناد، وقد توبع على ذلك عند أبي عوانة، وأبي نعيم 3. حديث أبي هريرة: تذاكرنا ليلة القدر عند رسول الله -صلى الله عليه وسلم- الحديث 4، وقد صرح بالتحديث عند أبي عوانة وأبي نعيم 5. = (2/ 809).
  • ومنهم محمد بن إسحاق بن يسار، وله موضع واحد، وهو: حديث عائشة في اعتكاف النبي -صلى الله عليه وسلم- وأزواجه (1)، وقد صرح بالخبر عند أبي نعيم (2). فهذه جملة ما وقفت عليه، والتي كان زوال علة التدليس فيها من المستخرجين أو أحدهما تسعة مواضع، اشتركا في بيان التصريح بالسماع في موضعين، وفي الإتيان بالمتابعات في موضع واحد، وانفرد أبو عونة ببيان بالسماع في ثلاثة مواضع، وبذكر المتابعات في موضع واحد، وانفرد أبو نعيم ببيان السماع في موضعين، وكان زاولها في بقية المواضع بأمور أخرى خارج المستخرجين، تقدم ذكرها مفصلًا، والعلم عند الله.

5 -

ما يقع فيها من حديث المختلطين عمن سمع منهم قبل الاختلاط:

ولا تكون هناك فائدة إلا حيث كانت رواية صاحب الأصل عمن عمن المختلط بعد الاختلاط، أو لم يتميز سماعه هل هو قبل الاختلاط أو بعده، فإن جاءت الرواية عند المستخرج عمن سمع قبل الاختلاط زال ما كنا نتوقف فيه من وجود علة الاختلاط، فكانت هناك هذه الفائدة في12

الاستخراج، وأما لو كان الحديث في المتابعات ووافق المختلط الثقات ولم ينفرد، وكان الراوي ممن لم يتبين أمره، فليس ثم هذه الفائدة.
والحال في رواية المختلطين في الصحيحين كالحال في رواية المدلسين سواء بسواء، فليس احتمال أن يكون السماع عند الراوي في الصحيحين قبل الاختلاط كالوقوف على اليقين 1، على أن هناك فرقًا بين الأمرين، وذلك أننا في حالة التدليس، إذا وقفنا على التصريح بالسماع عند المخرج، حكمنا بأن الراوي لم يدلس، وليس كذلك في حالة الاختلاط، فإن ثبوت الحديث عند المخرج من رواية من سمع قبل الاختلاط لا يقتضي سماع الراوي عند صاحب الصحيح قبل الاختلاط أيضًا، لاحتمال أن يكون المختلط ليس من المطبقين بحيث لا يفيق ويحدث على الصواب، غايته أن نحكم على استقامة حديث ذلك الراوي بعينه، ولا نطرد الحكم في مروياته عن ذلك المختلط لأننا علمنا أن صاحبي الصحيحين ينتقيان، والله أعلم.
ففي القسم الموافق لهذه المقارنة عند مسلم من المختلطين: سعيد بن أبي عروبة، له حديث في الصوم في السفر 2، والراوي عنه محمد بن بشر سمع منه قبل الاختلاط 3. والثاني سعيد بن إياس الجريري، له عدة أحاديث كلها عمن سمع منه

قبل الاختلاط.
والثالث عبد الملك بن عمير، له حديثان، وهما اللذان سبق ذكرهما في التدليس، وهو في الحقيقة لم يختلط، وإنما ساء حفظه لكبر سنه مثل ما حصل لأبي إسحاق السبيعي، وسعيد بن أبي سعيد المقبري، وضابط صحة السماع في حديثه أن يكون من رواية القدماء عنه 1، ففي الحديث رقم (3001)، وهو حديث أبي سعيد في النهي عن صوم يومي العيد، الراوي عنه جرير بن عبد الحميد الضبي توفي سنة 188 هـ، وعند أبي نعيم، عبيد الله بن عمرو توفي سنة 180 هـ، وعند أبي عوانة من الرواة عنه شعبة توفي سنة 160 هـ، وشيبان النحوي توفي سنة 164 هـ 2، وإن كان جرير ممن روى عنه صاحب الصحيحين كليهما من حديثه عن عبد الملك، إلا أن في رواية المصنف عن المذكورين زيادة فائدة لتقدم وفاتيهما، 3 ثم اتفاق هؤلاء الحفاظ على رواية الحديث بطريقة واحدة، يقضي على أنه حدث به في استقامة، فإن من ضوابط موضوع الاختلاط عند صاحبي الصحيحين أنهما ينتقيان من أحاديث المختلطين، فيروون ما توافق عليه عدد من الرواة عنه وإن كانوا ممن سمع منه بعد الاختلاط 4.

والحديث رقم (3002) حديث أبي هريرة: أفضل الصيام بعد شهر رمضان شهر الله المحرم، هو عند مسلم والمخرجين من رواية زائدة بن قدامة عنه، وتوفي سنة 160، وقيل بعدها 1، ومن طريق جرير عند مسلم، وأبي نعيم، والحديث في المتابعات كما تقدم.
ومنهم عبد الرزاق بن همام الصنعاني، من سمع منه بعد ما ذهب بصره فهو ضعيف السماع 2، له عند مسلم في القسم الموافق لهذه المقارنة ستة عشر حديثا كلها إما مما توبع عليها عند مسلم، أو هو فيها مقرون بغيره، ما عدا حديثين، توبع في أصلهما وانفرد بزيادة فيهما، الأول حديث أبي سعيد الخدري: "ليس في حب ولا تمر صدقة" الحديث 3، انفرد عبد الرزاق بقوله: "ولا ثمر" بالمثلثة، والحديث عند أحمد في المسند، وهو ممن سمع من عبد الرزاق قبل ذهاب بصره، وفي إحدى طريقيه هو مقرون بغيره 4، الثاني، حديث أبي هريرة، كان رسول الله -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يرغب في قيام رمضان من غير أن يأمر بعزيمة، في رواية عبد الرزاق في آخر الحديث أدرج قوله: فتوفي رسول الله -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- والأمر على ذلك إلخ 5، أخرجه أبو نعيم في المستخرج

من طريق عبد الرزاق مقرونًا بعبد الأعلى بن عبد الأعلى 1. ومنهم سهيل بن أبي صالح، أصابته علة نسي بسببها بعض حديثه، وسماع مالك، وشيخه ربيعة منه كان قبل ذلك 2، له حديثان هو مقرون في أحدهما، والثاني في المتابعات 3. ومنهم حفص بن غياث النخعي، ساء حفظه لما ولي القضاء فمن سمع من كتابه أصح ممن سمع من حفظه، وكان عند ابنه عمر كتاب أبيه 4، له ثلاثة أحاديث عند مسلم هو مقرون في اثنين منها، والثالث في المتابعات 5. ومنهم سويد بن سعيد الحدثاني، عمى فصار يتلقن ما ليس من حديثه، وقال أبو زرعة: كتبه صحاح، والإمام مسلم إنما روى عنه نسخة حفص بن ميسرة، مما يدل على أنه روى عنه من كتابه 6، ومع ذلك ليس = (1/ 523).

له عنده في هذا القسم إلا حديث واحد، وهو مما توبع فيه متابعة قاصرة (1). وهذا أيضًا يدل على انتقاء الشيخين لأحاديث كتابيهما.

6 -

توضيح المبهم في السند أو في المتن:

وقع من ذلك في السند في حديث عبد الله بن مسعود: "لا يمنعن أحدًا منكم أذان بلال" الحديث، وفيه: وقال: وليس أن يقول هكذا وهكذا -وصوب يده ورفعها- حتى يقول هكذا- وفرج بين إصبعيه، من حديث ابن علية عن سليمان التيمي، عن أبي عثمان النهدي عنه، ونحوه من حديث أبي خالد الأحمر عن سليمان به، ففي كلا الروايتين عند مسلم، الظاهر أن التفسير من سليمان التيمي، وورد عند أبي نعيم التنصيص على ذلك 2. وما وقع في المتن منه حديث عائشة في اعتكاف النبي -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، وأزواجه، وفيه: فأمرت زينب بخبائها فضرب، وأمر غيرها من أزواج النبي-صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- بخبائه فضرب 3، ورد عند أبي عوانة وأبي نعيم أنهما عائشة وحفصة1

رضي الله عنهما (1).

7 -

تبيين المهمل في السند أو المتن:

وذلك بأن يأتي الحديث عند مصنف الأصل بذكر الراوي مهملًا، كمحمد، فيأتي عند المستخرج ما يبينه، وفائدة هذا البيان في عدم حسبان الراوي غيره.
وقد وقع في الكتابين مواضع حصل البيان منهما أو من أحدهما، وكلها في السند، أما ما اشتركا في بيانه، فموضع واحد: حديث أبي سعيد الخدري في اعتكاف النبي -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- في العشر الأوسط من رمضان، ورد عند مسلم: حدثنا محمد بن المثنى، وأبو بكر بن خلاد، قالا: حدثنا عبد الأعلى، حدثنا سعيد، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد الخدري، فذكر سعيدًا مهملًا، وذكر عند أبي عوانة، وأبي نعيم بما يميزه، فقالا: حدثنا الجريري، وبسبب ما ورد عند مسلم مهملًا قال المزي تبعا لأبي مسعود الدمشقي: هو ابن أبي عروبة، وتعقبه ابن العراقي كما ذكر في قسم التحقيق 2. وانفرد كل من الحافظين ببيان موضعين، فعند الحافظ أبي عوانة:1

  • ابن أبي لبيد الذي وقع عند مسلم مبهما، جاء في الحديث رقم (3226) عند أبي عوانة التصريح بأنه عبد الله بن أبي لبيد 1.
  • هشام ورد مهملا عند مسلم، في حديث عائشة، وورد عند أبي عوانة في طرق الحديث التصريح بأنه هشام بن حسان 2. وعند أبي نعيم: ابن الحكم بن ثوبان ورد مبهما عند مسلم، بينته رواية أبي نعيم، فقال: عن عمر بن الحكم بن ثوبان 3، وقد صرح به أبو عوانة أيضًا 4. المغيرة في حديث أبي هريرة في النهي عن الوصال في الصوم، ورد عند مسلم مهملا، وبينته رواية أبي نعيم أنه المغيرة بن عبد الرحمن 5.

8 -

زيادة الألفاظ في الأحاديث المخرجة:

وذلك بأن يأتي المستخرِج بألفاظ في متن الحديث المخرَّج ليست عند صاحب الأصل، وإنما وقعت عنده لكونه أخرج الحديث من غير طريق صاحب الأصل، فهذه الألفاظ بمنزلة أحاديث مستقلة، فتفيد زيادة ألفاظ مرفوعة، وقد حكم ابن الصلاح وبعده النووي بصحة هذه الزيادات، وتعقبهما من جاء بعدبها، وتقريره أن المستخرجين لم يلتزموا الصحة في استخراجهم، وإنما جل قصدهم العلو، وما دام الأمر كذلك فالحكم بصحتها متوقف على ثبوت شروط الصحة بين المستخرج والرجل الذي هو موضع الالتقاء مع صاحب الصحيح 1. وقد وردت بعض زيادات الألفاظ في الكتابين في مواضع يسيرة في هذا القسم المخصص لهذه المقارنة، منها: في حديث أبي هريرة: تذاكرنا ليلة القدر عند رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقال: "أيكم يذكر حين طلع القمر وهو مثل شق جفنة"، عندهما زيادة في اللفظ المرفوع: "أيكم يذكر ليالينا الصهباوات ونحن بخيبر"، وأسانيد المخرِّجين إلى موضع الالتقاء رجالها رجال الصحيح 2.

وفي حديث أبي سعيد الخدري، من طريق قزعة، قال: سمعت من أبي سعيد الخدري حديثا فأعجبني، فقلت آنت سمعت هذا من رسول الله -صلى الله عليه وسلم-؟ الحديث، عند أبي عوانة: عن أبي سعيد الخدري: سمعت من رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أربعًا فأعجبنني وأينقنني، وذكر الحديث بذكر واحدة من الأربعة 1. وفي حديث أبي هريرة: "لا تصم المرأة وبعلها شاهد إلا بإذنه"، رواه أبو عوانة من طرق عن أبي هريرة، بما فيها طريق همام عنه، وفي كلها زيادة: "في غير رمضان"، ما عدا طريقا واحدا، وهو طريق شعيب، عن أبي الزناد، فأثبت بكثرة هذه الطرق أنها ثابتة وإن كانت لم تقع عند كثير ممن روى الحديث من طريق همام بن منبه 2، ويؤيد ما ذهب إليه أبو عوانة من ثبوتها، أن البخاري ترجم لها وأورد حديث همام وليس فيه ذكر لها، مما يدل على ثبوتها عنده 3. ومن ذلك ما ذكره في بعض طرق حديث أبي هريرة في الذي واقع أهله في نهار رمضان، وفيها: "وأمره أن يقضي يوما مكانه"، وأشار إلى = الصيام -باب علامة ليلة القدر (ص 252 من مصورة رقم 2050).

مخالفة من ذكرها للجماعة، مما يشعر بأنه أوردها لبيان علتها (1). انفرد أبو نعيم بزيادة ألفاظ موقوفة في حديث عمر بن الخطاب في النهي عن صوم يوم الفطر ويوم النحر، وقد تقدم في مطلب الموقوف.
وكذلك انفرد بزيادة ألفاظ في حديث عائشة: إن كانت إحدانا لتفطر زمان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فما تقدر على أن تقضيه مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- حتى يأتي شعبان، زاد: ما كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يصوم في شهر ما كان يصوم في شعبان، كان يصومه كله إلا قليلًا، بل كان يصومه كله، وقد رواه من نفس المصدر الذي رواه مسلم، كما وُضح ذلك في قسم التحقيق (2). فالخلاصة أن الزيادة خاصة عند أبي عوانة قد تكون سيقت لبيان أنها من زيادات الثقات فتقبل، أو أنها منكرة فترد، وفي كلا الحالتين فائدة، وسيأتي المزيد لذلك في مبحث الزوائد، إن شاء الله، وأما عند أبي نعيم فلم أقف على ما يمثل الحالة الثانية، ولعله موجود في قسم آخر.

9 -

ما يقع من التصريح بما صورته موقوف:

ورد عند أبي نعيم مثالٌ لذلك، وهو في حديث عائشة، قالت: نهاهم النبي -صلى الله عليه وسلم- عن الوصال رحمة لهم، وعند أبي نعيم، قالت عائشة: نهى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عن الوصال، فقالوا: إنك تواصل، قال: "إنما هي رحمة رحمكم12

الله بها، إني أظل عند الله يطعمني ويسقيني" (1).

10 -

رفع ما في رواية الأصل من الشك:

وذلك أن تكون الرواية في الأصل بالشك في وصل الحديث مثلا، فترد عند المستخرج بدون شك، مثال ذلك حديث عبد الله بن عباس: "لئن بقيت إلى قابل لأصومن التاسع"، عند مسلم، قال: لعله قال (أي عبد الله بن عمير): عن عبد الله بن عباس، والحديث عندهما عن ابن عباس بدون شك (2)، ومثله أيضًا عند أبي عوانة وحده الحديث رقم: (3101).

11 -

ما يقع من بيان المجمل:

وذلك أن يرد الحديث في الأصل بلفظة مجملة، فيخرجه المخرج من طريق فيها بيان الإجمال، مثاله عند أبي عوانة: حديث عبد الله بن أبي أوفى: "إذا أقبل الليل من ها هنا، وأدبر النهار من ها هنا فقد أفطر الصائم"، فجاء في بعض طرقه عند أبي عوانة: "فقد حل الفطر"، فبين الإجمال الذي في قوله: "فقد أفطر" 3، ولم أقف على مثال له عند أبي نعيم في القسم الموافق لهذه المقارنة.12

12 -

بيان ما وقع في رواية الأصل من العلة القادحة:

توضيح هذا هو أن يكون الحديث معللا بعلة قادحة، ولم تبين هذه العلة في الأصل، فيبين المستخرج العلة ويكشفها 1، وقد وقع مثال لذلك عند أبي عوانة في حديث عبد الله بن أنيس في أن ليلة القدر ليلة ثلاث وعشرين والذي رواه مسلم من رواية الضحاك بن عثمان 2، والحديث فيه علة، وهي أن الضحاك حمل من حديث عبد الله بن أنيس الذي ليس فيه ذكر نزول المطر في تلك الليلة، ولا السجود بين الماء والطين، على لفظ حديث أبي سعيد الخدري الذي فيه ذكر هذه الأمور، فأورد أبو عوانة طريق الضحاك، ثم أورد الحديث من وجه آخر سالما من هذه العلة وحصل بذلك بيان ما في الرواية الأولى من العلة، والله أعلم 3. وهناك فوائد أخرى ذكرت ووقعت في قسم التحقيق عند الحافظين أو أحدهما, ولم نذكرها إما لكونها خارجة عن موضوع الاستخراج، وإن كانت في حد ذاتها فائدة، كتفسير الغريب الذي يكون من المستخرِج، وهو مما يكثر عند الحافظ أبي نعيم، بخلاف ما لو كان التفسير من الرواية, فإنه حينئذ فائدة للاستخراج يلزم ذكرها.

ومثل فائدة تراجم الأبواب التي هي غزيرة عند الحافظ أبي عوانة، فإنها لا علاقة لها بموضوع الاستخراج وإن كانت في حد ذاتها أيضًا فائدة.
وإما لعدم ثبوتها فائدة للاستخراج، كالحكم بعدالة من أخرج له في المستخرجات، فهذه ذكرها الحافظ ابن حجر 1، وفيها نظر لأمرين: الأول: أن الحافظ رحمه الله رد على ابن الصلاح حكمه بصحة الزيادات التي عند المستخرجين، بأن ذلك متوقف على النظر في حالة من جاء عند المستخرج بعد موضع الالتقاء، ولو استفيد من مجرد إخراج المستخرج لحديثهم الحكم بتوثيقهم لم يحصل ذلك التوقف.
الثاني: وجود ما يناقضه في الكتب المستخرجات، من الرواية عن جماعة من الضعفاء, بل حتى المتركين، كما سيأتي قريبًا إن شاء الله، وقد ذكر ذلك الحافظ كله، والله أعلم 2، وقد رد السخاوي على من اشترط في الاستخراج ثقة الرواة، وقال: شذ بعضهم حيث جعله شرطا 3. وعلى العكس من ذلك هناك فوائد أخرى مهمة لم يوجد لها ذكر في الكتابين مع وجود المقتضي لها، فمن ذلك فائدة فصل الكلام المدرج الذي قد يقع في الأصل فيأتي بيانه في المستخرجات، كحديث أبي هريرة: كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يرغب في قيام رمضان من غير أن يأمرهم فيه بعزيمة، فيقول:

"من قام رمضان إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه"، فتوفي رسول الله -صلى الله عليه وسلم- والأمر على ذلك، ثم كان الأمر على ذلك في خلافة أبي بكر، وصدر من خلافة عمر على ذلك، اهـ 1، فالجملة الأخيرة مدرجة من قول الزهريّ عند معمر، بينت ذلك رواية مالك، فلم يورد كلا المخرجين ما يبين هذا الإدراج فرويا الحديث من طريق معمر، أو من طريق مالك التي لا توجد فيها بيان الإدراج، وهذا بخلاف صنيع البخاري حيث روى الحديث بما يبين الإدراج 2، وهذا من المآخذ عليهما في هذا الباب.
الخلاصة في فوائد الاستخراج في الكتابين: 1 - أهمية هذه الفوائد المذكورة كما اتضح من الأمثلة في الكتابين.
2 - فائدة العلو في الاستخراج أكثر عند أبي نعيم منها عند أبي عوانة.
3 - زيادة الطرق عند أبي نعيم أكثر منها عند أبي عوانة، إلا أن أبا عوانة يمتاز بكون أَكثر الطرق التي زادها كان موضع الالتقاء بينه وبين الإِمام مسلم فيها أبعد مما عند أبي نعيم، وتضمن هذا فائدة أكثر مما عند أبي نعيم، فأوصل أحاديث إلى حد الاستفاضة من أصل أسانيدها، ورفع

التفرد في مواضع لم يصل إليها أبو نعيم، وأتى بمتابعات للمتكلم فيهم في مثل تلك المواضع.
4 - بيان لفظ المتن المحال به عند أبي عوانة أكثر منه عند أبي نعيم، والسبب في ذلك اختلاف منهجيهما في سياقة الأحاديث وطرقها، حيث إن أبا عوانة يسلك طريقة إيراد كل طريق بإسنادها ومتنها كثيرًا، بخلاف أبي نعيم حيث يكثر من جمع الطرق وإيراد المتن بلفظ أحدها، كما تقدم تقريره.
5 - يمتاز منهج أبي عوانة في زيادات الألفاظ بكونه يوحي بما يميز ما إذا كانت الزيادة من قبل زيادات الثقات فتقبل، أو من قبيل المنكر فترد.
6 - يؤخذ عليهما عدم مجيئهما بفائدة الاستخراج حيث احتيج إليها كالمواضع التي احتيج فيها لفصل الكلام المدرج.
واستطردت في هذا المبحث بذكر أحاديث المتكلم فيهم، والمدلسين، والمختلطين في صحيح مسلم، في قسم التحقيق الموافق لهذه المقارنة، فتبين أولًا أيضا قليلة جدًّا؟ وثانيًا أن أكثرها يوجد في الصحيح ما تزول به علتها، وبعض منها يوجد في المستخرجيْن، وسائرها يوجود خارجهما، فوقفت بذلك على صحة ما عليه أئمة هذا الفن من أن صاحبي الصحيحين قد انتقيا أحاديثهما، وأن تحسين الظن كما في تلك مواضع له مستند من التحقيق.

المبحث التاسع: الرواية عن المتكلم فيهم في الكتابين

. الرواة المتكلم فيهم في المستخرجين على قسمين: من كان منهم بعد موضع الالتقاء مع صاحب الأصل، ومن كان منهم قبل موضع الالتقاء، فأما القسم الأول فهم من رجال الصحيح وقد تقدم الكلام فيهم تحت فوائد الاستخراج، وأما القسم الثاني فهم أيضًا على القسمين: من تكلم فيه بما لا يسقطه عن حد الاعتبار بحديثه، ومن كان متروك الرواية عند النقاد، فالقسم الأول حديثهم عند المستخرج مقبول لوجود أصله عند صاحب الصحيح، وأما القسم الثاني فلا تجوز الرواية عنهم.
فعند أبي عوانة من القسم الأول أمثال عمر بن شبيب المسلي، وعبد الرحمن بن مغراء، وعبد الله بن عمر العمري، وأحاديثهم عنده إما مقرونة، وإما مساقة لبيان علتها 1، ومنهم من أورد أحاديثهم في الزوائد مثل محمَّد بن مسلم الطائفي، ويحيى بن يزيد الرهاوي، ومسعود بن واصل، والنهاس بن قهم، وأبي حريز، وغيرهم، كلهم ممن يعتبر بحديثه، وأحاديثهم عنده في الشواهد.
وليس عند أبي عوانة في القسم المخصص لهذه المقارنة من كتابي الصوم والزكاة من جرح بجرح شديد إلا أبو العباس الكديمي، محمَّد بن يونس

جارٍ التحميل