الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده.
وبعد:
فنظرًا للمكانة الرفيعة التي يحتلها -كتاب المسند الصحيح المخرَّج على صحيح مسلم- للإمام الحافظ أبي عوانه يعقوب بن إسحاق الإسفراييني، المستمدة من أصله المخرَّج عليه، وما تضمنه من فوائد نافعة للمختص وغيره من طلاب العلم، بادرت الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة بتحقيق هذا الكتاب من خلال رسائل علمية أعدها باحثون في كلية الحديث الشريف والدراسات الإسلامية، وبعد تحقيقه رأت الجامعة مناسبة نشره لتيسير الإفادة منه من خلال مشروع علمي تشرف عليه عمادة البحث العلمي، ولإنجاز هذا المشروع وضعت العمادة الخطة التالية:
أولًا: تحكيم عمل الباحثين من قبل مختصين في الحديث الشريف وعلومه للإفادة من ملحوظاتهم أثناء العمل.
ثانيًا: إعداد خطة عمل تفصيلية ومنهج علمي متكامل روعي فيهما أن أصل هذا الكتاب رسائل علمية وبحوث محكمة مما يستدعي المحافظة على مناهج المحققين التي اعتمدت في رسائلهم وبحوثهم إلا ما اقتضته ضرورة التنسيق ليتم إخراج الكتاب وفق نسق علمي واحد من أوله إلى أخره.
ثالثًا: استكمال ما لم يحقق من المخطوط وفق المنهج المعتمد في تحقيق الكتاب، والبحث عن الجزء المفقود منه، وقد تمَّ بفضل الله تعالى الحصول عليه، والعمل جارٍ على تحقيقه.
رابعًا: تشكيل فريق عمل علمي من الباحثين المختصين في السنة النبوية
- د -
وعلومها ممن لهم إسهام سابق في العمل في هذا الكتاب برئاسة فضيلة الدكتور عبد الله بن محمد مدني حافظ عضو هيئة التدريس بكلية الحديث الشريف.
خامسًا: مراجعة العمل في صورته النهائية من قبل فريق علمي متخصص برئاسة فضيلة وكيل الجامعة للشؤون التعليمية الأستاذ الدكتور إبراهيم بن علي العبيد.
هذا وقد بُذل في إخراج هذا السفر النفيس وقت ثمين وعمل متواصل وجهد كبير يليق بمثل هذا الكتاب.
وفي الختام أزجي وافر الشكر والتقدير لمعالي مدير الجامعة الأستاذ الدكتور محمد بن علي العقلا الذي كان لتوجيهاته السديدة ودعمه اللامحدود الأثر البالغ في إنجاز هذا العمل العلمي الذي يخدم سنة المصطفى صلوات الله وسلامه عليه.
والشكر موصول لكل من أسهم في إخراج هذا السفر العظيم من الباحثين والمحكمين والمراجعين وغيرهم ممن شارك في هذا العمل المبارك.
أضرع إلى الله سبحانه وتعالى أن يوفقنا جميعا لخدمة كتابه وسنة نبيه - صلى الله عليه وسلم - وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
عميد البحث العلمي د. عبد الرحمن بن عبد الله السحيمي
- ذ -
شكر وتقدير
الحمد لله رب العلمين، والصلاة والسلام على رسوله الأمين، محمد وعلى آله وصحبه، ومن تبعه بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد:
فإن مما يطوق عنقي من المنن الربانية، ويُثقل كاهلي من المواهب الإحسانية في هذه الساعة، وقد اكتمل بدر مشروع المسند الصحيح المخرج على صحيح مسلم لأبي عوانة الإسفراييني، أن أتوجه إلى الله جل وعلا بخير المحامد، وأعظم الثناء، فما التوفيق إلا به سبحانه، وما النَّعماء إلا من فضله وحده ورحمته، فله الحمد حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه، ملء السموات، وملء الأرض، وملء ما بينهما، وملء ما شاء ربنا من شيء من بعد، وأبتهل إليه بأن يُديم نعمه علينا، وأن يزيدنا من فضله.
ثم إني لأتقدم بجزيل الشكر والعرفان للجامعة الإسلامية التي أسأل الله بحوله وقوته أن يحفظها وما سواها من منارات الإسلام ومنابع الهدى، ويبقيها عينًا معينًا لا تنضب، وسبيل رشد لا يعطب، ويعين القائمين عليها ويسدد خطاهم، وفي مقدمتهم معالي مدير الجامعة الإسلامية: الأستاذ الدكتور محمد بن علي العقلا، الذي لم يألُ جهدًا في تحقيق رسالة الجامعة المباركة وأهدافها، وفقًا لتوجيهات خادم الحرمين الشريفين، وسمو ولي عهده، حفظهما الله تعالى ورعاهما، اللَّذين خصَّا الجامعة الإسلامية بالرعاية والعناية، والدعم غير المحدود، وأوليا العلم وأهله اهتمامًا بالغًا، وما الجامعات ومراكز البحث إلا شاهد عيان على ذلك، فجزاهما الله خير الجزاء، وأمد في عمرهما ومتعهما بتمام الصحة والعافية، وسدد جهودهما بتوفيقه، وأدام عز دولة التوحيد بهما، وجعل ما يقدمانه للإسلام وأهله في موازين حسناتهما، إنه ولي ذلك والقادر عليه.
- ر -
والشكر موصول لكل من أسهم في إخراج هذا المشروع من ذوي الفضل والمعرفة، وأخص بالذكر فضيلة عميد عمادة البحث العلمي بالجامعة الإسلامية، الدكتور: عبد الرحمن بن عبد الله السحيمي، الذي لم يدخر جهدًا في توجيه هذا المشروع ومتابعته.
وفضيلة عميد كلية الحديث الشريف بالجامعة الإسلامية الدكتور: حسين بن شريف العبدلي، على مساندته المشروع وتيسير إنجازه.
وفريق العمل من الباحثين المشاركين، والباحثين المساعدين الذين بذلوا قصارى جهدهم ونفيس أوقاتهم، فشكر الله للجميع ما قدموه، وجعله من خير أعمالهم في الدنيا والآخرة.
وصلى الله على نبيه وآله، وصحبه، وسلم تسليمًا كثيرًا.
رئيس فريق العمل د. عبد الله بن محمد مدني بن حافظ
- ز -
الافتتاحية
الحمد لله الذي هدى عباده إلى الصراط المستقيم، وأتم لهم بالكتاب والسنة الدين، فالحمد له حمدًا طيبًا مباركًا فيه ما دامت السموات والأرضين، والصلاة السلام على نبيه محمد الأمين، بشَّر بالنُّضرة من بلَّغ سنته وهديه للعالمين، فصلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن تبعه بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد:
فإن العناية بتراث علماء الأمة الإسلامية وإخراجه من خزائن المخطوطات إلى عامة المكتبات وتقريبه للعامة والخاصّة، من خير ما بذلت فيه الدراسات العلمية، وهو هدف رئيس من أهداف الجامعة الإسلامية ومرافقها التعليمية، لا سيما حينما تتصل معادنه بأصل من أصول السنة النبوية، وتصقل جواهر لآلئه، وتجلي أسرارًا من صناعته الفقهية والحديثية.
وإن من أبرز ما اعتنت به كلية الحديث الشريف بالجامعة الإسلامية كتاب "المسند الصحيح المخرّج على صحيح مسلم"، الذي يعد موسوعة حديثية ذات قيمة علمية تتصل بأصل من أصول السنة النبوية، وهو صحيح الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى.
والارتباط بين صحيح الإمام مسلم وكتاب أبي عوانة ظاهر الأثر في اهتمام أئمة السلف بحرصهم على سماع مستخرج أبي عوانة وروايته، يصور ذلك أجمل تصوير قول العلامة عبد الغافر الفارسي في ثنائه على أبي نعيم عبد الملك بن الحسن الأزهري راوي المستخرج، بقوله:
"حدَّث سنين، وألحق الأحفاد بالأجداد، وكانت الرحلة إليه بإسفرايين من البلاد، ثم حمل إلى نيسابور سنة تسع وتسعين وثلاثمائة، ونزل في دار الشيخ أبي الحسن البيهقي، وحضره السادة الأئمة والقضاة
- س -
والمتفقهة، وتركوا الدروس والمجالس وجميع الأشغال، وأخذوا في قراءة المسند عليه، وأحضروا الأولاد، وكان المجلس غاصًّا بالناس بحيث لم يعهد بعده بنيسابور مثل ذلك المجلس لسماع الحديث 1.
وقد طبع بعض هذا الكتاب دون خدمة علمية تليق به، كم وقع فيه من سقط وتصحيف، وتحريف.
فصدر الجزء الأول والثاني من هذا الكتاب عن دائرة المعارف بالهند عام 1362 هـ، ثم طبع منه الرابع والخامس عام 1385 هـ، واعتنى به جماعة حسب وسعهم، وما توفر لهم، وهم: الأستاذ محمد عبد الحميد، والسيد حبيب الله القادري والعلامة المعلمي المصححين بالدائرة المذكورة، وكان الطبع على نسخة واحدة ناقصة، وذكر الطابعون أنهم لم يظفروا بمخطوطة الجزء الثالث منه.
ثم طبع مؤخرًا بعض هذا الجزء الثالث بعناية أيمن عارف الدمشقي، وزعم طابعه أنه القسم المفقود من كتاب أبي عوانة حيث قام بتحقيق بعض الجزء الثاني والثالث من نسخة دار الكتب المصرية، وهي نسخة بها سقط وتصحيف واختلال كبير في ترتيب أوراقها في هذا الجزء، إلى ملاحظات أخرى كثيرة على المطبوع من الكتاب، منها:
1 - أن الطباعة تمت على نسخة واحدة ناقصة وللكتاب عدة نسخ خطية يتم به الكتاب.
2 - سقط من تلك الطبعة من أول الكتاب مقدمته، وخمسة أبواب بعدها على التوالي، وسقط أيضًا من النص مواضع أخرى في أثناء الكتاب
- ش -
بينها الباحثون في رسائلهم الآتي ذكرُها.
3 - وجود التصحيف، والتحريف في مواضع من هذه الطبعة، ولا سيما ما طبع بعناية أيمن الدمشقي فمن أمثلة التصحيف: ما ورد في المطبوع في حديث عتبان بن مالك، قال: يا رسول الله تعال فخط لي في داري، والصواب: فصل لي في داري.
ومن أمثلة التحريف، ما ذكره العلامة بكر أبو زيد، يرحمه الله تعالى في كتابه تحريف النصوص (168 - 170) وعدّه من التحريف في متن حديث من مسند أبي عوانة، فأورد رحمه الله حديث ابن عمر، رضي الله عنهما، في رفع اليدين في الصلاة، كما ورد في المطبوع من المسند، هكذا:
"رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا افتتح الصلاة رفع يديه حتى يحاذي بهما، وقال بعضهم حذو منكبيه، وإذا أراد أن يركع، وبعد ما يرفع رأسه من الركوع لا يرفعهما، وقال بعضهم ولا يرفع بين السجدتين، والمعنى واحد".
والصواب كما في المخطوط: "رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا افتتح الصلاة رفع يديه حتى يحاذي بهما، وقال بعضهم حذو منكبيه، وإذا أراد أن يركع، وبعد ما يرفع رأسه من الركوع، ولا يرفعهما، وقال بعضهم: ولا يرفع بين السجدتين، والمعنى واحد".
4 - في المطبوع زيادات ضرب عليها في الأصل برمز (لا - إلى) وهو رمز معناه أن ما بينهما مضروب عليه وليس من أصل الكتاب، وقد أثبتها الطابعون في أصل الكتاب، وهذه الزيادات ليست موجودة في النسخ الأخرى للكتاب مما يدل على أنها ليست منه، بل إنها لا تناسب سياق الكلام.
5 - لم يُعتن في هذه الطبعة بتخريج الأحاديث، ولا الكلام على أسانيدها، ولا استنباط فوائد الاستخراج من تلك الأحاديث المستخرجة.
- ص -
ومن ثمَّ تبنت كلية الحديث الشريف بالجامعة الإسلامية تحقيق هذا الكتاب ودراسته، فحقق أكثره في أربع عشرة رسالة علمية خلال عدة سنوات، تمَّ توزيعها على طلاب الدراسات العليا ببرنامجي الدكتوراه والماجستير، وهم -وفق عملهم من أول الكتاب- على النحو التالي:
1 - الباحث: عباس صفا خان شهاب الدين التركستاني - يرحمه الله تعالى - وبحثه قدم لنيل درجة الماجستير بقسم علوم الحديث بكلية الحديث الشريف، وبدأ من أول الكتاب من كتاب الإيمان إلى نهاية باب إيجاب غسل اليدين على المستيقظ من النوم من كتاب الطهارة، دراسة وتحقيق، ويقع في 1245 صفحة.
2 - د. بابا إبراهيم الكمروني، وبحثه قدم لنيل درجة الماجستير بقسم علوم الحديث بكلية الحديث الشريف، ويبدأ من باب الدليل على أن أمر النبي صلى الله عليه وسلم للمستيقظ من النوم غسل يديه على الإباحة إلى حظر الكلام في الصلاة بعد إباحته فيها، دراسة وتحقيق، ويقع في 632 صفحة.
3 - د. محمد محمدي بن محمد جميل الأفغاني، وبحثه قدم لنيل درجة الماجستير بقسم فقه السنة بكلية الحديث الشريف، ويبدأ من باب بيان حظر الكلام في الصلاة إلى نهاية بيان الجهر بالقراءة في صلاة الكسوف من كتاب الصلاة، دراسة وتحقيق، ويقع في 1325 صفحة.
4 - د. عبد الله بن محمد بن حافظ، وبحثه قدم لنيل درجة الماجستير بقسم علوم الحديث بكلية الحديث الشريف، وبدأ من باب ذكر الخبر المبين أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى الكسوف ثمان ركعات إلى باب الوقت الذي يحل للصائم الإفطار فيه، دراسة وتحقيق، ويقع في 571 صفحة.
- ض -
5 - د. بشير علي عمر النيجيري، وبحثه قدم لنيل درجة الماجستير بقسم علوم الحديث بكلية الحديث الشريف، وأوله من باب بيان الترغيب في تعجيل الإفطار للصائم إلى نهاية باب الدليل على الإباحة للإمام أن يؤخر الصدقة على من تجب عليه، دراسة وتحقيق، ويقع في 483 صفحة.
6 - الباحث: سراج الحق محمد هاشم، وبحثه قدم لنيل درجة الماجستير بقسم علوم الحديث بكلية الحديث الشريف، ويبدأ من باب بيان الإباحة للمحرم غسل رأسه ودلكه رأسه بالماء إلى نهاية باب عقاب من يريد بالمدينة سوءًا وبأهلها من كتاب الحج، دراسة وتحقيق، ويقع في 1007 صفحة.
7 - د. محمد مكي عبد الله عطاء الله، وبحثه قدم لنيل درجة الدكتوراه بقسم فقه السنة بكلية الحديث الشريف، ويبدأ من أول فضائل القرآن إلى نهاية كتاب الطلاق، دراسة وتحقيق، ويقع في 614 صفحة.
8 - د. عبد الكريم بن إبراهيم بن محمد الغضية، وبحثه قدم لنيل درجة الدكتوراه بقسم فقه السنة بكلية الحديث الشريف، ويبدأ من أول كتاب العتق إلى نهاية أبواب النذور من السفر الثالث، دراسة وتحقيق، ويقع في 621 صفحة.
9 - د. سالم بن عمر بن أحمد باعبد الله، وبحثه قدم لنيل درجة الماجستير بقسم علوم الحديث بكلية الحديث الشريف، ويبدأ من أول كتاب الأيمان إلى آخر كتاب الحدود، دراسة وتحقيق، ويقع في 613 صفحة.
10 - د. رباح بن رضيمان بن تركي العنزي، وبحثه قدم لنيل درجة الماجستير بقسم فقه السنة بكلية الحديث الشريف، ويبدأ من أول كتاب الأحكام إلى نهاية باب عفو النَّبي صلى الله عليه وسلم عمن دعاه إلى الإيمان بالله عز وجل فرد عليه قوله ... من كتاب الجهاد، دراسة وتحقيق، ويقع في 1009 صفحات.
- ط -
11 - د. هاني بن أحمد بن عمر فقيه، وبحثه قدم لنيل درجة الماجستير بقسم فقه السنة بكلية الحديث الشريف، ويبدأ من باب صفة حفر الخندق من كتاب الجهاد إلى باب إباحة صيد الأرنب وأكله من كتاب الصيد، دراسة وتحقيق، ويقع في 852 صفحة.
12 - د. عمر بن مصلح الحسيني، وبحثه قدم لنيل درجة الماجستير بقسم فقه السنة بكلية الحديث الشريف، ويبدأ من باب إباحة صيد الجراد إلى نهاية المجلد الرابع، دراسة وتحقيق، ويقع في 1111 صفحة.
13 - د. أحمد بن حسن الحارثى وبحثه قدم لنيل درجة الدكتوراه بقسم فقه السنة بكلية الحديث الشريف، ويبدأ من باب التشديد في اتخاذ الصور في البيوت من كتاب اللباس إلى نهاية باب مناقب سودة من كتاب المناقب، دراسة وتحقيق، ويقع في 1099 صفحة.
14 - د. عبد الله بن محمد بن سعود آل مساعد، وبحثه قدم لنيل درجة الماجستير بقسم فقه السنة بكلية الحديث الشريف، ويبدأ من مناقب أم سليم من كتاب المناقب إلى باب الدعاء الذي يجب على من يسلم أن يدعو به من كتاب الدعوات، دراسة وتحقيق، ويقع في 923 صفحة.
بيد أن هذه الجهود المتضافرة باتت حبيسة الخزائن، ولم يتهيأ نشرها، والإفادة منها وذلك للأسباب التالية:
1 - سعة القدر المحقق من الكتاب حيث اشتمل على 11882 حديثًا وأثرًا، وقد تم تحقيقه في 12119 صفحة، فهو موسوعة حديثية تحتاج إلى جهد جماعي لإخراجها منتظمة في نسق واحد من أولها إلى آخرها.
2 - ضرورة التنسيق بين مادة الكتاب متباعدة الأطراف.
- ظ -
3 - اشتمال النص المحقق على عدد ضخم جدًّا من رواة الأسانيد وقع تكرار في ذكر تراجمهم لتعدد الباحثين في الكتاب، مما يستلزم ضرورة النظر في التراجم جميعها، وإبقاء ما يلزم منها وحذف المكرر.
4 - احتواء مقدمات الباحثين، ودراساتهم للكتاب، على مواد عديدة متعلقة بالنص المحقق، كلٌّ وفق القسم الخاص به، والمواد المذكورة كلها بحاجة إلى من ينسقها لتنتظم في مقدمة واحدة تكون مدخلًا للنص المحقق.
5 - وجود قدر من الكتاب لم يتهيأ تحقيقه، ودراسته 1، يلزم تحقيقه وفق منهج تحقيق الكتاب.
6 - كانت للأعمال السابقة فهارس متنوعة، اختص كل عمل منها بفهرسة مواده المتعلقة به فقط، وإخراج الكتاب جميعه يستلزم إعداد فهارس علمية شاملة للكتاب.
وقد رأت الجامعة الإسلامية إخراج هذا السفر الكبير ليكون لبنة جديدة تضاف إلى لبنات سابقة في صرح إصدارات الجامعة من ذخائر علوم السنة النبوية، وإضافة لمطبوعات المكتبة الحديثية، وفق مشروع علمي، استلزم تنفيذه تكوين فريق
- ع -
عمل من الباحثين يُعنى بتنسيق مواد الكتاب وخدماته المتعددة، وإخراجه في صورة متناسقة ومناسبة، بإشراف عمادة البحث العلمي.
ولا مرية في أن إخراج هذا السفر بخدماته التي أسهم في بنائها أربعة عشر باحثًا متخصصًا يمثل لبنات يعلو بها صرح المكتبة الإسلامية، وتنتظم الجهود المبذولة فيه في أغراض التَّآليف المعتبرة 1، وبفضل الله تعالى تمَّ إنجاز واحد وعشرين جزءًا منه أُعِدَّت للطباعة والنشر، ويجري العمل حثيثًا لاستكمال آخره بمشيئة الله تعالى.
- غ -
خطة العمل في المشروع والمنهج المتبع في تنفيذها
أولًا: خطة العمل في المشرع
انقسم العمل في المشروع إلى مرحلتين:
المرحلة الأولى: خدمة قسم دراسة الكتاب ومؤلفه، من خلال مواد دراسات الرسائل السابق ذكرها، لتصبح الدراسة في ثلاثة فصول:
الفصل الأول: ترجمة المؤلف، وتشمل أحد عشر مبحثا:
المبحث الأول: اسمه كنيته ونسبته وبلدته.
المبحث الثاني: مولده ونشأته وأسرته.
المبحث الثالث: رحلاته.
المبحث الرابع: شيوخه.
المبحث الخامس: تلاميذه.
المبحث السادس: مكانته العلمية وثناء العلماء عليه.
المبحث السابع: عقيدته.
المبحث الثامن: دراسة فقه المصنف من خلال تراجم أبوابه.
المبحث التاسع: أبو عوانة والنقد.
المبحث العاشر: مؤلفاته.
المبحث الحادي عشر: وفاته.
الفصل الثاني: دراسة الكتاب، وتشمل عشرة مباحث:
المبحث الأول: بيان اسم الكتاب.
- ف -
المبحث الثاني: توثيق نسبة الكتاب للمؤلف.
المبحث الثالث: مصادره في كتابه.
المبحث الرابع: درجة أحاديث الكتاب.
المبحث الخامس: درجة رجال أبي عوانة.
المبحث السادس: دراسة الزوائد والمعلقات في المستخرج.
المبحث السابع: دراسة موضوع الكتاب وبيان معنى الاستخراج.
المبحث الثامن: أهمية كتاب أبي عوانة وعناية العلماء به.
المبحث التاسع: بيان منهج المؤلف في كتابه.
المبحث العاشر: وصف النسخ الخطية، وتراجم رجال أسانيدها، ودراسة السماعات الموجودة عليها.
الفصل الثالث: مقارنة بين مستخرجي أبي عوانة وأبي نعيم من خلال كتابيِّ الصوم والزكاة، وفيه أحد عشر مبحثًا:
المبحث الأول: في تسمية الكتابين، وموضوعهما، وقيمتهما العلمية.
المبحث الثاني: مقارنة مقدمة الكتابين.
المبحث الثالث: السبب الباعث للمؤلفين على تأليف كتابيهما.
المبحث الرابع: منهجهما في الاستخراج، وتحقيقهما لشرطه.
المبحث الخامس: منهجهما في التبويب وتراجم الأبواب.
المبحث السادس: الصناعة الحديثية في الكتابين.
المبحث السابع: فيما تضمنه الكتابان من أنواع علوم الحديث.
المبحث الثامن: ما اشتمل عليه الكتابان من فوائد الاستخراج.
- ق -
المبحث التاسع: الرواية عن المتكلم فيهم في الكتابين.
المبحث العاشر: العلل واختلاف الرواة في الكتابين.
المبحث الحادي عشر: الأحاديث الزوائد في الكتابين، ثم خلاصة المقارنة.
المرحلة الثانية: إعداد النص المحقق في هذا القسم بتنسيق البحوث المقدمة فيه، ومعالجة نصوصه، واستكمال ما لم يحقق منه.
ثانيًا: المنهج المتبع في تنفيذ خطة المشروع.
روعي في منهج العمل المحافظة على مناهج المحققين التي اعتمدت في رسائلهم وبحوثهم، فلم يكن ثمة تغيير فيها سوى ما يتعلق بتنسيق المادة العلمية، وقد اتبع الفريق لتنفيذ خطة المشروع المنهج التالي:
أولًا: مرحلة خدمة قسم دراسة الكتاب ومؤلفه.
1 - مراجعة كافة دراسات التحقيق للمباحث المذكورة في خطة المشروع، والعمل على استيعاب موادها المشتركة في قالب موحد، وتنسيق عبارات الباحثين في ذلك.
2 - مراعاة المباحث التي اختص بها بعض الباحثين دون البعض الآخر، وتنسيق مادتها وفقًا لخطة المشروع، مع التنبيه على مقدار تعلقها بمحتوى الكتاب، كما هو الشأن في الفصل الثالث من دراسة الكتاب بهما خصص للمقارنة بين مستخرجي أبي عوانة وأبي نعيم من خلال كتابيِّ الصوم والزكاة، وذلك لوجود هذه المقارنة في بعض دراسات الكتاب دون البعض الآخر.
- ك -
ثانيًا: مرحلة إعداد النص الحقق:
1 - مراجعة النص المحقق مراجعة شاملة مع استكمال ما لم يحقق من المخطوط وفق منهج تحقيق الكتاب.
2 - تنسيق كتابة الآيات بالخط العثماني للمصحف الشريف.
3 - ترقيم أسانيد أحاديث الكتاب ترقيمًا متسلسلًا مع تصدير الأحاديث الزائدة على صحيح الإمام مسلم بحرف الزاي متابعة لأغلب الباحثين في ذلك.
4 - تنسيق ضبط الإحالات على النسخ الخطية، وتوحيد رموزها وفقًا لمسمياتها في مبحث دراسة النسخ الخطية مع الإشارة إلى نهاية صفحات النسخة المختارة للتحقيق بالمتن، وبيان ذلك للنسخ الموافقة للأصل بالحاشية.
5 - مراجعة كافة تراجم رواة الأسانيد والأعلام للنظر في حذف التكرار، وإثبات الترجمة في أول موضع يذكر فيه المترجم له مع الإشارة ببطاقة التعريف به في مواضع الحذف، إلا من حاجة تقتضي تكرار الترجمة، أو تأخيرها، نحو بيان حال المروي والحكم عليه، أو التباين المؤثر في المادة العلمية للمترجم له.
وقد اكتفى أكثر المحققين بالترجمة إلى موضع الالتقاء بأسانيد الإمام مسلم، لقبول ما في الصحيح في الجملة، كما هو مشهور.
6 - تنسيق الإحالات، وتصحيحها وفق تنسيق الترقيم الحالي.
- ل -
7 - مراجعة شرح الغريب، والتعريف بالبلدان، وإبقاء ذلك في موضعه حيثما ورد تسهيلًا للقارئ في تفسير النص وبيانه.
8 - مراجعة تخريج الباحثين للأحاديث المكررة مع عدم حذف تخريجهم للوقوف على رأي كل منهم في تحقيقاتهم.
9 - تنسيق كافة فهارس المحققين لاستخراج فهارس شاملة للنص المحقق ومقدمته، على النحو التالي:
• فهرس الآيات القرآنية.
• فهرس الأحاديث والآثار.
• فهرس الرواة والأعلام المترجم لهم.
• فهرس الألفاظ الغريبة.
• فهرس الأماكن والبلدان.
• ثبت مصادر ومراجع التحقيق والمقدمة.
• فهرس الموضوعات العامة.
10 - صفُّ الكتاب في صورته النهائية وفق مواصفات عمادة البحث العلمي، وإخراجه ليكون ماثلًا للطباعة والنشر.
- م -
الفريق العلمي لمشروع المسند الصحيح المخرج على صحيح مسلم
عمل على تنفيذ خطة المشروع فريق من الباحثين المختصين في الحديث النبوي من أعضاء هيئة التدريس بكلية الحديث الشريف بالجامعة الإسلامية، وهم:
أولًا: رئيس فريق العمل بالمشروع.
د. عبد الله بن محمد مدني بن حافظ.
ثانيًا: أعضاء الفريق 1.
• د. عمر بن مصلح الحسيني.
• د. سالم بن عمر باعبد الله.
• د. أحمد بن حسن الحارثي.
• د. عبد الله بن محمد آل مساعد.
وقد ساند الفريق مجموعة من مساعدي الباحثين من حملة الشهادة الجامعية، والماجستير المتمكنين في علوم الحديث.
ولقد عمل أعضاء الفريق بجهد دؤوب استغرق قرابة السنتين، ولم يكن ذلك أمرًا يسير المنال، سهل المرام، بل رافقه صعوباتٌ، سلفت الإشارة إلى بعضها، وأبرزها ما يلي:
- ن -
- فقدان النسخ الإلكترونية لبعض البحوث مما استلزم إدخال نصوصها بالحاسب الآلي.
- كثرة تراجم رواة نصوص الكتاب التي زادت عن عشرة آلاف ترجمة، حيث تمت دراستها وحذف التكرار منها، فبلغت نحوًا من ثلاثة آلاف ترجمة.
- الاختلاف الواسع في تنسيق نصوص الكتاب الإلكترونية متباينة الإعداد.
- تباين بحوث المحققين للموضوع المشترك في دراساتهم، إذ كل منهم قد اختصت دراسته بالجزء الذي حققه، مما استلزم مزيد النظر للجمع بين أطراف دراساتهم واحتوائها في قالب واحد.
- تعدد مناهج الباحثين في طرق الإشارة إلى مواضع صفحات النسخ الخطية للكتاب، وفي تسميتها ووصفها ودراسة سماعاتها الكثيرة، كل ذلك كان سببًا في إعادة النظر في كتابة هذا المبحث بتمامه مما استغرق جهدًا وزمنًا ليس باليسير.
- تنوع طرق فهارس الباحثين، واختلافها كمًّا وكيفًا، أدى إلى إعادة ترتيب مواد الفهارس كلها وتجميعها على طريقة واحدة إلكترونية، هذا مع سعة مواد الكتاب الكثيرة، إلى غير ذلك من الصعاب التي لا تخفى على من تصدى لمثل هذا العمل، الذي قد لا يسلم جمعه وإخراجه من خطأ أو زلل، فقد أبى الله أن لا يكمل إلا كتابه المنزل، وعذر فريق العمل أنهم بذلوا قصارى جهدهم من غير سآمة أو ملل، ومواقعة المحذور مع سعة مادة الكتاب غير مستبعدة، بل هي أمر محتمل، وقد قال السيد أحمد صقر يرحمه الله تعالى: "والنشر فن خفي المسالك، عظيم المزالق، جم المصاعب، كثير المضائق، وشواغل الفكر فيه متواترة، ومتاعب البال وافرة، ومهيضات
- هـ -
العقل غامرة، وجهود الفرد في مضماره قاصرة، يؤودها حفظ الصواب في سائر نصوص الكتاب، ويعجزها ضبط شوارد الأخطاء ورجعها إلى أصلها، فيأتي الناقد وهو موفور الجمام فيقصد قصدها ويسهل عليه قنصها" 1.
والله المسؤول أن يحقق هذا العمل الثمرة المرجوة منه، وأن يكون تحقيق هذا الكتاب وإخراجه على أقرب صورة كتبها جامعه غفر الله له ورحمه، ووفق من عمل في إخراجه وأعان عليه.
وصلى الله وسلم على محمد وآله وصحبه أجمعين.
كتبه رئيس فريق العمل بالمشروع د. عبد الله بن محمد مدني بن حافظ
الفصل الأول: ترجمة المصنف
، ويحتوي على أحد عشر مبحثا:
المبحث الأول: اسمه وكنيته ونسبته وبلدته
.
المبحث الثاني: مولده ونشأته وأسرته.
المبحث الثالث: رحلاته.
المبحث الرابع: شيوخه.
المبحث الخامس: تلاميذه.
المبحث السادس: مكانته العلمية، وثناء العلماء عليه.
المبحث السابع: عقيدته.
المبحث الثامن: دراسة فقه المصنف من خلال تراجم أبوابه.
المبحث التاسع: أبو عوانة والنقد.
المبحث العاشر: مؤلفاته.
المبحث الحادي عشر: وفاته.
الفصل الأول ترجمة المصنف (1)
المبحث الأول: اسمه وكنيته ونسبته وبلدته
: هو: يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم بن يزيد، أبو عوانة النيسابوري الأصل المِهْرَجَانِيّ، الإسفراييني 2.1
وعَوانة ضبطها ابن خلكان: بفتح العين المهملة، وبعد الألف نون 1.
ونيسابور: ضبطها السمعاني: بفتح أوله وسكون الياء المنقوطة من تحتها باثنتين، وفتح السين المهملة، وبعد الألف باء منقوطة بواحدة، وفي آخرها الراء 2.
وإسْفَرايين: ضبطها السمعاني فقال: "بكسر الألف وسكون السين المهملة وفتح الفاء والراء كسر الياء المنقوطة باثنتين من تحتها".
وكذلك قال ياقوت الحموي إلا أنّه قال: "بفتح الألف: أسفرايين"، والكسر هو الذي عليه الأكثرون.
وحكى الزبيدي في فاء إِسْفَرايين بعد نقله الفتح فيها عن ياقوت وابن خلكان تجويز الكسر أيضًا عن غيرهما 3.
وأما ياء إسفرايين فبلا همز، كما تقدم، ونص عليه السيوطي 4، وهذا على الأصح الأفصح، وجوَّز بعضهم همزها، كما قاله الزبيدي 5.
وهي بليدة بنواحي نيسابور على منتصف الطريق من جرجان في آخر عمل نيسابور وبينهما خمس مراحل، وقيل: اثنان وثلاثون فرسخًا.
ويقال لها قديمًا: المِهْرجان: بكسر الميم، وسكون الهاء، كسر الراء، وفتح الجيم، وفي آخرها نون.
سماها بذلك بعض الملوك لخضرتها ونضارتها، ومهرجان قرية من أعمال إسفرايين 1.
وقيل: أسفرايين: أصلها من أسبرايين، بالباء الموحدة.
وأسبر بالفارسية هو التِّرس، وإيين هو العادة، فكأن أهلها عرفوا قديمًا بحمل التِراس فسميت مدينتهم بذلك 2.
وحدَّدَ السَّمعانِيُّ والحمويّ موقعها على منتصف الطريق بين نيسابور وجُرجان.
ولعل مدينة إسفرايين القديمة تطابق الآن الخرائب المعروفة بشهر بلقيس 3، فقد نقل المعلِّق على كتاب "بلدان الخِلافة الشرقية" عن كتاب "خراسان وسيستان" قولَه: "ولعلَّ مدينة إسفرايين القديمة -وما زال السهل
هناك يُعرف باسمها- تطابق الخرائب المعروفة بشهر بلقيس".
وهو كما قال، ويعرفُ الإيرانيون اليوم إسفرايينَ القديمة التي لم يبق منها إلا أطلالها باسم مدينة بلقيس، وتقع إلى جنوب مدينة إسفرايين الحاليَّة التي تقعُ شمال شرقيَّ دولة إيران، وجنوب الخُراسان الشمالية، وتحدُّها من الجنوب والجنوب الشرقي مدينة نيسابور، ومن الشمال مدينتا بَجْنورد وشيروان، ومن الغرب مدينة جاجُرم، ومن الجنوب الغربيِّ مدينة سبْزَوار 1.
المبحث الثاني: مولده ونشأته وأسرته
:
مولده: ولد أبو عوانة - رحمه الله تعالى - بإسفرايين، ولم تذكر المصادر تاريخ مولده بالتحديد، وذكره الذهبي على التقريب فقال: "ولد بعد الثلاثين ومائتين" 1.
وقد ذكر أبو عوانة أنه سمع بجرجان سنة 250 هـ من أبي عبد الله السختياني 2، فيشبه أن يكون تاريخ مولده بين سنة (230 - 235 هـ) لأن غالب من يتمكَّن من الرحلة للبلدان المجاورة والسماع منها؛ يكون عمره -في أقلِّ الأحوال- بين (16 - 20 عامًا).
نشأته وأسرته:
هيَّأ الله سبحانه وتعالى لأبي عَوانة أسبابًا سلكت به أشرف المسالك وأنبلها وهو: طلب العلم الشرعي وحفظه، والرحلة إليه في الأقطار، والعمل به، ولا يُعرف اشتغاله بحرفةٍ أو صنعةٍ أو وظيفة غير اشتغاله بحفظ حديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وسننه، ونشره، والذبِّ عنه بالتحديث والتصنيف، كفى به شرفًا وفخرًا أن ينشر العلم الذي من عمل به كان فيه قوام دينه، ودنياه، وآخرته، ومن تلك الأسباب التي تهيَّأت له:
أولًا: نشأته في بيت علمٍ ودين.
نشأ أبو عوانة - رحمه الله - في بيت علم وفضل فقد كان أبوه 1 من23
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .1 = لو كان غيره لترجم له.
المعتنين برواية الحديث وسماعه، فروى عن إسحاق بن إبراهيم بن راهوية المروزي، وعلي بن حُجر السعدي المروزي نزيل بغداد، وأبي مروان محمد بن عثمان بن خالد الأموي العثماني المدني نزيل مكة 1.
ولا شك أن أبا عوانة قد تأثر بأبيه في تطلبه الحديث من الشيوخ = قال السبكي: قول شيخنا الذهبي: "ما ظفرت له برواية عن إسحاق بن أبي عمران" لا يلزم منه أن يكون هو أباه، فإن أبا عوانة لم يستوعب في مسنده شيوخه، هذا إن صحَّ أنه لم يذكر في كتابه إسحاق بن أبي عمران.
فإن قلت: لا شك أن روايته عن أبيه، وعدم روايته عن إسحاق بن أبي عمران قرينة.
قلت: لكن ذكر الحاكم لأبي عوانة في الرواة عن هذا الشيخ من غير تنبيه على أنه ولده قرينة في أنه غيره أقوى من تلك، مع ما ينضم إليها من أن أبا عوانة نفسه أخذ عن المزني والربيع على أن الحال محتمل والخطب فيه يسير".
ويؤيد هذا التفريق أن الحافظ ابن عساكر ترجم لإسحاق بن موسى ابن عمران في تاريخ دمشق (8/ 292)، وصنع كما صنع الحاكم، وكذا ترجم ابن عبد الهادي في طبقات علماء الحديث (2/ 421). كما أن الذين ترجموا لإسحاق بن موسى بن عمران ذكروا أنه أحد أئمة الشافعية، والرحالة في طلب الحديث، وأن له مصنفات كثيرة وله سماع عن عدد كبير من الشيوخ، عد ابن عساكر منهم 34 شيخًا، وعد الذهبي منهم 31، مع الإشارة إلى وجود غيرهم بينما لم أجد لوالد أبي عوانة إلا ثلاثة من الشيوخ فقط.
وهذه قرينة يلتمس منها أنه ليس ذاك الإمام الواسع الرواية والشيوخ.
والأكابر أمثال من ذكرنا، فقد روى عنه كثيرًا في كتابه هذا.
وانتقل هذا الأثر إلى أبناء أبي عوانة وأبنائهم وذويهم، فقد سمع من أبي عوانة ابنه أبو مصعب محمد، وابن ابنه شافع بن محمد الإمام الحافظ المفيد 1 وابن أخته الحسن بن محمد الأزهري -وكان أبو عوانة يصحبه في رحلاته 2 - وابن ابن أخته أبو نعيم عبد الملك بن الحسن الذي كان عمره حين توفي أبو عوانة ست سنوات وعشرة أشهر، وقد حرص أبو عوانة على إسماعه فسمع بعض المسند مع الجماعة، وبعضه وحده بالليالي وقت فراغ أبي عوانة بقراءة والده على أبي عوانة، وكان أبو عوانة يداعبه ويحادثه ويطعمه الفانيذ 3 لئلا ينعس في حال السماع حتى يحصل له سماع جميع الكتاب، وقد أجاز له أبو عوانة ولجماعة معه بجميع كتبه ومسموعاته 4.
وهكذا نجد أن أبا عوانة نشأ في أسرة محبة للعلم، حريصة عليه أبًا وأبناءً فكان لهذا أثره في حياته العلمية والاجتماعية.
ثانيًا: نشأته في بيئةٍ ازدهرت بحب العلم الشرعي، وزانها كثرة العلماء فيها، وتوافر المراكز العلمية حولها.
فبلدته إسفرايين -وما كان حولها من البلدان مثل: نيسابور،
وجرجان، والري، وهراة، وبلخ ومرو، ونسا، وفارس، وبخارى، وسمرقند، وغيرها- كانت زاخرة بالعلماء، وكانت من المراكز العلمية التي يَفد إليها طلاب العلم من أقطار الأرض لتحصيل الحديث والعلوم الأخرى ولقاء الأكابر من الشيوخ 2.
وقد كان لهذا المحيط العلمي التأثير الأكبر في تكوين شخصية أبي عوانة العلمية؛ إضافة إلى ما كان في بيته وأسرته.
ويبدو أن أبا عوانة أخذ العلم عن أهل بلدته وما جاورها في بدء الأمر كما هو حال العلماء إذ كانوا لا يرتحلون حتى يستنزفوا أهل ديارهم 3.
وقد حفلت مدينة نيسابور بأجلة من الجهابذة العلماء حتى قال عنها ياقوت الحموي: "هي مدينة عظيمة ذات فضائل جسيمة، معدن الفضلاء، ومنبع العلماء لم أر فيما طوفت من البلاد مدينة كانت مثلها" 4.
فسمع بإسفرايين من: مسرور بن نوح الذهلي (251 هـ) 5،
ومحمد بن يحيى حَيُّويه (259 هـ)، وكان أبو عوانة يفخر به 1، وغيرهما.
وبنيسابور من: محمد بن يحيى الذهلي (258 هـ) 2، وأحمد ابن الأزهر بن منيع (263 هـ) 3، وعلي بن الحسن الدَّرابَجِرْدي (267 هـ) 4، وغيرهم.
ثم بعد أن اشتدَّ ساعده ابتدأ رحلاته العلمية في أقطار الأرض في سن مبكرة طلبًا لسماع حديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على ما سأبيِّنه في رحلاته.
المبحث الثالث: رحلاته
:
عاش أبو عوانة في حقبة زمنية (230 هـ - 316 هـ) تعتبر عصر ازدهار العلوم الإسلامية، ولا سيما علوم السنة حيث نشطت فيها الرحلة لطلب العلم ونشط التأليف، فألفت الصحاح، والسنن، والمسانيد ... كتب الجرح والتعديل ... الخ.
وحفلت هذه الحقبة بثلة من الجهابذة والعلماء والنقاد في شتى الأمصار ممن يرحل إليهم طلبًا للعلم وسماع الحديث النبوي 1.
ولم يثن أئمة الإسلام عن متطلبهم طول السفر ومشقته ووعورة تلك الطرق التي سلكوها شرقًا وغربًا وسط الصحاري والقفار لأن غايتهم سماع حديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وتبليغه للناس.
وقد ضرب أئمتنا في ذلك أروع الأمثلة، ومن هؤلاء الأئمة أبو عوانة - رحمه الله - فقد أكثر الترحال، وطاف الأقطار لطلب الحديث، فعني بجمعه وتعب في كتابته مصطبرًا على المشقة والعناء.
قال أبو عوانة: "كنت بالمصيصة، فكتب إليَّ أخي محمد بن إسحاق، فكان في كتابه:
فنحن إذا التقينا قبل موتٍ ... شفينا النَّفس من مضض العتاب
وإن سبقت بنا أيدي المنايا ... فكم من عاتبٍ تحت التراب
قال: فلما رجعت سألته عن ذلك، فقال: بلغني أن عليَّ بن حُجْرٍ كتب به إلى بعض إخوانه" 1. وقد اشتهر أبو عوانة بالرحلة في طلب الحديث ووصفه بذلك غير واحد من العلماء، منهم الحاكم أبو عبد الله بهما يقول: "أبو عوانة من علماء الحديث وأثباتهم، ومن الرَّحالة في أقطار الأرض لطلب الحديث" 2. وقال ابن خلكان: "كان أحد الحفاظ الجوَّالين 3 ". وقال السمعاني: "أحد حفاظ الدنيا، وممن رحل في طلب الحديث، وعني بجمعه 4 ". وقال الذهبي: "الإمام الحافظ الكبير الجوَّال"، وقال أيضا: "أكثر الترحال 5 ".
وقد تقدم أنَّ أبا عوانة سمع بجرجان سنة 250 هـ من أبي عبد الله السختياني، وسمع ببغداد سنة 259 هـ من عبد الله بن محمد بن مرزوق العتكي البصري 1.
وحدث عن أحمد بن محمد بن عبيد الله بن أبي رجاء الثغري الطرسوسي المصيصي، وأحمد هذا يقال: توفي في حدود 250 هـ 2، وهو من أهل ثُغور الشام، فيستنتج من هذا أنَّ أبا عوانة ابتدأ رحلاته في آخر العقد الثاني من عمره.
فسنّه المبكّر في طلب العلم مكّنه من الرحلة في أقطار الأرض، ولُقيّ أكابر الأئمة من المحدثين والفقهاء وغيرهم.
فرحل إلى خراسان وما جاورها، وفارس والعراق والجزيرة، والشام، والثغور والحجاز واليمن ومصر، فطاف مدن تلك الأمصار وسمع من علمائها:
1 - سمع بِجُرْجَان 3 من: أبي عبد الله إسحاق بن إبراهيم السختيانِي
الجرجانِي 2. 2 - سمع بمَرْو 3 من: سعيد بن مسعود المروزي، ومحمد بن عبد الله ابن قهزاذ 4. 3 - سمع بتِرْمِذ 5 من: إسحاق بن باجويه الترمذي 6. 4 - سمع بالرَّيّ 7 من: أبي زرعة عبيد الله بن عبد الكريم، وأبي حاتم محمد بن إدريس، وفضلك الفضل بن عباس، ومحمد بن مسلم بن وارة = الشرقية (417 - 418) أبو زرعة وجهوده في السنة (1/ 20).
الرازيين، وسليمان القزاز ونصر بن أحمد بن سورة وغيرهم 2. 5 - سمع بهمذان 3 من: إبراهيم بن مسعود بن عبد الحميد القرشي المخزومي 4. 6 - سمع بنَهَاوَنْد 5 من: إبراهيم بن نصر النهاوندي 6. 7 - سمع بأصبهان 7 من: يونس بن حبيب 8.
8 - سمع بجُنْدَيْسَابور 1 من: محمد بن سعيد بن أبان 2. 9 - سمع بالأَهْواز 3 من: موسى بن سفيان الجنديسابوري 4. 10 - سمع بفارس من: يعقوب بن سفيان، ويزيد بن المبارك الفسويين، ويحيى بن خلاد 5. 11 - سمع بالبصرة من: أحمد بن محمد الأيلي، ومحمد بن حيان المازني، وعمر بن شبة النميري، وأحمد بن محمد المقدمي 6. 12 - سمع بواسط 7 من: بشر بن مطر، وأحمد بن سنان القطان،
وعلان الطراطيسي 1. 13 - سمع بالكوفة من: إبراهيم بن عبد الله بن عمرو القصار، ومحمد بن إسماعيل الأحمسي، وأحمد بن عثمان بن حكيم، وعمرو بن عبد الله الأودي، وجعفر بن قتيبة الأنصاري 2. 14 - سمع ببغداد -وتقدم أنه وردها سنة 259 هـ - وسمع فيها من: مسلم بن الحجاج، ومحمد بن منده الأصفهاني، وزكريا بن يحيى بن أسد المروزي، وعلي بن سهل، وسعدان بن نصر بن منصور، وعلى بن إشكاب وغيرهم 3. وسمع بمسجد الرُّصَافة 4 من: أبي جعفر بن حيان المؤذن سنة 259 هـ 5. = انظر: معجم البلدان (5/ 400)، تاريخ واسط (21 - 27).
وبدار عُمَارة 1 سمع من: الحسن بن إسحاق العطار 2. وبسوق العطش أحمد بن حرب البغدادي 3. وبطاق الحرَّاني من محمد بن حبيب الذارع البصري 4. 15 - سمع بسَامَرَّاء 5 من: أحمد بن الهيثم، ومحمد بن الخليل ابن إبراهيم المخزومي وسعدان بن يزيد 6. 16 - سمع بالمَوْصِل 7 من: علي بن حرب الطائي 8. 17 - سمع ببَلَد 9 من: أبي منصور الحسن البلدي 10.