مستخرج أبي عوانة ط الجامعة الإسلاميةصفحات 385-19

مقدمة عميد البحث العلمي

صفحات 385-19

ابن موسى البصري، وأبو الأحوص، إسماعيل بن إبراهيم الإسفراييني، وصالح ابن موسى بن طلحة الطلحى، فالأول قد اتهم بالوضع، قال ابن عدي: "اتهم بوضع الحديث، وبسرقته، وادعى رؤية قوم لم يرهم، ورواية عن قوم لا يعرفون، وترك عامة مشايخنا الرواية عنه، ومن حدث عنه نسبه إلى جده موسى بأن (لعله لأن) لا يعرف" 1، وضعفه الدراقطني وابن حجر 2، والحديث الذي روى عنه من الأصول عند أبي عوانة، وهو ثابت في الصحيحين من غير طريقه 3، والثاني رمي بالكذب، وحديثه عند أبي عوانة في المتابعات 4، وهو ثابت عند الإِمام مسلم، وأما صالح بن موسى ابن طلحة الطلحي، فقد أجمع قول الحفاظ على أنه متروك، وحديثه عنده في الزوائد.
وأما عند أبي نعيم فقد أكثر من الرواية عن يحيى بن عبد الحميد الحماني، وهو من الحفاظ إلا أنه اتهم بسرقة الحديث، ورواية مسلم له في المقدمة 5، وروى عن محمَّد بن مروان السدي الصغير 6، وهو متهم

بالكذب، وروى أيضًا عن محمَّد بن عمر الواقدي 1، وهو متروك.
فروايتهما عن هذا الصنف من الرواة من المآخذ عليهما في كتابيهما، ومما يقدح في الحكم بتوثيق من رويا عنه، كما تقدم في فوائد الاستخراج، ثم هي عند أبي عوانة أقل منها عند أبي نعيم، فليس له شيء عن يحيى الحماني في القسم المختار لهذه الدراسة، مع أنه روى من طرق عن أبيه عبد الحميد الحماني، وعن أبي معاوية، والآخر ممن أكثر عند أبي نعيم أحاديثه من طريق الحماني، وممكن الاعتذار لأبي عوانة في روايته عن الكديمي بأنه من شيوخه، وأن الحديث من روايته عن روح بن عبادة، وكان زوج أمه وتربى في حجره 2، وكذلك في روايته عن أبي الأحوص، فإنه أيضا كان من شيوخه، وكان بلديه، والحديث محفوظ من غير طريقه، بخلاف روايته عن صالح الطلحي، وبخلاف رواية أبي نعيم عمن ذكر.
= مصورة: (2049).

المبحث العاشر: العلل واختلاف الرواة في الكتابين

: ذكر الإِمام مسلم رحمه الله في المقدمة أنه يورد أخبارا معللة في مواضع من كتابه، وذكر القاضي عياض رحمه الله أنه أتى بها في مواضعها من الأبواب، لكن اختلف العلماء في جنس هذه العلل، هل هي من جنس العلل القادحة أو لا، القاضي عياض على القول الأول، والجمهور على القول الثاني 1. وأما الحافظان أبو عوانة، وأبو نعيم، فقد اختلف منهجهما في هذا الباب، فالحافظ أبو نعيم سلك مسلك مجرد الاستخراج لأحاديث الأصل، ولم يتعرض لأمر زائد من بيان العلل واختلاف الرواة في المتن والإسناد، وأما الحافظ أبو عوانة فسلك منهجًا مغايرًا، يتلخص في النقاط التالية، بالمقارنة مع الحافظ أبي نعيم: 1 - المواضع التي يذكر الإِمام مسلم اختلاف ألفاظ النقلة فيها يستوفي أبو عوانة ذكرها، وربما زاد ما لم يذكره الإِمام مسلم من اختلاف الألفاظ، مثاله: حديث أبي سعيد الخدري في خروجه -صلى الله عليه وسلم- في رمضان، حيث اختلف أصحاب قتادة في يوم الخروج، فذكر مسلم اختلافهم، وتبعه أبو عوانة في ذكر ذلك الاختلاف 2، ومثال ما أتى فيه بالزيادة: ذكره

لاختلاف أصحاب عبد الله بن عطاء في حديث بريدة في المرأة التي ماتت أمها وعليها صوم، فاختلفوا في عدده ونوعه، فاستوفى ما أورده مسلم، ثم زاد وجهًا آخر، وهو ما قاله الأشجعي عن الثوري: وعليها صوم رمضان 1. وربما أهمل ذكر علة في السند أراد مسلم بيانها اهتماما منه باختلاف الألفاظ، كما صنع في هذا المثال الأخير حيث أهمل أن ينبه على تفرد عبد الملك بن أبي سليمان برواية الحديث عن عبد الله بن عطاء، عن سليمان بن بريدة، بينما هو عند سائر أصحاب عبد الله بن عطاء، عن عبد الله بن بريدة، فقال في حديثه: بمثل حديثهم.
وأما أبو نعيم فليس له شيء من هذا، ففي الموضع الأول جمع الطرق عن قتادة، وساق المتن بلفظ حديث هشام الدستوائي 2، وفي حديث بريدة لم يستوف ذكر الاختلاف كما فعل أبو عوانة تبعًا لمسلم 3. 2 - يشير إلى اختلافات الألفاظ في مواضع لم يذكرها الإِمام مسلم، كما فعل في حديث أبي هريرة: بعث رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عمر بن الخطاب ساعيا على الصدقة، الحديث، قال عقبه: روى هذا الحديث عن أبي الزناد جماعة، منهم موسى بن عقبة، وعبد الرحمن بن أبي الزناد، وقد رواه شعيب هذا،

فقال بعضهم: "فهي عليه ومثلها معها"، وبعضهم قال مكان "أعتاده": "وأعبده" 1. 3 - يذكر ما أورده الإِمام مسلم من الاختلاف في الإسناد، وربما زاد أوجها أخرى لم يذكرها مسلم، كما فعل في الاختلاف على الأعمش في حديثه عن مسلم البطين، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس أن امرأة أتت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقالت: إن أمي ماتت وعليها صوم شهر، الحديث، فاستوفى ما ذكره الإِمام مسلم ثم زاد اختلافا آخر، وهو ما ذكره عن عبد الرحمن ابن مغراء، عن الأعمش 2. 4 - يذكر أوجه الاختلاف في الإسناد والمتن لم يذكرها مسلم أساسًا، منها ما هو قادح، ومنها ما ليس بقادح، فمما ذكر من الاختلاف القادح، اختلاف بعض أصحاب الزهريّ، في حديث من جامع أهله في نهار رمضان، حيث أورد اختلافا في السند، وآخر في المتن، ففي الذي في السند ذكر رواية هشام بن سعد، عن الزهريّ، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، حيث خالف هشام الجماعة في قوله عن أبي سلمة مكان حميد ابن عبد الرحمن، فنص أبو عوانة، وقال: غلط فيه هشام، فقال: عن أبي سلمة 3.

وفي المتن ذكر مخالفة عبد الجبار بن عمر، وأبي مروان العثماني حيث زادا: "وأمره أن يقضي يوما مكانه"، وهي زيادة منكرة في حديث الزهري 1. ومنه أيضًا الاختلاف على مالك في حديث أبي هريرة: "من قام رمضان إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه"، حيث اختلف فيه في الوصل والإرسال، وحمل بعضهم رواية حميد عن أبي هريرة على رواية أبي سلمة عنه.
كل هذا الاختلاف لم يذكره الإِمام مسلم في الموضعين، فذكره أبو عوانة، وأورد طرقه، وذكر عقبها من جوّد الإسناد، كما فُصل ذلك في التحقيق 2، ومن الاختلاف غير القادح ما ذكره في حديث أبي هريرة في النهي عن الوصال في الصوم، حيث رواه من طريق يونس، ومعمر، وشعيب، كلهم عن الزهريّ، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، ثم رواه من طريق الزبيدي، عن الزهريّ، عن أبي سلمة، وابن المسيب، عن أبي هريرة، والحديث عند مسلم من طريق يونس وحده عن الزهريّ، عن أبي سلمة، فأورد أبو عوانة هذا الاختلاف، ولم يورده مسلم، وهو غير قادح، فقد قال الدارقطني: القولان محفوظان 3.

5 - يزيد بيانا لما يورده مسلم من الخلاف، مثال ذلك أن الإِمام مسلما أورد في عقب طرق حديث أبي سعيد الخدري السالف الذكر في الصوم في السفر، طريق مروان بن معاوية، عن عاصم، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد، وجابر، فذكر أبو عوانة هذا الطريق تعليقا، ثم أورد طرق من تابع مروان في رواية الحديث في مسند جابر، فكان فيه توضيح لمراد مسلم من إيراد طريق مروان، وأنه ليس لبيان تفرده بجعل الحديث في مسند جابر وأوضح أن الحديث محفوظ عن جابر أيضًا.
6 - قد يشير أبو عوانة إلى موضع العلة من أحاديث مسلم، بذكره معلقا في آخر الباب، كما فعل في حديث أبي هريرة: "لا تخصوا ليلة الجمعة بقيام من بين الليالي، ولا تخصوا يوم الجمعة بصيام من بين الأيام، إلا أن يكون في صوم يصومه أحدكم"، من حديث حسين الجعفي، عن زائدة، عن هشام، عن ابن سيرين، عن أبي هريرة، وهو حديث معلول، أعله أبو زرعة، وأبو حاتم، والدارقطني، وذكره النسائي في باب ذكر الاختلاف على ابن سيرين 1، وأورد عقبه الحديث من رواية ابن سيرين، عن أبي الدرداء، وهو الذي حكم عليه الحفاظ بأنه المحفوظ، وأن حسين الجعفي غلط في حديثه على زائدة، وقد ذكر الدكتور ربيع المدخلي، والشيخ مقبل الوادعي، أن الحديث عند مسلم مساق لبيان علته، وصنيع أبي عوانة بإيراده معلقا

يشير لذلك، والله أعلم 1. وربما أشار بإيراد طريق آخر تبين علة الطريق التي عند مسلم، كما فعل في حديث عبد الله بن أنيس في ليلة القدر، حيث رواه مسلم من حديث الضحاك بن عثمان، وقد غلط فيه وخالف من هو أولى منه ثقة وكثرة، في سياق الحديث، فذكر أبو عوانة حديث الضحاك ثم عقبه برواية يزيد بن عبد الله بن الهاد الموافقة لرواية الحفاظ والتي توضح العلة في رواية الضحاك، والله أعلم 2. 7 - ينص على وهم الواهم في الرواية, كقوله: وهم سفيان، فقال: من صام رمضان 3، كما ينقل كلام مسلم في الحكم بوهم الراوي، كما فعل في قول مسلم في رواية شعبة لحديث أبي قتادة، وفيه قال: "وسئل عن صوم الاثنين والخميس، فسكتنا عن ذكر الخميس لما نراه وهما" 4، إلا أنه قد يورد الرواية بالوهم كما فعل في هذا الحديث، ولا يحذف موضعه من المتن كما يفعله مسلم، وقد يحذفه مكتفيا بما تقدم منه من التنبيه على وهم راويه، كما فعل في حديث سفيان بن عيينة المقدم، عند ما أورده في موضع آخر، اكتفى بذكر فضل ليلة القدر، وحذف ذكر فضل الصيام الذي حكم

عليه بالوهم 1، وروى أبو نعيم حديث أبي قتادة ولم يحذف موضع الوهم، ولم يذكر قول مسلم الذي يبين الوهم.
8 - لم يسلك طريقة التصريح ببيان اختلاف الرواة في الأحاديث المعللة في ترجمة كما هو منهج الإِمام النسائي في كتابيه السنن الكبرى والمجتبى، حيث يقول: (باب الاختلاف على فلان في الخبر الفلاني)، بل سلك طريق إيراد الأحاديث المعللة ضمن أحاديث الباب السالمة من العلة، كما ليس له منهج واضح من حيث الترتيب بين الأحاديث المعللة وبين السالمة من العلل، فقد يؤخر الأحاديث المعللة ويقدم الصحيحة, كما فعل في حديث المجامع في نهار رمضان، حيث ذكر رواية هشام بن سعد، ورواية أبي مروان العثماني، ورواية عراك في آخر الباب 2، وعلى العكس من ذلك تقديم الحديث المعل وتأخير الحديث الصحيح، كما فعل في حديث عبد الله ابن أنيس حيث قدم طريق الضحاك التي فيها العلة، وأخر طريق يزيد ابن الهاد السالمة من العلة 3. فالخلاصة أن أبا عوانة أوسع خطوة في هذا الباب من أبي نعيم، حيث إنه يشير إلى العلل، واختلاف الرواة في السند والمتن، وقد يحكم مع ذلك بما رآه صوابا، فيضيف الوهم إلى الواهم ويصحح الصحيح، والله أعلم.

المبحث الحادي عشر: الأحاديث الزوائد في الكتابين

: ذكر الحافظ الذهبي عن مستخرج أبي عوانة أن له فيه زيادات عدة 1، وكذلك قال الحافظ ابن حجر 2، وأما مستخرج أبي نعيم فلم ينقل عنه أن فيه زوائد، ولم أجد شيئًا منها في القسم الذي عليه الدراسة 3، واعتبرت أربعة ضوابط لاعتبار الحديث من الزوائد، وهي: 1 - أن يكون متن الحديث لم يخرج في الأصل بلفظه أو بمعناه، لا من حديث الصحابي الذي رواه، ولا من حديث غيره.
2 - أن يكون من الحديث الزائد قد خرج في الأصل لكن عن صحابي آخر غير الذي روى الحديث الزائد.

3 - أن يكون متن الحديث الزائد قد خرج في الأصل عن الصحابي نفسه لكن فيه زيادة مؤثرة ليست في الأصل.
4 - أن ينص المؤلف على أنه من الزوائد، وإن لم يتوفر فيه ضابط من الضوبط المتقدمة 1. وجملة ما وقع عند الحافظ أبي عوانة 2 من طرق الأحاديث الزوائد 41 طريقًا لسبعة عشر حديثا، فالتي لم تخرج في الأصل لا بلفظها ولا بمعناها هي: حديث أسماء بنت أبي بكر (ح 3061): أفطرنا على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في يوم غيم ثم طلعت الشمس.
وحديث عبد الله بن عباس في فضل العمل في الأيام العشر من ذي الحجة (ح 3238 - 3240)، وهذان في صحيح البخاري.
ومنها حديث أبي سعيد الخدري في النهي عن صوم المرأة تطوعا إلا بإذن زوجها (ح 3161 - 3163)، وهو صحيح على شرط الشيخين.
ومنها حديث أبي بن كعب في اعتكافه -صلى الله عليه وسلم- عشرين يومًا (ح 3300)، وهو صحيح على شرط مسلم.
ومنها ما يسوقه للمتابعة أو الاستشهاد لحديث من الزوائد، كما فعل

في حديث ابن عباس سالف الذكر، فساق متابعات له (ح 3245، 3246، 3251)، وشواهد: منها ما هو صحيح لذاته، كحديث ابن مسعود (ح 3247)، وحديث عند الله بن عمرو (ح 3249). ومنها ما هو حسن، كحديث جابر (ح 3243). ومنها ما هو معلول، كحديث ابن عمر (ح 3244)، وحديث أبي هريرة (ح 3241، 3242، 3248)، كحديث جابر (ح 3250)، فهذا النوع يخرجه أبو عوانة لأن أحاديثه تضمنت أصولا تستحق الذكر في أبواب الكتاب لكنها لم تذكر في الأصل، فذكرها جبرًا لهذا النقص.
النوع الثاني منه: حديث ابن عمر، وعائشة، وأبي هريرة 1، في الزكاة بلفظ: "ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة"، أوردها شواهد لحديث أبي سعيد الخدري الذي خرجه في الأصول، وحديث ابن عمر معلول، الصحيح أنه موقوف، وحديث عائشة ضعيف جدًّا فيه صالح بن موسى الطلحي متروك؛ وحديث أبي هريرة فيه علة في بعض طرقه، ذكرها ثم ذكر الطريق السالمة من العلة، وهو حسن.
ومنه أيضًا حديث ابن عمر: "فيما سقت السماء، والعيون، والأنهار، العشر، وفيما سقي بالنضح نصف العشر"، وهو عند البخاري، وحديث

عمر بن الخطاب نحوه موقوفًا 1، أوردهما شاهدين لحديث جابر الذي أخرجه مسلم، وأخرجه أبو عوانة أيضًا (ح 3366)، لكن أورد الحديث من ثلاثة طرق ليشير إلى اختلاف في الموضعين: الأول بين نافع وسالم.
الثاني: بين عبيد الله وأخيه عبد الله في نافع، والحديث من الأحاديث التي اختلف فيها نافع وسالم، واختلف الحفاظ في الترجيح بينها، فأعرض عنه مسلم، لكن المصنف أورده وأشار إلى الاختلاف، ويبدو أن أبا عوانة يورد هذا النوع لا ليشير إلى شواهد لأحاديث الأصل فحسب، بل ربما ليدل على علة ما لم يخرجه صاحب الأصل مع كونه من أحاديث الباب، فيستفاد من صنيعه هذا الوقوف على عملية الانتقاء عند صاحب الأصل، فكأنه يقول: في هذا الباب الأحاديث الفلانية لم يخرجها صاحب الأصل لما فيها من العلل التي أشرت إليها، والله أعلم.
النوع الثالث منه: حديث أبي هريرة: "لا تصوم المرأة وبعلها شاهد إلا بإذنه في غير شهر رمضان"، أخرج مسلم الحديث من طريق عبد الرزاق، عن معمر، عن همام، عن أبي هريرة، وليس فيه: "في غير شهر رمضان"، فاعتبرته من الزوائد من أجل هذه الزيادة في الطرق التي ذكرت، والطريق التي ليس فيها الزيادة لم أعتبرها من الزوائد 2، والإمام مسلم أخرج الحديث في كتاب الزكاة لما فيه من ذكر نفقة الزوجة من كسب زوجها بغير

إذنه 1، ولم يعده في كتاب الصيام مع اشتماله على أصل من أبوابه، فأورده أبو عوانة شاهدًا لحديث أبي سعيد الخدري السالف الذكر (ح 3161 - 3162)، مقتصرًا على ذكر موضع الشاهد منه وأتى في بعض طرقه بالزيادة المقيدة لمطلق النهي، وساقها من عدة طرق ليدل على ثبوتها وعدم شذوذها.
النوع الرابع: وهو ما نص الحافظ أبو عوانة على أنه من زياداته، ولم يتوفر فيه ضابط من الضوابط الثلاثة الأولى، فيه حديث أبي سعيد، وحديث جابر، كلاهما بلفظ: "ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة" الحديث، أورد للأول طرقا غير طرق يحيى بن عمارة، عن أبي سعيد، التي أخرج الإِمام مسلم الحديث منها؛ وأورد للثاني طرقا غير طريق أبي الزبير، عن جابر، التي هي عند مسلم 2، وفي بعض تلك الطرق زيادات على ما عند صاحب الأصل فتلتحق تلك الطرق بالقسم الذي قبله، كما أن بعض هذه الطرق فيها الصحيح 3، وفيها ما أعل بانقطاع يسير 4، أو خطأ في تسمية بعض رواته 5، أو بالمخالفة لمن هو أولى

منه 1، وهذا أيضًا مما يجوز أن يكون مما يورده أبو عوانة ليدل على ما فيه من علل كانت سببًا في عدم رواية الإِمام مسلم له، كما سبق نظيره في النوع الثالث، والله أعلم.
فبهذا القدر يتبين أن ما قاله الحافظ ابن حجر عن مستخرج أبي عوانة أن له زيادات مستقلة أثناء الأبواب، وفيها الصحيح، والحسن، والضعيف، والموقوف، صحيح من حيث الجملة وفق ما في القسم المخصص لهذه المقارنة من كتابي الصوم والزكاة، وأما بالتفصيل الذي تقدم فالأحاديث المستقلة المشتملة على متون غير مروية في الأصل إطلاقا، فليس فيها إلا الصحيح، وما ورد منها من الضعيف، فإنما جاء شاهدًا للصحيح، وأما التي يوجد أصل متنها عند صاحب الأصل، فقد يوجد فيها الأنواع التي ذكرت، لكنها في موضع الاستشهاد، أو مساقة لبيان علتها، وكذلك الحال في التي اشتملت على زيادة عنده ليست في الأصل.

خلاصة المقارنة

وتتلخص في النقاط التالية: 1 - الكتابان من حيث التسمية شبه شيء واحد.
2 - اختلف عند المؤلفين السبب الباعث لهما على تأليف كتابيهما، حيث قصد الحافظ أبو نعيم مجرد الاستخراج على الكتاب الأصل، وقصد الحافظ أبو عوانة زيادة على ذلك تأليف مصنف مشتمل على الفوائد التي في الكتب المبوبة.
3 - الحافظ أبو نعيم أشد التزاما لترتيب أحاديث وطرق الأصل، وأشد استيفاء في إيرادها من الحافظ أبي عوانة، إلا أن الحافظ أبا عوانة ضمن كتابه فوائد من فقه الحديث اضطر بسببها أن لا يحافظ على ذلك الترتيب، فلا يكاد يوجد كتاب جمع بين حسن الترتيب والجمع لطرق حديث بعد حديث، على طريقة مسلم، واشتمل مع ذلك على التبويب الفقهي الشامل والدقيق، على مثل طريقة البخاري، فإما أن يحصل له ما حصل لأبي عوانة، أو يسلك مسلك الترمذي من إيراد بعض طرق حديث الباب، والإشارة إلى بعضها الأخرى، وعوض أبو عوانة ما تركه من عدم

الاستيفاء بما يورده من الأحاديث الزوائد.
4 - الحافظ أبو نعيم أشد تمسكا بشرط الاستخراج من الحافظ أبي عوانة، حيث يقرب عنده موضع الالتقاء مع صاحب الأصل بخلاف صنيع الحافظ أبي عوانة في الغالب، ولا مؤاخذة على أبي عونة في ذلك، بل هذا الصنيع منه تضمن فوائد أكثر من صنيع أبي نعيم.
5 - كتاب أبي عوانة أكثر فائدة في تراجم الأبواب من كتاب أبي نعيم.
6 - تنوع كل من الحافظين في طرق سياقهما للأحاديث، واختلف مناهجهما في ذلك حسب السبب الباعث لهما على التأليف، فأكثر عند الحافظ أبي عوانة انتهاج مسلك إيراد كل طريق بإسنادها ومتنها، ومن أجل ذلك أكثر عنده فائدة بيان لفظ الطريق المحال به عند مسلم على ما عند الحافظ أبي نعيم، وأما الحافظ أبو نعيم فأكثر عنده انتهاج مسلك جمع الطرق وسياق متن واحد لها، فأكثر عنده الطرق الزائدة على ما عند أبي عوانة.
7 - سلك أبو عوانة طريقة التكرار للأحاديث على خلاف منهج صاحب الأصل ليستدل بالحديث الواحد في عدة أبواب يصلح لها، وهو في ذلك بخلاف أبي نعيم، وأما الاختصار والتقطيع للأحاديث فالكتابان تبع لأصلهما في قلة ذلك فيهما.
8 - حافظ الكتابان على منهج الأصل من الاقتصار على الأحاديث

المسندة، وعدم التعريج للموقوفات والمقطوعات إلا تبعًا لا قصدا، وأما الأحاديث المرسلة فهي أكثر عند أبي عوانة منها عند أبي نعيم، وإنما كان ذلك منه لما سلك في منهجه من بيان العلل واختلاف الرواة حيث دعت الحاجة إلى ذلك، وكذلك اختلف منهجه في المعلقات فأكثر منها، وذلك لأسباب تقدم ذكرها، بخلاف أبي نعيم الذي ندر أن يوجد عنده شيء منها.
9 - اشتمل الكتابان على أنواع من علم رواة الحديث جعلتهما من الكتب التي يستفاد منها في معرفة هذا العلم.
10 - اشتمل الكتابان على أنواع من فوائد الاستخراج ظهر من إبرازها أهمية المستخرجات، وقد توضّح اختلاف الكتابين في مدى وقوع تلك الفوائد فيها على سبيل الانفراد، كشفت دراسة هذا الجانب ما يؤكد القول بصحة انتقاء الإِمام مسلم لأحاديث كتابه، وسلامتها من العلل.
11 - يؤخذ على الكتابين وجود الرواية عمن لا تحل الرواية عنه من المتروكين والمتهمين، على قلة ذلك عندهما، وهي عند أبي عوانة أقل منها عند أبي نعيم، وتبين هذا عدم التلازم بين الإخراج للراوي في المستخرجات، والحكم عليه بالتوثيق.
12 - اشتمل كتاب أبي عوانة على أحاديث زوائد، وهي مما تلتحق بأحاديث الأصل في الجملة، إلا أنه يورد في المتابعات والشواهد منها ما لا يصلح للاستشهاد بها لشدة ضعف رواتها، وذلك نادر، أو لرجحان

خطأهم في روايتها، وذلك منه لغرض بيان علتها.
13 - اهتم أبو عوانة بذكر العلل واختلاف الرواة في الأسانيد والمتون، ولم يهمل أن يحكم بما هو الراجح عنده، وبما يراه من وهم الواهم فيها.
14 - هذا ومما يحتاج كتاب أبي عوانة إليه؛ جمع تراجم زوائده من الرجال على ما في الكتب الستة، ففيه عدد كبير من التراجم لا توجد في تهذيب الكمال وفروعه، وهذان الجانبان مما يزيد في خدمة الكتاب، وكذلك يحتاج الكتاب إلى تكملة نواقصه بالاستعانة بكتاب "إتحاف المهرة"، وهذا وإن كان يتعذر معه الوقوف على ألفاظه إلا أنه بتخريج الطرق التي في الإتحاف يمكن تقريب الألفاظ للمستفيدين، كذلك يحتاج الكتاب إلى دراسة طرق الأحاديث التي يوردها لبيان علتها، واختلاف الرواة فيها، فيستفاد من هذه الدراسة الوقوف على ما يوضح منهج الإِمام مسلم في بيان العلل في كتابه، ويميز ما كان منه من قبيل العلل القادحة وغير القادحة، والله ولي التوفيق.
وصلى الله على سيدنا محمَّد وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا.

المملَكة الْعَرَبيَّة السَّعُودية وَزَارَة التَعليم العَالي الجَامِعَة الإسلاميَّة بالمَدينةِ المُنوَّرة عَمادَة البَحث العِلمي رقم الإصدار (164) سلسلة الرسائل الجامعية (134)

المُسنَدُ الصَّحيحُ المُخَرّج عَلى صَحِيح مُسلم لأبي عَوانة يَعقُوب بن إسحَاق الإسفرَايينيّ (ت 316 هـ)

تَحْقِيق عَبَّاس بن صفاخان بن شهَاب الدّين

تنسِيقُ وَإخراج فَرِيق مِن البَاحِثين بكليَّةِ الحَديثِ الشَّريفِ وَالدّرَاسَاتِ الإسلاميَّة بالجَامِعَة الإسلاميَّة

المجَلّد الأوّل

كتاب الإيمان (1 - 386)

1435 هـ - 2014 م

(ح) الجامعة الإسلاميّة 1433 هـ فهرس مكتبة الملك فهد الوطنية أثناء النشر شهاب الدين، عباس صفاخان المسند الصحيح المخرج على صحيح مسلم لأبي عوانة يعقوب بن إسحاق الإسفراييني (ت 316 هـ) / عباس صفاخان شهاب الدين - المدينة المنورة، 1433 هـ مج 2

588 ص، 16.5× 24 سم ردمك: 9 - 773 - 02 - 9960 - 978 (مجموعة) 6 - 774 - 02 - 9960 - 978 (ج 1) 1 - الحديث - مسانيد.
2 - الحديث الصحيح أ. العنوان.

ديوى 227.1 - 724/ 1433 رقم الإيداع: 724/ 1433 ردمك: 9 - 773 - 02 - 9960 - 978 (مجموعة) 6 - 774 - 02 - 9960 - 978 (ج 1)

أصل هذا الكتاب رساله الماجستير نوقشت في الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة وحصلت على تقدير ممتاز

الآراء الواردة في هذا الكتاب تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الجامعة

جميع حقوق الطبع محفوظة للجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

المصطلحات الخاصة المستعملة بالزيادات والفرق بين نسخ التحقيق: 1 - [] المعقوفتان: لوضع الزيادة من النسخ الأخرى، أو لما سقط من الأصل.
2 - () الهلالان: للتنبيه على ورود الكلمة التي بداخلهما مصوَّبة، وذلك للتنبيه على إثبات المحقق لها على خلاف ما في الأصل، مع التنبيه في الحاشية على صورة ما في الأصل وعلى مستند التصويب.
3 - (* *) الهلالان ذوا نجمين داخليَّين: أثبت بينهما الساقط من نسخة الأصل فقط، سواء كان كلمة أو أكثر، والذي استدركه الناسخ في الهامش.
4 - * * النجمان: استعملا لتحديد أوَّل الكلام وآخره مما علق عليه المحقق، إذا زاد عن نحو الكلمتين، مثل كون الجملة سقطت من إحدى النسخ الخطية -غير الأصل-، وما أشبه ذلك.
5 - <> القوسان المكسورتان: جعل بينهما ما أضافه المحقق إلى النص المنقول في الحواشي مما يقتضيه السياق حتمًا مما لم يقف عليه في مرجع، وقد يستعملهما لتفسير شيءٍ في النص فيصدِّر ذلك حينئذٍ بكلمة "يعني" أو "أي".

ربِّ أعن بلطفك يا كريم أخبرنا الشَّيخ الإمَامُ الأجَلُّ أبو المحاسن مسعُود بن محمَّد بن غانم بن محمَّد الغانمي رحمه الله بقراءتِي عليه بهَرَاة 1 قال: أخبرنا الإِمام زينُ الإِسلام أبو القاسم عبد الكريم بن هوازن بن عبد الملك بن محمَّد بن طلحة القُشَيريُّ إجازةً، قال: أخبرنا أبو نعيم عبد الملك بن الحسن بن محمَّد بن إسحاق بن الأزهر بن عبد الله الأزهري قراءةً عليه بنيسابور 2، قال: أخبرنا أبو عَوانة يعقوبُ بن إسحاق بن إبراهيم بن يَزيد -رحمه الله- قراءةً عليه قال: الحمدُ لله قبل كلِّ مَقالٍ، وأَمام كلِّ رغبةٍ وَسؤالٍ، فإِنَّ يوسفَ بن سعيد بن مُسَلَّمٍ المِصِّيْصيَّ 3، ومحمدَ بن إبراهيمَ

الطرسُوسيَّ 1، وأبا العَباس الغَزِّيَّ 2، = قريبة من طرسوس.
انظر: الأنساب للسمعانِي (11/ 351)، معجم البلدان (5/ 169)، القاموس المحيط للفيروزآبادي (ص: 814)، بلدان الخلافة الشرقية (ص: 162 - 163).

والعباسَ بن محمَّد 1 حَدثونا، قالوا: حدثنا عبيد الله بن موسى 2، قال: أخبَرنا الأوزاعي 3، عن قرة بن عبد الرحمن بن حَيويل 4، عن الزُّهري، = بليدة من بلاد فلسطين على مرحلة من بيت المقدس، وما زالت تعرف هذا الاسم إلى اليوم.
انظر: (الأنساب) (9/ 146)، (معجم بلدان فلسطين) لمحمد شراب (ص: 567).

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = أبو زرعة: "الأحاديث التي يرويها مناكير"، وقال أبو داود: "في حديثه نكارة" وقال أبو زرعة الدمشقي: "ذِكره أحسن من حديثه".
ووثقه يعقوب الفسوي، وذكره ابن حبان في الثقات، وكذا ابن شاهين وقال: "ليس به بأس عندي"، ونقل ابن حجر في التهذيب عن ابن معين: "كان يتساهل في السماع وفي الحديث، وليس بكذاب", وقال العجلي: "يكتب حديثه"، وقال ابن عدي: "لم أر في حديثه حديثًا منكرًا جدًّا فأذكره، وأرجو أنه لا بأس به".
وذكره العقيلي، وابن الجوزي في الضعفاء.
وقال الأوزاعي: "ما أحد أعلم بالزهري من قرة بن عبد الرحمن بن حيويل".
ونسب ابن حبان هذا القول في الثقات إلى يزيد بن السمط، وأيٌّ كان صاحب القول فقد ردَّه أبو حاتم بقوله: "كيف يكون قرة بن عبد الرحمن أعلم بالزهري كل شيء روى عنه لا يكون ستين حديثًا، بل أتقن الناس في الزهريّ: مالك ومعمر والزبيدي ويونس وعقيل وابن عيينة، هؤلاء الستة أهل الحفظ والإتقان والضبط والمذاكرة، وبهم يعتبر حديث الزهريّ إذا خالف بعض أصحاب الزهريّ بعضًا في شيء يرويه".
وقال ابن أبي حاتم: "لم يكن الأوزاعي وقف على كتاب معمر عن الزهريّ، فإنه أكثرهم رواية عنه، ولا وقف على كتاب عقيل ويونس وإنما شاهد من قرَّة مكان يورده عليه فتصور صورة عنده أنه أعلمهم بالزهري، ويحتمل أنه كان عالمًا بأخلاق الزهريّ ولم يُرِد أنه كان عالمًا بحديث الزهريّ والله أعلم".
وعلَّق الحافظ ابن حجر في التهذيب بقوله: "يظهر أن مراد الأوزاعي أنه أعلم بحال الزهريّ من غيره، لا فيما يرجع إلى ضبط الحديث، وهذا هو اللائق والله أعلم".
وقال عنه في التقريب: "صدوق له مناكير"، وقد أخرج له مسلم في المتابعات.
فالظاهر أنه ضعيف، يصلح حديثه للمتابعات والشواهد إذا لم يخالف غيره.
=

عَنْ أبي سلمةَ 1، عن أبي هُريرة -رضي الله عنه - أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: "كُلُّ أَمْرٍ ذِي بالٍ لا يُبْدَأُ فِيهِ بِالحَمْدِ فَهُوَ أَقْطَع" 2. = انظر: تاريخ أبي زرعة الدمشقي (1/ 266 - 267)، الضعفاء للعقيلي (3/ 485)، تقدمة الجرح والتعديل (1/ 204 - 205)، والجرح والتعديل لابن أبي حاتم (7/ 131 - 132)، الثقات لابن حبان (7/ 342)، الكامل لابن عدي (6/ 2076)، سنن الدارقطنِي (1/ 229)، الثقات لابن شاهين (ص: 270 رقم 1110)، الضعفاء لابن الجوزي (3/ 17) تهذيب الكمال (23/ 581)، ميزان الاعتدال (3/ 388)، تهذيب التهذيب (8/ 323)، التقريب (5541).

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = الزهريّ عن النبي -صلى الله عليه وسلم- مرسلًا".
وقال الدارقطني أيضًا عقب الحديث: "تفرَّد به قرَّة عن الزهريّ، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة وأرسله غيره عن الزهريّ عن النبي -صلى الله عليه وسلم-، وقرة ليس بقويٍّ في الحديث، ورواه صدقة، عن محمَّد بن سعيد، عن الزهريّ، عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك، عن أبيه، عن النبي -صلى الله عليه وسلم-، ولا يصحُّ الحديث، وصدقة ومحمد بن سعيد ضعيفان، والمرسل هو الصواب".
ثانيًا: قول الدارقطني: "تفرد به قرَّة" لعله يقصد أن الراجح في الطرق عن الزهريّ أنَّ قرة تفرَّد به؛ لأن في ظاهر الأمر هناك متابعة لقرة عن الزهريّ، فقد تابعه: سعيد بن عبد العزيز، عن الزهريّ، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة رفعه.
أخرجه النسائي في عمل اليوم والليلة (السنن الكبرى 6/ 127 رقم 10329)، وسعيد بن عبد العزيز هو: ابن أبي يحيى التنوخي، فقيه أهل الشام ومفتيهم بعد الأوزاعي، كان الإمام أحمد وغيره يقرنه بالأوزاعي في ثقته وحفظه، وكان أبو مسهر يقدمه على الأوزاعي، وقال الحكم: "سعيد لأهل الشام كمالك بن أنس لأهل المدينة في التقدُّم والفضل والفقه والأمانة".
انظر: تهذيب الكمال (10/ 539 - 544). فهذه متابعة قوية لقرَّة بن عبد الرحمن إن صحَّت، والراوي عن سعيد: الوليد بن مسلم، وهو مدلِّس وقد صرَح بالتحديث، ولكن سعيدًا اختلط قبل موته -كما قال أبو مسهر- ولم أجد أحدًا ميز الرواة عنه قبل الاختلاط أو بعده.
وانظر: الكواكب النيرات لابن الكيال (ص: 213). ويبدو أنه قد اختلف عليه في الوصل والإرسال، فقد قال البيهقي: "أسنده قرَّة، ورواه يونس بن يزيد، وعقيل بن خالد، وشعيب بن أبي حمزة، وسعيد بن عبد العزيز عن الزهريّ، عن النبي -صلى الله عليه وسلم- مرسلًا".
السنن الكبرى (3/ 209).=

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = فالظاهر أن الراجح عن سعيد هو رواية الإرسال، لذا قال الدارقطني: "تفرَّد به قرَّة ... "، وعلى فرض صحَّة متابعة سعيد لقرَّة: فلا يقوى على مخالفة هذا الجمع من أصحاب الزهريّ الثقات، والله أعلم.
ثالثًا: ما تقدَّم في كلام الدارقطنِي وتضعيفه للحديث الذي روي من وجهٍ آخر عن الزهريّ عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك، عن أبيه -رضي الله عنه-؛ فلم أجده من الطريق الذي ذكره، ولكن أخرجه الطبرانِي في الكبير (19/ 72) من طريق صدقة بن عبد الله، عن محمَّد بن الوليد الزُبيدي، عن الزهري، عن عبد الله بن كعب بن مالك، عن أبيه، عن النبي -صلى الله عليه وسلم-.
وكعب بن مالك له من الأبناء: عبد الله، وعبد الرحمن، وعبيد الله، ومعبد، ومحمد كلهم رووا عن أبيهم -كما ذكر ذلك الحافظ في الإصابة (5/ 611) - فالله أعلم بالصواب أهو: عبد الله أم عبد الرحمن، ويحتمل أنَّ كليهما رويا الحديث عن أبيه والله أعلم.
ولا يضر هذا الاختلاف؛ لأن عبد الله وعبد الرحمن كليهما ثقة، فكيف ما دار دار على ثقة.
ولكن ضعف الإسناد جاء من ضعف صدقة وهو: ابن عبد الله السمين، أبو معاوية أو أبو محمَّد الدمشقي قال الحافظ: "ضعيف".
(التقريب 2913) وقد سبق قول الدارقطنِي فيه.
والراوي عنه في إسناد الطبراني: عبد الله بن يزيد الدمشقي ضعيف أيضًا، قاله الحافظ.
(التقريب 3714). رابعًا: وهو مما يجدر ذكره هنا أنَّ السبكي رحمه الله تعالى ذهب إلى تصحيح حديث قرَّة في طبقات الشافعية الكبرى (1/ 6) بما يلي: أ - بأنَّ الأوزاعي قال عنه: إنه أعلم الناس بالزهري، وقد مرَّ هذا القول في ترجمة قرَّة، وتوجيه ابن أبي حاتم والحافظ ابن حجر لكلام الأوزاعي.
ب - بأن له شاهدًا من حديث كعب بن مالك، وهو الذي رواه من طريق الطبرانِي، =

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .123 = وقد سبق أيضًا أن فيه ضعيفين، وأيضًا هو مخالفٌ لرواية الأثبات عن الزهريّ.
جـ - أنه قد رُوِي هذا الحديث عن الأوزاعي، عن الزهريّ، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة مرفوعًا بدون ذكر: قرة بن عبد الرحمن، ثم أخرج تلك الطرق بأسانيده وهي كالتالي:

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = انظر: تاريخ بغداد للخطيب (5/ 77 - 78)، الميزان للذهبي (1/ 147 - 148) لسان الميزان لابن حجر (1/ 288). والثالث: حديث محمَّد بن كثير وهو: المصِّيصي قال عنه الشيخ الألبانِي: "محمَّد بن كثير المصِّيصي ضعيف لأنه كثير الغلط كما قال الحافظ".
إرواء الغليل (1/ 30). قلت: قال الحافظ: "صدوق كثير الغلط".
التقريب (6251). وأما شاهد إسماعيل بن أبي زياد فأسوأ حالًا من سابقه؛ لأنَّ إسماعيل بن أبي زياد هذا قال عنه الدارقطنِي: "متروك الحديث"، وقال الخليلي: "شيخ ضعيف ليس بالمشهور، كان يُعلِّم ولد المهدي، وشحن كتابه في التفسير بأحاديث مسندة يرويها عن شيوخه: محمود بن يزيد، ويونس الأيلي، لا يتابع عليها".
لسان الميزان (1/ 406 - 407). مما سبق يتبين: أنَّ الأسانيد التي ساقها لتقوية حديث قرة بن عبد الرحمن لا تصلح للمتابعة؛ إما لضعفها الشديد أو لمخالفتها لرواية الثقات -حيث رووه عن الزهريّ عن النبي -صلى الله عليه وسلم- مرسلًا- وقد رجَّح رواية الإرسال -كما سبق- من الحفاظ: أبو داود، والدارقطنِي، والبيهقي.
وقد ذكر الشيخ الألبانِي حفظه الله أمرًا آخر يؤيد ضعف هذا الحديث وهو: اضطراب الرواة في المتن فتارة يروى: أقطع، وتارة: أبتر، وتارة: أجذم، وتارة يذكر الحمد، وتارة يقول: بذكر الله.
الإرواء (1/ 31). وقد عزى السبكي في الطبقات (1/ 9) تصحيح هذا الحديث إلى الحاكم وابن حبان، فأما ابن حبان فقد أخرجه في صحيحه كما سبق، وأما الحكم فلم أجده في مستدركه بعد طول تفتيش، ونقل أيضًا تحسين ابن الصلاح له.

حدثنِي يزيد بن عبد الصمد الدمشقي 1، وسعد بن محمَّد 2 قالا: حدثنا هشامُ بن عمَّار 3، حدثنا عبد الحميد بن حبيب 4، عَن الأوزاعي،

بإسنادِه مثلَه.
= "ليس بالقوي"، وقال أبو حاتم: "كان صاحب ديوان ولم يكن صاحب حديث"، وقال مرة: "ليس بذاك القوي"، وقال النسائي: "ليس بالقوي"، وقال ابن عدي: "تفرد عن الأوزاعي بغير حديث لا يرويه غيره، وهو ممن يكتب حديثه"، وقال أبو أحمد الحكم: "ليس بالمتين عندهم".
تنبيه: نقل المزي عن أبي حاتم أنه قال عنه: "ثقة، كان صاحب ديوان، ولم يكن صاحب حديث"، وتبعه على ذلك الذهبي في الميزان" ثم ابن حجر في التهذيب، والظاهر أن العبارة بها سقطٌ أو خلل، فالسياق جاء عند ابن أبي حاتم في الجرح كما يلي: "سألت أبي عن ابن أبي العشرين ثقة هو؟ فقال: كان صاحب ديوان، ولم يكن صاحب حديث".
فلم يوثِّقه، وهذا متوافقٌ مع قوله الآخر الذي نقله المزِّيُّ عنه أيضًا: "ليس بذاك القوي".
وقال الحافظ ابن حجر: "صدوق ربما أخطأ"، وأخرج له البخاري في الشواهد.
فمثله يحتاج إلى متابع، وقد تابعه في الإسناد الماضي: عبيد الله بن موسى، ولكن علة الحديث فيمن فوقه وهو: قرة بن حيويل كما سبق.
انظر: سؤالات ابن الجنيد (ص: 306) التاريخ الكبير للبخاري (6/ 45)، الثقات للعجلي (2/ 70)، الضعفاء والمتروكين للنسائي (ص: 169)، الجرح والتعديل لابن أبي حاتم (6/ 11)، الثقات لابن حبان (8/ 400)، الكامل لابن عدي (5/ 1959)، سؤالات الحكم للدارقطنِي (ص: 241)، تهذيب الكمال للمزي (16/ 420)، ميزان الاعتدال للذهبي (2/ 539)، شرح علل الترمذي لابن رجب (2/ 720)، تهذيب التهذيب لابن حجر (6/ 102)، التقريب (3757).

وَسَمِعتُ بعضَ أصحابِنا 1 يَذكُر هذا التحميدَ، فقال: "الحمد لله الذي ابتدأ الخلق بنعمائهِ، وتغمَّدهم بحُسْن بلائه، فوقف 2 كل امرئٍ منهم في صِباهُ على طلب ما يحتاجُ إليهِ مِن غذائه، وسَخَّر له مَنْ يكْلؤهُ إلى وَقت استغنائهِ، ثم احتجَّ عَلى مَن بلغ منهُم بآلائه وأعذر إليهم بأنبيائه، فشرح صَدر من أحَبَّ هُداه من أوليائهِ وَطبعَ على قلبِ مَن لم يُرِدْ إرشادَه من أعدائه، الذي لم يزل 3 بصفاته وأسمائه، الذي لا يشتمل عليه زَمان، ولا يحيط به مكان، ثم خلق الأماكن وَالأزمان، ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾ 4، فقدَّرَها أحْسَنَ تَقديرٍ، وَاخترعَها عن غير نَظيرٍ، لم يرْفَعْها بِعَمَدٍ 5، وَلم يستعِنْ عَليها بأحَدٍ، زَيَّنها للنَّاظرِين،

وجَعلَ فيها رُجُومًا للشياطين، فتبارَكَ الله أحْسنُ الخالقين، وتعَالى 1 عن أن يُطْلق في وصْفِه آراء المتكلِّفين، أو أن يُحَكّمَ في دينه أهواء المُقَلِّدين، فجَعَل القرآن إِمامًا للمتَّقينَ، وَهُدىً للمؤمنينَ، وَمَلْجأً للمتنازِعين، وحَاكِمًا بين المختلفين، وَدعا أولياءه المؤمنين إلى اتِّباع تنزيله، وَأمر عبادَه عند التنازُع في تأويله بالرجُوع إلى قوْلِ رَسولِه 2 -صلى الله عليه وسلم-، بذلك نَطَق محكمُ كتابهِ، إذ يقول جلَّ ثناؤه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ في شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ 3. أَحمدهُ حَمْدًا يَبْلُغُ رِضاه، ويَحْتَبِس 4 آلاه، ويُكافئ نَعماه، وَأَسْتعينُه على رعايةِ مَا اسْتحفظَنَا من وَدائعهِ، وَحفْظِ ما اسْتَودَعَنا مِن شرائعهِ، وأُؤمِن به إيمان مَن أَخْلَصَ عبَادتَه، واستشعَرَ طاعَتَه، وأتوكُّلُ عليهِ تَوكُّلَ مَنْ انقطَع إليهِ، ثقةً به، وَرغبةً فيما لدَيه.

وَأَشهدُ أن لا إلهَ إلا الله وَحْدَه لا شريك له، شهادةَ مُعتَرفٍ له بالرُّبُوبية والتَّوحيد، مقرًا له بالعَظمة والتمجيد، خَائفًا مِن إنجاز ما قُدِّم إليه مِن الوعيد.
وَأشْهد أن محمَّدًا عَبدُه ورسولهُ، اصْطفاه لنفْسه وَليًّا، وارتضاه لخلقِهِ نبيًّا، فوجَده عَلى حفظ ما ضَمَّنَه قَويًّا، وَبأداء ما اسْتودَعَهُ مَلِيًّا، وَبالدُّعاء إلى ربهِ حَفيًّا، مُتوقِّفًا عندَ وُرودِ المشكلات، مُشَمِّرًا عند تجلِّي الشُّبُهات، لا يَرعوي 1 لمن عَذله، وَلا يلْوي على مَن خَذَله، وَلا يُطيعُ غيرَ من أرسَله، يَصدع بِالأمْر، ويُطفِئ نارَ الكفْر، لم تأخذْهُ في الله لومَةُ لائمٍ.
وَإنَّ فَرْض الله اتباعُ أمر رَسُولهِ، والتَّسليم لحُكمِهِ، فإن الله لم يَجْعَل لأحدٍ بعدَهُ إلَّا اتباعَه، وأنهُ لا يلزم قولٌ بكُل حالٍ إلا بكتابِ الله عز وجَل 2 أو سنَّة رَسولهِ [-صلى الله عليه وسلم-] 3، وَأنَّ ما 4 سواهما تَبَعٌ

لهما، وإنَّ فَرْض الله علينا وعلى مَنْ بَعدنا وقبلنا في 1 قبول الخبر عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم-".
حدثنا يونس بن عبد الأعلى 2، قال: أخبرنا ابن وهب 3، قال: أخبرنِي يونس بن يزيدَ، عن ابن شهابٍ قال: بلغَنَا عن رجالٍ من أهل العلم أنهم كانوا يَقولون: "الاعتِصَامُ بِالسُّنَّةِ نَجَاةٌ، والعِلْمُ يُقْبَض قَبْضًا سَرِيعًا، فَنَعْشُ 4 العِلْمِ ثَبَاتُ الدِّينِ والدُّنْيَا، وذَهابُ ذَلكَ كلِّهِ 5 في ذَهَابِ العِلْمِ" 6.

جارٍ التحميل