3 - حديث ابن عمر في رجل نذر أن يصوم كل يوم اثنين ... الحديث، رواه مسلم عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن وكيع، عن ابن عون، عن زياد بن جبير، عن ابن عمر، فخرَّجه أبو نعيم عن أبي بكر الطَّلحي، عن عبيد بن غنام، عن أبي بكر بن أبي شيبة به، فكان موضع الالتقاء في شيخ مسلم، أما أبو عوانة فرواه عن أبي العباس الكديمي، عن روح، عن شعبة، عن يونس بن عبيد، عن زياد به، فكان موضع الالتقاء بعد شيخ مسلم بثلاث طبقات 1، فلو رواه عن أبي المثنى، معاذ بن المثنى بن معاذ ابن معاذ العنبري، عن أبيه، عن جده، عن ابن عون، عن زياد، كما رواه البخاري 2، عن محمد بن المثنى، عن أبيه، عن ابن عون، لكان موضع الالتقاء أقرب، وسيأتي في مبحث ما اشتمل عليه الكتابان من فوائد الاستخراج، فيما يتعلق بكثرة الطرق، إحصائية ما لكل من الحافظين من زيادة الطرق على ما في صحيح مسلم، يتضح خلالها منهج كل واحد منهما بوضوح، وفق القسم المخصص لهذه المقارنة.
فهل على الحافظ أبي عوانة مؤاخذة في عدم وفائه بشرط الاستخراج في مثل هذه المواضع؟ وهل يفضّل صنيع الحافظ أبي نعيم على صنيعه، لوفائه بالشرط دونه؟ والذي يظهر، والعلم عند الله، أنه لا مؤاخذة على الحافظ أبي عوانة في صنيعه هذا، وصنيعه مفضل على صنيع الحافظ أبي نعيم، ووجه ذلك أن موضع الالتقاء للطرق المختلفة، كما بعد من طرف السند الموالي لمخرِّجيها، وقرب من أصله الموالي للصحابي، كان أدعى لتقوية الحديث، إذا كانت الطرق صالحة.
وتوضيح ذلك من الأمثلة، أن في المثال الأول، أوصل صنيع أبي عوانة الحديث إلى حد الشهرة عن الزهريّ، بخلاف صنيع أبي نعيم، الذي لم يحصل به رفع التفرد عن مالك في روايته عن الزهريّ بالرغم من أنه أتى بطريق زائدة.
وفي المثال الثالث، حصل من صنيع أبي عوانة رفع التفرد عن ابن عون برواية الحديث من طريق يونس بن عبيد، التي جعلت موضع الالتقاء أبعد من طرف السند، ولو كان موضع الالتقاء أقرب من الطرف لما حصل ذلك، وهكذا، كلما بعد موضع الالتقاء ازداد تعدد مخرج الحديث.
المطلب الخامس: في ذكرهما موضع الالتقاء مع إسناد صاحب الأصل المخرج عليه
:
لم ينبه الحافظ أبو عوانة -رحمه الله تعالى- في كتابه على موضع الالتقاء مع صحيح مسلم -رحمه الله تعالى- في القسم المتعلق بهذه المقارنة.
وأما الحافظ أبو نعيم -رحمه الله تعالى- فكان من منهجه أنه يذكر تخريج الإمام مسلم للحديث إثر كل طريق يورده في كتابه، وهذا هو الغالب
على صنيعه في كتابه في القسم المقابل للقسم المخصص للمقارنة من كتابي الصوم والزكاة، فيقول بعد استخراجه لكل طريق من طرق الحديث: رواه مسلم -رحمه الله تعالى- عن فلان عن فلان 1. ويستفاد من صنيعه هذا في معرفة مواضع الالتقاء بينه وبين الإمام مسلم -رحمه الله تعالى- وكذلك في معرفة الطرق التي استخرجها والتي لم يستخرجها، وفي معرفة الطرق التي زادها أيضًا 2.
المبحث الخامس: منهجهما في التبويب وتراجم الأبواب
:
سلك كثير من المحدثين رحمهم الله في التصنيف طريقة الترتيب على الأبواب، كل باب يتناول موضوعا معينا، وتمتاز هذه الطريقة على طريقة الترتيب على المسانيد في أنها تقرب من التفقه في الأحاديث، الذي هو الغاية من جمعها، كما أنها تسهل على القارئ الوقوف على حديث معين، والإمام مسلم رحمه الله، كما قال الحافظ ابن الصلاح: "رتب كتابه على الأبواب، فهو مبوب في الحقيقة، لكنه لم يذكر تراجم الأبواب" 1، وأهمية التراجم تكمن في أنها هي التي تكشف عن فقه الكتاب، كما نقل ناصر الدين بن المنير عن جده: "كتابان فقههما في تراجمهما: كتاب البخاري في الحديث، كتاب سيبويه في النحو" 2، كل من الحافظ أبي عوانة، والحافظ أبي نعيم رحمهما الله بوب كتابه وذكر تراجم الأبواب، إلا أن المقارنة بينهما في صياغتهما للتراجم، تبدي بونا شاسعا بينهما.
فأما الحافظ أبو عوانة، فيتلخص منهجه في التراجم في النُّقاط التالية:
1 - تطويلُه للتراجم، وذكره لمسائل كثيرة فيها، تصلح كل واحدة منها أن تُفرد بترجمة، وهو كثير في الكتاب، ومن أطول ما وقع له من ذلك قوله: "باب بيان خروج النبي -صلى الله عليه وسلم- من بيته بالليل إلى المسجد لصلاة الليل، ورفع
صوته في الصلاة، وصلاة أصحابه خلفه بصلاته، والإباحة للإمام أن يحتجر من المسجد حجرة لصلاته فيها، والإباحة للمصلي أن يصلي بصلاة من يحول بينه وبين النظر إليه جدار أو سترة، وإباحة صلاة التطوع في المسجد بالليل، وأنها في البيت أفضل منها في المسجد، والترغيب في الدوام على صلاة يصليها، وأنها، وإن قلت، أفضل من الصلاة التي لا يداوم عليها صاحبها، وإن كثرت"، فقد ذكر في هذه الترجمة ثمان مسائل، كل واحدة تصلح أن تفرد بترجمة، وقد يذكر تحت التراجم الطويلة عدة أحاديث، كما في هذه الترجمة، وقد يكون تحت الترجمة حديث واحد، كما ذكر -في باب صفة بدو اعتكاف النبي صلى الله عليه وسلم في المسجد في شهر رمضان ... ، وباب الدليل على إيجاب الاعتكاف في شهر رمضان في العشر الأواخر ... - عدة مسائل في الترجمتين، ولم يورد في الترجمتين إلا حديثا واحدًا، وهذا التطويل قد تكون عليه فيه مؤاخذة، إلا أن العذر له في ذلك أنه لو قصر التراجم، واقتصر على إفراد كل مسئلة بترجمة، لاقتضى ذلك كثرة تكراره للحديث الواحد، أو تقطيعه له حسب استدلاله به، كل واحد من الأمرين يخرج الكتاب عن أصل منهج مصنف الأصل، الذي هو تجنب التكرار الكثير، والتقطيع للحديث.
2 - يذكر من تراجمه ما تعتبر تراجم ظاهرة، وهي التي تكون دلالتها على ما يورد تحتها من الأحاديث بالمطابقة، فمنها ما يتضمن مجرد الإخبار من غير تعرض لأمر زائد، ومنها ما يتضمن الإخبار بالإيجاب، إما بالفعل،
وإما بالترك، فمن الأول، قوله "باب صفة بدو عاشوراء، وأمر النبي -صلى الله عليه وسلم- أصحابه بصومه"، ومن الثاني قوله: "باب الخبر الموجب على ولي الميت قضاء صوم منه إذا مات وعليه صوم واجب"، ومن الثالث قوله "باب بيان الأيام التي نهى النبي -صلى الله عليه وسلم- عن صيامهن، منهن صوم يوم الفطر ويوم الأضحى".
3 - يذكر من تراجمه نوعا آخر تعتبر تراجم استنباطية، وهي التي تكون المطابقة بين الترجمة والأحاديث فيها بنوع من الاستنباط، فمنها ما تكون المطابقة فيها بالعموم والخصوص، بأن تكون الترجمة عامة، والحديث خاصا، أو العكس، كأن الترجمة تقول: المراد من هذا الحديث الخاص العموم، أو العكس، إشعارا بالقياس لوجود العلة الجامعة، أو بالاندراج تحت حكم عام بالقياس الأولوي 1، مثاله قوله في باب من كتاب الزكاة: "باب ذكر الخبر الدال على إيجاب الزكاة في كل حب اتخذ منه الطعام ويدخر له، إذا بلغ خمسة أوسق"، فذكر حديث أبي سعيد الخدري: "ليس فيما دون خمسة أوساق من تمر ولا حب صدقة" 2، فالحديث خاص والترجمة عامة، مشعرا بأن التعميم مأخوذ من طريق قياس العلة، ومن الثاني قوله في باب
آخر من كتاب الزكاة: "باب بيان الإباحة للمتولي أخذ الصدقة والزكاة أن يأخذ على ذلك أجرة عمله"، فأورد حديث عمر بن الخطاب مرفوعا: "إذا أعطيت شيئا من غير أن تسأل فكل وتصدق" 1، فالترجمة خاصة والحديث عام، وإن كان في سبب وروده ما يدل على مطابقة الترجمة بطريقة ظاهرة.
ومنها ما تكون بدلالة الإشارة، كقوله في باب من كتاب الصوم: "باب بيان إجازة الصوم إذا أدرك الصبح وهو جنب من الجماع، وإباحة الجماع في شهر رمضان بالليل"، فأورد حديث عائشة وأم سلمة: "كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يصبح جنبا من غير احتلام ثم يصوم"، فدلالته على الجزء الأول من الترجمة دلالة ظاهرة، وأما على الجزء الثاني، وهو إباحة الجماع في شهر رمضان بالليل، فعن طريق الإشارة، إذ ليس من مقصود الحديث بالأصالة 2.
ومنها ما تكون المطابقة بطريق خفي، كقوله: "باب بيان إباحة الاعتكاف في العشر، والدليل على الإباحة باعتكاف بعضها"، فأورد حديث عائشة، وحديث ابن عمر رضي الله عنهما، في اعتكاف النبي -صلى الله عليه وسلم- في العشر الأواخر من رمضان، وفي أمره -صلى الله عليه وسلم- بالتماس ليلة القدر في العشر، فالاستدلال للجزء الثاني من الترجمة مأخوذ من الحديث الثاني، وفيه نوع من
الخفاء، وتوضيحه أن أبا عوانة أورد بيان أن السنة في الاعتكاف أن يكون لالتماس ليلة القدر 1، وفي بعض طرق حديث ابن عمر عند المصنف (وسيوردها برقم 3308): "وإن ضعف أحدكم أو عجز، فلا يغلبن علي السبع البواقي"، وهو يدل على جواز الاقتصار على بعض العشر في طلب ليلة القدر، فلما جاز ذلك، جاز كذلك الاعتكاف في بعض العشر، وهو المطلوب، والله أعلم.
وقد تكون الترجمة استنباطية محضة، من غير اقترانها بالظاهرة كقوله في باب من كتاب الزكاة: "باب الدليل على أن الصدقة واجبة على الذي يقع على امرأته في رمضان نهارا، كان لم يكن واجدا لها، وأنها غير ساقطة عنه لعدمها، وأنه إذا وصل إليها تصدق بها".
4 - يذكر في بعض التراجم التعارض بين الأخبار، وقد يشير في الترجمة مع ذلك إلى وجه الجمع بينها، أو يبين الناسخ والمنسوخ، أو يكتفي بذكر التعارض تنبيها على أن المسألة اجتهادية 2، فمن أمثلة النوع الأول قوله في كتاب الصوم: "باب ذكر الخبر المعارض لخبر علقمة عن عائشة في إيثار أيام من بين الأيام بالعمل، المبين أن النبي -صلى الله عليه وسلم- كان يجتهد في العشر
الأواخر من رمضان ما لا يجتهد في غيرها من الأيام، الدال على أنه -صلى الله عليه وسلم- ربما طوّل في هذه الركعات المعلومات التي كان يصليها بالليل، وربما قصّر بطولها في الليلة التي كان يحييها، ويقصر في الليلة التي كان يقوم بعضها، إذ النبي -صلى الله عليه وسلم- لم يكن يزيد في رمضان، ولا في غيره على إحدى عشرة ركعة".
ومما وقع من ذكر التعارض مع بيان الناسخ والمنسوخ في تراجم الأبواب ترجمة باب في كتاب الصيام: "باب الخبر الموجب لصوم يوم عاشوراء، والخبر المبين تركه، الدال على أن الأمر بصومه منسوخ، وأن صومه تطوع لمن صامه، وذكر الخبر المبين أن النبي -صلى الله عليه وسلم- تركه بعد ما صامه، وكان يصومه قبل أن يقدم المدينة، لا أنه صامه لذكر يهود ما فيه ولصومهم".
ومما اكتفى فيه بذكر التعارض تنبيها على أن المسألة اجتهادية، قوله في ترجمة باب من كتاب الصيام: "باب بيان فضل الصوم في السفر، والدليل على أن الفطر في السفر أفضل من الصوم، وبيان الخبر المعارض لإبطال فضل الصوم المبين ثوابه في سبيل الله".
5 - يذكر من التراجم ما يحصل بها بيان المجمل، مثاله قوله في ترجمة باب من كتاب الصيام: "باب بيان الخبر المبين أن أمر النبي -صلى الله عليه وسلم- بالتماس ليلة القدر على الإباحة، لا على الحتم".
6 - يذكر بعض التراجم ويتعرض فيها لرد بعض الأقوال التي يراها مخالفة للقول الصحيح كقوله: "باب ذكر الخبر الدال على إباحة الإفطار في كل سفر، وإباحة الإفطار إذا ابتدأ بالصوم في أول الشهر، وإباحة الصوم
إذا ابتدأ بالإفطار"، فأشار في هذه الترجمة إلى رد ما نقل عن بعض السلف من أن من كان مقيما في أول الشهر، ثم سافر في أثنائه، فليس له الإفطار بعذر السفر، وما ذهب إليه آخرون من وجوب الإفطار في السفر 1. 7 - ليس عنده تراجم مرسلة، وهي التي يُذكر فيها (باب) بدون ترجمة، والتي تعتبر بمنزلة فصل ضمن الباب المترجم له قبل 2، كما لم تقع عنده تراجم بصيغة الاستفهام، التي تساق لبيان هل ثبت الحكم المترجم له، أو لا 3. 8 - يهمل أن يذكر في التراجم الحكم الذي دلت عليه بعض الزيادات في الحديث لكون تلك الزيادات منكرة عنده، مثال ذلك عدم ذكره لأمر المجامع في نهار رمضان أن يقضي يوما مكانه، الوارد في بعض طرق حديث أبي هريرة، وغيره 4. هذا، ومن المآخذ عليه في بعض تراجمه جزمه لأحد الاحتمالين في الترجمة، ويقع في بعض طرق الحديث التي يوردها في الباب ما يؤيد الاحتمال الآخر، كقوله: "باب الدليل على أن الصائم إذا واصل كان
مفطرًا إذا غابت الشمس" فأورد حديث عبد الله بن أبي أوفى، وفيه: "إذا أقبل الليل من ها هنا، وأشار بيده حيث تجيئ الشمس، فقد أفطر الصائم"، فقوله: فقد أفطر الصائم، يحتمل أن يكون معناه، فقد دخل وقت الفطر، ويحتمل أن يكون فقد صار مفطرًا، فجزم في الترجمة بالاحتمال الثاني وفي بعض طرق الحديث التي أوردها ما يؤيد الاحتمال الأول، وهو قوله في حديث رقم 3026: "فقد حل الفطر" 1.
وأما الحافظ أبو نعيم فمنهجُه في النِّقاط التالية:
1 - تتَّسم التراجم عنده بالقصر، وعدم تناولها لكثير مما دلت عليه أحاديث الباب، فقد يقتصر على ذكر أمس ما تناوله الأحاديث، وأكثرها دخلا فيه، ويعرض عن الباقي، مثاله قوله في كتاب الصيام: "باب في كراهية الوصال"، فأورد أحاديث التي أوردها الإمام مسلم، وهي حديث ابن عمر، وحديث أبي هريرة، وحديث أنس، وحديث عائشة 2، على حين ترجم أبو عوانة للباب نفسه بقوله: "باب النهي عن الوصال في رمضان، والدليل على إباحته لمن أطاقه، وعلى أن النهي عنه رفقًا بالناس"، فذكر سائر ما تناوله أحاديث الباب من المسائل.
2 - جل تراجم الكتاب تراجم ظاهرة خبرية، ولا توجد -وفق القسم المطابق للقسم المقارَن- تراجم استنباطية محضة، ولا تراجم ظاهرة مقرونة
بالاستنباط.
3 - قد يترجم ببعض لفظ الحديث كما يفعله البخاري، مثاله قوله: باب ما ذكر أن عائشة قالت: كنت أرجل رأس النبي -صلى الله عليه وسلم-، وأنا حائض 1.
4 - إهماله بعض الأبواب من الترجمة والاكتفاء بذكر تراجم مرسلة في تلك المواضع، كأحاديث الاعتكاف 2.
5 - من المآخذ عليه إيراده أحاديث تحت ترجمة غير مطابقة، وعنده ترجمة مطابقة لو أوردها تحتها لكان أولى، مثاله إيراده حديث عمر ابن الخطاب رضي الله عنه: "إذا أقبل الليل من ههنا وأدبر النهار من ههنا وغابت الشمس فقد أفطر الصائم" في باب الحث على تعجيل الفطر، وكان أولى أن يورده في الباب الذي بعده، وهو: باب في وقت الإفطار 3، هكذا أورده أصحاب الكتب المبوبة، منهم البخاري 4، وأبو داود 5، والنسائي 6، وابن خريمة 7، وابن حبان 8.
وكإيراده حديث ابن عباس: "كان رسول الله -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يصوم حتى نقول: لا يريد أن يفطر، ويفطر حتى نقول: ما يصوم، وما صام شهرًا متتابعا غير رمضان منذ قدم المدينة"، وحديث أنس بنحو هذا اللفظ، في باب فضل صوم شعبان، ولو أوردهما في الباب الذي قبله، وهو باب صوم رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في التطوع لكان أولى 1.
الخلاصة
يمتاز كتاب أبي عوانة على كتاب أبي نعيم في باب التراجم بغزارة الفقه كثرة الفوائد المستنبطة من الأحاديث أودعها الحافظ أبو عوانة في تراجمه، ولتحصيل هذه المزية استدعى منه في بعض الأحيان، أن يرتكب ما يعد إخلالًا لمنهج الإمام مسلم في الترتيب بين الأحاديث، ولم يخل باب عنده بدون ترجمة وفق القسم الذي جرت عليه المقارنة، بخلاف الحافظ أبي نعيم.
= (الإحسان 8/ 280).
المبحث السادس: الصناعة الحديثية في الكتابين
إن صفة رواية الحديث علم اهتم به علماء الحديث في هذه الأمة، ويشمل جانبًا كبيرًا من علم مصطلح الحديث، ومما يستمد هذا العلم مناهج أئمة الحديث في رواياتهم للحديث وضبطهم له، وكتاب الحافظ أبي عوانة، وكتاب الحافظ أبي نعيم يمثلان منهجين في هذا الباب، يشتركان في بعض النقاط، ويختلفان في بعضها، والمقارنة في هذا المبحث تنحصر في النقاط التالية:
• طرق سياقهما لروايات الحديث، ومراعاتهما لاختلاف ألفاظه.
• تكرار الحديث.
• اختصار الحديث وتقطيعه.
• الكناية عن الراوي الضعيف.
• التنوع في ذكر الشيوخ.
• شرح الغريب وضبط المشكل.
وسأفصل كل واحدة منها بمطلب.
المطلب الأول: طرق سياقهما لروايات الحديث ومراعاتهما لاختلاف ألفاظه
: الطرق التي سلكها الحافظ أبو عوانة ثلاث، ويشاركه فيها الحافظ أبو نعيم، لكن بمراتب مختلفة، والطرق هي:
- إفراد كل طريق من طرق الحديث بالذكر إسنادًا ومتنًا.
- إيراد الطرق المتعددة والاكتفاء بذكر المتن عقب الإسناد الأول، مع الإشارة في الباقي بنحو: (مثله)، أو (نحوه)، أو (وذكر الحديث).
- جمع الطرق في سياق واحد، وذكر المتن عقبها.
الطريقة الأولى: إفراد كل طريق بالذكر: وذلك بأن يكون الحديث عند أبي عوانة من عدة طرق، فيفرد كل طريق بذكر إسنادها مع متنها، كثيرًا ما يسلك هذه الطريقة عند وجود اختلاف بين ألفاظ الطرق، وكاد يكون ذلك مطردًا عنده، مثاله حديث قتادة، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد الخدري في الباب التاسع من كتاب الصيام: "باب بيان الخبر المبين أن الصائم في السفر لا يجوز له أن يعيب المفطر بفطره إلخ"، اختلف أصحاب قتادة في ذكر يوم خروجه -صلى الله عليه وسلم- من رمضان، فأورد أبو عوانة رحمه الله طرقهم واحدة بعد واحدة، بذكر أسانيدها ومتنها 1. ويسلك أبو عوانة هذه الطريقة أيضًا إذا كان في بعض الطرق التي يوردها زيادة ليست في بعضها، مثال ذلك حديث عائشة في قصة من جامع أهله في نهار رمضان (من حديث قم 3083 إلى 3085)، ذكره من طريق عبد الوهاب الثقفي، عن يحيى بن سعيد، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن محمد
ابن جعفر بن الزبير، عن عباد بن عبد الله بن الزبير، عن عائشة، وذكر المتن، وفيه أن الرجل قال: أفطرت في رمضان، ثم ذكر طريق يزيد بن هارون، عن يحيى ابن سعيد بالإسناد، ودكر متنه أيضًا، وفيه أن الرجل دكر أنه وقع على امرأته في رمضان، والطريق الثالث طريق عمرو بن الحارث، عن عبد الرحمن بن القاسم بالإسناد، وهي التي فيها زيادة في آخره، (قال: يا رسول الله، أعلى غيرنا؟ فوالله إنا لجياع، ما لنا شيء، قال: "فكلوه").
وقد يسلك الحافظ أبو عوانة هذه الطريقة لبيان علة في الحديث، كما أورد ثلاث طرق لحديث أبي هريرة في قصة المجامع في نهار رمضان، بعد ذكره لأصل طرق الحديث، في أولاها علة في الإسناد والمتن، وفي الثانية غرابة في السياق، وفي الثالثة زيادة منكرة، وصرّح عقب كل طريق ببيان علتها 1.
وأما الحافظ أبو نعيم فيسلك هذه الطريقة أيضًا، إلا أنها نادرة عنده، مثالها عنده إيراده لحديث أبي بن كعب رضي الله عنه في باب في علامة ليلة القدر 2، قال الحافظ أبو نعيم:
حدثنا محمد بن أحمد بن الحسن، حدثنا بشر بن موسى، حدثنا الحميدي، حدثنا سفيان، حدثنا عبدة بن أبي لبابة، وعاصم بن بهدلة، أنهما سمعا زر بن حبيش يقول: قلت لأُبَيّ إن أخاك ابن مسعود يقول: من يقم
الحول يصب ليلة القدر، فقال يرحم الله أبا عبد الرحمن، إنما أراد أن لا يتكل الناس، ولقد علم أنها في العشر الأواخر من رمضان، وأنها في ليلة سبع وعشرين، ثم حلف لا يستثني أنها ليلة سبع وعشرين، فقلنا له يا أبا المنذر، بأي شيء علمته؟ قال بالآية أو بالعلامة التي أخبرنا رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، أخبرنا أن الشمس تطلع صبيحة ذلك اليوم لا شعاع لها.
ثم قال: وحدثنا أبو علي الصواف، حدثنا عبد الله بن أحمد ابن حنبل، حدثني أبي، حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، قال: سمعت عبدة ابن أبي لبابة يحدث عن زر بن حبيش، عن أبي بن كعب، قال: قال أبي في ليلة القدر: والله إني لأعلمها، قال شعبة، والله علمي هي الليلة التي أمرنا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بقيامها، هي ليلة سبع وعشرين، وإنما شك شعبة في هذا الحرف: هي هذه الليلة التي أمرنا بها رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، قال وحدثني بها صاحب لي.
وإنما قلَّ عند أبي نعيم سلوك هذا الطريق، لأنه يهتم في أكثر تخريجه أن يكون موضع الالتقاء قريبًا من الإمام مسلم، وأن يكون مستوعبًا لطرقه، فاستدعى ذلك منه أن يجمع الطرق في الأغلب حتى لا يطول الكتاب، فحيث سلك الإمام مسلم مثل هذه الطريقة يحافظ الحافظ أبو نعيم على ترتيبه، إلا أنه بتخريجه للطرق، يصبح كأنه لم يسلكها، لأنه كثيرًا ما يجمع الأسانيد، والله أعلم.
فالخلاصة هي أن الحافظين اشتركا في سلوكهما لهذه الطريقة، إلا أن
الحافظ أبي نعيم ندر عنده انتهاجها.
الطريقة الثانية: إيراد الطرق المتعددة والاكتفاء بذكر المتن عقب الإسناد الأول:
وتوضيح ذلك أن يكون الحديث عند المصنف من عدة طرق، فيورد أسانيدها، ويكتفي بذكر المتن عقب الإسناد الأول، وفي بقية الطرق يشير إلى المتن بقوله، (مثله)، أو (نحوه)، أو (وذكر الحديث)، وقد قال الحاكم: "يلزم الحديثي من الإتقان أن يفرق بين مثله ونحوه، فلا يحل أن يقول مثله إلا إذا اتفقا في اللفظ، ويحل نحوه إذا كان بمعناه" 1، فقد سلك كل من الحافظ أبي عوانة، والحافظ أبي نعيم هذا الطريق، وهي أكثر عند أبي عوانة منها عند أبي نعيم.
فمن أمثلة الطرق التي أوردها أبو عوانة وأحال في الباقي بقوله: بمثله، حديث أبي هريرة في النهي عن الوصال في الصوم، فذكر الحديث أولا من طريق يونس بن يزيد الأيلي، عن الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، وأورد المتن عقبة، ثم ذكر طريق معمر، عن الزهري، بباقي الإسناد، وقال: عن النبي -صلى الله عليه وسلم- بمثله، وذكر طريق شعيب، عن الزهري، كذلك، وفي إحالته في مثل هذا بقوله: بمثله تجوز، حيث إن المثلية حاصلة في المعنى دون اللفظ 2،
ومما أحال على اللفظ: بمثله وحصل الاتفاق في اللفظ حديث رقم: (3028)، ورقم: (3054). ومثال ما عند الحافظ أبي نعيم من هذا، وهو قليل أيضًا، إحالته لطريق زائدة عن الأعمش، لحديث ابن عباس فيمن ماتت أمه وعليها صوم شهر، أحال على طرق أبي معاوية، وعيسى بن يونس، كلاهما عن الأعمش، وقال في الإحالة: بمثله، وفيه أيضًا تجوز إذ السائل في المحال عليه امرأة، وفي المحال به رجل 1، ومما أحال بمثله واتفق المعنى فيهما حديث الثوري عن أبي حازم، عن سهل بن سعد مرفوعًا: "لا يزال الناس بخير ما عجلوا الفطر"، أحاله على طريق عبد العزيز بن أبي حازم، عن أبيه به، بقوله بمثله، واللفظان متفقان 2. وقد يقول في الإحالة: بمعنى حديث فلان 3. ومما أحال أبو عوانة بقوله: بنحوه، قوله في باب: ذكر الخبر المبين أن = (4/ 205).
صوم يوم عاشوراء لم يكن في الأصل صومه واجبًا.
. الخ:
حدثنا السلمي، والدبري، عن عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري، قال حدثني حميد بن عبد الرحمن، أنه سمع معاوية يخطب: يا أهل المدينة، أين علماؤكم؟ سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: "هذا يوم عاشوراء، ولم يفرض علينا صيامه، فمن شاء منكم أن يصوم فليصم، فإني صائم"، فصام الناس، حدثنا عباس الدوري، حدثنا يعقوب بن إبراهيم بن سعد، حدثنا أبي، عن صالح، عن ابن شهاب، بإسناده نحوه.
ففي قوله نحوه دقة وإتقان، حيث جاء قوله: "فمن أحب أن يصوم فليصم، ومن أحب أن يفطر فليفطر" في اللفظ المحال من قول معاوية لا من قول رسول الله -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- كما هو في اللفظ المحال عليه 1.
وعند أبي نعيم من هذا قوله في حديث منصور، عن الزهري، عن حميد، عن أبي هريرة في قصة الذي وقع بامرأته في نهار رمضان، قال: فذكر نحوه، محيلا به على طريق الحميدي، عن ابن عيينة المتقدمة عنده، وإنما قال ذلك لأن بين ألفاظ الطريقين مغايرة بالزيادة والنقص 2.
وقد يحيل أبو عوانة في الباقي بقوله: وذكر الحديث، أو وذكر حديثه
في هذا 1.
فالحافظان كلاهما سلك هذا الطريق، إلا أن أبا عوانة أكثر استعمالًا لها من أبي نعيم، وفائدتها الاختصار، إذ لو أوردا لكل طريق متنها لعظم حجم كتابيهما، ولو اختصرا بالاكتفاء بذكر طريق أو طريقين لكل حديث لفاتتهما الفوائد الإسنادية المكتمنة في الطرق، من المتابعات، وتصريح المدلس بالسماع، وغير ذلك من فوائد الاستخراج.
الطريقة الثالثة: جمع الطرق في سياق واحد وذكر المتن عقبها:
لهذه الطريقة مسلكان:
الأول: أن يجمع الحافظ شيخين أو أكثر بالعطف بينهما في إسناد واحد، ثم يسوق الحديث بلفظ أحدهما، كقول أبي عوانة:
حدثنا يونس بن عبد الأعلى، والربيع بن سليمان، وعيسى بن أحمد العسقلاني، قالوا: أخبرنا ابن وهب، عن عمرو بن الحارث، فذكر بقية الإسناد والمتن 2، كقول أبي نعيم: نا عبد الله بن محمد، ومحمد بن إبراهيم، قالا: حدثنا أحمد بن علي، فذكره 3.
المسلك الثاني: أن يجمع عددًا من الأسانيد في سياق واحد،
باستخدام (ح)، للتحويل عند موضع الالتقاء، ويذكر المتن عقب ذلك، وهذه الطريقة هي أكثر الطرق الثلاث سلوكًا من الحافظ أبي نعيم في مستخرجه، وأما الحافظ أبو عوانة فقد سلك الطرف الثلاث كثر عنده سلوك الطريقة الأولى، إلا أنه كثيرًا ما يسلك هذه الطريقة إذا كثر عنده طرق الحديث وقصد إيرادها ليشير إلى استفاضة الحديث كما فعل في حديث أبي هريرة في قصة من جامع أهله في نهار رمضان، حيث جمع أحد عشر إسنادًا في سياق واحد 1، وكما في حديث أبي سعيد الخدري: "ليس فيما دون خمسة أوسق من التمر صدقة"، حيث جمع ثمانية أسانيد في سياق واحد 2. وقد ذكُر في علم صفة رواية الحديث ضوابط لمراعاة اختلاف الألفاظ في رواية الحديث بهذه الطريقة، وأن شرط ذلك اتفاقهما في المعنى 3، وإذا اتفقا في اللفظ كان جوازه من باب أولى، وقد مثل الكتابان نموذجين لتطبيق هذه الضوابط ومثلها، إلا أنهما اختلفا في ذلك وفق ما في القسم الذي جرت عليه الدراسة، فمن تلك الضوابط: 1 - التنصيص على اتحاد الألفاظ، وهذا لا مثال له عند الحافظ
أبي عوانة، وفق القسم الذي جرت عليه المقارنة، وأما عند الحافظ أبي نعيم فمثاله ما ذكره في باب: الرخصة في القبلة للصائم:
قال الحافظ أبو نعيم: حدثنا أحمد بن يوسف بن خلاد، حدثنا الحارث بن أبي أسامة، ح، وحدثنا أبو بكر الطلحي، حدثنا عبيد بن غنام، حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، قالا: حدثنا الحسن بن موسى الأشيب، حدثنا شيبان، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، أن عمر بن عبد العزيز أخبره أن عروة بن الزبير أخبره أن عائشة أم المؤمنين أخبرته أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كان يقبلها وهو صائم، لفظهما سواء 1.
2 - التنصيص على اتحاد المعنى: ومثاله عند الحافظ أبي عوانة الحديث رقم (3135)، وهو حديث أبي سعيد الخدري: سمع من رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أربعًا فأعجبنني وأينقنني، وذكر الحديث، جمع فيه أربعة أسانيد، وقال في آخره: معنى حديثهم واحد.
ولا مثال له عند الحافظ أبي نعيم وفق القسم الموافق للقسم الذي جرت عليه المقارنة، وفائدة هذا التنصيص معرفة أن المصنف يرى جواز الرواية بالمعنى.
3 - التنصيص على كون بعض حديثهم قريبًا من بعض، مثاله عند الحافظ أبي عوانة الحديث رقم (3147)، وهو حديث عبد الله بن عمرو،
أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال له: "ألم أنبأ أنك تقوم الليل وتصوم النهار؟ " الحديث، جمع فيه أربعة أسانيد، وقال في آخره: حديثهم قريب، بعضهم من بعض، وهذا أيضًا لم أجد له مثالًا عند الحافظ أبي نعيم، وفائدته مثل فائدة الذي قبله.
4 - ذِكر لفظ كل طريق مما جمع، مثاله عند الحافظ أبي عوانة: الحديث رقم (3066)، قال: حدثنا عباس الدوري، وابن أبي عبد الله المقرئ، ببغداد، قالا: حدثنا روح بن عبادة، ح، وحدثنا أبو سعيد البصري، حدثنا يحيى بن سعيد القطان، كلاهما قالا: حدثنا ابن جريج، فذكر بقية الإسناد والمتن، وقال في آخره: هذا لفظ حديث روح، وأما حديث يحيى فقال: عن ابن جريج، فذكره.
وقد يذكر إحدى الطريقين في موضع آخر مفردة، مشعرًا بأن اللفظ الذي ساق في الموضع الأول للطريق الآخر، مثاله الحديث رقم: (3305)، قال فيه:
حدثنا يزيد بن سنان، حدثنا يعقوب بن إسحاق الحضرمي، ومحمد ابن كثير، ح، وحدثنا يونس بن حبيب، وعمار بن رجاء، قالا: حدثنا أبو داود، حدثنا شعبة، عن عقبة بن حريث، سمع ابن عمر عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال في ليلة القدر: "تحروها في العشر الأواخر"، ثم ذكر في باب آخر الإسناد الثاني وحده، (برقم 3308) وقال في لفظه: "تحروها في العشر الأواخر، يعني ليلة القدر، وإن ضعف أحدكم أو عجز، فلا يغلبن علي السبع البواقي"، وهو لفظ أبي داود الطيالسي كما في مسنده، فدل على أن
اللفظ في الموضع الأول للطريق الآخر.
ومثاله عند الحافظ أبي نعيم: حديث سلمة بن الأكوع في باب فضل صيام عاشوراء، ذكره بإسنادين، أحدهما من طريق قتيبة، عن حاتم ابن إسماعيل، والآخر من طريق زهير بن حرب، عن أبي عاصم، كلاهما عن يزيد ابن أبي عبيد، عن سلمة، فذكر المتن، ثم قال في آخره: ولفظ قتيبة: بعث رجلًا، فذكره، وهذا الصنيع يشعر بأن السياق الأول للطريق الآخر، فيلتحق بالضابط الذي سيأتي برقم 6.
5 - التصريح بصاحب اللفظ، مثاله عند الحافظ أبي عوانة الحديث رقم (3075)، قال:
حدثنا علي بن حرب، حدثنا سفيان، عن الزهري، عن حميد ابن عبد الرحمن، عن أبي هريرة، ح، وحدثنا أبو إسماعيل الترمذي، حدثنا الحميدي، حدثنا سفيان، حدثنا الزهري، وحفظناه منه، قال: أخبرني حميد ابن عبد الرحمن، عن أبي هريرة، أن رجلًا أتى النبي -صلى الله عليه وسلم-، فذكر الحديث، وقال في آخره: اللفظ للحميدي، وفي هذا المثال عند أبي عوانة دقة من ناحية أخرى، حيث إنه لم يذكر (ح) للتحويل عند سفيان، الذي هو موضعها، وأخرها إلى آخر الإسناد ليراعي بذلك ما في الإسناد الثاني من فائدة ليست في الأول، وهي تصريح سفيان بالتحديث من الزهري، على حين عنعن في الإسناد الأول، وزيادة تأكيد أنه حفظه منه.
ومثاله عند الحافظ أبي نعيم، حديث أبي نضرة، عن أبي سعيد
الخدري، خرجنا مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لثمان عشرة مضت من رمضان، فذكر الحديث وجمع عدة طرق عن قتادة، عن أبي نضرة، وقال في آخره: لفظ فاروق، رواية مسلم -وهو ابن إبراهيم الفراهيدي- عن هشام 1، ومثل هذا كثير عند أبي نعيم، وهذا الصنيع هو المرجح عند الحفاظ في هذا المسلك 2. 6 - ذكر ما يشعر بصاحب اللفظ، وقد ذُكر هذا الضابط في كتب المصطلح ممثَّلا بصنيع الإمام مسلم في الصحيح، كقوله: حدثنا أبو بكر ابن أبي شيبة، وأبو سعيد، كلاهما عن أبي خالد الأحمر، قال أبو بكر: حدثنا أبو خالد، عن الأعمش، مما يفيد ظاهره أن اللفظ لأبي بكر 3، مثاله عند الحافظ أبي عوانة الحديث رقم 3402، قال: حدثنا أحمد بن علي بن يوسف الخزاز، أبو بكر بدمشق، حدثنا مروان الطاطري، ح، وحدثنا أبو أمية، حدثنا منصور بن سلمة الخزاعي، وعاصم بن علي، وسعيد بن سليمان، قالوا: حدثنا الليث، قال مروان: حدثنا الليث بن سعد، عن بكير بن الأشج، عن بسر بن سعيد، عن ابن
الساعدي المالكي، قال: استعملني عمر رضي الله عنه، فذكره، فظاهره أن اللفظ لمروان الطاطري.
ولم أقف له على مثال عند الحافظ أبي نعيم رحمه الله تعالى إلا ما تقدم تحت الضابط رقم 4 من هذه الضوابط:
7 - التنصيص على اختلاف صيغ التحمل، وهو مأثور عن الإمام مسلم أيضًا 1، وهذا لا مثال له عند الحافظ أبي عوانة في القسم المخصص لهذه الدراسة من كتابي الصوم والزكاة، وربما كان ممن يرى جواز إطلاق (حدثنا) و (أخبرنا)، فيما تحمله عرضًا وسماعًا، كما هو مذهب البخاري في الكثيرين 2، فإن أبا عوانة كان أغلب ما يروي عن شيوخه بحدثنا، وروايته بأخبرنا قليلة، ومعلوم أن أخذه بين شيوخه غير منحصر في التحديث، أو في العرض، بل هو دائر بينهما، فدل على احتمال إطلاقهما فيهما عنده، وحينئذ لا يهتم بالتنصيص عليهما عند الاختلاف، وقد يكون غير ذلك، والله أعلم 3.
وأما عند الحافظ أبي نعيم فقد أورد هذا الضابط في عقب حديث حفصة: "كان رسول الله -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يقبل وهو صائم"، قال: لفظهم سواء، إلا أن إسحاق قال: أخبرنا 1. وقد لا يذكران شيئًا من هذه الضوابط، وقد يحصل مع ذلك اتفاق في اللفظ، كما روى أبو عوانة حديث جابر بن حمرة، في صوم عاشوراء من طريق أبي داود الطيالسي، ومن طريق الحسن بن موسى الأشيب، وجمعهما بمتن واحد، ولم ينبه على صاحب اللفظ، ولا على اتفاق في اللفظ، أو المعنى، وعند تتبع الطريقين اتَّضحَ أنَّ اللفظين متفقان 2، وقد يحصل العكس، كما في الحديث الأول عند أبي عوانة، وهو حديث سمرة ابن جندب: "لا يغرنكم نداء بلال، ولا هذا البياض حتى ينفجر الفجر هكذا"، لم يذكر شيئًا من الضوابط، وبالتتبع تبين أن اللفظ لأبي داود الطيالسي، وليس لروح بن عبادة، فإن في لفظ حديث روح كما رواه أحمد 3، وأبو نعيم 4 زيادة قوله في سوادة بن حنظلة، الراوي عن سمرة:
وكان إمامهم، لم تذكر في سياق أبي عوانة، ومثال هذا عند الحافظ أبي نعيم: حديث أنس مرفوعًا: "ذهب المفطرون اليوم بالأجر"، حيث ذكره بإسنادين، أحدهما من طريق أبي معاوية، والآخر من طريق حفص ابن غياث، ثم ساقهما بلفظ واحد، ولم يبين شيئًا، وكلا الإسنادين عند مسلم، وعند سياقهما أفرد كل طريق بلفظها لما بين اللفظين من المغايرة، وإن كان المعنى واحدًا، وسياق الحافظ أبي نعيم إنما هو بلفظ أبي معاوية، وليس عنده ما يبين ذلك تصريحًا أو تلميحًا 1، وأغلب ما وجد منهما من هذا الصنيع في الأحاديث القصيرة التي يغلب على ظن الباحث اتحاد ألفاظ طرقها، وإن لم يتسن له التحقق من ذلك، كحديث: "من مات وعليه صوم صام عنه وليه" وحديث النهي عن صيام يومين: يوم الفطر، ويوم الأضحى.
ومما تنبغي الإشارة إليه في هذا المقام أبي في الغالب يصدران بالطريق العالي عندهما، ثم يتبعان بما هو أنزل، عند سياقهما للطرق، وقد أفاد الحافظ السخاوي أن هذا الصنيع هو الأكثر عند المتقدمين 2، وقد يحصل منهما عكس هذا، ويكون ذلك لدليل ظاهر، أو لأمر آخر قد لا يتبين للباحث، فمن تصديرهما بالعالي الحديث رقم (3135) عند الحافظ أبي عوانة، حيث صدر بالطريق التي ساوى مسلمًا فيها؛ وعند الحافظ أبي نعيم حديث ابن
جريج، عن عطاء، عن أبي العباس، عن عبد الله بن عمرو، حيث أورده من ثلاث طرق عن ابن جريج:
الأولى: عن الطبراني، عن الدبري، عن عبد الرزاق، عنه به.
الثانية: عن أبي بكر بن مالك، عن عبد الله بن أحمد بن حنبل، عن أبيه، عن عبد الرزاق، عنه به.
الثالثة: عن علي بن هارون، عن جعفر الفريابي، عن عمرو بن علي، عن أبي عاصم، عنه به 1، فصدر بطريق الطبراني التي هو فيها كأنه سمع من مسلم.
ومن أمثلة ما وقع من عكس هذا، الحديث رقم: (3055)، قال الحافظ أبو عوانة رحمه الله: حدثنا صالح بن عبد الرحمن، حدثنا أصبغ، أخبرنا ابن وهب، ح، وحدثنا أبو عبيد الله، حدثنا عمي، حدثنا عمرو، عن بكير بن الأشج، عن يزيد مولى سلمة، عن سلمة بن الأكوع، قال: فذكر الحديث، فصدر بالطريق التي هو فيها نازل، وأخر التي ساوى مسلمًا فيها، ويبدو أنه فعل هذا لاشتمال الطريق النازل على أصبغ بن الفرج، الذي هو أجل أصحاب ابن وهب، وفي الطريق العالي أبو عبيد الله، ابن أخي ابن وهب، وقد ضعفه بعض الحفاظ.
ومثاله عند الحافظ أبي نعيم رحمه الله، وهو قليل، حديث عبد الله ابن شقيق، سألت عائشة رضي الله عنها عن صوم رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فقالت: فذكر الحديث، قال في السياق: حدثنا سليمان بن أحمد، حدثنا الحسين ابن إسحاق، حدثنا أبو الربيع، ح، قال وحدثنا محمد بن حيان، حدثنا ابن حساب، قالا: حدثنا حماد بن زيد، حدثنا أيوب، وهشام، عن محمد ابن سيرين، عن عبد الله بن شقيق قال: فذكره 1، فصدر بالطريق النازل التي هي من ثمانياته، وأخر الطريق التي هي من سباعياته، ولعله فعل ذلك ليقدم الطريق التي عند مسلم على التي زادها هو عليه، فإن الحديث عند مسلم عن أبي الربيع الزهراني به.
الخلاصة:
1 - أكثر الطرق سلوكًا عند الحافظ أبي عوانة في سياقه الأحاديث الطريقة الأولى، ومن أجل ذلك كثر عنده بيان اللفظ المحال به عند مسلم، إذ سلوك هذه الطريقة توجب على المصنف بيان متن كل طريق أتى بإسنادها، وأما الحافظ أبو نعيم، فأكثر الطرق سلوكًا لديه هي الطريقة الثالثة، وذلك لما فيها من الاختصار، إلا أنها تقتضي غالبًا إهمال ذكر ألفاظ بعض الطرق التي يجمعها المصنف، ويفضل سلوك الطريقة الأولى لما يحصل بها من فائدة بيان اختلاف ألفاظ الناقلين، وزيادات بعض الطرق على
بعض، وبيان العلة في بعض الطرق.
2 - الحافظ أبو عوانة أكثر سلوكًا للطريقة الثانية من الحافظ أبي نعيم، وفائدة هذه الطريقة الاختصار مع المحافظة على فوائد الاستخراج الإسنادية.
3 - قد يتجوز كل من الحافظين في إطلاق (مثله)، على المثلية في المعنى دون اللفظ، وحقيقة المثلية أن تكون في اللفظ، والحافظ أبو عوانة يدقق في الإحالة بقوله: بنحوه، حيث يطلقها فيما كان فيه اختلاف في المتون، إما بالزيادة والنقصان، أو بغير ذلك.
4 - أكثر أبو عوانة من اتباع الطريقة الثالثة عند إرادة الإشارة إلى كثرة طرق الحديث واستفاضته، على حين أكثر أبو نعيم اتباعًا لها مطلقًا.
5 - قدّم الكتابان نموذجين لضوابط الرواية عند إرادة سياق أسانيد متعددة بمتن واحد.
6 - درج الحافظان في سلك المتقدمين في إكثارهم من الابتداء بالطريق العالي في سياقهم للأحاديث عند تعدد طرقها وجمعهم إياها.
7 - يؤخذ عليهما عدم بيان صاحب اللفظ عند جمعهما للطرق في مواضع عديدة، وخاصة إذا تبين أن الألفاظ متغايرة.
المطلب الثاني: تكرار الحديث
: ذكر الإمام مسلم في المقدمة أن الذي سأله تأليف كتابه شرط عليه أن يلخص له السنن في التأليف بلا تكرار يكثر، وقد وفى بهذا الشرط حيث
لم يوجد في كتابه كثرة التكرار للأحاديث، وليس في القسم المخصص لهذه الدراسة -من كتابي الصوم والزكاة- حديث كرره في موضع آخر من كتابه الصحيح بالإسناد والمتن إلا حديثًا واحدًا، وهو، حديث أبي بن كعب أن ليلة القدر ليلة سبع وعشرين، ذكره أولا في كتاب صلاة المسافرين، ثم كرره في كتاب الصيام، وفي كلا الموضعين من طريق محمد بن المثنى، عن محمد ابن جعفر، عن شعبة، عن عبدة، عن زر بن حبيش، عن أبيّ به 1. وأما المخرِّجان فسلك كل واحد منهما ما يتفق مع غرضه من التأليف، فأما الحافظ أبو نعيم فحذا حذو الإمام مسلم، في جمع الطرق والأحاديث في موضع واحد، بلا تكرار يكثر، وأما الحافظ أبو عوانة، لما كان قصده غير منحصر في مجرد الاستخراج، بل أراد مع ذلك استخراج أحكام بحسن استنباطه من الأحاديث، فسلك في هذا الباب مثل مسلك الإمام البخاري ومن حذا حذوه ممن أودع كتابه جملة من معاني الفقه والأحكام، فأورد في كتابه عدة أحاديث مكررة في موضعين فأكثر حسب استدلاله بما تضمنته من الأحكام، لكنه كما يفعل الإمام البخاري، قلما يورد حديثًا بإسناد واحد، ولفظ واحد من دون اشتماله على فائدة في الإسناد، أو في المتن، كما قال الحافظ عن صنيع البخاري: "حتى ولو لم
تظهر لإعادته فائدة من جهة الإسناد ولا من جهة المتن لكان ذلك لإعادته لأجل مغايرة الحكم الذي تشتمل عليه الترجمة الثانية موجبًا لئلا يعد مكررًا بلا فائدة" إلى آخر كلامه 1، ينطبق أيضًا على صنيع أبي عوانة، وسأورد جملة ما وقع له من الأحاديث المكررة في القسم المخصص لهذه الدراسة -من كتابي الصوم والزكاة- على الترتيب التالي:
ما أورده في موضعين فأكثر بإسناد واحد، وزاد فائدة أخرى.
ما أورده في موضعين فأكثر بإسناد واحد ولفظ واحد، ولم يذكر فائدة أخرى.
ما أورده في موضعين فأكثر بأسانيد مختلفة وبعض الاختلاف في المتن.
فأما الأول فتحته أربعة أحاديث:
1 - حديث عائشة رضي الله عنها: جاء حمزة الأسلمي إلى النبي -صلى الله عليه وسلم-، وكان رجلًا يسرد الصوم، فسأله عن الصوم في السفر، فقال: "أنت بالخيار، إن شئت فصم وإن شئت فأفطر"، أورده في بابين، في كل باب من طريقين:
في باب ذكر الخبر الدال على إباحة الإفطار في كل سفر، إلخ 2.
وفي باب ذكر الأخبار التي تعارض حظر سرد الصوم إلخ 3.
ذكر فائدتين من الحديث بعد فائدة عقد باب زائد من أجله، وهما:
أ - ذكر في الموضع الأول في الإسناد الثاني نسب شيخه كاملًا بما اشتهر من النسبة، كما ذكر موضع التحمل، فقال: حدثنا إبراهيم ابن مسعود بن عبد الحميد القرشي المخزومي، ابن أخي سندولة، بهمذان.
ب- ذكر في الموضع الثاني في الإسناد الثاني والد حمزة، فقال جاء حمزة بن عمرو الأسلمي.
2 - حديث أبي هريرة: "أوصاني خليلي -صلى الله عليه وسلم- بثلاث: صوم ثلاثة أيام من كل شهر، والوتر قبل النوم، وصلاة الضحى"، أورده في بابين:
في باب ثواب صلاة الضحى، والدليل على أنها ركعتان 1.
وفي باب بيان فضيلة صوم يوم عرفة وثوابه، وثواب صوم يوم عاشوراء والترغيب في صوم يوم الاثنين، وفضيلة صوم ثلاثة أيام من كل شهرٍ إلخ 2، ذكر ثلاث فوائد في تكراره للحديث:
أ - بيان اسم شيخه في الموضع الثاني، وقد ذكره بكنيته في الموضع الأول.
ب- بين في الموضع الأول اختلاف ألفاظ الطريقين اللذين جمعهما في سياق الحديث.
ج - في الموضع الأول زاد قول أبي هريرة: لا أدعهن.
3 - حديث عبد الله بن عمرو رضي الله عنه، بلغ النبي -صلى الله عليه وسلم- أني أصوم أسرد وأصلي الليل، وذكر الحديث، عن الصاغاني، حدثنا روح، عن ابن جريج، عن عطاء، أن أبا العباس الشاعر أخبره أنه سمع عبد الله ابن عمرو يقول: فذكره، أورده في موضعين:
في باب ذكر الأخبار الدالة على حظر صوم الدهر وإبطال فضيلته 1.
وفي باب ذكر الخبر المبين أن أحب الصيام إلى الله عز وجل صيام داود صلوات الله عليه، صوم يوم وإفطار يوم 2، لم يذكر لفظه في الموضع الأول، بل قال: وذكر حديثه في هذا، وذكره في الموضع الثاني، وأيضًا ذكره في الموضع الأول بعنعنة روح، وابن جريج، وفي الموضع الثاني ذكر تصريحهما بالتحديث.
4 - حديث أبي سعيد الخدري: "لا صدقة في حب ولا تمر دون خمسة أوسق" من طريق الثوري، عن إسماعيل بن أمية، عن محمد بن يحيى ابن حبان، عن يحيى بن عمارة، عنه، ذَكره في موضعين:
في باب بيان مبلغ ما تجب فيه الزكاة في الورق والإبل والتمر 3.
وفي باب ذكر الخبر الدال على إيجاب الزكاة في كل حب اتخذ منه الطعام ويدخر له، إذا بلغ خمسة أوسق 1، أفاد في الموضع الثاني ذكر اسم شيخه الحسن بن عفان، على حين قال في الموضع الأول: ابن عفان، واختصر الإسناد في الموضع الثاني.
والقسم الثاني -وهو ما أورده في موضعين فأكثر بإسناد واحد ولفظ واحد، ولم يذكر فائدة أخرى- تحته حديث واحد، وهو:
حديث أبي قتادة الأنصاري رضي الله عنه، من طريق مهدي ابن ميمون، وأبان العطار، كلاهما عن غيلان بن جرير، عن عبد الله بن معبد، عن أبي قتادة، بذكر صوم يوم الاثنين والخميس، أورده في موضعين بالإسناد والمتن:
في باب ذكر الأخبار الدالة على حظر صوم الدهر إلخ 2.
وفي باب فضيلة صوم يوم عرفة وثوابه، وثواب صوم يوم عاشوراء إلخ 3.
فهذا ليس فيه فائدة أخرى إلا ما تضمنه ذكره في باب آخر من زيادة استنباط من فقه الحديث.
وأما القسم الثالث، فتحته أحاديث كثيرة، وهو في الحقيقة ليس تكرارًا
لأنه من قبيل ما أشير إليه أن من منهجه أنه يفرق طرق الحديث الواحد والتي يوردها الإمام مسلم مجتمعة، فيجعلها في عدة أبواب حسب كثرة ما يستنبط منها من الأحكام، وسأذكر هنا حديثًا واحدًا، وهو: حديث أبي هريرة: "أفضل الصيام بعد شهر رمضان شهر الله المحرم، وأفضل الصلاة بعد الفريضة صلاة الليل"، ذكره في موضعين: في باب ذكر الأخبار التي تعارض حظر سرد الصوم، والدليل على إبطال فضيلة صوم رجب، قال: حدثنا أحمد بن عبد الحميد الحارثي، حدثنا حسين الجعفي، عن زائدة، عن عبد الملك بن عمير، عن محمد بن المنتشر، عن حميد الحميري، عن أبي هريرة، سأل رجل رسول الله -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، أي الصلاة أفضل بعد المكتوبة؟ قال: "الصلاة في جوف الليل"، قال: فأي الصوم أفضل بعد رمضان؟ قال: "شهر الله الذي تدعونه المحرم" 1. وفي باب ذكر الخبر الذي يبين أنه ليس في السنة شهر يصام فيه بعد رمضان أفضل من المحرم إلخ، قال: حدثنا أبو الأحوص، صاحبنا، أخبرنا سعيد بن منصور، حدثنا أبو عوانة، عن أبي بشر، عن حميد بن عبد الرحمن الحميري، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: "أفضل الصيام بعد شهر
رمضان ... " فذكره (1). فنستخلص أن الحافظ أبا عوانة غاير منهج الإمام مسلم حيث كرر أحاديث بإسناد واحد في عدة مواضع، إلا أنه اتبع صنيع الإمام البخاري في ذلك حيث لا يتعرى موضع التكرار من فائدة إسنادية أو متنية، وأما الحافظ أبو نعيم فهو ماش على منهج الإمام مسلم، وليس عنده حديث مكرر بالإسناد الواحد في موضعين فأكثر، وفق ما في القسم الموافق للقسم الذي جرت عليه المقارنة، إلا الحديث الذي كرره مسلم، سواء بسواء (2)، والله أعلم.
المطلب الثالث: اختصار وتقطيع الحديث
: اختصار الحديث هو رواية بعض متن الحديث الواحد في موضع دون أن يذكر البعض الآخر في موضع آخر، وتقطيعه هو ذكر أجزاء الحديث الواحد المشتمل على عدة أحكام، كل جزء على حدة، بحسب الاحتجاج به في الأبواب 3، فأما الاختصار فمذهب الجمهور والذي صححه غير12
واحد هو القول بجوازه بشروط، وهي:
1 - أن يكون عارفًا واعيًا لما يغير المعنى وما لا يغيره من الزيادة والنقصان.
2 - أن يكون ما تركه متميزًا عما نقله غير متعلق بما رواه، بحيث لا يختل البيان ولا تختلف الدلالة، كالمستثنى مع المستثنى منه، وكالشرط مع المشروط.
3 - أن ترتفع منزلته عن التهمة، بحيث لو رواه بعد ذلك بذكر المحذوف لم يتهم بالغفلة وقلة الضبط 1.
وأما التقطيع، فقالوا هو إلى الجواز أقرب ومن المنع أبعد 2، وكلا الصنيعين قد نقل فعلهما عن الأئمة، وقد أكثر منهما الإمام البخاري في الصحيح، بخلاف الإمام مسلم، حتى إن بعض الحفاظ صرح بأن ظاهر صنيعه منع التقطيع 3، وسيأتي من أمثلته عنده ما يثبت نقيض ما ذكره، وإنما اختلف صنيع الإمامين لأن الإمام مسلمًا تعمَّد جمع الطرق كلها في مكان واحد، ولم يتصد لما تصدى له البخاري من استنباط الأحكام، ولزم