18 - سمع بحران 1 من: أبي عمر إمام مسجد حران 2. 19 - سمع بالرُّها 3 من: عبد السلام بن أبي فروة الرهاوي 4. 20 - سمع بالرافقة 5 من: علي بن إسحاق العصفري المخضوب، وأبي الأزهر بكر بن محمد بن بكر الهروي 6. 21 - سمع بحلب من: أبي جعفر الخزاز 7. 22 - سمع بالمِصِّيصَة 8 من: يوسف بن سعيد بن مسلم،
وهارون بن داود بن الفضل 1.
23 - سمع بطَرَسوس 2 من: أبي سليمان إمام مسجد طرسوس 3.
24 - سمع بأنطاكية 4 من: محمد بن إبراهيم الصوري الضرير، ومحمد ابن سليمان البصري 5.
25 - سمع بحمص من: أحمد بن علي بن سعيد البغدادي، وأحمد ابن = من ثغور الشام بين أنطاكية وبلاد الروم تقارب طرسوس.
انظر: معجم البلدان (5/ 161). وطرسوس والمصيصة تقعان بالقرب من الساحل الشمالي لخليج إسكندرونة على خمسة فراسخ من أذنة.
انظر: بلدان الخلافة الشرقية (161 - 162)، الروض المعطار (554).
الفرج بن سليمان أبي عتبة الحجازي، وعطية بن بقية بن الوليد 1. 26 - سمع بدمشق -وقد دخلها عدة مرات 2 - من: أبي زرعة عبد الرحمن بن عمرو الدمشقي، وأحمد بن إبراهيم بن هشام الملاس، ويزيد ابن محمد بن عبد الصمد وغيرهم 3. 27 - سمع بقَيْسَارِيَّة 4 من: عمرو بن عثمان بن العباس بن الوليد الهجيمي 5. 28 - سمع بالرَّمْلَة 6 من: جعفر بن محمد بن أبي الفضل القلانسي، ومحمد بن عبد الحكم القطري، وموهب بن يزيد الرملي 7. 29 - سمع ببيت المقدس من: أحمد بن مسعود الخياط، ومحمد ابن
النعمان بن بشير 1.
30 - سمع بعَسْقَلان 2 من: أبي توبة مؤذن مسجد الجامع بها، ومن: آدم بن أبي إياس 3، ومحمد بن عبد الوهاب العسقلاني.
وقد ذكر أبو عوانة أنه قدم عسقلان ثلاث مرات 4.
31 - سمع بأيلة 5 من: أبي سليمان داود بن سليمان بن أبي حجر 6.
32 - سمع بالمدينة النبوية من: محمد بن الحارث بن صالح المخزومي 7.
33 - سمع ببدر من: أبي محمد عبد الله بن محمد الأنصاري البلوي 8.
34 - سمع بمكة من: محمد بن علي بن زيد الصائغ، ومحمد
ابن عبد الله بن يزيد المقرئ، ومحمد بن إسحاق بن شَبُويه السجستاني، ووحشي محمد بن محمد الصُّوري، ونصر بن زكريا البلخي، ومحمد بن حماد الطِّهْراني 1، وقد ذكر أبو عوانة أنه حجَّ خمس مرات 2. 35 - سمع بصنعاء اليمن من: محمد بن مهل الصنعاني، ومحمد ابن على الصنعاني، والمسلم بن بشير بن عروة العوجري في كنيسة أبرهة 3. 36 - سمع في مدينة الفسطاط بمسجدها 4 من أبي الحسين محمد بن الحسين الأزدي 5. 37 - سمع بمصر من: إسحاق بن إبراهيم بن يونس البغدادي، وأحمد بن عبد الله بن صدقة، ويونس بن عبد الأعلى الصدفي، ومحمد وسعيد ابني عبد الحكم وطاهر بن خالد بن نزار، وعلي بن شيبة 6.
وفيها تلقى أبو عوانة علوم الشافعي وسمع كتبه من إسماعيل بن يحيى المزني والربيع بن سليمان المرادي ثم عاد إلى إسفرايين وأظهر بها مذهب الشافعي، وكان أول من أظهره هناك 1 وظل ينشر العلم إلى أن توفي بها رحمه الله تعالى على ما سنذكره في وفاته إن شاء الله تعالى.
وهكذا نجد أبا عوانة قد طاف أقطار الدولة الإسلامية وتعب في كتابة الحديث، ولم يأل جهدًا في ذلك وصار إلى القرى بله المدن، وكان إذ يلتقي بالعلماء يذاكرهم ويدارسهم بما سمعه من شيوخ تلك البقاع التي زارها، ومن ذلك لقاؤه بأبي حاتم محمد بن إدريس الرازي.
قال أبو عوانة: سألني أبو حاتم ما كتبت بالشام قدمتي الثالثة، فأخبرته بكتبتي مائة حديث لأحمد بن يحيى بن حمزة كلها عن أبيه، فساءه ذلك وقال: سمعت أنَّ أحمد يقول: لم أسمع من أبي شيئًا.
فقلت: لا يقول "حدثني أبي" إنما يقول: "عن أبيه إجازة" 2. ومن ذلك أيضًا مناقشته للمزني وبيان أدلته في مسألة الإيمان والإسلام هل هما بمعنى واحد أم لا؟ 3.
ويبدو أن أبا عوانة قد شغله علم الحديث فأنفق حياته في تطلبه وكتابته، ومن ثَمَّ بَرَز فيه وأصبح إمامًا يرحل إليه، ويعتنى بسماع حديثه
وجمعه، ولرب حديث يرويه أبو عوانة من نحو سبعين طريقًا عن عدد من الشيوخ متفرقين في الأمصار كما في حديث ابن عمر - رضي الله عنه - في الغسل يوم الجمعة فيما سَيُبيَّن في أهمية الكتاب إن شاء الله تعالى.
المبحث الرابع: شيوخه
:
رحلات أبي عوانة مكنته من لقاء طائفة كبيرة من الأئمة والحفاظ والنقاد ولكثرتهم نجد ابن الصلاح يقول بعد تسميته لبعضهم: "خلقًا يُسئم تعدادهم" 1.
وسمَّى الذهي عدة منهم ثم قال: "وخلقًا كثيرًا، وينزل إلى أن يروي عن عبد الله بن أحمد (ت 290 هـ)، وعبد الرحمن بن خراش (283 هـ)، وعَبْدَان عبد الله بن أحمد بن موسى الأهوازي" (ت 306 هـ) 2.
ولذا يسوغ القول بأن ذكر أبي عوانة لبعض شيوخه بما لم يشتهروا به لا يُقْصَد منه إيهام كثرة الشيوخ، بل هو من التنويع في تسميتهم وعدم ذكرهم على صفة واحدة.
ومن ذلك تسميته لأبي داود السجستاني بالسِّجْزِي وهي نسبة على غير القياس 3.
وقد حظي أبو عوانة بلقاء طائفة من جهابذة الحديث وفرسانه أمثال:
1 - محمد بن يحيى الذهلي (ت 258 هـ).
2 - محمد بن يحيى بن موسى الإسفراييني حَيويه (ت 259 هـ).
3 - الحسن بن محمد بن الصبَّاح الزعفراني صاحب الشافعي (ت 260 هـ). 4 - مسلم بن الحجاج النيسابوري القشيري (ت 261 هـ). 5 - إسماعيل بن يحيى المزني تلميذ الشافعي (ت 264 هـ). 6 - أبو زرعة عبيد الله بن عبد الكريم الرازي (ت 264 هـ). 7 - يونس بن عبد الأعلى الصدفي (ت 264 هـ). 8 - السُّلمي أحمد بن يوسف الأزدي (ت 264 هـ). 9 - على بن حرب الطائي (ت 265 هـ). 10 - يونس بن حبيب بن عبد القاهر الأصبهاني (ت 267 هـ). 11 - محمد بن إسحاق الصاغاني (ت 270 هـ). 12 - محمد بن عثمان بن عبد الله بن وارة الرازي (ت 270 هـ). 13 - فَضْلَك: الفضل بن عباس الصائغ (ت 270 هـ). 14 - الربيع بن سليمان المرادي صاحب الشافعي (271 هـ). 15 - يوسف بن سعيد بن مسلَّم المصيصي (ت 271 هـ). 16 - سليمان بن سيف الطائي مولاهم أبو داود الحراني (ت 272 هـ). 17 - عباس بن محمد الدوري البغدادي (ت 271 هـ). 18 - أبو داود سليمان بن الأشعث السِّجِسْتاني (ت 275 هـ). 19 - أبو حاتم محمد بن إدريس الحنظلي الرزاي (ت 277 هـ). 20 - يعقوب بن سفيان الفسوي (ت 277 هـ). 21 - ابن أبي خيثمة أحمد بن زهير النسائي البغدادي (ت 279 هـ).
22 - إبراهيم بن الحسين بن علي بن ديزيل (ت 281 هـ).
23 - إبراهيم بن إسحاق الحربي (ت 285 هـ).
24 - أحمد بن شعيب النسائي (ت 303 هـ).
وأمثالهم من حفاظ عصره.
ولقي جماعة آخرين دون أولئك ممن يجمع حديثهم ويُحتج بهم أمثال:
25 - أحمد بن عبيد الله بن أبي رجاء الثَّغْري الطَرَسُوسِي المصِّيصِي (توفي في حدود 250 هـ).
26 - أيوب بن إسحاق بن سافري (ت 260 هـ).
27 - علي بن الحسين بن إبراهيم بن إشكاب العامري (ت 261 هـ).
28 - على بن سهل الرملي (ت 261 هـ).
29 - محمد بن إسحاق بن شَبُويه المروزي (ت 262 هـ).
30 - إبراهيم بن أبي بكر بن أبي شيبة (ت 265 هـ).
31 - محمد بن عبد الملك الدقيقي الواسطي (ت 266 هـ).
32 - أحمد بن عبد الحميد الحارثي (ت 269 هـ).
33 - إبراهيم بن مرزوق الأموي البصري (ت 270 هـ).
34 - العباس بن الوليد بن مَزْيَد العُذْرِي (ت 270 هـ).
35 - على بن عثمان النفيلي (ت 272 هـ).
36 - أحمد بن عصام الأصبهاني (ت 272 هـ).
37 - محمد بن عبيد الله بن المنادي (ت 272 هـ).
38 - أبو أمية محمد بن إبراهيم بن مسلم الخزاعي الطرسوسي (ت 273 هـ).
39 - محمد بن إسماعيل بن سالم الصائغ الكبير البغدادي نريل مكة (ت 276 هـ).
40 - هلال بن العلاء بن هلال الباهلي الرقي (ت 280 هـ).
41 - إسحاق بن إبراهيم بن عبَّاد الدَّبَري الصنعاني (ت 285 هـ).
42 - عمر بن شَبَّة النُّمَيْري (ت 292 هـ).
وأضراب هؤلاء ممن يحتج بهم.
وهذان الضربان هم جل من روى عنهم أبو عوانة في هذا الكتاب.
وله رواية نادرة عن بعض الشيوخ الضعفاء والمتروكين، منهم: يزيد بن محمد بن يزيد بن سنان الرُّهاوي، ومحمد بن نَهَار بن أبي المُحَيَّاة، وأحمد بن محمد بن يحيى الحضرمي الدمشقي، والكُديمي محمد ابن يونس بن موسى.
وروى عن أبي محمد عبد الله بن محمد الأنصاري البلوي حديثًا واهيًا في زياداته على مسلم، وعلته البلوي.
ولوى حديثًا واحدًا عن أبي الأحوص إسماعيل بن إبراهيم أورده عنه موصولًا، ومعلقًا من طريق عمر بن مُدْرِك القاصّ، وكلاهما قد رميا بالكذب لكن لحديثهما عنده طرقًا أخرى صحيحة.
وثمة شيوخ للمصنِّف لم نظفر فيهم بجرح أو تعديل، منهم:
1 - أبو القاسم عبد الله بن شعيب الحراني.
2 - طاهر بن عمرو بن الربيع المصري.
3 - أبو بكر محمد بن أحمد الذَّارع.
وقد ذكر الحافظ ابن حجر في نكته 1 أنّ من فوائد المستخرجات: "الحكم بعدالة من أخرج له فيه -أي صاحب المستخرج-، لأن المُخَرِّج على شرط الصحيح يلزمه أن لا يُخَرِّج إلا عن ثقة عنده، فالرجال الذين في المستخرج ينقسمون أقسامًا:
أ- فمنهم من ثبتت عدالته قبل هذا المُخَرِّج، فلا كلام فيهم.
ب- ومنهم من طعن فيه غير هذا المُخَرِّج فينظر في ذلك الطعن إن كان مقبولًا فيقدم وإلا فلا.
جـ- ومنهم من لا يعرف لأحد قبل المخرج فيه توثيق ولا تجريح فتخريج من يشترط الصحة لهم ينقلهم من درجة من هو مستور إلى درجة من هو موثوق، فيستفاد من ذلك صحة أحاديثهم التي يروونها بهذا الإسناد ولو لم يكن في ذلك المستخرج والله أعلم".
وكلام الحافظ منطبق على كتاب أبي عوانة هذا لاشتراطه الصحة كما سيأتي في تسمية الكتاب إن شاء الله تعالى.
المبحث الخامس: تلاميذه
: حدَّث عن أبي عوانة جماعة منهم: 1 - إبراهيم بن إسحاق بن يوسف الأنصاري الأنماطي (ت 303 هـ) 1. 2 - أبو الحسن محمد بن محمد بن يحيى بن عامر الفقيه الصَّفار الإسفراييني (ت 345 هـ) 2. 3 - أبو الوليد حسان بن محمد بن أحمد النيسابوري الفقيه (ت 349 هـ) 3. 4 - أبو علي الحسين بن علي بن يزيد النيسابوري الحافظ (ت 349 هـ) 4. 5 - يحيى بن منصور بن يحيى قاضي نيسابور (ت 351 هـ) 5. 6 - سليمان بن أحمد الطبراني (ت 360 هـ) 6.
7 - أبو أحمد عبد الله بن عدي بن عبد الله الجرجاني (ت 365 هـ) 1. 8 - أحمد بن علي الحنفي الرازي الحافظ (ت 370 هـ) 2. 9 - أبو بكر أحمد بن إبراهيم بن إسماعيل الجرجاني الإسماعيلي (ت 371 هـ) 3. 10 - الحسين بن علي التميمي النيسابوري حُسَيْنَك (ت 375 هـ) 4. 11 - أبو أحمد محمد بن أحمد بن حسين الغطريفي (ت 377 هـ) 5. 12 - وسمع منه ابنه أبو مصعب محمد، وابن ابنه شافع (ت 378 هـ). وجماعة آخرون خاتمتهم ابن ابن أخته أبو نعيم عبد الملك بن الحسن الإسفراييني، وقد أجاز له أبو عوانة ولجماعة معه بجميع كتبه ومسموعاته، وقد تقدم بيان ذلك في الكلام على أسرة أبي عوانة.
المبحث السادس: مكانته العلمية وثناء العلماء عليه
: أبو عوانة إمام أطبق العلماء على إمامته وجلالته، والثناء عليه فمن ذلك: قول الحاكم أبي عبد الله فيه: "من علماء أصحاب الحديث وأثباتهم، ومن الرحالة في أقطار الأرض لطلب الحديث" 1. وقال السمعاني: "من مشاهير المحدثين أبو عوانة يعقوب بن إسحاق ابن إبراهيم بن يزيد الإسفراييني الحافظ، أحد حفاظ الدنيا، ومن رحل في طلب الحديث وعني بجمعه وتعب في كتابته .. وكان زاهدًا عفيفًا متعبدًا متقللًا" 2. وقال ياقوت الحموي: "أحد الحفاظ الجوالين ... وكان من أهل الاجتهاد والطلب والحفظ" 3. وقال ابن خَلِّكَان: "كان أبو عوانة أحد الحفاظ الجوالين المكثرين" 4. وأثنى عليه الذهبي في كتبه، فقال في التذكرة: "الحافظ الثقة الكبير" 5. وقال في العبر: "وكان مع حفظه فقيهًا شافعيًا إمامًا" 6.
وقال في السير: "الإمام الحافظ الكبير الجوَّال ... أكثر الترحال، وبرع في هذا الشأن، وبذَّ الأقران" 1. وذكره فيمن يعتمد قوله في الجرح والتعديل 2. وقال اليافعى: "كان مع حفظه فقيهًا شافعيًّا" 3. وقال السبكي: "الحافظ الكبير الجليل" 4. وقال الإسنوي: "كان إمامًا كبيرًا، عالمًا، حافظًا، رحالًا إلى الآفاق" 5. وقال ابن كثير: "كان من الحفاظ المكثرين والأئمة المشهورين" 6. وقال ابن تغري بردي: "الحافظ المحدث، كان إمامًا، طاف البلاد ... وكان زاهدًا عابدًا رضي الله عنه" 7. وقال ابن العماد: "ثقة جليل .. وكان مع حفظه فقيهًا شافعيًّا إمامًا" 8.
المبحث السابع: عقيدته
:
كان -رحمه الله تعالى- على العقيدة السلفيَّة: عقيدة أهل السنَّة والجماعة في جميع أبواب الاعتقاد.
ومن أظهر الأدلة على عقيدته تراجمه المفصَّلة لأبواب العقيدة، في كتاب الإيمان، وقد عقد -رحمه الله تعالى- أبوابًا في الردِّ على الجهمية في نهاية كتاب الإيمان مما يدلُّ على أنه لم يكن معتقدًا لعقيدة السلف فحسب؛ بل كان داعيةً إليها، غيورًا عليها، منافحًا عنها، بدأ بتراجم كتاب الإيمان، فترجم في الباب الأول لإثبات القدر وشرائع الإيمان، وفيه: الردُّ ضمنًا على أوَّل بدعة ظهرت في الإسلام وهي: نفي القدر.
ثم ترجم -من الباب الثاني إلى الباب السابع والعشرين- لماهية الإسلام والإيمان ومستلزماتهما، ومسائل الإيمان من أنّه قول وعمل واعتقادٌ، وأنّه يزيد وينقص، وبيان المعاصي التي يخرج صاحبها من الإيمان حال ارتكابها، وبيان الأعمال والأخلاق التي تُضَاد الإيمان، ونحو ذلك من مسائل الإيمان.
ثم أشار -رحمه الله تعالى- في الباب الثامن والعشرين والباب التاسع والعشرين -إلى عقيدة أهل السنة والجماعة فيمن يدخل الجنة، وضمَّنها إثبات الشفاعة للنبي - صلى الله عليه وسلم - التي تنكرها بعض الطوائف المخالفة لأهل السنة والجماعة.
وفي الباب الثلاثين إلى الباب الثاني والثلاثين ترجم لأشراط الساعة،
والأمور التي تسبق أهوال القيامة وهي من المغيَّبات التي يؤمن بها أهل السنة والجماعة.
ثم تعرَّض -في الباب الثالث والثلاثين والرابع والثلاثين- لصفة مبعث النبي - صلى الله عليه وسلم -، وأحواله قبل البعثة، ونشأته - صلى الله عليه وسلم - وما كان فيها من أحوال وأمورٍ أهَّلته - صلى الله عليه وسلم - للنبوة، وتلقي الرسالة من غسل قلبه - صلى الله عليه وسلم - بماء زمزم، ثم ذكر الإسراء والمعراج وما لقي في السموات من الأنبياء، وفرض الصلوات، وغير ذلك.
ثمَّ ابتدأ -من الباب الخامس والثلاثين إلى نهاية كتاب الإيمان- بعقد أبوابٍ في الردِّ على الجهمية أثبت -من خلالها- عقيدة أهل السنة والجماعة في الجنة والنار وأنهما مخلوقتان موجودتان وإثبات عذاب القبر، ونحوها من المغيَّبات.
وعقيدتهم في الأسماء والصفات من أنهم يثبتون لله عز وجل ما أثبته لنفسه، وما أثبته له رسوله - صلى الله عليه وسلم - من غير توهُّم تشبيه أو تكييف، ومن غير تعطيل أو تأويل.
ثم تعرَّض ضمن تراجمه في تلك الأبواب لمسألة رؤية الله سبحانه وتعالى في الآخرة، ولشفاعة النبي - صلى الله عليه وسلم -، والأنبياء عليهم الصلاة والسلام، والمؤمنين، وصفة الشفاعة، ومن يستحقُّها، وصفة الصراط، ومن يخرج من النار، ومن يخلَّد فيها، ونحو ذلك مما تجده في تلك الأبواب المشار إليها.
وتلك التراجم التي أثبت فيها اعتقاد أهل السنة والجماعة في تلك
المسائل، شملت -ضمنًا- الردَّ على ألوانٍ من البدع التي خالف أصحابها أهل السنة والجماعة، كالقدرية، والمرجئة، والجهمية، والمعتزلة، والخوارج ومن سلك مسلكهم.
كلُّ منصفٍ يتأمَّل تراجمه وعباراته يجزم بأنَّه -رحمه الله تعالى- كان على عقيدة صحيحة نقية من الشوائب والبدع.
ومما يدل على ذللث أيضا مقدمته للكتاب فقد قال في مستهل كتابه: "وسمعت بعض أصحابنا يذكر هذا التحميد، فقال: الحمد لله الذي ابتدأ الخلق بنعمائه، وتغمَّدهم بحسن بلائه، فوفق كلَّ امرئٍ منهم في صباه على طلب ما يحتاج إليه من غذائه، وسخَّر له من يكلؤه إلى وقت استغنائه، ثم احتجَّ على من بلغ منهم بآلائه وأعذر إليهم بأنبيائه، فشرح صدر من أحبَّ هداه من أوليائه، وطبع على قلب من لم يُرِدْ إرشاده من أعدائه، الذي لم يزل بصفاته وأسمائه الذي لا يشتمل عليه زمان، ولا
يحيط به مكان، ثم خلق الأماكن والأزمان، ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾ 1، فقدَّرها أحسن تقدير، واخترعها عن غير نظير، لم يرفعها بعَمَدٍ، ولم يستعن عليها بأحد، زيَّنها للنَّاظرين، وجعل فيها رجومًا للشياطين، فتبارك الله أحسن الخالقين، تعالى عن أن يُطْلَقَ في وصفه آراء المتكلِّفين، أو أن يُحَكَّمَ في
دينه أهواء المقلِّدين، فجعل القرآن إمامًا للمتَّقين، وهدى للمؤمنين، وملجأ للمتنازعين، وحاكمًا بين المختلفين، ودعا أولياءه المؤمنين إلى اتِّباع تنزيله، وأمر عباده عند التَّنارع في تأويله بالرجوع إلى قول رسوله - صلى الله عليه وسلم -، بذلك نطق محكم كتابه، إذ يقول جلَّ ثناؤه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ 1. أحمده حمدًا يبلغ رضاه، ويَحْتبِس آلاه، ويكافي نعماه، وأستعينه على رعاية ما استحفظنا من ودائعه، وحفظ ما استودعنا من شرائعه، وأؤمن به إيمان من أخلص عبادته، واستشعر طاعته، وأتوكل عليه توكل من انقطع إليه، ثقةً به، ورغبةً فيما لديه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، شهادة معترفٍ له بالربوبية والتوحيد، مقرٍ له بالعظمة والتمجيد، خائفٍ من إنجاز ما قُدِّم إليه من الوعيد، وأشهد أن محمَّدًا عبده ورسوله، اصطفاه لنفسه وليًّا، وارتضاه لخلقه نبيًّا، فوجده على حفظ ما ضَمَّنه قويًّا، وبأداء ما استودعه مليًّا، وبالدعاء إلى ربه حَفيًّا، متوقِّفًا عند ورود المشكلات، مشمِّرًا عند تجلِّى الشبهات، لا يرعوي لمن عذله، ولا يلوي على من خذله، ولا يطيع غير من أرسله، يصدع بالأمر، ويطفي نار الكفر لم تأخذه في الله لومة لائم.
وإنَّ فَرْضَ الله اتباع أمر رسوله، والتسليم لحكمه، فإن الله لم يجعل لأحد بعده إلَّا اتباعه، وأنه لا يلزم قولٌ بكل حالٍ إلا بكتاب الله عز وجل أو سنَّة رسوله - صلى الله عليه وسلم -، وأنَّ ما سواهما تَبَعٌ لهما، وأنَّ فَرْضَ الله علينا وعلى من بعدنا وقبلنا في قبول الخبر عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -" 1.
فهذا التحميد فيه الإيمان بربوبية الله، فهو الخالق الرازق المدبِّر المسخِّر ... ، والإيمان بألوهية الله عز وجل، والتسليم لأمره، وأمر رسوله - صلى الله عليه وسلم -، وردِّ الأمر عند التنارع إلى شرع الله لا في اتباع الرأي والهوى.
وفيه أيضًا الإيمان بأسماء الله وصفاته، فالله مستوٍ على عرشه، بائن من خلقه استواءً يليق بجلاله وعظمته.
وأن فرض الله اتباع أمر رسوله، والتسليم لحكمه، فإن الله لم يجعل لأحد بعده إلَّا اتباعه، وأنه لا يلزم قولٌ بكلِّ حال إلا بكتاب الله أو سنة رسوله - صلى الله عليه وسلم -، وما سواهما تبعٌ لهما ....
إلى غير ذلك مما يستنبط من هذا التحميد مما عليه أهل السنة والجماعة.
ومما يدل على نقاء اعتقاده -رحمه الله- ونصرته لعقيدة أهل السنة ما أورده الذهبي في ترجمة أبي خليفة الفضل بن الحباب الجمحي البصري حيث قال: "قال أبو نعيم عبد الملك بن الحسن الإسفراييني -ابن أخت
أبي عوانة 1 -: سمعت أبي يقول لأبي علي النيسابوري الحافظ: دخلت أنا وأبو عوانة البصرة، فقيل: إنَّ أبا خليفة قد هُجِر، ويُدَّعى عليه أنه قال: القرآن مخلوقٌ.
فقال أبو عوانة: يا بُنيَّ! لا بدَّ أن ندخل عليه.
قال: فقال له أبو عوانة: ما تقول في القرآن؟ فاحمرَّ وجهه وسكت.
ثم قال: القرآن كلام الله غير مخلوق.
ومن قال مخلوق، فهو كافر، وأنا تائب إلى الله من كل ذنب إلا الكذب، فإني لم أكذب قط، أستغفر الله.
قال: فقام أبو عليِّ إلى أبي فقبل رأسه.
ثم قال أبي: قام أبو عوانة إلى أبي خليفة، فقبَّل كتفه" 2.
ونحو هذا ما ذكره -أيضًا- عن الحكم قال: سمعت يحيى بن منصور القاضي يقول: سمعت أبا عوانة -رحمه الله- يقول: دخلت على أبي إبراهيم المزني في مرضه الذي مات فيه فقلت له: ما قولك في القرآن؟ قال: كلام الله غير مخلوق.
فقلت: هلا قلت هذا قبل هذا؟! قال: لم يزل هذا قولي فيه لأنَّ الشافعي كان ينهانا عن الكلام فيه -يعني البحث والجدال في ذلك- 3.
وهكذا يكون أثر العلم على أهله إذ جعلوا كتاب الله وسنة نبيِّه محمد - صلى الله عليه وسلم - نورًا وإمامًا، واتبعوا ولم يبتدعوا.
المبحث الثامن: دراسة فقه المصنف من خلال تراجم أبوابه
:
لم تقف شخصية أبي عوانة عند معرفة الحديث وحفظه وروايته، بل اتسعت دائرته العلمية إلى ما هو أكثر من ذلك، فقد كان مع حفظه -رحمه الله- فقيها مجتهدا، ولا شك أن هذا يعد من الخصال العزيزة التي قل أن تجتمع في عالم واحد، أعني الجمع بين الفقه والحديث على وجه التوسع، حتى قال الإمام الشافعي -رحمه الله- لأحد تلامذته: "تريد أن تحفظ الحديث وتكون فقيها؟ هيهات، ما أبعدك من ذلك" 1.
قال البيهقي -رحمه الله- معلِّقًا على قولِ الشافعي: إنما أراد به حفظه على رسم أهل الحديث، من حفظ الأبواب والمذاكرة بها وذلك علم كثير، إذا اشتغل به فربما لم يتفرغ إلى الفقه .. " 2.
لكن الله تبارك وتعالى قد منّ بهذا على خلق من عباده، كان منهم الحافظ أبو عوانة -رحمه الله-.
وقد مرَّ الإمام أبو عوانة -رحمه الله- بمراحل في تعلم الفقه والإمامة فيه.
فأما المرحلة الأولى: فهى التفقه بفقه الشافعي وأخذه عن كبار أصحاب الشافعي، فسمع كتب الشافعي من إسماعيل بن يحيى المزني 3
صاحب المختصر، والربيع بن سليمان المرادي 1، وكانا من كبار تلاميذ الشافعي والآخذين عنه 2.
ولما عاد أبو عوانة إلى إسفرايين؛ أظهر هناك فقه الشافعي ونشره بين الناس، وعده المؤرخون أول من أدخل فقه الشافعي إلى تلك الناحية، كما نص على ذلك الذهبي 3، والسبكي 4، والسخاوي 5 وغيرهم.
ومن خلال النظر إلى هذه المرحلة وكونها أخذت حقبة من الزمن من حياة الإمام أبي عوانة -رحمه الله-، نجد عناية أئمة الشافعية بشخصيته واعتباره من فقهائهم وأئمة المذهب عندهم، فقد نص غير واحد من الأئمة على انتسابه إلى المذهب الشافعي:
قال الذهبي: "وكان مع حفظه فقيها شافعيًّا إمامًا" 6.
كذا قال اليافعي 7 وابن العماد 8 وغيرهم، وترجم له في كتب
طبقات الشافعية 1، والحافظ ابن حجر يذكره ضمن فقهاء الشافعية 2.
وأما المرحلة الثانية: فهي بلوغ أبي عوانة -رحمه الله- درجة الإمامة وحسن النظر في الأدلة، التي من خلالها استطاع أن يستنبط الأحكام من الأحاديث، ومما يدل على ذلك صنيعه في تراجم أبواب كتابه المستخرج، التي أبانت عن فقه وحسن نظر في الأحاديث ودلالاتها، ولذلك تعددت اختياراته -رحمه الله-، فتارة يوافق الجمهور، وتارة يخالفهم، وتارة يوافق الإمام الشافعي ويتأثر بمذهبه، وتارة يخالفه.
وهذا كله بحسب الاجتهاد في كل مسألة بالنظر للأدلة والنصوص.
ولتقرير ذلك نحتاج إلى عرض جملة من الأبواب والتراجم ليظهر للقارئ فقه أبي عوانة في تراجمه في المستخرج:
أولًا: الأبواب المتعلقة بالأحكام الفقهية.
ثانيًا: الأبواب المتعلقة بالعقائد والآداب والفضائل وغيرها.
أما ما يتعلق بالأحكام الفقهية فيمكن تقسيمه قسمين:
القسم الأول: الاختيارات التي وافق فيها أبو عوانة -رحمه الله- مذهب الإمام الشافعي -رحمه الله-، ومن الأمثلة على ذلك:
ذكر أبو عوانة -رحمه الله- في كتاب البيوع أنه لا يجوز بيع الثمر حتى يبدو صلاحه 1 وهو:
1 - في النخل وما شابهه من الثمار أن تحمر أو تصفر أو يطيب أكله.
2 - في الزرع حتى يبيضّ، ويأمن العاهة.
قال الشافعي -رحمه الله-: "ولا يحل بيعه قبل أن يبدو صلاحه"،
وقال مبينا معنى الصلاح كما جاء في الحديث: "أن يحمر ويصفرّ"، ثم بين بدوّ الصلاح في كل ثمرة 2، ثم ذكر أبو عوانة مسألة لها تعلق بهذه المسألة، وهي بيع الزرع قبل أن يسنبل بأنه يجوز إذا أراد قطعه في الحال، وقد نص على هذا الإمام الشافعي 3.
وقال -رحمه الله- باب حظر بيع المعاومة 4، فبين أبو عوانة -
رحمه الله- أنَّ هذا البيع ممنوعٌ لما فيه من الغرر، والجهالة، وبه قال الشَّافعي 1. قال أبو عوانه -رحمه الله-: "بيان الحكم في نفقة المرأة على زوجها إذا حبسها عنها، والإباحة لها أخذها من ماله بالمعروف ولولدها من غير علمه" 2، وهذا مذهب الشافعي 3. قال أبو عوانة -رحمه الله-: "وبيان حظر أخذ الإبل الضوال، والدليل على أنّه إنْ أخذها وجب ردُّها على صاحبها، وإنْ ذهبت منه أو استهلكها وجب عليه ردُّ قيمتها عليه، وعلى أَنّ البعير إذا كان بمهلكة لا ماء عنده جاز له أخذه ليردّه على صاحبه ... " 4. قال الشافعي -رحمه الله-: "وإذا وجد الرجل ضالة الإبل لم يكن له أخذها، فإن أخذها ثمّ أرسلها حيث وجدها فهلكت، ضمن لصاحبها قيمتها ... " 5. ومن ذلك قوله -رحمه الله- في كتاب الصيد: "باب بيان إباحة صيد
دواب البحر .... " 1.
فهذا التبويب من المصنف يدل على أنه يذهب إلى جواز صيد دواب البحر مطلقا، حيث لم يخص بكلامه دابة من دابة، وهو مذهب الإمام الشافعي الذي نص عليه في كتاب الأم: قال -رحمه الله-: "كل ما كان يعيش في الماء من حوت أو غيره بم فأخذه ذكاته" 2.
القسم الثاني: الاختيارات التي خالف فيها أبو عوانة -رحمه الله- مذهب الإمام الشافعي -رحمه الله-.
فقد كان يجتهد في بعض المسائل، وربما كان ذلك خلاف قول الشافعي ومذهبه، وهذه بعض أمثلةٍ على ذلك:
1 - ترجم في الباب الثاني من كتاب الطهارة بإيجاب حلق العانة، وقص الشارب، وتقليم الأظفار، وقف الإبط، والتوقيت فيها، ومنه الختان، والسواك، وغسل البراجم وانتقاص الماء.
والشافي -رحمه الله- تعالى لا يقول بالوجوب في بعض ذلك كنتف الإبط، وتقليم الأظفار، كما أشار إليه النووي -رحمه الله- في شرح مسلم 3.
وقال -رحمه الله- في كتاب الصلاة باب: "الدليل على إجازة صلاة الشاك فيها إذا كان أكثرُ وَهْمِه أنه الصواب، وإن لم يرجع إلى يقينه، إذا سجد سجدتي السهو، وصفة سجوده، وأنه يسجدهما بعد ما يسلم" 1.
فخالف الشافعية هنا في مسألتين:
الأولى: العمل إذا شك المصلي، فعندهم (وكذلك الجمهور) الواجبُ هو الرجوعُ إلى اليقين، ولا يجزؤه التحَرِّي.
الثانية: موضع سجود السهو، فعند الشافعية سجود السهو كله قبل السلام.
والمصنف يوافق الإمام أحمد في كلتا المسألتين المذكورتين 2.
وقال أيضًا: "باب إيجاب سجدتي السهو على الساهي في صلاته، وعلى من زاد فيها أو نقص" 3.
فالقول بوجوب سجود السهو هو مذهب الحنفية، وليس بواجب عند الشافعية 4.
وقال أيضًا في الباب السابق: "الدليل على أن المصليَ إذا رجع إلى اليقين بأنه زاد في صلاته ركعة، سجد سجدتي السهو بعد ما يسلم .... " 1.
فخالف الشافعيةَ في موضع السجود -كما سبق-.
وقول المصنف هنا أقرب إلى مذهب الحنابلة 2.
وقال أيضًا: "باب وجوب صلاة الكسوف" 3.
فخالفَ الشافعيةَ -بل الجمهورَ- بالقول بالوجوب، قال الحافظ ابن حجر في مشروعية صلاة الكسوف: "وهو أمر متفق عليه، لكن اخْتُلِفَ في الحكم وفي الصفة، فالجمهور على أنها سنةٌ مؤكدةٌ، وصرَّح أبو عوانة في (صحيحه) بوجوبها، ولم أَرَه لغيره إلا ما حكي عن مالك أنه أجراها مجرى الجمعةِ، ونقل الزينُ ابنُ المُنَيِّر عن أبي حنيفة أنّه أَوْجَبَها، وكذا نقل بعضُ مصنفي الحنفية أنها واجبة" 4.
وقال أبو عوانة -رحمه الله- في كتاب الأحكام: " ... بيان الخبر الدال على إبطال الحكم بقول السكران وما يلفظ ويقرُّ به على نفسه .... " 1.
خلافًا لما ذهب إليه الشافعي، قال الشافعي: " ... ولو شرب رجل خمرًا أو نبيذًا مسكرًا، فسكر لزمه ما أَقرَّ به" 2.
وقال -أيضًا-: "ومن شرب خمرًا أو نبيذًا فأسكره فطلّق لزمه الطلاق والحدود كلها ... " 3.
وقد وافق المصنفُ في ذلك الحنابلة 4.
ثانيًا: فقهه واستنباطاته في أبواب العقائد والأحكام والآداب والفضائل وغيرها.
ظهر في تراجم الإمام أبي عوانة -رحمه الله- عنايته بدلالة الأحاديث وتعظيمه لها، مع وضوح في العبارة وصراحة في الدلالة، وهذا غالب في تراجمه رحمه الله.
ومن ذلك قوله -رحمه الله- في كتاب فضائل القرآن: باب ثواب الماهر بالقرآن والحافظ له ... 5، وساق تحته حديث عائشة رضي الله عنها
عن النبي - صلى الله عليه وسلم - "الذي يقرأ القرآن وهو ماهر مع السفرة الكرام البررة، والذي يقرأ القرآن -قال هشام: وهو عليه شديد.
وقال شعبة: وهو عليه شاق.
فله أجران" 1.
وقوله في كتاب صلة الأرحام باب بيان ثواب المتحابين في الله عز وجل 2، وساق حديث أبي هريرة، قال قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "إن الله عز وجل يقول يوم القيامة: أين المتحابون بجلالي؟ اليوم أظلهم في ظلي يوم لا ظل إلا ظلي" 3.
ومما تجدر الإشارة إليه في خاتمة هذا المبحث التنبيه على حسن ترتيب الأبواب واندراج الأحاديث تحتها مما يساعد على معرفة الأدلة التي من أجلها استخلص الإمام أبو عوانة -رحمه الله- الحكم في الترجمة:
فمن ذلك قوله في كتاب الأمراء: "بيان حظر طلب الإمارة والاستشراف لها، والدليل على إباحة الدخول فيها إذا قلدها من غير سؤال، وأن الإمام يجب عليه منعها من يسألها أو يحرص عليها" 4.
فهذا التبويب من المصنف قد اشتمل على أحكام واضحة لا تحتاج
إلى شرح وبيان، وقد استدل لها المصنف بأحاديث عدة ساقها بأسانيده من طرق متعددة، منها حديث عبد الرحمن بن حمرة، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "يا عبد الرحمن لا تسأل الإمارة، فإنك إن أعطيتها عن مسألة وُكلت إليها، وإن أعطيتها من غير مسألة أعنت عليها" 1.
ومنها حديث أبي موسى الأشعري - رضي الله عنه - قال: "دخلت على النبي - صلى الله عليه وسلم - أنا ورجلان من بني عمي، فقال أحد الرجلين: أمّرنا على بعض ما ولاك الله، وقال الآخر مثل ذلك، فقال: "إنا والله لا نولي هذا العمل أحدا سأله، ولا أحدا حرص عليه".
2
وفي رواية أخرى أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "ولكن يا أبا موسى، اذهب إلى اليمن أميرا".
3
فأنت ترى أن الأحاديث التي أوردها المصنف واضحة الدلالة على ما بوب له من أحكام.
ومن ذلك أن أبا عوانة قد يعقد ترجمة تفيد حكما شرعيًّا، ويستدل لها بجملة من الأحاديث، ثم يعقد ترجمة أخرى بعدها، ويجعلها مخصصة للترجمة الأولى، ويسوق تحتها جملة من الأحاديث المخصصة للأحاديث
الواردة في الباب السابق، مما يدل على حسن تصرفه، وتفننه في إيراد التراجم للأبواب، فمن ذلك قوله في كتاب الأمراء: "بيان الأخبار الموجبة على الرعية فرضًا طاعة من يؤمر عليها، عبدا كان الأمير أو غيره".
1
ثم ساق المصنف تحت هذه الترجمة جملة من الأحاديث الدالة على فرضية طاعة الأمراء كحديث أم حصين الأحمسية قالت: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: "إن استعمل عليكم عبد حبشي يأخذكم بكتاب الله، فاسمعوا وأطيعوا" 2.
وحديث أبي ذر - صلى الله عليه وسلم - قال: "أوصاني خليلي أن أسمع وأطيع ولو لعبد مجدّع الأطراف" 3.
ثم لما فرغ المصنف من هذا الباب؛ قال: "بيان الأخبار المبيحة ترك طاعة الأمير إذا أمر بمعصية، ووجوب طاعته في جميع ما يدعو إليه من إجابته واتباعه في غير معصية" 4، فأنت تلاحظ أن هذا التبويب مخصص للتبويب السابق، لأن السابق يفيد وجوب طاعة الأمير مطلقا، بينما هذا التبويب يخص الوجوب بما لم يؤمر الأمير بمعصية، فحين ذاك لا تجب طاعته، بل تحرم.
ثم استدل المصنف لهذا التخصيص بما ساقه من طرق عدة عن ابن عمر رضي الله عنه أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "السمع والطاعة على المرء فيما أحب أو كره، إلا أن يؤمر بمعصية، فلا سمع ولا طاعة" 1.
وكذا استدل بما أسنده من طرق عن علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - استعمل رجلا من الأنصار على جيش، وأمرهم أن يطيعوه، فأجج لهم نارًا، وأمرهم أن يقتحموها، فهم قوم أن يفعلوا، وقال آخرون: إنما فررنا من النار، فأبوا، ثم قدموا على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فذكروا ذلك له، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "لو وقعوا فيهما ما خرجوا منها إلى يوم القيامة، لا طاعة في معصية الله، إنما الطاعة في المعروف" 2.
ودلالة الأحاديث على ما ذهب إليه المصنف من التخصيص صريحة، مما لا يحتاج إلى إيضاح وشرح.
ومن ذلك أن المصنف إذا بوّب لحكم شرعي، وكانت الأدلة الدالة عليه تفيد جوازه بشرط أو قيد فإنه يذكره في التبويب ولا يهمله، مما يؤكد دقة فهم المصنف لما يرويه من النصوص.
فمن ذلك قوله: "بيان الخبر المبيح مسابقة الخيل المضمّرة وغير
المضمّرة، إذاكان مبدأها ومنتهاها معلومة"، ثم استدل على هذا بما أخرجه من طرق عدة عن ابن عمر، أن النبي - صلى الله عليه وسلم -: "سابق بين الخيل التي قد أضمرت من الحفياء، وكان أمدها ثنية الوداع، وسابق بين الخيل التي لم تضمر، من الثنية إلى مسجد بني زريق، وأن ابن عمر كان ممن سابق بها".
فهذا النص أفاد جواز المسابقة بين الخيل، لكن بشرط، وهو ما ذكره المصنف بقوله: "إذا كان مبدأها ومنتهاها معلومة"، أي إنه لا بد أن تكون المسافة محددة، وأن يكون لابتداء عدو الخيل وآخره غاية معلومة، لأن الغرض هو معرفة الأسبق منها، ولا يعلم ذلك إلا بتساويها في الابتداء والغاية.
والحاصل: أن المصنف -رحمه الله- قد أفاد كل ذلك من خلال التبويب الذي وضعه للمسألة، وإن شئت أن تعرف دقة تبويب المصنف رحمه الله، فقارن بين تبويبه الذي وضعه لهذه المسألة، وبين تبويب الإمام النووي الذي وضعه لها في صحيح مسلم، فقد قال النووي -رحمه الله- مبوبا لحديث ابن عمر في المسابقة: "باب مسابقة بين الخيل وتضميرها" 1، بينما قال المصنف: "بيان الخبر المبيح مسابقة الخيل المضمرة وغير المضمرة، إذا كان مبدأها ومنتهاها معلومة"، فالنووي -رحمه الله- لا نستطيع من
خلال تبويبه السابق أن نعرف حكم المسابقة بين الخيل، فضلا عن الشرط اللازم فيها، على حين أن تبويب أبي عوانة قد تكفل ببيان حكم المسألة وشرطها بغاية الصراحة والوضوح.
وكذلك نجده -رحمه الله- يتفنن في دقة الاستنباط من الحديث.
ومن ذلك: قوله في كتاب فضائل القرآن: باب ذكر الخبر الموجب لاستذكار القرآن ودراسته، وأن حامله إذا قام به فقرأه بالليل والنهار ذكره، وإن لم يقم به نُسِّيه، والدليل على أنه إذا غفل عن تعاهده نُزِعَ منه 1.
وساق حديث ابن مسعود رفعه إلى النبي - صلى الله عليه وسلم -: "تعاهدوا القرآن، فإنه أشد تَفَصِّيًا من صُدُورِ الرجال مِنَ النَّعَمِ مِنْ عُقُلها، بِئْسَ ما لأَحَدِهم أن يقولَ: نَسِيتُ آية كيتَ، كيتَ" 2.
وقوله في كتاب القدر: "باب الخبر الدال على أنَّ المولود يولد على الخلقة التي قدره الله عليه في سابق علمه، وإنه إن كان في القدر المقدور سعيدا؛ لا يضره تهويد أبويه، ولا تنصيرهما إياه، ويختم الله له بما قدر عليه، وإنه إن كان الله قدر عليه في سابق علمه الشقاء؛ لم ينفعه إسلام أبويه، وختم له بالشقاء ... 3. وساق حديث أبي هريرة: "كل مولود يولد على
الفطرة .... " الحديث 1. وهذا المذهب الذي سلكه المصنف -رحمه الله-؛ هو المذهب الحق الذي قال به أئمة السنة، كالأوزاعي، ومالك، وأحمد .. وغيرهم 2.
المبحث التاسع: أبو عوانة والنقد
:
لم يكن رحمه الله راويًا ومحدثًا يروى الحديث فقط، بل كان ناقدًا بصيرا في الرجال، وعلل الحديث، ولا يتمكن في هذا الفن إلا الحفاظ المهرة الحافظون لطرق الحديث والعارفون لأحوال الرجال، الجامعون لأحاديث الأئمة.
قال شيخه الإمام الحافظ الناقد عثمان بن سعيد الدارمي، في المقومات التي تؤهل المحدث في نظره: من لم يجمع حديث شعبة، وسفيان، ومالك، وحماد بن زيد، وابن عيينة، فهو مفلس في الحديث 1.
قال الإمام الذهبي: يريد أنه ما بلغ درجة الحفاظ، وبلا ريب أن من جمع علم هؤلاء الخمسة، وأحاط بسائر حديثهم، وكتبه عاليا ونازلًا، وفهم علله، فقد أحاط بشطر السنة النبوية، بل أكثر من ذلك ... فلو أراد أحد أن يتتبع حديث الثوري وحده ويكتبه بأسانيد نفسه على طولها وبيبن صحيحه من سقيمه لكان يجيئ (مسنده) في عشرة مجلدات ... اهـ. مختصرا 2.
قلت: والإمام أبو عوانة قد عمل بمقولة شيخه وطبقها فأفنى حياته في جمع حديث هؤلاء وترك وطنه ورحل، حتى شهد له غير واحد من الأئمة
الأعلام بذلك (1). وقد صرح بذلك في وصيته (2).
وقد حكم على الحديث وبين العلل بإشارات لطيفة، وتكلم في الرجال ونقدهم مما يدل على إحاطته وتمكنه في هذا العلم، إذ لا يمكن أن تصدر مثل هذه الأحكام إلا من خبير متثبت، عالم.
وقد تنوعت أحكام أبي عوانة على الأحاديث والرواة وسنتناول ذلك في مطلبين:
المطلب الأول: أحكام أبي عوانة على الأحاديث
.
تعددت أحكام أبي عوانة على الأحاديث والغالب عليها الإشارة لضعف الحديث أو غلط الراوي فيه أو وصفه بالغرابة وأحيانا الحكم بصحة طريق أو رواية للحديث، ولعل سبب قلة الحكم بالصحة ونحوها على الأحاديث أن كتاب أبي عوانة مستخرج على صحيح مسلم فالأصل في أحاديثه الصحة، فما خالف هذا الأصل فهو الذي يحتاج لبيان.
ومن أحكام أبي عوانة على الأحاديث:
أولا: يكثر أبي عوانة من إعلال الحديت بقوله: "فيه نظر" ونحوها من العبارات مثل: "في هذا الحديث نظر" و "في إسناده ومتنه نظر" ومن ذلك:12