قال: فانفجرتْ من لَبّتِهِ 5 فلم يَرُعْهُمْ 6 -ومعه في المسجد خيمةٌ من بني غِفَار 7 - إلّا والدَّمُ يسيل إليهم، فقالوا: يا أهل الخيمة، ما هذا الذي يأتينا من قِبَلِكُم؟ فإذا سعدٌ جُرْحُه يغذو 8 دمًا فمات منها 9. رواه مسلم 10، عن أبي كريب، عن ابن نمير [نحوه] 11. ذكر محمد بن يحيى 12 قال: حدثني إسماعيل بن الخليل 13، قال: حدثنا
علي بن مسهر، قال: أخبرني هشام بن عروة -بهذا الإسناد- قالت: رُمي سعد بن معاذ يوم الخندق، فقطع منه الأكحل، رماه ابن العَرَقة، فقال سعد: عرّق الله وجهك في النّار -الحديث بطوله 14 -: فضرب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- خيمة في المسجد ليداويه وليعوده من قريب، فلمّا رجع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- من الخندق وضع السلاح ثمّ اغتسل، فأتاه جبريل - عليه السلام - قد عصب رأسه الغبار، فقال: قد وضعت السلاح فوالله ما وضعت الملائكة! فاخرج إلى القوم، فقاتلهم، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- "أين؟ " فأشار بيده إلى بني قريظة، فخرج إليهم، فحاصرهم وسعد في المسجد، فلمّا أن اشتد عليهم الحصار نزلوا على حكم رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، قال عروة: فأخبرت أنّ النبي -صلى الله عليه وسلم- ردّ الحكم فيهم إلى سعد، فقال سعد: فإنّي أحكم فيهم أن تقتل مقاتلتهم وتسبى ذريتهم وتقسم أموالهم -وذكر نحوه-، وقال: تلبد الدم 15. ذكر مسلم 16 عن علي بن الحسين بن سليمان، قال: حدثنا عبدة، عن
هشام 17 نحوه، غير أنه قال: فانفجرت من ليلته، فما زال يسيل حتى مات 18، وزاد في الحديث قال: فذاك حين يقول الشاعر 19: ألا يا سعد سعد بني معاذ ... فما فعلت قريظة والنضير لعمرك إن سعد بني معاذ ... غداة تحمّلوا لهو الصبور تركتم قدركم لا شيء فيها ... وقدر القوم حامية تفور 20 وقد قال الكريم أبو حباب 21 ... أقيموا قينقاع ولا تسيروا 22 وقد كانوا ببلدتهم ثقالا ... كما ثقلت بِمِيطان 23 الصخور
7157 - حدثني أحمد بن مسعود، أبو الحسن 1 الخياط -ببيت المقدس- في قدمتي الثالثة الشام، قال: حدثنا [محمد بن] 2 عيسى بن الطبّاع، قال: حدثنا يحيى بن زكريا بن أبي زائدة، عن هشام بن عروة 3، عن أبيه، عن عائشة، قالت: ضرب رسول الله -صلى الله عليه [وسلم] 4 - على سعد بن معاذ خيمة في المسجد ليعوده من قريب 5.
7158 - حدثنا إبراهيم بن فهد 1، قال: حدثنا سهل بن عثمان، وعبد الرحمن بن المتوكل 2، قالا: حدثنا يحيى [بن زكريا] 3 بن أبي زائدة
بمثله 4.
7159 - حدثنا الحسين بن بهان 1 -بعسكر مكرم 2 - قال: حدثنا سهل بن عثمان، قال: حدثنا ابن أبي زائدة، عن هشام بن عروة 3، عن أبيه، عن عائشة قالت: نزلوا على حكم النبي -صلى الله عليه وسلم- فولاها سعدًا -تعني بني قريظة- 4.
7160 - حدثنا أبو أمية، قال: حدثنا.
حجاج بن منهال، قال: حدثنا حماد بن سلمة 1، عن هشام بن عروة 2، عن أبيه، عن عائشة: أنّ النبي -صلى الله عليه وسلم- لمّا فرغ من الأحزاب وجاء ليغتسل، فجاءه جبريل، فقال: يا محمد! قد وضعتم سلاحكم، وما وضعنا أسلحتنا بعد، انهد 3 إلى بني قريظة، فقالت عائشة يا رسول الله! لقد رأيت رأسه من خلل
الباب، وقد عصبه الغبار 4.
7161 - حدثنا يوسف بن مسلّم، قال: حدثنا حجاج بن محمد، قال: حدثنا شعبة 5 عن سعد بن إبراهيم، قال: سمعت أبا أمامة بن سهل بن حنيف قال: سمعت أبا سعيد الخدري قال: نزل أهل قريظة على حكم سعد بن معاذ، فأرسل النبي -صلى الله عليه وسلم- 6 إلى سعد فأتاه على حمار، فلمّا دنا قريبًا من المسجد قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- للأنصار: "قوموا إلى سيدكم -أو خيركم! -" ثمّ قال: "إنّ هؤلاء نزلوا على حكمك" قال: تُقتل مقاتلتهم وتُسبى ذراريهم، قال: فقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: "حكمت بحكم الله" وربمّا قال: "حكمت بحكم الملك" 7.
7162 - حدثنا أبو قلابة، قال: حدثنا بشر بن عمر، قال: حدثنا
شعبة 1 بمثله 2. رواه عبد الرحمن بن بشر، عن بهز، عن شعبة- بمثله "لقد حكمت فيهم بحكم الله" 3.
7163 - حدثنا يونس بن حبيب، قال: حدثنا أبو داود 5، قال: حدثنا شعبة 6 -بنحوه- 7.
7164 - حدثنا أبو المثنى معاذ بن المثنى العنبري 1، وأبو الأحوص صاحبنا، قالا: حدثنا عبد الله بن محمد بن أسماء 2، قال: حدثنا جويرية بن أسماء، عن نافع، عن ابن عمر، قال: نادى فينا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يوم انصرف عن الأحزاب "أنْ لا يصلينّ أحد الظهر إلّا في بني قريظة"، قال: فتخوف ناس فوت الوقت فصلّوا -دون بني قريظة، وقال الآخرون: لا نصلي إلّا حيث أمرنا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وإن فاتنا الوقت، فما عنّف
واحدًا من الفريقين 3. قال أحدهما: "العصر" - بدل: "الظهر" 4.
[باب] (1) بيان الخبر الدّال على أنّ النبي -صلى الله عليه وسلم- (1) قسم غنائم
4
خيبر في المهاجرين وغيرهم على ما وجب 1.
7165 - حدثنا يعقوب بن سفيان الفارسي، ومحمد بن إسحاق الصغاني، قالا: حدثنا عبد الله بن يوسف التنِّيسي (1)، قال: حدثنا ابن وهب 2، قال: أخبرنا يونس بن يزيد، عن ابن شهاب، عن أنس بن مالك، قال: لما قدم المهاجرون من مكة إلى المدينة قدموا وليس بأيديهم شيء، وكان الأنصار أهل الأرض والعَقَار 3، قال: فقاسمهم [الأنصار] 4 على أَنْ أعْطَوهم أنصافَ ثمارِ أَموالهم كلَّ عامٍ ويَكْفُوهم العملَ والمؤونةَ، قال: وكانت أمّه -أمّ أنس بن مالك، وهي تدعى أمّ سليم، وكانت أمّ عبد الله بن أبي طلحة كان أخًا لأنس بن مالك لأمه، وكانت أمّ أنس بن مالك -وهي تدعى أمّ سليم-
أعطت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عذاقا 5 لها، فأعطاهنّ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أمّ أيمن، وهي مولاته؛ أمّ أسامة بن زيد.
قال ابن شهاب: فأخبرني أنس بن مالك أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لما فرغ من قتال أهل خيبر وانصرف إلى المدينة ردّ المهاجرون إلى الأنصار منائحهم التي كانوا منحوهم من ثمارهم، قال: فردّ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إلى أمي أعذاقها، وأعطى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أمّ أيمن مكانهن من حائطه، قال ابن شهاب: وكان من شأن أمّ أيمن 6 أمّ أسامة بن زيد أنها كانت وصيفة 7 لعبد الله بن عبد المطلب، وكانت من الحبشة، فلما ولدت آمنة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بعد ما توفي أبوه، وكانت أمّ أيمن تحضنه حتى كبر رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فأعتقها ثمّ أنكحها زيد بن حارثة، ثمّ توفيت بعد ما توفي رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بخمسة أشهر 8.
7166 - حدثنا أبو [عبيد الله] 1 أحمد بن عبد الرحمن الوهبي، قال: حدثنا عمي 2، قال: حدثني يونس بن يزيد، عن الزهريّ، عن أنس بن مالك قال: [لما قدم المهاجرون من مكة إلى المدينة قدموا وليس بأيديهم شيء]-وذكر الحديث بمثله- 3. [رواه أحمد بن سعيد 4، عن أحمد بن شبيب، قال: حدثني أبي 5، عن يونس -بإسناده مختصرًا- إلّا أنّه قال فيه: ورد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- على أمي عذاقها، وأعطى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- من
خَالِصه] 6 7 8. ذكر محمد بن يحيى 9، قال: حدثنا محمد بن كثير 10، قال: حدثنا المعتمر بن سليمان، قال: سمعت أبي يحدث أنه سمع أنس بن مالك يقول: كان الرجل يجعل للنبي -صلى الله عليه وسلم- النخلات من أرضه حتى فتحت عليه قريظة والنضير، فجعل بعد ذلك يرد ما كان أعطاه، قال أنس: فإنّ أهلي أمروني أن آتي النبي -صلى الله عليه وسلم- فأسأله ما كان أهله أعطوه أو بعضه، وكان نبي الله -صلى الله عليه وسلم- قد أعطاه أم أيمن فأتيت النبي -صلى الله عليه وسلم-
فأعطانيهن، فجاءت أم أيمن، فجعلت الثوب في عنقي 11 -وذكره وفيه: قريبا من عشرة أمثاله 12. رواه مسلم 13، عن ابن عبد الأعلى، وابن أبي شيبة، عن معتمر بمثله 14.
[باب] (1) بيان كتابِ النبي -صلى الله عليه وسلم- إلى هرقل (2) وأنّه كتب إلى كسرى (3) وقيصر (4) وإلى الجبابرة.
1234
7167 - أخبرنا محمد بن يحيى 1، فيما قرئ عليه، قال: حدثنا عبد الرزاق 2 ح، وحدثنا إسحاق بن إبراهيم الدبري، قال: قرأنا على عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن الزهريّ، قال: أخبرني عبيد الله بن عبد الله، عن ابن عباس، أن أبا سفيان أخبره من فيه إلى فيه، قال: انطلقت في المدة التي كانت بيني وبين رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، قال: فبينما أنا بالشام إذ جيء بكتاب من رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إلى هرقل، [وكان دحية الكلبي 3 جاء به
فدفعه إلى عظيم بصرى 4، فقرأه، فدفعه عظيم بصرى إلى هرقل، فقال هرقل: هل هاهنا أحد من قوم هذا الرجل الذي يزعم أنّه نبي، قالوا: نعم، قال: فدعيت في نفر من قريش، فدخلنا على هرقل]، 5، فأجلسنا بين يديه، ثم قال: أيكم أقرب نسبا من هذا الرجل الذي 6 يزعم أنه نبي؟ قال أبو سفيان: فقلت: أنا، فأجلسوني بين يديه، وأجلسوا أصحابي خلفي، ثمّ دعا بترجمانه 7، فقال: قل [لهم] 8 إني سائل هذا عن هذا الرجل الذي يزعم أنّه نبي فإن كذَبَني فكذّبوه! قال: أبو سفيان: وأيم الله لولا أن يؤثر علي الكذب لكذبته، ثمّ قال لترجمانه: [سله] 9 كيف حسبه فيكم؟ قال: قلت: هو فينا ذو حسب، قال: فهل كان من آبائه ملك؟ قلت: لا، قال: فهل كنتم تتهمونه بالكذب
قبل أن يقول ما قال؟ قال: قلت: لا، قال: من يتبعه أشراف الناس أم ضعفاؤهم؟ قال: قلت: بل ضعفاؤهم، قال: أيزيدون أم ينقصون؟ قال: قلت: لا، بل يزيدون، قال: هل يرتد أحد منهم عن دينه بعد أن يدخل فيه سخطة 10 له؟ قال: قلت: لا، قال: فهل قاتلتموه؟ قلت: نعم، قال: فكيف كان قتالكم إياه؟ قال: قلت: يكون الحرب بيننا وبينه سجالًا 11، يُصيب منّا ونُصيب منه، قال: فهل يغدِر؟ قلت: لا، ونحن معه في مدّة 12 لا ندري ما هو صانع فيها، قال: فوالله ما أمكنني من كلمة أُدخل فيها شيئًا غير هذه، قال: فهل قال هذا القول أحدٌ قبله؟ قلت: لا، قال: لترجمانه 13: إني سألتك عن حسبه فزعمت أنه فيكم ذو حسب، وكذلك الرسل تبعث في أحساب قومها، وسألتك: هل كان في آبائه ملك؛ فزعمت أن لا، فقلت: لو كان من آبائه ملك قلت: رجل يطلب ملك آبائه، وسألتك عن أتباعه أضعفاؤهم أم أشرافهم؟ فقلت: بل ضعفاؤهم 14، وهم أتباع الرسل.
وسألتك: هل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال؟ فزعمت أن لا، فقد عرفت أَنّه لم يكن ليدع الكذب على النّاس ثمّ يذهب فيكذب على الله، وسألتك هل يرتد أحد منهم عن دينه بعد أن يدخل -يعني فيه- سخطة له؟ فزعمت أن لا، وكذلك الإيمان إذا خالط بشاشة القلوب 15. وسألتك: هل يزيدون أم ينقصون، فزعمت أَنّهم يزيدون، وكذلك الإيمان حتى يتمّ.
وسألتك: هل قاتلتموه؟ فزعمت أَنكم قاتلتموه فتكون الحرب بينكم سجالًا ينال منكم وتنالون منه، وكذلك الرسل تبتلى ثمّ تكون لها العاقبة.
وسألتك: هل يغدر؟ فزعمت أنْ لا، وكذلك الرسل لا تغدر.
وسألتك: هل قال هذا القول أحد قبله؟ فزعمت أنْ لا، فقلت: لو كان قال هذا القول أحدٌ قبله قلت: رجلٌ ائْتَمَّ بقولٍ قيلَ قَبْلَه.
ثمّ قال: بم يأمركم؟ قال: قلت: يأمرنا بالصلاة والزكاة والصلة والعفاف، قال: إنْ يكن ما تقول فيه حقًّا فإنّه نبيّ، وقد كنت أعلم أنّه خارج ولم أكن أظنّه منكم، ولو أني أعلم أَنّي أخلُص 16 إليه لأحببت لقاءه، ولو كنت عنده لغسلت عن قدميه، وليبلغنّ ملكه ما تحت قدمي، قال: ثمّ دعا بكتاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقرأه وإذا فيه: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، من محمد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إلى هرقلَ
عظيم الروم، سلام على من اتبع الهدى، أما بعد فإنّي أدعوك بدعاية 17 الإسلام، أَسلِم تسْلَم، وأَسلِم 18 يؤتك الله أَجرك مرتين، فإن تولّيتَ فإنّ عليك إثم الأريسيين 19 و ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا
وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ ...﴾ إلى قوله ﴿مُسْلِمُونَ﴾ 20 فلمّا فرغ من قراءة الكتاب ارتفعت الأصوات عنده وكثر اللَّغَط 21، وأمر بنا فأخرجنا، فقلت لأصحابي حين خرجنا: لقد أَمِرَ أَمر ابن أبي كبشة 22، إنّه ليخافه ملك بني الأصفر 23، قال: فما زلت موقنًا بأمر رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أنّه سيظهر حتى أدخل الله عليّ الإسلام.
قال الزهري: فدعا هرقل عظماء الروم، فجمعهم في دار له فقال: يا معشر الروم، هل لكم في الفلاح والرشد آخر الأبد وأنْ يثبت لكم
ملككم؟ قال: فحاصوا 24 حيصة حمر الوحش إلى الأبواب فوجدوها قد غلقت، فقال: عليّ بهم! فدعاهم، فقال: إنّي إنّما اختبرت شدّتكم على دينكم، فقد رأيت الذي أحببت فسجدوا له ورضوا 25 عنه 26.
7168 - حدثنا أبو داود الحراني، قال: حدثنا يعقوب بن إبراهيم بن سعد [^fn35787]، قال: حدثنا أبي، عن صالح، عن ابن شهاب قال: أخبرني عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود أنّ عبد الله بن عبّاس أخبره أنّ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كتب إلى قيصر يدعوه إلى الإسلام، وبعث
بكتابه مع دحية الكلبي، وأمره رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أنْ يدفعه إلى عظيم بصرى يدفعه إلى قيصر، فدفعه عظيم بصرى [^fn35788] إلى قيصر، وكان قيصر لمّا كشف الله عنه جنودَ فارس مشى من حمص [^fn35789] إلى إيلياء [^fn35790] شكرًا لما أبلاه [^fn35791] الله، فلمّا جاء قيصر كتابُ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال حين قرأه: التمسوا هل ها هنا من قومه أحد [^fn35792] لنسأله عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم-! قال ابن عبّاس: فأخبرني أبو سفيان بن حرب أَنّه كان بالشام في رجال من قريش قدموا تجارًا في المدة التي كانت بين رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وبين كفّار قريش، قال أبو سفيان: فوجدَنا رسولُ قيصر ببعض الشام، فانطلق بي وبأصحابي حتى قدمنا إيلياء فأدخلنا عليه، فإذا هو جالس في مجلس ملكه، وعليه التّاج، وحوله عظماء الروم، فقال لترجمانه: سلهم أَيّهم أقرب نسبًا إلى هذا الرجل الذي يزعم أنّه نبي؟ قال أبو سفيان: فقلت أنا أقربهم إليه نسبًا، فقالوا: ما قرابة بينك وبينه؟ قال:
قلت: هو ابن عمي، قال: وليس في الركب يومئذ رجل من بني عبد مناف غيري، قال: فقال قيصر: أدنوه مني! قال: ثمّ أمر أصحابي فجُعلوا خلاف ظهري عند كتفي، قال: ثمّ قال لترجمانه: قل لأصحابه إنّي سائلٌ هذا عن هذا الرجل الذي يزعم أنّه نبي، فإن كذَبَ فكَذِّبُوه! قال أبو سفيان: والله لولا الحياء يومئذ من أن يأثر أصحابي عليّ الكذب لكذبته [عنه] [^fn35793] حين سألني، ولكنّي استحييت أَنْ يأثروا عليّ الكذب فصدقْتُه عنه [^fn35794]، ثمّ قال لترجمانه: [قل له] [^fn35795]: كيف نسب هذا الرجل فيكم؟ قلت هو فينا ذو حسب، قال: فهل قال هذا القول منكم أحدٌ قبله؟ قال: قلت: لا، قال: فهل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال؟ قال: قلت: لا، قال: فهل كان من آبائه مَلِكٌ؟ قال: قلت: لا، قال: فأشراف النّاس اتبعوه أم ضُعَفَاؤهم؟ قال: قلت: بل ضعفاؤهم، قال: أفيزيدون أو ينقصون؟ قال: قلت: بل يزيدون، قال: قال: فهل يرتدّ أحد سخطة لدينه بعد أن يدخل فيه؟ قال: قلت: لا، قال: فهل يغدر؟ قال: قلت: لا، ونحن منه الآن في مدة ونحن نخاف أن يغدر، قال: وقال أبو سفيان: ولم تُمْكنِّي كلمة أدخل فيها شيئا أتنقصه به لا أخاف أن يؤثر عني غيرها، قال:
فهل قاتلتموه وهل قاتلكم؟ قال: قلت: نعم، قال: فكيف كان حربكم وحربه؟ قال: قلت: كانت دولا [^fn35796] وسجالا؛ يدال علينا مرة، وندال عليه الأخرى [^fn35797]، قال: فما يأمركم به؟ قال: قلت: يأمرنا أن نعبد الله وحده ولا نشرك به شيئًا، وينهانا عمّا كان يعبد آباؤنا، ويأمرنا بالصلاة، والصدق، والعفاف والوفاء، بالعهد، وأداء الأمانة، قال: فقال لترجمانه حين قلت ذلك له: قل له: إنّي سألتك عن نسبه فيكم، فزعمت أنّه فيكم ذو نسب، وكذلك الرسل تبعث في نسب قومها، وسألتك هل قال هذا القول أحد منكم قبله؟ قلت: لا [^fn35798]، فقلت [^fn35799]: لو كان قال هذا القول أحد منكم قبله قلت: رجل يأتم يقول قيل قبله، وسألتك: هل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال؟ قال [^fn35800]: فزعمتَ أنْ لا، فقد عرفت أنّه لم يكن ليذر الكذب على الناس ويكذب على الله، وسألتك: هل كان من آبائه مَلِكٌ؟ فزعمت أن لا، فقلت: لو كان من آبائه ملك لقلت: رجل يطلب ملك آبائه، وسألتك: أشراف النّاس اتبعوه أم ضعفاؤهم؟ فزعمت أن ضعفاؤهم اتبعوه، وهم
أتباع الرسل، وسألتك: هل ينقصون أم يزيدون؟ فزعمت أنّهم يزيدون وكذلك الإيمان حتى يتمّ، وسألتك: هل يرتدّ أحدٌ منهم سخطةً لدينه بعد أن يدخل فيه؟ فزعمت أنْ لا، وكذلك الإيمان حين تخالط بشاشته القلب لا يبغضه أحد، وسألتك: هل يغدر؟ فزعمت أن لا، وكذلك الرسل لا يغدرون، وسألتك: هل قاتلتموه وقاتلكم؟ فزعمت أن قد فعل وأَنَّ حربكم وحربه تكون دولا؛ يُدَال عليكم المرةَ وتُدَالون عليه الأخرى، وكذلك الرسل تُبْتَلى وتكون لها العاقبة، وسالتك: بماذا أمَرَكم؟ فزعمت أنّه يأمركم أن تعبدوا الله وحده ولا تشركوا به شيئا، وينهاكم عما كان يعبد آباؤكم، ويأمركم بالصلاة والصدق والعفاف والوفاء بالعهد وأداء الأمانة، قال: وهذه صفة نبي، قد كنت أَعلم [^fn35801] أَنَّه خارجٌ ولم أَكنْ أظنّ أنّه منكم، وإنْ يك ما قلتَ حقًّا فيوشك أَنْ يملك موضع قدميّ هاتين، ووالله لو أرجو [أنّي] [^fn35802] أخلص إليه لَتَجَشَّمْتُ [^fn35803] لُقِيَّه، ولو كنت عنده لغسلت [^fn35804] عن قدميه، قال أبو سفيان: ثمّ دعا بكتاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فأمر به فقرئ فإذا فيه: