جاء الطُّفيل بن عَمرو 5 الدَّوسي إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- فقال: يا رسول الله هل لك في حصنٍ حصينٍ، وَمَنعةٍ؟ [قال:] 6 فأبَى ذلك رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- للذي 7 ذخر الله للأنصار.
فلَما هاجَر النبي إلى المدينة، هاجرَ الطفيل بن عَمرو، وهَاجَر معَهُ رجلٌ من قومِهِ فاجتوَوا 8 المدينةَ، فَمَرِض، فَجَزعَ، فأخَذَ مشاقصَ 9 فقَطع بهِ بَراجمَه 10، فَشَخَبت 11 يَداهُ حتى ماتَ، فَرآه الطُّفَيل بن عَمرو في منامه، فقال: ما صَنَعَ بك ربُّك؟ قال: غَفر لي
بهجرتي إلى نَبِيِّه -صلى الله عليه وسلم-، وَرَآه في هيئةٍ حسنةٍ، ورآه مُغطِّيًا يَديهِ، فقال: ما لي أراك مُغَطِّيًا يديك؟ قال: قيْلَ لِي: لن نُصلح منك ما أفسدت.
قال: فقصَّها الطُّفيل عَلى رسولِ الله -صلى الله عليه وسلم-، فقال رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم-: "اللهمَ ولِيَدَيْهِ فاغفر" 12.
207 - حدثنا أحمدُ بن يوسف السُّلَمي، حدثنا النضر بن محمد 1، ح
وحدثَنا محمد بن يحيى، حدثنا أبو الوليد 2 قالا: حدثنا عكرمةُ بن عمَّار 3 حدثنا أبو زُمَيل 4، حدثنا عبد الله بن عباس، حَدثنا عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- 5 قال: لما كان يوم خيبر قُتِل أناسٌ من أصحابِ النبي 6 -صلى الله عليه وسلم-، فَجَعَلوا يقولون: قُتِل فلانٌ شَهيد، حتى مَرُّوا برجلٍ فقالوا: قُتِل فُلانٌ شهيد.
فقال رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم-: "كلا إني رأيته في النَّار في عباءةٍ غلَّها" -أو بُرْدةٍ غلَّها- ثم قال رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم-: "يا ابن الخطابِ
ناد في النَّاس: لا يدخل الجَنَّةَ إلا مؤمنٌ 7.
قال: فنادَيتُ: ألا إنه لا يدخل الجنَّة إلا المؤمنون 8 " 9.
وهَذا لفظُ النضر (10)، وحَديثُ محمد بمَعناهُ، وَقال: فقمتُ فناديْتُ.
رواه أبو عبيد الله الوراق (11)، عن أبي عاصمٍ (12)، عن عكرمةَ مثلَه (13).
قال أبو عَوانة: قد صَحَّ في حَديث أبي هُريرة أن النبي (14) -صلى الله عليه وسلم- أَمر بلالًا أن يُنادي: إنه لا يدخل الجنَّةَ إلا نفسٌ مُسْلِمَةٌ، وأمر عُمَرَ أن ينادي:
لا يَدخل الجنَّة إلا المؤمنون، وقال جَل ثناؤه (15): ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ في الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ (85)﴾ (16) وَقَدْ وَصفَ الله صفةَ المؤمنين في أوَّل سُورة الأنفال، وَفي سورةِ المؤمنين فقال: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ 10﴾ [إنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ]} (17) إلى قولهِ: ﴿يُنْفِقُونَ﴾ (18) وَقَال: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (1)﴾ إلى قوله: ﴿يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ 13﴾ 21. قال أبو عَوانة: وَسألتُ المزنيَّ 22 في أَول ما وَقع إلينا الخبر 23 بمصرَ أنَّ
بحَرَّان اختلافًا بين أهل الحديث في هذه المسألة، فسألتُه عن الإيمان والإسلام فَقال لِي: همُا واحد 24، وكان بلغَنَا 25 عن أحمدَ بن حَنبل أنه فَرَّق بينهما، وَزعمَ أنَّ حمَّادَ بن زيد فرَّق بينهما 26، ثم حَدثنا به صالحُ بن أحمد 27 بن حَنبلٍ، عن أبيهِ بذلك، قالَ 28 لي المزني: هما واحد، فاحتججتُ عليه بحديثِ النبي -صلى الله عليه وسلم-: لا يَزني الزاني حين يزني وهو مؤمن 29، وَبقول الزهري في ذلك 30، والأحَاديث التي جاء في أنَّ جبريل جاء 31 إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- فسأله عَن الإيمان، وَسأله عن الإسلام في أحاديثَ
أُخر، فرأَيتُه لا يَرْجعُ عَنْ قَوْله، وقلتُ له: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾ 32. قال: هَذه 33 اسْتَسْلَمْنَا.
فَقال لِي -فيما قال: - قال الله [تبارك وتعالى] 34: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ وَقال لي: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ 35.
وَقال لي: ويحك أَفَدِينٌ أعْلا مما 36 عندَ الله؟ قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾.
وكذلك كان إسماعيلُ القاضي 37 يقول: إنهما واحد.111214151617181920
208 - حدثنا يونس بن عبد الأعلى 1، أخبرنا ابن وَهْب 2 أنَّ مالكًا 3 حَدَّثه، ح وَحدثنا عيسى بن أحمد 4، حدثنا ابن وَهبٍ، حدثنا مالكٌ، ح وحَدثنا محمدُ بن إسماعيلَ 5، حدثنا القَعْنَبيُّ 6، عن مالك، عن ثور بن زَيْدٍ الدِّيْليّ 7، عن أبي الغيْثِ 8 -مَولى ابن مُطيْع-، عن أبي هُرَيرةَ
قال: خَرَجْنَا مَعَ رسولِ الله -صلى الله عليه وسلم- عَامَ خَيبر، فلم نغنم 9 ذهَبًا ولا وَرِقًا إلا الأموال 10 والثياب، قال: فَوَجَّه رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- نحو وَادي القُرَى 11، وقد أُهديَ لرسول الله -صلى الله عليه وسلم-[عبدًا أسودًا] 12 يقال له:
مِدْعَم 13، حتى إذا كنَّا بوادي القُرى، فبينما مدعَم يحُطُّ رحل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إذ جاءه سهمٌ عائرٌ 14 فأصابه، فَقتله، فقال الناس: هَنيئًا له الجنَّة.
فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "كلا وَالذي نفسي بيده إن الشَّملةَ التي أخذها يومَ خيبر من المغانم لم يُصبها المقاسم لَتَشْتَعِلُ عليه نارًا".
فَلما سمعَ النَّاس ذلك جاء رجلٌ 15 بشراكٍ أو شراكينِ إلى
رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "شِراكٌ من نارٍ أو شِراكان من نارٍ" 16.
بَيَانُ الخُرُوج 1 من الإيمان لمنفعةٍ ينالُها من عَرض الدنيا في الفتنة، والدليلُ على ذهابه بمثلِهِ إلى صاحبهِ 2 لِمنفعة الدنيا، وإيجاب مُبادرة العمل قبل حُلُولِها 3، وأن السريرةَ إذا كانت بخلاف العَلانيةِ لم ينتفع بعَملهِ، وَأن العَمل بخوَاتيمه 4
209 - حدثنا محمد بن يحيى، حدثنا إبراهيم بن حمزة 1، حدثنا عبد العزيز -يعني الدراورْديَ 2 -،
عَن العلاء 3، عن أبيهِ، عَنْ أبي هُرَيرةَ أنَّ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قَال: "بادروا بالأعمال فِتَنًا كقِطَعِ الليل المُظلم، يُصبح الرجُلُ مُؤمنًا، وَيُمسي كافرًا، ويُمسي مؤمنًا، وَيُصبح كافرًا، يَبيعُ دينَهُ بعَرَضٍ من الدُّنيا" 4.
210 - حدثنا الصاغاني، حدثنا ابن أبي مريم 1، أخبرنا أبو غسَّان محمد بن مُطرِّف 2، حَدثني أبو حَازم 3، عن سَهل بن سعدٍ أنَّ رجلًا 4 (كان من أعظم) المسلمين غَناءً 5 عن المسلمين في غزوة
غزاها 6 مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فنظر إليه رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- فقال: "مَن أَحبَّ أن ينظرَ إلى رجلٍ من أهل النَّار فلينظرْ إلى هذا.
فاتبعَهُ رجلٌ من القوم 7 وهوَ على ذلك أشدُّ الناس على المشركين، حتى جُرح فاسْتعجل الموتَ، فجَعَلَ ذُبابَ 8 سيفهِ بَين ثَدْييه حتى خرج من بين كتفيه.
فأقبل الرجل -إلى رسول الله 9 -صلى الله عليه وسلم- الذي كان معه، حتى أَتى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- مُسرعًا، فقال له: أشهَدُ أنَّك رسولُ الله، فقال له رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: وَمَا لك؟ قال: قلتَ لفلانٍ مَن أحبَّ أن ينظُرَ إلى رجلٍ من أهل النَّار فلينظر إلى هذا، فكان من أعظمِنا غَناءً عن المسلمين، فَعَرَفْتُ أنه لا يموتُ على ذلك، فلما جُرح اسْتعجل الموت فقتل نفسَهُ، فقال رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم-: إنَّ العبد ليَعمَلُ عَمَل أَهل الجنَّةِ وإنَّه لمن
أهل النَّار، ويَعمل عمل أهل النَّار وإنه لمن أهل الجنَّةِ إنَّما الأعمالُ بالخواتيم" 10. رواه القعنبي 11، عن عبد العزيز بن أبي حَازم، عَن أبيهِ عَن سَهل بن سَعْدٍ: أَن النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- التَقَى هو وَالمشركون في بعضِ مَغازيه"، وَذكَر الحديْثَ بطُوله بِمَعناه 12.
بابٌ في انتِزاَع (1) الأَمانةِ من القلوبِ وَرفْعها، وَأن القلبَ إذا أشْرَبَهُ الميل إلى الفتنة والى صَاحبُها (2)، وَلم ينكرْها بقلبهِ، وركن إلى صاحِبِه ران على قلبهِ، وانتُزِعَ الإيمان منهُ
56
211 - حدثنا الحسن بن علي بن عَفَّان العَامريُّ 1، حدثنا عبد الله بن نمير حدثنا الأَعمشُ، عن زَيد بن وَهب 2، عن حُذيفةَ قال:
حدثنا رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- حَديثين، فرأيت أحدَهما، وَأنا أنتظِرُ الآخر، حَدثنا "أنَّ الأمانةَ تنزل في جَذر قلوبِ الرجال 3، وَنزل القُرآن فَعَلموا من القرآن، وعَلموا من السُّنَّة، ثم حَدثنا عن رفعِها -يَعني الأمانة- فَيَنام الرجلُ النَّومةَ فَتُقْبَضُ الأمانة من قلبهِ، فَيَظَلُّ أَثَرُهَا كأثر الوكْتِ 4، ثم ينام النومةَ فتُنْزع الأمانةُ من قلبه فيظلُّ أثرُها كأثرِ المَجْل 5؛ كجَمْرٍ دَحْرَجْتَه على رجلك فَنَفِطَ، فتراه منْتَبِرًا 6 وليس فيه شيءٌ، ولقد كنتُ
وَما أبالي أيُّكم بايعْتُ 7، لئن كان مُسلمًا لَيَرُدَّنَّه عَليَّ 8 دينُه، ولئن 9 كان نصْرانِيًّا ليرُدَّنَّه عَليَّ ساعيه 10، وَأما اليوم فلم أكن لأبايعَ منكم إلا فلانًا وَفلانًا، فيُصبح الناس يتبايَعُون وما يَكاد أحدٌ 11 يودِّي الأمانةَ حتى يقالَ: إن في بني فلانٍ رجلًا أمينًا، وحتى يُقال للرجل: ما أجلَدَه، وما أظْرفَه وأعقلَه، وَما في قلبه مثقالُ حَبةٍ من خرْدلٍ مِن إيمانٍ" 12.
212 - حَدثنا أبو أُميَّةَ، وَأبو داود الحرَّاني، قالا: حدثنا النُّفَيلي 1، حدثنا زُهير 2، عن الأعمشِ بإسنادِه نحوَه.
213 - حَدثنا محمد بن عبد الملك الواسطي الدَّقيقي، وَعمار بن رجاء 1 قالا: حدثنا يزيد بن هارون، أخبرنا أبو مالك الأشجعيُّ 2، عن رِبْعِي بن حِرَاشٍ 3، عن حُذيفة أنه قدم من عند عُمر رضي الله عنهما 4 فقال لما جلسنا 5: أيُّكم سمع حديثَ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في الفتن؟ قالوا: نحن.
قال: لعلَّكم تعنون فتنَةَ الرجل في أهله وَجاره؟ قالوا: أجَل.
قال:
لستُ عن تلك أَسال، تلك تُكفِّرها الصلاة والصيام والصدقة، وَلكن أيكم سمع 6 قول رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في الفتن [التي] 7 تموج مَوْجَ البحر؟ فسكت القومُ، وَظننتُ أنَّهُ إيَّاي يُريد، قلتُ: أنا سمعتهُ.
قال: أنتَ لله أبوك.
قال: قلتُ: "تُعرض الفتَنُ على القلوب عرضَ الحصير، فأيُّ قَلبٍ أُشْرِبَهَا نكتَتْ فيْه نكتة سوداء، وأيُّ قلبٍ أنكرها نكتت فيه نكتة بيضاء، حتى تصير القلوبُ عَلى قلبين أبيضَ مثل الصَّفا لا تضُرُّه فتنةٌ ما دَامتِ السَّماوات والأرض، وَالآخرُ أسود مُرْبَدًّا كالكُوز مُجَخِّيًا -وأمَال كفَّهُ- لا يَعْرف معْروفًا، وَلا يُنْكِرُ منكرًا إلا ما أُشْرِب من هَوَاه".
وحَدَّثتهُ أن بينها وبَينَه بابا مُغلَقًا يوشك أن يُكْسَرَ.
فقال: لا أبا لك أيُكْسر كسْرًا؟ قلتُ: نعَم.
قَال: فلو أَنَّهُ فُتحَ كان لَعَلَّهُ أن يُعاد فَيُغْلَقُ.
وحَدَّثتُه -أن ذلك البابَ رجلٌ يُقتَلُ أو يَموت- حديثًا ليس بالأغاليط 8 " 9.
[قال أبو عوانة] 10 يُقَال: إن تفْسيرَ المُرْبَدّ 11 شِدَّةُ البَيَاضِ في السَّوَاد، وتفسيرُ الكوز مُجَخِّيًا قال: منكوسًا 12.
214 - حدثنا أبو داودَ الحراني، حدثنا النُّفَيلي، حدثنا زهيْر 1،
حدثنا أبو مالك الأشجعيُّ بنحوهِ بطُوْله 2. ورَواه غسَّانُ بن الرَّبيع 3، عن ثابت بن يزيد 4، عن [سليمان] 5 التيمي، عن نُعَيم بن أبي هند 6، عن ربعى بن حِرَاشٍ 7، عن حُذَيفةَ أنَّ عمر -رضي الله عنهما 8 - قالَ: مَن يُحدِّثنا ما قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في
الفتنةِ؟ وَذكر الحديثَ بنحوه وَقال في آخرِه: قال حُذيفةُ: حَدَّثتُه حَديثًا ليْس بالأغاليطِ 9.
بَابُ بَيَانِ الكَبَائرِ والذنوب المُوبقاتِ
13
215 - حدثنا محمد بن إسْحاق الصَّغاني، حدثنا عبيد الله بن عمر 1، حدثنا بشر بن المُفَضَّل 2، حدثنا الجُريري 3، عن عبد الرحمن بن أبي بكرة 4، عن أبيهِ قال: قال رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم-: "ألا أُخبركم بأكبر الكبائر؟ "، قالها ثلاثًا، قالوا: بلى يا رسولَ الله.
قال: "الإشراكُ باللهِ، وعُقوق الوالدين" -قال: وكان جالسًا متَّكِئًا 5، يعني رسول الله -صلي الله عليه وسلم- فَجَلس- قال: "وَقَوْل الزُّور"، قالَ: فَما زال يَقُولها حتى قلنا لَيتَه سكَتْ" 6.
كذا قال ابنُ عُلَيَّة 7: وكان رسول الله -صلي الله عليه وسلم- جَالسًا.