..................................
يحْتاجُ عندِي إلى شيءٍ مِن تَفْصيلٍ؛ فقوْلُه: يُرْجَعُ في قَسْمِه.
أي في تقْديرِ الاسْتِحْقاقِ.
والتَّقْديمُ؛ البُداءَةُ ببعضِ أهْلِ الوَقْفِ دُونَ بعضٍ؛ كوَقَفْتُ على زَيدٍ وعَمْرٍو وبَكْرٍ.
ويبْدَأُ بالدَّفْعِ إلى زَيدٍ.
أو: وَقَفْتُ على طائفَةِ كذا.
ويبْدأُ بالأصْلَحِ، أو الأَفْقَهِ.
والتَّأْخيرُ عكْسُ ذلك.
وإذا أُضِيفَ تقْديرُ الاسْتِحْقاقِ، كان للمُؤَخَّرِ ما فضَل، وإنْ لم يفْضُلْ شيءٌ، سقَط.
والجَمْعُ؛ جمعُ الاسْتِحْقاقِ مُشْتَركًا في حالةٍ واحدةٍ.
والتَّرتيبُ، جعْلُ اسْتِحقاقِ بَطنٍ مُرَتَّبًا على آخَرَ, كما تقدَّم.
والتَّرتيبُ مع التَّقْديمِ والتَّأْخيرِ مُتَّحِدٌ مَعْنًى، لكِنَّ المُرادَ في صُورَةِ التَّقْديمِ بَقاءُ أصْلِ الاسْتِحْقاقِ للمُؤَخَّرِ، على صِفَةِ أنَّ له ما فضَلَ، وإلَّا سقَط.
وفي صُورَةِ التَّرتيبِ، عدَمُ اسْتِحْقاقِ المُؤخَّرِ مع وُجودِ المُقَدَّمِ.
والتَّسْويَةُ؛ جعْلُ الرَّيعِ بينَ أهْلِ الوَقْفِ مُتَساويًا.
والتَّفْضِيلُ؛ جَعْلُه مُتَفاوتًا.
ومعْنَى الإِخْراجِ بصِفَةٍ، والإِدْخالِ بصِفَةٍ؛ جعْلُ الاسْتِحْقاقِ والحِرْمانِ مُرَتَّبًا على وَصْفٍ مُشْتَرَطٍ، فتَرَتُّبُ الاسْتِحْقاقِ؛ كالوَقْفِ على قَوْمٍ بشَرْطِ كوْنِهم فُقَراءَ أو صُلَحاءَ.
وتَرَتُّبُ الحِرْمانِ أنْ يقولَ: ومَن فسَق منهم، أو اسْتَغْنَى، فلا شيءَ له.
..................................
تنبيه: ظاهِرُ كلامِ المُصَنِّفِ وغيرِه، أن الشَّرْطَ المُباحَ الذي لا يظْهَرُ قَصْدُ القُرْبَةِ منه، يجِبُ اعْتِبارُه في كلامِ الواقِفِ.
قال الحارِثِيُّ: وهو ظاهِرُ كلامِ الأصحابِ، والمَعْروفُ في المذهبِ الوُجوبُ.
قال: وهو الصَّحيحُ.
وقال في «الفائقِ»: وقال شيخُنا، يعْنِي به الشَّيخَ تَقِيَّ الدِّينِ: يُخَرَّجُ مِن شَرْطِ كوْنِه قُرْبَةً، اشْتِراطُ القُرْبَةِ في الأصْلِ يَلْزَمُ الشُّروطَ المُباحَةَ.
انتهى.
وقال في «الفُروعِ»: واخْتارَ شيخُنا، يعْنِي به الشَّيخَ تَقِيَّ الدِّينِ، لزُومَ العَملِ بشَرْطٍ مُسْتَحَبٍّ خاصَّةً، وذكَرَه صاحبُ «المُذْهَبِ»؛ لأنَّه لا ينْفَعُه، ويُعَذَّرُ عليه، فبَذْلُ المالِ فيه سَفَهٌ، ولا يجوزُ.
انهى.
قال الحارِثِيُّ: ومِن مُتَأخِّرِي الأصحابِ مَن قال: لا يصِحُّ اشْتِراطُه، يعْنِي المُباحَ، في ظاهِرِ المذهبِ.
وعلَّلَه، قال: وهذا له قُوَّةٌ، على القَوْلِ باعْتِبارِ القُرْبَةِ في أصْلِ الجِهَةِ, كما هو ظاهِرُ المذهبِ.
وإيَّاه أرادَ بقَوْلِه: في ظاهِرِ المذهبِ.
فيما أرَى، ويُؤَيِّدُه مِن نصِّ أحمدَ، وذكَر النَّصَّ في الوَصِيَّةِ.
انتهى.
والظَّاهِرُ، أنَّه أرادَ بقَوْلِه: مِن مُتَأخِّرِي الأصحابِ.
الشَّيخَ
..................................
تَقِيَّ الدِّينِ، وكان في زَمَنِه.
وفي كلامِ صاحِبِ «الفُروعِ» إيماءٌ إلى ذلك.
وقال الشَّيخُ تَقِيُّ الدِّينِ أيضًا: مَن قدَّر له الواقِفُ شيئًا، فله أكثرُ منه.
إنِ اسْتحَقَّه بمُوجِبِ الشَّرْعِ.
وقال أيضًا: الشَّرْطُ المَكْروهُ باطِلٌ اتفاقًا.
فائدة: لو خَصَّصَ المَدْرسَةَ بأهْلِ مذهبٍ أو بَلَدٍ أو قَبِيلَةٍ، تخَصَّصَتْ، وكذلك الرِّباطُ والخانِقاهُ.
والمَقْبرَةُ كذلك.
وهذا المذهبُ.
جزَم به في «التَّلْخيصِ» وغيرِه، وصحَّحَه الحارِثِيُّ وغيرُه.
قال الحارِثِيُّ: وذكَر بعضُ شيُوخِنا في كتابِه احْتِمالًا بعدَمِ الاخْتِصاصِ.
وأمَّا المَسْجدُ؛ فإنْ عيَّن لإِمامَتِه شخْصًا، تعَيَّنَ، وإنْ خصَّصَ الإِمامَةَ بمذهبٍ، تخَصَّصَتْ به، ما لم يكُنْ في شيءٍ مِن أحْكامِ الصَّلاةِ مُخالِفًا لصَريحِ السُّنَّةِ أو ظاهِرِها؛ سواءٌ كان لعدَمِ الاطِّلاعِ، أو لتَأْويلٍ ضعيفٍ.
وإنْ خصَّصَ المُصَلِّين فيه بمذهبٍ، فقال في «التَّلْخيصِ»: يخْتَصُّ بهم على الأَشْبَهِ؛ لاخْتِلافِ المذاهب في أحْكامِ الصَّلاةِ.
قال الحارِثيُّ: وقال غيرُ صاحبِ «التَّلْخيصِ»، مِن مُتَأخِّرِي الأصحابِ: يَحْتَمِلُ وَجْهَين.
وقوَّى الحارِثِيُّ عدَمَ الاخْتِصاصِ.
قلتُ: وهو الصَّوابُ.
قال في «الفائقِ»: قلتُ: واخْتارَ ابنُ هُبَيرَةَ عدَمَ الاخْتِصاصِ في المَسْجِدِ بمذهبٍ في الإِمامِ.
قال في «الفُروعِ»: وقيل: لا تتَعَيَّنُ طائفَةٌ وُقِفَ عليها مَسْجِدٌ أو مقْبَرَةٌ، كالصَّلاةِ فيه.
وقال أبو الخَطَّابِ: يَحْتَمِلُ إنْ عيَّن مَن يُصَلِّي فيه مِن أهْلِ الحديثِ، أو تَدْريس العِلْمِ، اخْتصَّ.
وإنْ سَلَّمَ، فلأنَّه لا يقَعُ التَّزاحُمُ بإشاعَتِه، ولو وقَع، فهو أفْضَلُ؛ لأنَّ الجماعَةَ تُرادُ له.
وقيل: تُمْنَعُ التَّسْويَةُ بينَ فُقَهاءَ، كمُسابقَةٍ.
وقال الشَّيخُ تَقِيُّ الدِّينِ: قوْلُ الفُقَهاءِ: نُصوصُ الواقِفِ كنُصوصِ الشَّارِعِ.
يعْنِي، في الفَهْمِ والدَّلالةِ، لا في وُجوبِ العمَلِ، مع أنَّ التَّحْقيقَ، أنَّ لفْظَه، ولفْظَ المُوصِي، والحالِفِ، والنَّاذِرِ، وكلِّ عاقِدٍ، يُحْمَلُ على عادَتِه في خِطابِه ولُغَتِه التي يتَكلَّمُ
..................................
بها؛ وافَقَتْ لُغَةَ العرَبِ أو لُغَةَ الشَّارِعِ، أمْ لا.
قال: والشُّروطُ إنَّما يَلْزَمُ الوَفاءُ بها، إذا لم تُفْضِ إلى الإِخْلالِ بالمَقْصودِ الشَّرْعِيِّ، ولا تجوزُ المُحافظَةُ على بعضِها مع فَواتِ المَقْصودِ بها.
قال: ومَن شرَط في القُرُباتِ أنْ يُقَدَّمَ فيها الصِّنْفُ المَفْضولُ، فقد شرَط خِلافَ شَرْطِ اللهِ، كشَرْطِه في الإِمامَةِ تقْديمَ غيرِ الأَعْلَمِ، والنَّاظِرُ مُنَفِّذٌ لما شرَطَه الواقِفُ.
الهى.
وإنْ شرَط أنْ لا يُنَزَّلَ فاسِقٌ ولا شِرِّيرٌ، ولا مُتَجَوِّهٌ ونحوُه، عُمِلَ به، وإلَّا توَجَّهَ أنْ لا يُعْتَبرَ في فُقَهاءَ، ونحوهم.
وفي إمامٍ ومُؤذِّنٍ الخِلافُ.
قال في «الفُروعِ»: وهو ظاهِرُ كلامِهم، وكلامِ شيخِنا في مَوْضِعٍ.
وقال الشَّيخُ تَقِيُّ الدِّينِ أيضًا: لا يجوزُ أنْ يُنَزَّلَ فاسِقٌ في جِهَةٍ دِينِيَّةٍ؛ كمدْرَسَةٍ وغيرِها مُطْلَقًا؛ لأنَّه يجِبُ الإِنْكارُ عليه وعُقوبَتُه، فكيفَ يُنَزَّلُ؟ وقال أيضًا: إنْ نُزِّلَ.
مُسْتَحِقٌّ تنْزِيلًا شرْعِيًّا، لم يَجُزْ صَرْفُه بلا مُوجِبٍ شَرْعِيٍّ.
انتهى.
فائدة: قال الشَّيخُ تَقِيُّ الدِّينِ: لو حكَم حاكِمٌ بمَحْضَرٍ؛ كوَقْفٍ فيه شرُوطٌ، ثم ظهَر كِتابُ الوَقْفِ غيرَ ثابتٍ، وجَب ثُبوتُه، والعَملُ به إنْ أمْكَنَ.
وقال أيضًا: لو أقَرَّ المَوْقوفُ عليه، أنَّه لا يسْتَحِقُّ في هذا الوَقْفِ إلَّا مِقْدارًا معْلومًا، ثم ظهَر شَرْطُ الواقِفِ بأنَّه يسْتَحِقُّ أكْثَرَ، حُكِمَ له بمُقْتَضَى شَرْطِ الواقِفِ، ولا يَمْنَعُ مِن ذلك الإِقْرارُ المُتقَدِّمُ.
الهى.
تنبيه: ظاهِرُ قوْلِه: وإخْراجِ مَن شاءَ بصِفَةٍ، وإِدْخَالِه بصِفَةٍ.
أنَّ الواقِفَ لو شرَط للنَّاظِرِ إخراجَ مَن شاءَ بصِفةٍ مِن أهْلِ الوَقْفِ، وإدْخال غيرِه بصِفَةٍ منهم، جازَ؛ لأنَّه ليس بإخْراجٍ للمَوْقوفِ عليه مِنَ الوَقْفِ، وإنَّما هو تَعْلِيقُ الاسْتِحْقاقِ بصِفَةٍ، فكأَنَّه جعَل له حقًّا في الوَقْفِ، إذا اتَّصَفَ بإرادَةِ النَّاظرِ ليُعْطِيه، ولم يجْعَلْ
..................................
له حقًّا، إذا انْتَفَتْ تلك الصِّفَةُ فيه.
وإنْ شرَط له أنْ يُخْرِجَ مَن شاءَ مِن أهْلِ الوَقْفِ، ويُدْخِلَ مَن شاءَ مِن غيرِهم، لم يصِحَّ؛ لأنَّه شرْطٌ يُنافِي مُقْتَضَى الوَقْفِ، فأَفْسَدَه، كما لو شرَط أنْ لا يُنْتفَعَ به.
قال ذلك المُصَنِّفُ ومَن تابَعه.
وقدَّمه في «الفُروعِ».
وقال الحارِثِيُّ: فرَّق المُصَنِّفُ بينَ المَسْألتَين، قال: والفَرْقُ لا يتَّجهُ.
وقال الشَّيخُ تَقِيُّ الدِّينِ: كلُّ مُتَصَرِّفٍ بولايةٍ إذا قيلَ: يفْعَلُ ما يشاءُ.
فإنَّما هو لمَصْلَحَةٍ شرْعِيَّةٍ، حتى لو صرَّحَ الواقِفُ بفِعْلِ ما يَهْواه، وما يَراه مُطْلَقًا، فشَرْطٌ باطِلٌ، لمُخالفَتِه الشَّرْعَ، وغايَتُه أنْ يكونَ شَرْطًا مُباحًا، وهو باطِلٌ على الصَّحيحِ المَشْهورِ، حتى لو تَساوَى فِعْلان، عُمِلَ بالقُرْعَةِ.
وإذا قيلَ هنا بالتَّخْيِيرِ، فله وَجْهٌ.
فوائد؛ الأُولَى، يتَعَيَّنُ مصْرِفُ الوَقْفِ إلى الجِهَةِ المُعَيَّنَةَ له.
على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ، ونقَلَه الجماعَةُ.
قدَّمه في «الفُروعِ» وغيرِه، وقطَع به أكْثَرُهم، وعليه الأصحابُ.
وقال الشَّيخُ تَقِيُّ الدِّينِ: يجوزُ تغْيِيرُ شَرْطِ الواقِفِ إلى ماهو أصْلَحُ منه، وإنِ اخْتلَفَ ذلك باخْتِلافِ الأزْمانِ، حتى لو وقَف على الفُقَهاءِ، والصُّوفِيَّةِ، واحْتاجَ النَّاسُ إلى الجِهادِ، صُرِفَ إلى الجُنْدِ.
وقيل: إنْ سبَّل ماءً للشُّرْبِ، جازَ الوُضوءُ منه.
قال في «الفُروعِ»: فشُرْبُ ماءٍ مَوْقُوفٍ للوُضوءِ يتَوَجَّهُ عليه، وأَوْلَى.
وقال الآجُرِيُّ في الفَرَسِ الحَبِيسِ: لا يُعِيرُه ولا يُؤْجِرُه إلَّا لنَفْعِ الفَرَسِ، ولا يَنْبَغِي أنْ يَرْكَبَه في حاجَةٍ إلَّا لتَأْدِيبِه وجَمالِ المُسْلِمين ورِفْعَةٍ لهم، أو غَيظَةٍ للعَدُوِّ، وتقدَّم وَجْهٌ بتَحْرِيمِ الوُضوءِ مِن ماءِ زَمْزَمَ.
قال في «الفُروعِ»: فعلى نَجاسَةِ المُنْفَصِلِ واضِحٌ، وقيل: لمُخالفَةِ شَرْطِ الواقِفِ، أنَّه لو سبَّل ماءً للشُّرْبِ، في كراهَةِ الوُضوءِ منه وتحْريمِه وَجْهان في «فتاوَى ابنِ
..................................
الزَّاغُونِيِّ» وغيرِها.
وعنه، يجوزُ إخْراجُ بُسُطِ المَسْجِدِ وحُصُرِه لمَن ينْتَظِرُ الجِنازَةَ.
وأمَّا رُكوبُ الدَّابةِ لعَلْفِها وسَقْيِها، فيجوزُ.
نقَلَه الشَّالنْجِيُّ.
وجزَم به في «الفُروعِ» وغيرِه.
الثَّانيةُ، إذا شرَط الواقِفُ لناظِرِه أُجْرَةً، فكُلْفَتُه عليه حتى تَبْقَى أُجْرَةُ مِثْلِه.
على الصَّحيحِ مِنَ الذهبِ، نصَّ عليه.
وقدَّمه في «الفُروعِ».
وقال المُصَنِّفُ، ومَن تَبِعَه: كُلْفَتُه مِن غَلَّةِ الوَقْفِ.
قيل للشَّيخِ تَقِيِّ الدِّينِ: فله العادَةُ بلا شَرْطٍ؟ فقال: ليس له إلَّا ما يُقابِلُ عمَلَه.
وتقدَّم في بابِ الحَجْرِ، إذا لم يَشْرُطِ الواقِفُ للنَّاظِرِ أُجرَةً، هل له الأخْذُ أمْ لا؟ الثَّالثةُ، قال الحارِثِيُّ: إذا أسْنَدَ النَّظَرَ إلى اثْنَين، لم يتَصَرَّفْ أحدُهما بدُونِ شَرْطٍ.
وكذا إنْ جَعَلَه الحاكِمُ أو النَّاظِرُ إليهما.
وأمَّا إذا شرَطَه لكُلِّ واحدٍ مِنِ اثْنَين، اسْتقلَّ كلٌّ منهما بالتَّصَرُّفِ؛ لاسْتِقْلالِ كلٍّ منهما بالنَّظَرِ.
وقال في «المُغْنِي» 1: إذا كان المَوْقوفُ عليه ناظِرًا؛ إمَّا بالشَّرْطِ، وإمَّا لانْتِفاءِ ناظِرٍ مَشْروطٍ، وكان واحِدًا، اسْتَقَلَّ به، وإنْ كانوا جماعَةً، فالنَّظَرُ للجميعِ، كلُّ إنْسانٍ في حِصَّتِه.
انتهى.
قال الحارِثِيُّ: والأظْهَرُ أنَّ الواحِدَ منهم في حالةِ الشَّرْطِ لا يسْتَقِلُّ بحِصَّتِه؛ لأنَّ النَّظَرَ مُسْنَدٌ إلى الجميعِ، فوَجَب الشَّرِكَةُ في مُطْلَقِ النَّظَرِ، فما مِن نَظَرٍ 2 إلَّا وهو مُشْتَرِكٌ.
وإنْ أسْنَدَه إلى عَدْلَين مِن وَلَدِه، فلم يُوجَدْ إلَّا واحِدٌ، أو أَبَى أحدُهما، أو ماتَ، أقامَ الحاكِمُ مُقامَه آخَرَ؛ لأنَّ الواقِفَ لم يَرْضَ بواحدٍ، وإنْ جعَل كلًّا منهما مُسْتَقِلًّا، لم يحْتَجْ إلى إقامَةِ آخَرَ؛ لأنَّ البَدَلَ مُسْتَغْنًى عنه، واللَّفْظُ لا يدُلُّ عليه.
وإنْ أسْنَدَه إلى الأفْضَلِ فالأَفْضَلِ مِن وَلَدِه، وأَبَى الأفْضَلُ القَبُولَ، فهل ينْتَقِلُ إلى الحاكمِ
..................................
مُدَّةَ بَقائِه، أو إلى مَن يَلِيه؟ فيه الخِلافُ الذي فيما إذا ردَّ البَطْنُ الأوَّلُ، على ما تقدَّم.
قاله الحارِثِيُّ.
قلتُ: وهي قرِيبةٌ ممَّا إذا عضَل الوَلِيُّ الأَقْرَبُ، هل تنْتَقِلُ الولايةُ إلى الحاكِمِ، أو إلى مَن يَلِيَه مِنَ الأولِياءِ؟ على ما يأْتِي في كلامِ المُصَنِّفِ، في أرْكانِ النِّكاحِ.
وإنْ تعَيَّنَ أحدُهم لفَضْلِه، ثم صارَ فيهم مَن هو أفْضَلُ منه، انْتقَلَ إليه لوُجودِ الشَّرطِ فيه.
الرَّابعَةُ، لو تَنازَعَ ناظِران في نَصْبِ إمامَةٍ؛ نصَب أحدُهما زيدًا، والآخرُ عَمْرًا؛ إنْ لم يسْتَقِلَّا، لم تنْعَقِدِ الولايةُ؛ لانْتِفاءِ شَرْطِها، وإنِ اسْتَقَلَّا وتَعاقَبا، انْعقَدَتْ للأَسْبَقِ، وإنِ اتَّحَدا واسْتَوَى المَنْصُوبان، قُدِّمَ أحدُهما بالقُرْعَةِ.
الخامسةُ، تشْتَمِلُ على أحْكام جَمَّةٍ مِن أحْكامِ النَّاظِرِ؛ إذا عزَل الواقِفُ مَن شرَط النَّظَرَ له، لم ينْعَزِلْ، إلَّا أنْ يَشْرُطَ لنَفْسِه ولايةَ العَزْلِ.
قطَع به الحارِثِيُّ، وصاحِبُ «الفُروعِ».
ولو ماتَ هذا النَّاظِرُ في حياةِ الواقِفِ، لم يَمْلِكِ الواقِفُ نَصْبَ ناظِرٍ بدُونِ شَرْطٍ، وانْتَقَلَ الأمْرُ إلى الحاكمِ، وإنْ ماتَ بعدَ وَفاةِ الواقفِ، فكذلك، بلا نِزاعٍ.
وإنْ شرَط الواقِفُ النَّظَرَ لنَفْسِه، ثم جعَلَه لغيرِه، أو فوَّضَه إليه، أو أسْنَدَه، فهل له عَزْلُه؟ فيه وَجْهان.
وأطْلَقَهما في «الفُروعِ»؛ أحدُهما، له عَزْلُه.
قدَّمه في «الرعايَةِ الكُبْرَى»، فقال: وإنْ قال: وَقَفْتُ كذا بشَرْطِ أنْ ينْظُرَ فيه زَيدٌ.
أو: على أنْ ينْظُرَ فيه.
أو قال عَقِبَه: جعَلْتُه ناظِرًا فيه.
أو جعَل النَّظَرَ له، صحَّ، ولم يَمْلِكْ عَزْلَه.
وإنْ شرَطَه لنَفْسِه، ثم جعَلَه لزَيدٍ، أو قال: جعَلْتُ نظَرِي له.
أو: فوَّضْتُ إليه ما أمْلِكُه مِنَ النَّظَرِ.
أو: أسْنَدْتُه إليه.
فله عزْلُه، ويَحْتَمِلُ عدَمَه.
انتهى.
قال الحارِثِيُّ: إذا كان الوَقْفُ على جِهَةٍ لا تنْحَصِرُ كالفُقَراءِ والمَساكِينِ، أو على مَسْجِدٍ، أو مدْرَسَةٍ، أو قنْطَرَةٍ، أو رِباطٍ، ونحو ذلك، فالنَّظَرُ للحاكِمِ، وَجْهًا واحدًا.
وللشَّافِعِيَّةِ وَجْهٌ، أنَّه
..................................
للواقِفِ.
وبه قال هِلَالُ الرَّأْي 1، مِنَ الحَنَفِيَّةِ.
قال الحارِثِيُّ: وهو الأقْوَى.
فعليه، له نَصْب ناظِرٍ مِن جِهَتِه، ويكونُ نائِبًا عنه، يَمْلِكُ عزْلَه متى شاءَ؛ لأَصالةِ ولايَتِه، فكان مَنْصوبُه نائِبًا عنه, كما في المِلْكِ المُطْلَقِ.
وله الوَصِيَّةُ بالنَّظرَ؛ لأَصالةِ الولايَةِ، إذا قيل بنَظَرِه له أنْ ينْصِبَ ويعْزِلَ أيضًا كذلك.
انتهى.
والوَجْهُ الثَّانِي، ليس له عزْلُه.
وهو الاحْتِمالُ الذي في «الرِّعايَةِ».
وللنَّاظِرِ بالأَصالةِ أنْ ينْصِبَ ويَعْزِلَ أيضًا بشَرْطِه.
والمُرادُ بالنَّاظِرِ بالأَصالةِ المَوْقوفُ عليه، أو الحاكِمُ.
قاله القاضي مُحِبُّ الدِّين بنُ نَصْرِ اللهِ.
وأمَّا النَّاظِرُ المَشْروطُ، فليس له نَصْبُ ناظِرٍ؛ لأنَّ نظَرَه مُسْتَفادٌ بالشَّرْطِ، ولم يُشْرَطِ النَّصْبُ له.
وإنْ قيل برِوايَةِ توْكيلِ الوَكيلِ، كان له بالأَوْلَى؛ لتأَكُّدِ ولايَتِه مِن جِهَةِ انْتِفاءِ عزْلِه بالعَزْلِ، وليس له الوَصِيَّةُ بالنَّظرِ أيضًا.
نصَّ عليه في رِوايَةِ الأَثْرَمِ؛ لأنَّه إنَّما ينْظُرُ بالشَّرْطِ، ولم يُشْرَطِ الإِيصاءُ له، خِلافًا للحَنَفِيَّةِ.
ومَن شُرِطَ لغيرِه النَّظرُ إنْ ماتَ، فعزَلَ نفْسَه أو فَسَقَ، فهو كمَوْتِه؛ لأنَّ تخْصِيصَه للغالِبِ.
ذكَرَه الشَّيخُ تَقِيُّ الدِّينِ.
قالن في «الفُروعِ»: ويتَوَجَّهُ، لا.
وقال: ولو قال: النَّظرُ بعدَه له.
فهل هو كذلك، أو المُرادُ بعدَ نظَرِه؟ يتَوَجَّهُ وَجْهان.
انتهى.
وللنَّاظِرِ التّقْريرُ في الوَظائفِ.
قال في «الفُروعِ»: قاله الأصحابُ في ناظرِ المَسْجِدِ.
قال الحارِثِيُّ: المَشْروطُ له نظَرُ المَسْجِدِ، له نَصْبُ مَن يقُومُ بوَظائِفِه؛ مِن إمامٍ، ومُؤَذِّنٍ، وقَيِّمٍ، وغيرِهم، كما أنَّ لناظرِ المَوْقُوفِ عليه نَصْبَ مَن يقومُ بمَصْلَحَتِه؛ مِن جابٍ ونحوه.
وإن لم يُشْرَطْ ناظِرٌ، لم يكُنْ للواقِفِ ولايةُ النَّصْبِ.
نصَّ عليه في رِوايَةٍ حَرْبٍ، وابنِ بَخْتانَ.
قال الحارِثِيُّ: ويَحْتَمِلُ خِلافَه على ما تقدَّم.
فعلى الأوَّل، للإِمامِ ولإيَةُ
..................................
النَّصْبِ؛ لأنَّه مِنَ المَصالحِ العامَّةِ.
وقال في «الأحْكامِ السُّلْطانِيَّةِ»: إنْ كان المَسْجِدُ كبيرًا؛ كالجَوامِعِ، وما عَظُمَ وكثُرَ أهْلُه، فلا يَؤُمُّ فيها إلَّا مَن ندَبَه السُّلْطانُ، وإنْ كان مِنَ المَساجِدِ التي يَبْنِيها أهْلُ الشَّوارِعِ والقَبائلِ، فلا اعْتِراضَ عليهم، والإِمامَةُ فيها لمَنِ اتَّفَقُوا عليه، وليس لهم بعدَ الرِّضا به عزْلُه عن إمامَتِه، إلَّا أنْ يتَغَيَّرَ.
قال الحارِثِيُّ: والأصحُّ أنَّ للإِمامِ النَّصْبَ أيضًا، لكِنْ لا يَنْصِبُ مَن لا يرْضاه الجِيرانُ، وكذلك النَّاظِرُ الخاصُّ لا يَنْصِبُ مَنْ لا يرْضَونه.
وقال الحارِثِيُّ أيضًا: وهل لأهْلِ المَسْجِدِ نَصْبُ ناظرٍ في مصَالحِه ووَقْفِه؟ ظاهِرُ المذهبِ، ليس لهم ذلك، كما في نصْبِ الإِمامِ والمُؤذِّنِ.
هذا إذا وُجدَ نائبٌ مِن جِهَةِ الإِمامِ.
فأمَّا إذا لم يُوجَدْ؛ كما في القُرَى الصِّغارِ أو الأماكنِ النَّائيةِ، أو وُجدَ، وكان غيرَ مأْمونٍ، أو يَغْلِبُ عليه نصْبُ مَن ليس مأْمونًا، فلا إشْكال في أنَّ لهم النَّصْبَ؟ تَحْصِيلًا للغرَضِ، ودَفْعًا للمَفْسَدَةِ.
وكذا ما عدَاه مِنَ الأوْقافِ، لأهْلِ ذلك الوَقْفِ، أو الجِهَةَ نَصْبُ ناظِرٍ فيه كذلك.
وإنْ تعَذَّرَ النَّصْبُ مِن جِهَةِ هؤلاءِ، فلرَئيسِ القَرْيَةِ أو المكانِ، النَّظَرُ والتَّصَرُّفُ؛ لأنَّه محَلُّ حاجَةٍ.
ونصَّ أحمدُ على مِثْلِه.
انتهى.
قال في «الفُروعِ»: وذكَر في «الأحْكامِ السُّلْطانِيَّةِ» أنَّ الإِمامَ يُقَرِّرُ في الجَوامِعِ الكِبارِ، كما تقدَّم، ولا يتوَقَّفُ الاسْتِحْقاقُ على نصْبِه إلَّا بَشْرطٍ، ولا نظَرَ لغيرِ النَّاظرِ معه.
قال في «الفُروعِ»: أطْلَقه الأصحابُ، وقاله الشَّيخُ تَقِيُّ الدِّينِ.
ويتَوَجَّهُ مع حُضورِه، فيُقَرِّرُ حاكِمٌ في وَظِيفَةٍ خلَتْ في غَيبَتِه، لِمَا فيه مِنَ القِيامِ بَلفْظِ الواقِفِ في المُباشَرَةِ ودَوامِ نَفْعِه، فالظَّاهِرُ أنَّه يُريدُه.
ولا حُجَّةَ في توْلِيَةِ الأئمَّةِ مع البُعْدِ؛ لمَنْعِهم غيرَهم التَّوْلِيَةَ.
فنَظِيرُه منْعُ الواقِفِ التَّوْلِيَةَ لغَيبَةِ النَّاظِرِ، ولو سبَق توْلِيَةُ ناظرٍ غائبٍ، قُدِّمَتْ.
وللحاكِمِ النَّظَرُ العامُّ، فيَعْتَرِضُ عليه، إنْ فعَل ما لا يَسُوغُ، وله ضمُّ أمينٍ مع تفْريطِه أو تُهْمَتِه، يحصُلُ
..................................
به المَقْصُودُ.
قاله الشَّيخُ تَقِيُّ الدِّينِ وغيرُه.
وقال أيضًا: ومَن ثبَت فِسْقُه، أو أصَرَّ مُتَصَرِّفًا بخِلافِ الشَّرْطِ الصَّحيحِ، عالِمًا بتَحْريمِه، قُدِحَ فيه؛ فإمَّا أنْ ينْعزِلَ، أو يُعْزَلَ، أو يُضَمَّ إليه أمِينٌ، على الخِلافِ المَشْهورِ، ثم إنْ صارَ هو أو الوَصِيُّ أهْلًا، عادَ, كما لو صرَّح به، وكالمَوْصُوفِ.
وقال أيضًا: متى فَرَّط، سقَط ممَّا له بقَدْرِ ما فوَّتَه مِنَ الواجِبِ.
انتهى.
وقال في «التَّلْخيصِ»: لو عُزِلَ عن وَظِيفَتِه للفِسْقِ، مثَلًا، ثم تابَ، وأظْهَرَ العَدالةَ، يتَوَجهُ أنْ يُقال فيها ما قيلَ في مَسْأَلَةِ الشَّهادَةِ، أو أوْلَى؛ لأنَّ تُهْمَةَ الإِنْسانِ في حقِّ نفْسِه ومَصْلَحَتِه أبْلَغُ منها في حقِّ الغيرِ.
والظَّاهِرُ أنَّ مُرادَه بالخِلافِ المَشْهورِ، ما ذكَرَه الأصحاب في المُوصَى إليه، إذا فَسَقَ، هل ينْعَزِلُ أو يُضَمُّ إليه أمِينٌ؟ على ما يأْتِي.
[ويأْتِي بَيانُ ذلك أيضًا قريبًا, في الفائدَةِ السَّابِعَةِ] 1. وقال في «الأحْكامِ السُّلْطانِيَّةِ»: يسْتَحِقُّ ماله، إنْ كان معْلومًا، فإنْ قصَّر، فتَرَك بعضَ العمَلِ، لم يسْتَحِقَّ ما قابلَه، وإنْ كان بجِنايَةٍ منه، اسْتَحَقَّه، ولا يسْتَحِقُّ الزِّيادَةَ.
وإنْ كان مَجْهولًا، فأُجْرَةُ مِثْلِه، فإنْ كان مُقَدَّرًا في الدِّيوانِ، وعمِلَ به جماعَةٌ، فهو أجْرُ المِثْلِ.
وإنْ لم يُسَمِّ له شيئًا، فقال في «الفُروعِ»: قِياسُ المذهبِ، إنْ كان مَشْهورًا بأَخذِ الجارِي على عمَلِه، فلهْ جارِي مِثْلِه، وإلَّا فلا شيءَ له، وله الأجْرُ مِن وَقتِ نَظَرِه فيه.
قاله الأصحابُ، والشَّيخُ تَقِيُّ الدِّينِ.
قال الشَّيخُ تَقِيُّ الدِّينِ: ومَن أطْلَقَ النَّظَرَ لحاكِمٍ، شَمِلَ أيَّ حاكِمٍ كان؛ سواءٌ كان مذهبُه مذهبَ حاكمِ البَلَدِ زمنَ الوَقْف، أوْ لا، وإلَّا لم يكُنْ له نظَرٌ، إذا انْفَردَ، وهو باطِلٌ اتِّفاقًا.
وقد أفْتَى الشَّيخُ
..................................
نَصْرُ اللهِ الحَنْبَلِيُّ، والشَّيخُ بُرْهانُ الدِّينِ 1 وَلَدُ صاحِبِ «الفُروعِ»، في وَقْفٍ شرَط واقِفُه أنَّ النَّظَرَ فيه لحاكمِ المُسْلِمين؛ كائنًا مَن كان، بأنَّ الحُكَّامَ إذا تعَدَّدُوا، يكونُ النَّظَرُ فيه للسُّلْطانِ، يُوَلِّيه مَن شاءَ مِنَ المُتَأهِّلِين لذلك.
وواهق على ذلك القاضي سِراجُ الدِّينِ بنُ البُلْقِينيِّ 2، وشِهابُ الدِّينِ البَاعُونِيُّ 3، وابنُ الهائمِ 4، والتَّفِهْنِيُّ الحَنَفِيُّ 5، والبِسَاطِيُّ المْالِكِيُّ 6. وقال القاضي نَجْمُ الدِّينِ بنُ حِجِّيِّ 7، نقْلًا ومُوافَقَةً للمُتَأَخِّرِين: إنْ كان صادِرًا مِنَ الواقِفِ قبلَ
..................................
حُدوثِ القُضاةِ الثَّلاثَةِ، فالمُرادُ الشَّافِعِيُّ، وإلَّا فهو الشَّافِعِيُّ أيضًا على الرَّاجِحِ.
ولو فَوَّضَه حاكِمٌ، لم يَجُزْ لآخَرَ نقْضُه.
ولو وَلَّى كلُّ واحِدٌ منهما شخْصًا، قَدَّم وَلِيُّ الأمْرِ أحقَّهما.
وقال الشَّيخُ تَقِيُّ الدِّينِ: لا يجوزُ لواقِفٍ شَرْطُ النَّظَرِ لذِي مذهبٍ مُعَيَّنٍ دائمًا.
وقال أيضًا: ومَن وقَف على مُدَرِّسٍ وفُقَهاءَ، فللنَّاظِرِ ثم الحاكِمِ تقْديرُ أُعْطِيَتِهم، فلو زادَ النَّماءُ، فهو لهم.
والحُكْمُ بتَقْديمِ مُدَرِّسٍ أو بربرِه باطِلٌ، لم نعلمْ أحدًا يُعْتَدُّ به قال به، ولا بما يُشْبِهُه، ولو نفَّذَه حُكَّامٌ، وبُطْلانُه لمُخالفَتِه مُقْتَضَى الشَّرْطِ والعُرْفِ أيضًا، وليس تقْديرُ النَّاظرِ أمْرًا حَتْمًا كتَقديرِ الحاكمِ، بحيثُ لا يجوزُ له ولا لغيرِه زِيادَتُه ونَقْصُه للمَصْلَحَةِ.
وإنْ قيلَ: إنَّ المُدَرِّسَ لا يزادُ ولا يُنْقَصُ بزِيادَةِ النَّماءِ ونَقْصِه.
كان باطِلًا؛ لأنَّه لهم.
والقِياسُ أنَّه يُسَوَّى دينَهم، ولو تَفاوَتُوا في المَنْفَعَةِ، كالإِمامِ والجَيشِ في المَغْنَمٍ، لكِنْ دلَّ العُرْفُ على التَّفْضيلِ، وإنَّما قُدِّمَ القَيِّمُ ونحوُه، لأنَّ ما يأْخُذُه أُجْرَةً، ولهذا يحْرُمُ أخْذُه فوقَ أُجْرَةِ مِثْلِه بلا شَرْطٍ.
انتهى كلامُه مُلَخصًا.
ويأْتِي في كلامِ المُصَنِّفِ: إذا وقَف على مَن يُمْكِنُ حَصْرُه.
قال في «الفُروعِ»: وجُعِلَ الإِمامُ والمُؤذِّنُ كالقَيِّمِ، بخِلافِ المُدَرِّسِ، والمُعيدِ، والفُقَهاءِ؛ فإنَّهم مِن جِنْسٍ واحدٍ.
وذكَر بعضُهم في مُدرِّسٍ، وفُقهاءَ ومُتَفَقِّهَةٍ، وإمامٍ، وقَيِّمٍ، ونحو ذلك، يُقْسَمُ بينَهم بالسَّويةِ.
قال في «الفُروعِ»: ويتَوَجَّهُ رِوايَتا عامِلِ زكاةٍ، الثَّمَنُ، أو الأُجْرَةُ.
انتهى.
قال في «الفائقِ»: ولو شرَط على مُدَرِّسٍ وفُقَهاءَ وإمامٍ، فلكُلِّ جِهَةٍ الثُّلُثُ.
ذكَرَه ابنُ الصَّيرَفِيِّ في لَفْظِ المَنافِعِ.
قلت: يَحْتَمِلُ وَجْهَين؛ أخْذًا مِن رِوايَتَي مَدْفوعِ العامِلِ، هل هو الثَّمَنُ؛ اعْتِبارًا بالقِسْمَةِ، أو أُجْرَةُ مِثْلِه بالنِّسْبَةِ؟ انتهى.
قال الشَّيخُ تَقِيُّ الدِّينِ: ولو عطَّلَ مُغِلٌّ وَقْفَ مَسْجدٍ سنَةً، تقَسَّطَتِ الأُجْرَةُ المسْتَقْبَلَةُ عليها، وعلى السَّنَةِ الأُخْرَى، لتَقَوُّمِ
..................................
الوظيفةِ فيهما؛ لأنَّه خيرٌ مِنَ التَّعْطلِ، ولا ينْقصُ الإِمامُ بسَبَبِ تعَطُّلِ الزَّرْعِ بعضَ العامِ.
قال في «الفُروعِ»: فقد أدْخَلَ مُغِلٌّ سنَةً في سنَةٍ.
وقد أفْتَى غيرُ واحدٍ منَّا في زمَنِنا فيما نقَص عمَّا قدَّرَه الواقِفُ كلَّ شَهْرٍ، أنَّه يُتَمَّمُ ممَّا بعدَه، وحكَم به بعضُهم بعدَ سِنِين، قال: ورَأيتُ غيرَ واحدٍ لا يرَاه.
انتهى.
قال الشَّيخُ تَقِيُّ الدِّينِ: ومَن لم يَقُمْ بوَظِيفَتِه، عزَلَه مَنْ له الولايةُ لمَن يقومُ بها، إذا لم يَتُبِ الأوَّلُ ويَلْتَزمُ بالواجِبِ.
ويجِبُ أنْ يُوَلَّى في الوَظائفِ وإمامَةِ المَساجدِ الأحَقُّ شَرْعًا، وأنْ يعْمَلَ بما يقْدِرُ عليه مِن عمَل واجِبٍ.
وقال في «الأحْكامِ السُّلْطانِيَّةِ»: ولايَةُ الإِمامَةِ بالنَّاسِ طَرِيقُها الأَوْلَى، لا الوُجوبُ، بخِلافِ ولايَةِ القَضاءِ والنِّقابَةِ؛ لأنَّه لو تَراضَى النَّاسُ بإمام يُصَلِّي لهم، صحَّ، ولا يجوزُ أنْ يؤُمَّ في المَساجدِ السُّلْطانِيَّةِ، وهي الجوامِعُ، إلَّا مَن وَلَّاه السُّلْطانُ؛ لِئَلَّا يُفْتَاتَ عليه فيما وُكِّلَ إليه.
وقال في «الرِّعايَةِ»: إنْ رَضُوْا بغيرِه بلا عُذْرٍ، كُرِهَ، وصحَّ في المذهب.
ذكَرَهُ في آخِرِ الأذانِ.
السَّادسةُ، لو شرَط الواقِفُ ناظِرًا، ومُدَرِّسًا، ومُعيدًا، وإمامًا، فهل يجوزُ لشَخْصٍ أنْ يقومَ بالوَظائفِ كلِّها، وتَنْحَصِرَ فيه؟ صرَّح القاضي في «خِلافِه الكَبِيرِ» بعَدَمِ الجوازِ في الفَيْء، بعدَ قوْلِ الإِمامِ أحمدَ: لا يتموَّلُ الرَّجُلُ مِنَ السَّوادِ.
وأطال في في لك.
وقال الشَّيخُ تَقِيُّ الدِّينِ في «الفَتاوَى المِصْرِيَّةِ»: وإنْ أمْكَنَ أنْ يجْمَعَ بينَ الوَظائفِ لواحِدٍ، فعَل.
انتهى.
[وتقدَّم لابنِ رَجَبٍ قريبٌ مِن ذلك في الفائِدَةِ السَّابعَةِ 1 قريبًا] 2. السَّابعَةُ، يُشْترَطُ في النَّاظِرِ الإِسْلامُ، والتَّكْليفُ، والكِفايَةُ في التَّصَرُّفِ، والخِبْرَةُ به، والقُوَّةُ عليه.
ويُضَمُّ
..................................
إلى الضَّعيفِ قَويٌّ أمِينٌ.
ثم إنْ كان النَّظَرُ لغيرِ المَوْقُوفِ عليه، وكانتْ تَوْلِيَتُه مِنَ الحاكمِ، أو النَّاظِرِ، فلابُدَّ مِن شَرْطِ العَدالةِ فيه.
قال الحارِثِيُّ: بغيرِ خِلافٍ عَلِمْتُه.
وإن كانتْ توْلِيَتُه مِنَ الواقِفِ، وهو فاسِقٌ، أو كان عَدْلًا ففَسَق، فقال المُصَنِّفُ وجماعةٌ: يصِحُّ، ويُضَمُّ إليه أمِينٌ.
ويَحْتَمِلُ أنْ لا يَصِحَّ تَوْلِيَةُ الفاسِقِ، وينْعَزِلُ إذا فسَق.
وقال الحارِثِيُّ: ومِن مُتَأَخِّرِي الأصحابِ مَن قال بما ذكَرْنا في الفِسْقِ الطارِيء، دُونَ المُقارِنِ للولايةِ، والعكْسُ أنْسَبُ؛ فإنَّ في حالِ المُقارَنَةِ مُسامَحَةً لما يُتَوَقَّعُ منه، بخِلافِ حالةِ الطَّرَيانِ.
انتهى.
وإنْ كان النَّظَرُ للمَوْقوفِ عليه؛ إمَّا بجَعْلِ الواقِفِ النَّظَرَ له، أو لكَوْنِه أحَقَّ بذلك عندَ عدَمِ ناظرٍ، فهو أحقُّ بذلك؛ رجُلًا كان أو امْرأةً؛ عدْلًا كان أو فاسِقًا؛ لأنَّه ينْظُرُ لنَفْسِه.
قدَّمه في «المُغْنِي»، و «الشَّرْحِ».
وقيلَ: يُضَمُّ إلى الفاسِقِ أمِينٌ.
قال الحارِثِيُّ: أمَّا العَدالةُ، فلا تُشْترَطُ، ولكِنْ يُضَمُّ إلى الفاسِقِ عَدْلٌ.
ذكَرَه ابنُ أبِي مُوسى، والسَّامَرِّيُّ، وغيرُهما؛ لما فيه مِنَ العمَلِ بالشَّرْطِ، وحِفْظِ الوَقْفِ.
انتهى.
قلتُ: وهو الصَّوابُ.
وتقدَّم إذا كان النَّظَرُ للمَوْقوفِ عليه، وكان غيرَ أهْلٍ؛ لصِغَرٍ، أو سَفَهٍ، أو جُنونٍ، فإنَّ وَلِيَّه يقومُ مَقامَه في النَّظَرِ، إنْ قُلْنا: الوَقْفُ يَمْلِكه المَوْقوفُ عليه.
وإلَّا الحاكِمُ.
الثَّامنةُ، وَظِيفَةُ النَّاظِرِ؛ حِفْظُ الوَقْفِ، والعِمارَةُ، والإِيجارُ، والزِّراعَةُ، والمُخاصَمَةُ فيه، وتحْصِيلُ رَيعِه؛ مِن أجْرِه، أو زَرْعِه، أو ثَمَرِه، والاجْتِهادُ في تَنْمِيَتِه، وصَرْفُه في جِهاتِه؛ مِن عِمارَةٍ وإصْلاحٍ، وإعْطاءِ مُسْتَحِقٍّ، ونحو ذلك، وله وَضْعُ يَدِه عليه، وعلى الأصْلِ.
ولكِنْ إذا شرَط التَّصَرُّفَ له، واليَدَ لغيرِه، أو عِمارَتَه إلى واحدٍ، وتَحْصِيلَ رَيعِه إلى آخَرَ، فعلى ما شرَطَ.
قاله الحارِثِيُّ.
وقال الشَّيخُ تَقِيُّ الدِّينِ: ونَصْبُ المُسْتَوْفِي الجامِعَ للعُمَّالِ المُتَفَرِّقِين، وهو بحسَبِ الحاجَةِ، والمَصْلَحَةِ، فإنْ لم تَتِمَّ مَصْلَحَةُ قَبْضِ المالِ وصَرْفِه إلَّا به،
..................................
وجَب، وقد يُسْتَغْنَى عنه لقِلَّةِ العُمَّالِ.
قال: ومُباشَرَةُ الإِمامِ المُحاسَبَةَ بنَفْسِه، كنَصْبِ الإِمامِ الحاكِمَ، ولهذا كان، عليه أفْضَلُ الصَّلاةِ والسَّلامِ، يُباشِرُ الحُكْمَ في المَدِينَةِ بنَفْسِه، ويُوَلِّي مع البُعْدِ.
انتهى.
التَّاسعَةُ، قال الأصحابُ: لا اعْتِراضَ لأهْلِ الوَقْفِ على مَن وَلَّاه الواقِفُ، إذا كان أمينًا، ولهم مَسْأَلَتُه عمَّا يحْتاجُون إلى عمَلِه مِن أمْرِ وَقْفِهم، حتى يَسْتَويَ عِلْمُهم وعِلْمُه فيه.
قال في «الفُروعِ»: ونصُّه، إذا كان مُتَّهَمًا.
انتهى.
ولهم مُطَالبَتُه بانْتِساخِ كتابِ الوَقْفِ؛ ليكونَ في أيدِيهم وَثِيقَةً لهم.
قال الشَّيخُ تَقِيُّ الدِّينِ: وتَسْجيلُ كتابِ الوَقْفِ مِنَ الوَقْفِ كالعادَةِ.
العاشرةُ، ما يأْخُذُه الفَقَهاءُ مِنَ الوَقْفِ؛ هل هو كإِجارَةٍ أو جَعَالةٍ، واسْتُحِقَّ ببعضِ العمَلِ؛ لأنَّه يُوجِبُ العَقْدَ عُرْفًا، وهو كالرِّزْقِ مِن بَيتِ المالِ؟ فيه ثلاثةُ أقْوالٍ.
ذكَرَها الشَّيخُ تَقِيُّ الدِّينِ، واخْتارَ الأخِيرَ، فقال: وما يُؤْخَذُ مِن بَيتِ المالِ، فليس عِوَضًا وأُجْرَةً، بل رِزْقٌ للإِعانَةِ [على الطَّاعَةِ] 1، وكذلك المالُ المَوْقوفُ على أعْمالِ البِرِّ، والمُوصَى به، أو المَنْذُورُ له، ليس كالأُجْرَةِ والجُعْلِ.
انتهى.
قال القاضي في «خِلافِه»: ولا يُقالُ: إنَّ منه ما يُؤْخَذُ أجْرَةً عن عمَلٍ، كالتَّدْريسِ ونحوه؛ لأنَّا نقولُ أوَّلًا: لا نُسَلِّمُ أنَّ ذلك أُجْرَةٌ محْضَةٌ، بل هو رِزْقٌ وإعانَةٌ على طَلَبِ 2 العِلْمِ بهذه الأمْوالِ.
انتهى.
وهذا مُوافِقٌ لما قاله الشَّيخُ تَقِيُّ الدِّينِ.
وقال الشَّيخُ تَقِيُّ الدِّينِ أيضًا: ممَّن أكَل المال بالباطِلِ قَوْمٌ لهم رَواتِبُ أضْعافُ حاجَتِهم، وقَوْمٌ لهم جِهاتٌ معْلُومُها كثيرٌ يأْخُذونه ويَسْتَنِيبُونْ بيَسِيرٍ.
وقال أيضًا: النِّيابَةُ في مِثْلِ هذه الأعْمالِ المَشْرُوطَةِ جائزَةٌ، ولو عيَّنَه الواقِفُ، إذا كان النَّائبُ مِثْلَ مُسْتَنِيبِه، وقد يكونُ في ذلك مَفْسَدَةٌ
فَإِنْ لَمْ يَشْتَرِطْ نَاظِرًا، فَالنَّظَرُ لِلْمَوْقُوفِ عَلَيهِ.
وَقِيلَ: لِلْحَاكِمِ وَيُنْفِقُ عَلَيهِ مِنْ غَلَّتِهِ.
راجِحَةٌ، كالأعْمالِ المَشْروطَةِ في الإجارةِ على عَملٍ في الذِّمَّةِ.
انتهى.
قوله: فإنْ لم يَشْتَرِطْ ناظِرًّا، فالنَّظَرُ للمَوْقوفِ عليه -هذا المذهبُ بلا رَيبٍ، بشَرْطِه، وعليه جماهيرُ الأصحابِ، وقطَع به كثيرٌ منهم- وقيل: للحاكِمِ.
قطَع به ابنُ أبِي مُوسى، واخْتارَه الحارِثِيُّ، وقال: فمِنَ الأصحابِ مَن بنَى هذا الوَجْهَ على القَوْلِ بانْفِكاكِ المَوْقوفِ عن مِلْكِ الآدَمِيِّ، وليس هو عندِي كذلك ولا بُدَّ؛ إذْ يجوزُ أنْ يكونَ لحَقِّ من يأْتِي بعدُ.
انتهى.
وأطْلَقَهما في «الكافِي».
وقال
..................................
المُصَنِّفُ، ومَن تَبِعَه: ويَحْتَمِلُ أنْ يكونَ ذلك مَبْنِيًّا على أنَّ المِلْكَ فيه؛ هل ينْتَقِلُ إلى المَوْقوفِ.
عليه، أو إلى اللهِ؟ فإنْ قُلْنا: هو للمَوْقوفِ عليه.
فالنَّظرُ فيه له، وإنْ قُلْنا: هو للهِ تعالى.
فالنَّظَرُ للحاكمِ.
انتهى.
قلتُ: قد تقدَّم أنَّ الخِلافَ هنا مَبْنِيٌّ على الخِلافِ هناك، وعليه الأصحابُ.
قال الحارِثِيُّ هنا: إذا قُلْنا: النَّظَرُ للمَوْقوفِ عليه.
فيكونُ بِناءً على القَوْلِ بمِلْكِه, كما هو المَشْهورُ عندَهم.
انتهى.
فلعَلَّ المُصَنِّفَ ما اطَّلَعَ على ذلك، فوافَقَ احْتِمالُه ما قالُوه، أو تكونُ طريقَةٌ أُخْرَى في المُسْلَمَ، وهو أقْرَبُ.
..................................
تنبيه: محَلُّ الخِلافِ، إذا كان المَوْقوفُ عليه مُعَيَّنًا، أو جَمْعًا محْصُورًا؛ فأمَّا إنْ كان المَوْقوفُ عليهم غيرَ مَحْصُورِين؛ كالفُقَراءِ، والمَساكِينِ، أو على مَسْجِدٍ، أو على مدْرَسَةٍ، أو قَنْطَرَةٍ، أو رِباطٍ، ونحو ذلك، فالنَّظَرُ فيه للحاكِمِ، قوْلًا واحدًا.
وسأَلَه المَرُّوذِيُّ عن دارٍ مَوْقوفَةٍ على المُسْلِمِين؛ إنْ تبَرَّعَ رجُلٌ فقامَ بأمْرِها، وتصَدَّقَ بغَلَّتِها على الفُقَراءِ؟ فقال: ما أحْسَنَ هذا.
قال الحارِثِيُّ: وفيه وَجْهٌ للشَّافِعِيَّةِ، أنَّ النَّظَرَ يكونُ للواقِفِ.
قال: وهو الأَقْوَى.
قال: وعلى هذا له نَصِيبُ ناظِرٍ مِن جِهَتِه، ويكونُ نائبًا عنه، يَمْلِكُ عَزْلَه متى شاءَ.
وله أيضًا الوَصِيَّة بالنَّظَرِ، لأَصالةِ الولايةِ.
وتقدَّم ذلك وغيرُه بأتَمَّ مِن هذا قريبًا.
قوله: وينفِقُ عليه مِن غَلَّتِه.
مُرادُه، إذا لم يُعَيِّنِ الواقِفُ النَّفَقَةَ مِن غيرِه.
وهو واضِحٌ؛ فإنْ لم يُعَيِّنْه مِن غيرِه، فهو مِن غَلَّتِه، وإنْ عينَّهَ مِن غيرِه، فهو منه، بلا نِزاعٍ بينَ الأصحابِ.
وقال الحارِثِيُّ: وخالفَ المالِكيَّةُ في شيءٍ منه، فقالوا: لو شرَط المَرَمَّةَ على المَوْقُوفِ، لم يَجُزْ، ووَجَبَتْ في الغلَّةِ.
وعن بعضِهم، يُرَدُّ للوَقْفِ ما لم يُقْبَضْ؛ لأنَّ ذلك بمَثابَةِ العِوَضِ، فنافَى مَوْضوعَ الصَّدَقَةِ.
قال الحارِثِيُّ: وهذا أَقْوَى.
انتهى.
وإذا قُلْنا: هو مِن غَلَّتِه.
فلم تكُنْ له غَلَّةٌ، فلا يخْلُو؛ إمَّا أنْ يكونَ فيه رُوحٌ أوْ لا، فإنْ كان فيه رُوحٌ، فلا يخْلُو؛ إمَّا أنْ يكونَ الوَقْفُ على مُعَيَّنٍ أو مُعَيَّنِين، أو غيرِهم، فإنْ كان على مُعَيَّنِين، فالصَّحيحُ مِنَ
..................................
المذهبِ، وُجوبُ نفَقَتِه على المَوْقُوفِ عليهم.
وعليه أكثرُ الأصحابِ؛ منهم المُصَنِّفُ، والشَّارِحُ، وصاحِبُ «التَّلْخيصِ»، والحارِثِيُّ، وغيرُهم.
قال الحارِثِيُّ: بِناءً على أنَّه مِلْكُهم.
وذكَر المُصَنِّفُ وَجْهًا بوُجوبِها في بَيتِ المالِ.
قال الحارِثِيُّ: ويحْسُنُ بِناؤه على انْتِفاءِ مِلْكِ الآدَمِيِّ للمَوْقوفِ.
قال: وبه أقولُ.
ثم إنْ تعَذرَ الإِنْفاقُ مِن بَيتِ المال، أو مِنَ المَوْقوفِ عليه، على القوْلِ بوُجوبِها عليه، بِيعَ وصُرِفَ الثَّمَنُ في عَينٍ أُخْرَى تكونُ وَقْفًا لمَحِلِّ الضَّرورَةِ.
قاله الحارِثِيُّ.
قلتُ: فيُعايَى بها.
وإنْ كان عدَمُ الغَلَّةِ لأجْلِ أنَّه ليس مِن شأْنِه أنْ يُسْتَغَلَّ؛ كالعَبْدِ يخْدِمُه، والفرَسِ يغْزُو عليه، أو يرْكَبُه، أُجِرَ بقَدْرِ نفَقَتِه.
قاله الحارِثِيُّ وغيرُه.
وهو داخِلٌ في عُمومِ كلامِ المُصَنِّفِ.
وإنْ كان الوَقْفُ الذي له رُوحٌ على غيرِ مُعَيَّنٍ؛ كالمَساكِينِ، والغُزاةِ، ونحوهم، فنفَقَتُه في بيتِ المالِ.
ذكَرَه القاضي، وابنُ عَقِيلٍ، وغيرُهما.
قاله الحارِثِيُّ.
ويتَّجِهُ إيجارُه بقَدْرِ النَّفقَةِ حيثُ أمْكَنَ، ما لم يتَعَطَّلِ النَّفْعُ المَوْقوفُ لأَجْلِه، ثم إنْ تعَذَّرَ، ففي بَيتِ المالِ، وإنْ تعَذَّرَ الإِنْفاقُ مِن بيتِ المالِ، بِيعَ، ولابُدَّ.
قاله الحارِثِيُّ.
قلتُ: فيُعايَى بها أيضًا.
وإنْ ماتَ العَبْدُ، فمُؤْنَةُ تجْهيزِه، على ما قُلْنا في نفَقَتِه، على ما تقدَّم.
وإنْ كان الوَقْفُ لا رُوحَ فيه؛ كالعَقارِ ونحوه، لم تجِبْ عِمارَتُه على أحَدٍ مُطْلَقًا.
على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ، وعليه أكثرُ الأصحابِ.
وجزَم به الحارِثِيُّ وغيرُه.
قال في «التَّلْخيصِ»: إلَّا مَن يُريدُ الانْتِفاعَ به، فيَعْمُرُه باخْتِيارِه.
وقال الشَّيخُ تَقِيُّ
..................................
الدِّينِ: تَجِبُ عِمارَةُ الوَقْفِ بحسَبِ البُطونِ.
فوائد؛ الأُولَى، لو احْتاجَ الخانُ المُسَبَّلُ، أو الدَّارُ المَوْقُوفَةُ لسُكْنَى الحاجِّ أو الغُزاة إلى مَرَمَّةٍ، أُوجِرَ جُزْءٌ منه بقَدْرِ ذلك.
الثَّانيةُ، قال في «الفُروعِ»: وتقدَّمُ عِمارَةُ الوَقْفِ على أرْبابِ الوَظائفِ.
وقال الشَّيخُ تَقِيُّ الدِّينِ: الجَمْعُ بينَهما حسَبَ الإِمْكانِ أوْلَى، بل قد يجبُ.
انتهى.
وقال الحارِثِيُّ: عِمارَتُه لا تخْلُو مِن أحْوالٍ؛ أحدُها، أنْ يشْرُطَ البَداءَةَ بها, كما هو المُعْتادُ، فلا إشْكال في تقْديمِها.
الثَّاني، اشْتِراطُ تقديمِ الجِهَةِ عليها، فيَجِبُ العمَلُ بمُوجِبِه، ما لم يُؤَدِّ إلى التَّعْطيلِ، فإنْ أدَّى إليه، قُدِّمَتِ العِمارَةُ، فيكونُ عَقْدُ الوَقْفِ مُخَصَّصًا للشَّرْطِ.
وهذا على القَوْلِ ببُطْلانِ تأْقِيتِ الوَقْفِ، أمَّا على صِحَّتِه، فتُقَدَّمُ الجِهَةُ كيف كانَ.
الثَّالثُ، شَرْطُ الصَّرْفِ إلى الجِهَةِ في كلِّ شَهْر كذا، فهو في مَعْنَى اشْتِراطِ تقْدِيمِه على العِمارَةِ، فيتَرتَّبُ ما قُلْنا في الثَّانِي.
الرَّابعُ، إيقاعُ الوَقْفِ على فُلانٍ، أو جِهَةِ كذا، وبَيَّضَ له.
انتهى.
الثَّالثةُ، يجوزُ للنَّاظِرِ الاسْتِدْانةُ على الوَقْفِ بدُونِ إذْنِ الحاكمِ لمَصْلَحَةٍ؛ كشِرائِه للوَقْفِ نَسِيئةً، أو بنَقْدٍ لم يُعَيِّنْه.
قطَع به الحارِثِيُّ وغيرُه.
وقدَّمه
..................................
في «الفُروعِ»، وقال: ويتوَجَّهُ في قرْضِه مالًا، كوَلِيٍّ.
الرَّابعةُ، لو أجَرَ الموْقوفُ عليه الوَقف، ثم طلَب بزيادةٍ، فلا فسْخَ، بلا نِزاعٍ.
ولو أجَر المُتَوَلِّي ما هو على سَبيلِ الخيراتِ، ثم طلَب بزيادَةٍ أيضًا، فلا فسْخَ أيضًا.
على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ.
ويَحْتَمِلُ أنْ يُفْسَخَ.
ذكَرَه في «التَّلْخيصِ».
الخامسةُ، إذا أجَرَه بدُونِ أُجْرَةِ المِثْلِ، صحَّ، وضَمِنَ النَّقْصَ؛ [كبَيعِ الوَكيلِ بأَنْقَصَ مِن ثمَن المِثْلِ] 1، قاله في «القاعِدَةِ الخامِسَةِ والأرْبَعِين».
وقال في «الفائقِ»: وهل للمَوْقُوفِ عليه إجارَةُ المَوْقُوفِ بدُونِ أُجْرَةِ المِثْلِ؟ يَحْتَمِلُ وَجْهَين.
السَّادسةُ، يجوزُ صَرْفُ المَوْقوفِ على عِمارَةِ المَسْجِدِ؛ كبِناءِ مَنارَتِه وإصْلاحِها، وكذا بِناءُ مِنْبَرِه، وأنْ يشْتَرِيَ منه سُلَّمًا للسَّطْحِ، وأنْ يَبْنِيَ منه ظُلَّتَه.
ولا يجوزُ في بِناءِ مِرْحاضٍ، ولا في زَخْرَفَةِ المَسْجِدِ، ولا في شِراءِ مَكانِسَ ومجَارِفَ.
قاله الحارِثِيُّ.
وأمَّا إذِا وقَف على مَصالحِ المَسْجِدِ، أو على المَسْجِدِ، بهذه الصِّيغةِ، فجائزٌ صَرْفُه في نوْعِ العِمارَةِ، وفي مَكانِسَ، ومجَارِفَ، ومَساحِىَ، وقَنادِيلَ، وفُرُشٍ، ووَقودٍ، ورِزْقِ إمامٍ، ومُؤَذِّنٍ، وقَيِّم.
وفي «نَوادِرِ المَذْهَبِ» لابنِ الصَّيرَفِيِّ، منْعُ الصَّرْفِ منه في إمامٍ، أو بَوارِيَ، قال: لأنَّ ذلك مصْلَحَةٌ للمُصَلِّين، لا للمَسْجِدِ.
وردَّه الحارِثِيُّ.
السَّابعة، قال في «نَوادِرِ المَذْهَبِ»: لو وقَف دارَه على مَسْجِدٍ، وعلى إمامٍ يُصلِّي فيه، كان للإِمامِ نصْفُ الرَّيعِ،
وَإِنْ وَقَفَ عَلَى وَلَدِهِ ثُمَّ عَلَى الْمَسَاكِينِ، فَهُوَ لِوَلَدِهِ الذُّكُورِ وَالْإِنَاثِ بِالسَّويَّةِ،
كما لو وقَفَها على زَيدٍ وعَمْرٍو.
قال: ولو وقَفَها على مَساجِدِ القَرْيَةِ، وعلى إمامٍ يُصلِّي في واحدٍ منها، كان الرَّيعُ بينَه وبينَ كلِّ المساجِدِ نِصْفَين.
انتهى.
وتابَعه الحارِثِيُّ.
قلتُ: يَحْتَمِلُ أنْ يكونَ له بقَدْرِ ما يحْصُلُ لمسْجِدٍ واحدٍ.
وله نظائرُ.
قوله: وإنْ وقَف على أَوْلادِه، ثم على المَساكينِ، فهو لوَلَدِه الذُّكُورِ والإِناثِ بالسَّويَّةِ.
نصَّ عليه، ولا أعلمُ فيه خِلافًا.
لكِنْ لو حدَث للواقِفِ وَلَدٌ بعدَ وَقْفِه، ففي دُخولِه رِوايَتان.
وأطْلَقَهما في «الفُروعِ»، و «القَواعِدِ الفِقْهِيَّةِ»، في «القاعِدَةِ السَّابِعَةِ بعدَ المِائَةِ»؛ إحْداهما، يدْخُلُ معهم.
اخْتارَه ابنُ أبِي مُوسى،
وَلَا يَدْخُلُ فِيهِ وَلَدُ الْبَنَاتِ.
وَهَلْ يَدْخُلُ فِيهِ وَلَدُ الْبَنِينَ؟ عَلَى رِوَايَتَينَ.
وأفْتَى به ابنُ الزَّاغُونِيِّ، وهو ظاهِرُ كلامِ القاضي، وابنِ عَقِيلٍ.
والرِّوايَةُ الثَّانيةُ، لا يدْخُلُ معهم.
[وهو المذهبُ] 1، قدَّمه في [«الفُروعِ»، و «المُحَرَّرِ»] (1)، و «الرِّعايتَين»، و «الحاوي الصَّغِيرِ»، و «النَّظْمِ»، [وغيرِهم.
وجزَم به في «المُنَوِّرِ» وغيرِه.
والوَصِيَّةُ كذلك] (1).
قوله: ولا يَدْخُلُ وَلَدُ البَناتِ.
هذا المذهبُ، وعليه جماهيرُ الأصحابِ.
وقطَع به في «المُحَرَّرِ»، و «النَّظْمِ»، و «الوَجيزِ»، وغيرِهم.
قال المُصَنِّفُ، والشَّارِحُ: لا يدْخُلون بغيرِ خِلافٍ.
وقدَّمه في «الفُروعِ»، و «الفائقِ»، وغيرِهم.
وصحَّحه في «الرِّعايتَين»، و «الحاوي الصَّغِيرِ»، و «النَّظْمِ».
وقيل: يدْخُلون.
اخْتارَه أبو بَكْرٍ وابنُ حامِدٍ.
قال الحارِثِيُّ: وإذا قيل بدُخولِ وَلَدِ الولَدِ، هل يدْخُلُ ولَدُ البَناتِ؟ جزَم المُصَنِّفُ وغيرُه هنا بعدَمِ الدُّخولِ، مع إيرادِهم الخِلافَ فيه، فيما إذا قال: على أوْلادِ الأوْلادِ.
كما في الكتابِ.
قال: والصَّوابُ التَّسْويَةُ بينَ الصُّورَتَين؛ فيَطَّرِدُ في هذه ما في الأُخْرَى، لتَناوُلِ الولَدِ والأولادِ للبَطْنِ الأوَّلِ، فما بعدَه.
..................................
قوله: وهل يَدْخُلُ فيه وَلَدُ البَنِين؟ على رِوايتَين.
ظاهِرُ كلامِه أنَّهم سواءٌ كانُوا مَوْجودَين حالةَ الوَقْفِ، أوْ لا، ولا شَكَّ أنَّ الخِلافَ جارٍ فيهم؛ إحْداهما، يدْخُلون مُطْلَقًا.
وهو المذهبُ، نصَّ عليه في رِوايَةِ المَرُّوذِيِّ، ويُوسُفَ بنِ مُوسى، ومحمدِ بنِ عبيد اللهِ المُنادِي 1. وجزَم به في «الوَجيزِ» وغيرِه.
قال الحارِثِيُّ: المذهبُ دُخولُهم.
قال النَّاظِمُ: وهو أوْلَى.
وقدَّمه في «التَّلْخيصِ»، والحارِثِي، وصاحِبُ «القواعِدِ الفِقْهِيَّةِ»، في «القاعِدَةِ الثَّالثةِ والخَمْسِين بعدَ المِائَةِ»، و «شَرْحِ ابنِ رَزِينٍ».
واخْتارَه الخَلَّالُ، وأبو بَكْرٍ
..................................
عبدُ العَزيزِ، وابنُ أبِي مُوسى، وأبو الفَرَجِ الشِّيرازِيُّ، والقاضي فيما علَّقه بخَطِّه على ظَهْرِ «خِلافِه»، وغيرُهم.
والرِّوايةُ الثَّانيةُ، لا يدْخُلون مُطْلَقًا.
قال المُصَنِّفُ في بابِ الوَصايا، والقاضي، وابنُ عَقِيلٍ: لا يدْخُلون بدُونِ قَرِينَةٍ.
قال المُصَنِّفُ، والشَّارِحُ: اخْتارَه القاضي، وأصحابُه.
وعنه، يدْخُلون، إنْ كانُوا
..................................
مَوْجُودِين حالةَ الوَقْفِ، وإلَّا فلا.
قدَّمه في «الرَّعايتَين»، و «الفائقِ»، وقال: نصَّ عليه، و «الحاوي الصَّغِيرِ».
[وذكَر القاضي في «أحْكامِ القُرْآنِ»: إنْ كان ثَمَّ وَلَدٌ، لم يدْخُلْ وَلَدُ الوَلَدِ، وإنْ لم يكُنْ وَلَدٌ، دخَل.
واسْتَشْهَدَ بآيَةِ المَوارِيثِ] 1. وأطْلَقَ الخِلافَ في «الفُروعِ» في المَوْجُودِين حالةَ الوَقْفِ، وقدَّم عدَمَ الدُّخولِ في غيرِ المَوْجُودِين.
وهذا مُسْتَثْنًى ممَّا اصْطَلَحْنا عليه في أوَّل الكتابِ.
..................................
فعلى القَوْلِ بعدَمِ الدُّخولِ، قال القاضي، والمُصَنِّفُ، والشَّارِحُ: إنْ قال: على وَلَدِي، ووَلَدِ وَلَدِي، ثم على المَساكِينِ.
دخَل البَطْنُ الأوَّلُ والثَّاني، ولم يدْخُلِ البَطْنُ الثَّالِثُ.
وإنْ قال: على وَلَدِي ووَلَدِ وَلَدِ وَلَدِي.
دخَل ثَلاث بُطونٍ، دُونَ مَن بعدَهم.
قال الحارِثِيُّ: وهو وَفْقَ رِوايةِ أبِي طالِبٍ.
تنبيهان؛ الأَوَّلُ، حيثُ قُلْنا بدُخولِهم، فلا يسْتَحِقُّون إلَّا بعدَ آبائِهم مُرَتَّبًا.
على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ؛ كقولِهم 1: بَطْنًا بعدَ بَطْنٍ.
أو الأقْرَبَ فالأقرَبَ.
قَدَّمه في «الفائقِ»، وقال: هو ظاهِرُ كلامِه.
قال في «الفُروعِ»: والأصحُّ مُرَتَّبًا.
وصحَّحه في «النَّظْمِ» أيضًا.
وقيل: يسْتَحِقُّون معهم.
وأطْلَقَهما في «القَواعِدِ».
وقال في التَّرْتيبِ: فهل هو تَرْتيبُ بَطْنٍ على بَطْنٍ، فلا يسْتَحِقَّ
..................................
أحدٌ مِن وَلَدِ الوَلَدِ شيئًا، مع وُجودِ فَرْدٍ مِنَ الأوْلادِ، أو تَرْتيبُ فَرْدٍ على فَرْدٍ؛ فيَسْتَحِقَّ كلُّ وَلَدٍ نَصِيبَ والدِه بعدَ فَقْدِه؟ على وَجْهَين.
والثَّاني مَنْصوصُ أحمد.
انتهى.
الثَّاني، حُكْمُ ما إذا أوْصَى لوَلَدِه في دُخولِ وَلَدِ بَنِيه حُكْمُ الوَقْفِ.
قاله في «الفُروعِ» وغيرِه.
[وحَكاه في «القَواعِدِ» عنِ الأصحابِ، قال: وذكَر أبو الخَطَّابِ، أنَّ الإِمامَ أحمدَ، رَحِمَه الله، نصَّ على دُخولِهم.
والمَعْروفُ عنِ الإِمامِ أحمدَ، إنَّما هو في الوَقْفِ.
وأشارَ الشَّيخُ تَقِيُّ الدِّينِ، رَحِمَه اللهُ، إلى دُخولِهم في الوَقْفِ دُونَ الوَصِيَّةِ؛ لأنَّ الوَقْفَ يتَأَبَّدُ 1، والوَصِيَّةُ تَمْلِيكٌ للمَوْجُودِين، فيَخْتَصَّ بالطَّبقَةِ العُلْيا المَوْجودَةِ] 2.
..................................
فوائد؛ إحْداها، لو قال: على وَلَدِ فُلانٍ.
وهم قبيلَةٌ، أو قال: على أوْلادِي وأوْلادِهم.
فلا تَرْتِيبَ.
وسألَه ابنُ هانِئٍ، عن مَن وقَف شيئًا على فُلانٍ مُدَّة حَياتِه
..................................
[ولوَلَدِه؟ قال: هو له حَياتَه] 1، فإذا ماتَ، فلوَلَدِه.
وإذا قال: على وَلَدِي، فإذا انقْرَضُوا، فللفُقَراءِ.
شَمِلَه على الصَّحِيحِ.
وقيل: لا يشْمَلُه.
الثَّانيةُ، لو
..................................
اقْتَرنَ باللَّفْظِ ما يقْتَضِي الدُّخولَ، دخَلُوا بلا خِلافٍ؛ كقَوْلِه: على أوْلادِي.
وهما قِبيلَةٌ، أو: على أوْلادِ أوْلادِ أوْلادِي أبدًا ما تَعاقَبُوا وتَناسَلُوا.
أو: على أوْلادِي.
وليسَ له إلَّا أوْلادُ أوْلادٍ، أو: على أوْلادِي، الأَعلَى فالأَعْلَى.
أو: تحْجُبُ الطَّبَقَةُ
..................................
العُلْيا الطَّبقَةَ السُّفْلَى.
وما أشْبَهَ هذا.
وإنِ اقْتَضَى عدَمَ الدُّخولِ، لم يدْخُلوا بلا خِلافٍ، كعلى وَلَدِي لِصُلْبِي.
أو: الذين يَلُونَنِي.
ونحو ذلك، على ما يأْتِي في قَوْلِه: وَلَدِي لصُلْبِي.
الثَّالثةُ: لو قال: على أوْلادِي, فإذا انْقَرضَ أوْلادِي وأوْلادُ أوْلادِي، فعلى المَساكِينِ.
فقال في «المُجَرَّدِ»، و «الكافِي»: يدْخلُ أوْلادُ الأوْلادِ, لأنَّ اشْتِراطَ انْقِراضِهم دليلُ إرادَتِهم بالوَقْفِ.
وفي «الكافِي» وَجْهٌ بعدَمِ الدُّخولِ؛ لأنَّ اللَّفْظَ لا يتَناوَلُهم، فهو مُنْقَطِعُ الوسَطِ؛ يُصْرَفُ بعدَ انْقِراضِ أوْلادِه مَصْرِفَ المُنْقَطِعِ، فإذا انْقَرضَ أوْلادُهم، صُرِفَ إلى المَساكِينِ.
الرَّابعةُ، قال في «التَّلْخيصِ»: إذا جُهِلَ شَرْطُ الواقِفِ، وتعَذَّرَ العُثورُ عليه: قُسمَ على أرْبابِه بالسَّويَّةِ، فإنْ لم يُعْرَفُوا، جُعِلَ كوَقْفٍ مُطْلَقٍ لم يُذْكَرْ مَصْرِفه.
انتهى.
وقال
.................................. في «الكافِي»: لو اخْتلَفَ أرْبابُ الوَقْفِ فيه، رجَع إلى الواقِفِ، فإنْ لم يَكُنْ، تَساوَوا فيه؛ لأنَّ الشَّرِكَةَ ثبَتَتْ، ولم يَثْبُتِ التَّفْضِيلُ، فوَجبَتِ التَّسْويَةُ, كما لو
..................................
شرَّك بينَهم بَلفْظِه.
انتهى.
وقال الحارِثِيُّ: إنْ تعَذَّرَ الوُقوفُ على شَرْطِ الواقِفِ، وأمْكَنَ التَّأَنُّسُ بتَصَرُّفِ مَن تقدَّم ممَّن يُوثَقُ به، رُجِعَ إليه؛ لأنَّه أرْجَحُ ممَّا عَداه، والظَّاهِرُ صِحَّةُ تَصرُّفِه، ووُقوعُه على الوَفْقِ.
وإنْ تَعذَّرَ، وكان الوَقْف على عِمارَةٍ
..................................
أو إصْلاحٍ، صُرِفَ بقَدْرِ الحاجَةِ، وإنْ كان على قَوْمٍ، وثَمَّ عُرْفٌ في مَقادِيرِ الصَّرْفِ، كفُقَهاء المَدارِسِ، رُجِعَ إلى العُرْفِ؛ لأنَّ الغالِبَ وُقوعُ الشَّرْطِ على وَفْقِه.
وأيضًا فالأصلُ عدَمُ تقْيِيدِ الواقِفِ، فيكونُ مُطْلَقًا، والمُطْلَقُ منه يَثْبُتُ له حُكمُ العُرْفِ.
وإنْ لم يكُنْ عُرْفٌ، سُوَّىَ بينَهم؛ لأنَّ التَّشْريكَ ثابتٌ، والتَّفْضيلَ
..................................
لم يثْبُتْ.
انتهى.
وقال: وذكَر المُصَنِّفُ نحوَه.
واخْتارَ الشَّيخُ تَقِيُّ الدِّينِ، أنَّه يُرْجَعُ في ذلك إلى العُرْفِ والعادةِ.
وهو الصَّوابُ.
وقال ابنُ رَزِينٍ في «شَرْحِه»: إذا ضاعَ كتابُ الوقْفِ وشَرْطُه، واخْتَلفُوا في التَّفْضيلِ وعَدَمِه، احْتَمَلَ أنْ يُسَوَّىَ بينهَم؛ لأنَّ الأصْلَ عدَمُ التَّفْضيلِ، واحْتَمَلَ أنْ يُفَضَّلَ بينَهم؛ لأنَّ الظَّاهرَ أنَّه يجْعَلُه على حسَبِ إرْثِهم منه، وإنْ كانوا أجانِبَ، قُدِّمَ قوْلُ مَن يدَّعِي التَّسْويَةَ ويُنْكِرُ التَّفاوُتَ.
الهى.
تنبيه: يأْتِي في بابِ الهِبَةِ، في كلامِ المُصَنِّفِ، هل تجوزُ التَّسْويَةُ بينَ الأوْلادِ، أم لا؟ وهل تُسْتَحَبُّ التَّسْويَةُ، أم المُسْتَحَبُّ أنْ تكونَ على حسَبِ المَيراثِ؟
وَإِنْ وَقَفَ عَلَى عَقِبِهِ، أَوْ وَلَدِ وَلَدِهِ، أَوْ ذُرِّيَّتِهِ، دَخَلَ فِيهِ وَلَدُ الْبَنِينَ.
وَنُقِلَ عَنْهُ، لَا يَدْخُلُ فِيهِ وَلَدُ الْبَنَاتِ.
وَنُقِلَ عَنْهُ في الْوَصِيَّةِ، يَدْخُلُونَ فِيهِ.
وَذَهَبَ إِلَيهِ بَعْضُ أَصْحَابِنَا، وَهَذَا مِثْلُهُ.
قوله: وإِنْ وقَف على عقِبِه، أو وَلَدِ وَلَدِه، أو ذُرِّيَّتِه، دخَل فيه وَلَدُ البَنِين.
بلا نِزاعٍ [في عَقِبِه أو ذُرِّيَّتِه.
وأمَّا إذا وقَف على وَلَدِه ووَلَدِ وَلَدِه، فهل يشْمَلُ أوْلادَ الوَلَدِ الثَّاني، والثَّالثِ، وهَلُمَّ جرَّا؟ تقدَّم عنِ القاضي، والمُصَنِّفِ، والشَّارِحِ، وغيرِهم، أنَّه لا يشْمَلُ غيرَ المَذْكُورِين.
و] 1 قوله: ونُقِلَ عنه، لا يَدْخُلُ فيه وَلَدُ البَناتِ.
إذا وقَف على وَلَدِ وَلَدِه، أو قال: على أوْلادِ أوْلادِي وإنْ سفَلُوا.
فنَصَّ أحمدُ في رِوايَةِ المَرُّوذِيِّ، أنَّ أوْلادَ البَناتِ لا يدْخُلون.
وهو المذهبُ، وعليه جماهيرُ الأصحابِ.
قال في «الهِدايَةِ»،
وَقَال أَبُو بَكْرٍ، وَابْنُ حَامِدٍ، رَحِمَهُمَا اللهُ تَعَالى: يَدْخُلُونَ في الْوَقْفِ.
و «المُسْتَوْعِبِ»: وإنْ وَصَّى لوَلَدِ وَلَدِه، فقال أصحابُنا: لا يدْخُلُ فيه وَلَدُ البنات؛ لأنَّه قال في الوَقْفِ على وَلَدِ وَلَدِه: لا يدْخُلُ فيه وَلَدُ البَناتِ.
قال الزَّرْكَشِيُّ: مفْهومُ كلامِ الخِرَقِيِّ، أنَّه لا يدْخُلُ وَلَدُ البَناتِ، وهو أشْهَرُ الرِّواياتِ.
واخْتارَه القاضي في «التَّعْليقِ»، و «الجامعِ»، والشِّيرازِيُّ، وأبو الخَطَّابِ في «خِلافِه الصَّغِيرِ».
انتهى.
قال في «الفُروعِ»: لم يشْمَلْ ولَدَ بَناتِه إلَّا بقَرينَةٍ.
..................................
اخْتارَه الأكْثَرُ.
وجزَم به في «الوَجيزِ» وغيرِه.
وقدَّمه في «الهِدايَةِ»، و «المُسْتَوْعِبِ»، و «الخُلاصَةِ»، و «التَّلْخيصِ»، و «الفُروعِ».
وصحَّحه في «تَجْريدِ العِنايةِ».
قال في «الفائقِ»: اخْتارَه الخِرَقِيُّ، والقاضي، وابنُ عَقِيلٍ، والشَّيخان -يعْنِي بهما المُصَنِّفَ، والشَّيخَ تَقِيَّ الدِّينِ- وهو ظاهرُ ما قدَّمه الحارِثِيُّ.
ونُقِلَ عنه في الوَصِيَّةِ، يدْخُلون.
وذهَب إليه بعضُ أصحابِنا.
وهذا مِثْلُه.
قلتُ: بل هي هنا روايةٌ منْصوصةٌ مِن رِوايةِ حَرْبٍ.
قال في «القَواعِدِ»: ومال إليه صاحِبُ «المُغْنِي».
وهي طريقةُ ابنِ أبِي مُوسى، والشِّيرازِيِّ.
قال الشَّارِحُ: القَوْلُ بأنَّهم يدْخُلون، أصحُّ، وأقْوَى دليلًا.
وصحَّحه النَّاظِمُ.
واخْتارَه أبو الخَطَّابِ في «الهِدايَةِ»، في الوَصِيَّةِ، وصاحِبُ «الفائقِ».
وجزَم به في «مُنْتَخَبِ الآدَمِيِّ».
وقدَّمه في «المُحَرَّرِ»، و «الرِّعايتَين»، و «الحاوي الصَّغِيرِ»، وغيرِهم: واخْتارَه ابنُ عَبْدُوسٍ في «تَذْكِرَتِه».
وأطْلَقَهما في «القَواعِدِ الفِقْهِيَّةِ».
وقال أبو بَكْر، وابنُ حامِدٍ: يدْخلُون في الوَقْفِ، إلَّا أنْ يقولَ: على وَلَدِ وَلَدِي لصُلْبِي.
فلا يدْخُلون.
وهي
..................................
رِوايةٌ ثالِثةٌ عن أحمدَ.
قال في «المُذْهَبِ»: فإنْ قال: لصُلْبِي.
لم يدْخُلوا، وجْهًا واحدًا.
قال في «المُسْتَوْعِبِ»، و «التَّلْخيصِ»: فإنْ قيَّد فقال: لصُلْبِي.
أو قال: مَن ينْتَسِبُ إلَيَّ منهم.
فلا خِلافَ في المذهبِ أنَّهم لا يدخُلون.
وحكَى القاضي، عن أبي بَكْرٍ، وابنِ حامِدٍ، إذا قال: وَلَدِ وَلَدِي لصُلْبِي.
أنَّه يدْخُلُ