الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف ت التركيصفحات 177-228

..................................  الخَلالُ: اسْتَقَرتْ عليه الرِّوايَةُ.
قال القاضي: هذا رِوايَة واحِدة.
وجزَم به ابنُ البَنا في «خِصالِه»، وصاحِبُ «عُيونِ المَسائلِ»، وقال: الرِّوايَةُ الصحيحةُ مِن خارِج المِصْرِ، دينار، أو عَشَرةُ دَراهِمَ.
قال في «الفائقِ»: ولو ردَّ الآبِقَ، قله، بغيرِ شَرْطٍ، عًشَرةُ دَراهِمَ.
وعنه، اثْنا عَشَرَ.
وعنه، أرْبَعُون دِرْهمًا مِن خارِج النِصْرِ.
قال الزَّرْكَشِي: في «المُغْنِي»، إذا ردَّه مِنَ المِصْرِ دِينار، أو عَشَرَةُ دَراهِمَ، وفي «الكافِي»، دِينار، أو اثْنا عَشَرَ دِرْهَمًا، في رِوايَةٍ، وفي أخْرَى، دينار.
وفي «خِلافَي الشريفِ، وأبي الخَطابِ»، و «الجامعِ الصَّغيِرِ»، دِينار، أو اثْنا عَشَرَ دِرْهَمًا في رِوايَةٍ، وفي أخْرَى، عَشَرَةُ دَراهِمَ.
انتهى.
وتقام كلامُ القاضي، وابنِ البَنَّا، والحَلْوانِيِّ.
وقال الحارِثِي: إذا رده مِن داخِلِ المِصْرِ، فله عَشَرَةُ دَراهِمَ، قَوْلًا واحدًا.
نص عليه في رِوايَةِ حَرْبٍ.
قال: ولا أعْلَمُ نَصًّا بخِلافِه.
وفي كتابِ «الرِّاويَتَين» للقاضي، لا تخْتَلِفُ الروايَةُ، إذا جاءَ به مِنَ المِصْرِ، أن له عَشَرةَ دَراهِمَ.
وقاله ابنُ أبي مُوسى في

..................................  «الإرْشادِ».
ونقَلَه أبو بَكْر في «زادِ المُسافِرِ»، و «التنبِيهِ».
وقاله القاضي أيضًا في «المُجَردِ»، وابنُ عَقِيل في «الفُصولِ»، ولم يُورِدُوا سِواه.
قال: فأما ما 1 في «المُقْنِعِ»، و «الهِدايَةِ»، و «المُسْتَوْعِبِ»، و «الفُروعِ» لأبِي الحُسَينِ، و «الأعْلامِ» لابن بَكْروس، و «المُحَررِ»، وغيرِهم، مِنَ التقْديرِ بالدينارِ أو اثْنَي عَشَرَ، وفي داخِلِ المِصْرِ، كما في خارِجِه، فلا يثْبُتُ.

..................................  وأصْلُ ذلك كلِّه، قوْلُ القاضي في «الجامِعِ الصغِيرِ»: مَن رد آبِقًا، اسْتَحَق دِينارًا، أو اثْنَيْ عَشَرَ دِرْهَمًا، سواء جاءَ به مِنَ المِصرِ أو خارِجِ المِصْرِ، في إحْدَى الرِّواتتَين.
والأخْرَى، إنْ جاءَ به مِنَ المِصْرِ، اسْتَحَق عَشَرةَ دَراهِمَ، وإنْ جاءَ به مِن خارِجِ المِصْرِ، اسْتَحَق أرْبَعِين دِرْهَمَا.
فمنهم مَن حكَى ذلك كله، ومنهم مَنِ اخْتَص العَشَرَةَ في المِصْرِ؛ بِناءً على أنها معْنَى الدِّينارِ، وأن الدِّينارَ قد يُقَومُ بالعَشَرةِ والاثْنَي عَشَرَ، فيكونُ داخِلًا في الرِّوايَةِ الأولَى 1. قال: وهذا الذي قاله القاضي مِنِ اسْتِحْقاق الدِّينارِ، أو الاثْنَي عَشَرَ في المِصْرِ، لا أصْلَ له في كَلامِ أحمدَ، ألْبَتَّةَ، ولا دَلِيلَ عليه.
انتهى كلامُ الحارِثِيِّ.
قلتُ: وفيه نظر؛ لأن ناقِلَ هذه الرِّوايَةِ هو 2 القاضي، وهو الثِّقَةُ الأمِينُ في النقْلِ، بل هو ناقِلُ غالِبِ رِواياتِ المذهبِ، ولا يَلْزَمُ مِن عدَمِ اطِّلاعِ الحارِثِي على هذه الروايَةِ أنْ لا (2) تكونَ نُقِلَتْ عنِ الإمامِ أحمدَ، خُصوصًا وقد تابَعَه عليها 3 الأعْلامُ المُحَقِّقُون.

وَيَأخذ مِنْه مَا أنْفقَ عَلَيهِ فِي قُوتِهِ، وإنْ هَرَبَ مِنْه فِي طَرِيقِهِ.
تنبيه: دخَل في عُمومِ كلامِ المُصَنِّفِ، لو رده الإمامُ.
وهو ظاهِرُ كلامِ كثير مِنَ الأصحابِ، وهو ظاهِرُ ما قدمه في «الفُروعِ».
ونقَل حَرب، إنْ ردَّه الإمامُ، فلا شيءَ له.
وجَزم به ابنُ رَجَب في «قواعِدِه»، وقال: وذلك 1 لانْتِصابِه للمَصالِح، وله حَق في بَيتِ المالِ على ذلك.
وكذا قال الحارِثِي، وقطَع به.
وتقدم نَظيرُها في عامِلِ الزَّكاةِ.
قوله: ويأخُذُ مِنه ما أنْفَقَ عليه في قوتِه.
هذا المذهبُ، نص عليه، سواء قُلْنا باسْتِحْقاق الجُعْلِ أم لا.
جزَم به في «الوَجِيزِ» وغيرِه.
وقدَّمه في «الفُروعِ»

فَإنْ مَاتَ السَّيِّدُ، اسْتُحِقَّ ذَلِك فِي تَرِكَتِهِ.
وغيرِه.
وقال ابنُ رَجَبٍ في «قَواعِدِه»: وجزَم به الأكْثَرون مِن غيرِ خِلافٍ.
قال الزَّرْكَشِي: هذا المَشْهُورُ.
وخرج المُصَنِّفُ قَوْلًا بأنه لا يرجِعُ.
وقيل: لا يرجِعُ إلَّا 1 إذا أنْفَقَ بنِيَّةِ الرُّجوعِ.
واخْتارَه في «الرِّعايَةِ».
واشْتَرَطَ أبو الخَطَّابِ، والمَجْدُ في «المُحَرَّرِ»، العَجْزَ عنِ اسْتِئْذانِ المالِكِ، وضعَّفَه المُصَنِّفُ، ولا يتَوقفُ الرُّجُوعُ على تَسْلِيمِه، بل لو أبقَ قبلَ ذلك، فله الرُّجُوعُ بما أنْفَقَ عليه.
نص عليه في رِوايَةِ عَبْدِ اللهِ، وصرَّح به الأصحابُ.
فوائد؛ إحْداها، علَفُ الدابَّةِ كالنَّفَقَةِ.
الثانيةُ، لو أرادَ اسْتِخْدامَه بَدَلَ النفَقَةِ، ففي جَوازِه رِوايَتان.
حَكاهما أبو الفَتْحِ الحَلْوانِي في «الكِفايَةِ»، كالعَبْدِ المَرْهُونِ، وذَكَرَهما في «المُوجَزِ»، و «التبصِرَةِ».
والصَّحيحُ مِنَ المذهبِ، أنه لا يجوزُ ذلك في العَبْدِ المَرْهونِ، فكذا هنا بطَريق أوْلَى.
والله أعلمُ.

..................................  تنبيه: أفادَنا المُصَنِّف جوازَ أخذِ الآبِقِ لمن وجَدَه.
وهو صحيحٌ؛ لأنه لا يُؤْمَنُ عليه أنْ يلْحقَ بدارِ الحَرْبِ ويرْتَد، أو يشْتَغِل بالفَسادِ في البلادِ، بخِلافِ الضوالِّ التي تحْفَظُ نفْسَها.
إذا عُلِمَ ذلك، فهو أمانة في يَدِه، إذا أَخَذَه، إنْ تَلِفَ بغيرِ تَفْريطٍ، فلا ضَمانَ عليه، وانْ وجَد صاحِبَه، دفَعَه إليه، إذا اعْتَرف العَبْدُ أنه سيِّدُه، أو أقامَ به بَيِّنةً، فإنْ لم يجِدْ سيِّدَه، دَفَعَه إلى الامامِ أو نائبهِ، فيحْفَظُه لصاحِبِه، أو بيعُه إنْ رأى المَصْلَحَةَ فيه، وليس لواجِدِه بَيعُه، ولا تمَلكُه بعدَ تَعْريفِه؛ لأنه ينْحَفِظُ بنَفْسِه، [فهو كضَوالِّ الإبلِ.
ذكَرَه المُصنِّفُ، والشارِحُ.
وقوْلُهما: ينْحَفِظُ بنَفْسِه] 1. دَليل على أنهما أرادا الكبيرَ؛ لأن الصغِيرَ لا ينْحَفِظُ بنَفْسِه.
ويأتِي في بابِ اللقَطَةِ.
فإنْ باعَه الامامُ أو نائبُه لمَصْلَحَةٍ

..................................  رآها، فجاءَ سَيِّدُه، فاعْتَرَف أنه كان أعْتَقَه، قُبِلَ قوْلُه.
على الصحيع مِنَ المذهبِ.
قامه في «المُغْنِي»، و «الشرْحِ»، و «شَرْحِ ابنِ رَزِين».
وقيل: لا يقبَلُ.
وهو احْتِمالٌ في «المُغْنِي»، و «الشرْحِ».
وأطْلَقَهما في «الفُروعِ» و «الحارِثِيِّ»، ذكَرَه في اللقَطَةِ.
الثالثةُ، العَبْدُ وغيرُه أمانَة في يَدِه، لا ضَمانَ عليه إلا أن يتَعَدَّى.
نص عليه، على ما تقدم.
الرابَعةُ، أمُّ الوَلَدِ، والمُدَبرُ، كالقِنِّ فيما تقدم؛ إذا جاءَ بهما إلى السيِّدِ، فإنْ ماتَ قبلَ وُصُولهما إليه، فلا جُعْلَ؛ لأنهما يعْتِقان بالمَوْتِ، فالعَمَلُ لم يتم، بخِلافِ النَّفَقَةِ، فإنه يرْجِعُ بما أنْفَقَ حال الحياةِ.
واللهُ أعلمُ بالصوابِ.
وتقدم أن المَنْصُوصَ، أنه يسْتَحِقُّ الأجْرَةَ بتَخْليصِ مَتاعِ غيره مِن مَهْلَكَةٍ.

بَابُ اللُّقَطَةِ

وَهِيَ الْمَالُ الضائِعُ مِنْ رَبهِ.
بابُ اللُّقَطَةِ فائدة: قوْلُه: وهي المالُ الضائِعُ مِن رَبه.
هو تعْريف لمَعْناها الشرْعِي.
وكذا قال غيرُه.
قال الحارِثي: وعلى هذا سُؤالان؛ أحدُهما، قد يكونُ المُلْتَقَط غيرَ ضائع؛ كالمَتْروكِ قَصْدًا لأمْر يقْتَضِيه، ومنه المالُ المَدْفونُ، والشيءُ الذي يُتْرَكُ

..................................  ثِقَةً به؛ كأحجارِ الطحْنِ، والخَشَبِ الكِبارِ.
والثَّاني، أنَّهم اخْتَلَفوا في التِقاطِ الكَلْبِ المُعَلَّمِ.
فعلى القَوْلِ بالتِقاطِه، يكونُ خارِجًا عمَّا ذُكِرَ.
ومَن قال مِنَ الأصحابِ: لا يُلْتَقَطُ.
إنما قال؛ لأجْلِ كَوْنِه مُمْتَنِعًا بنَابِه، لا لأنه غيرُ مالٍ.
قال الحارِثِي: ويعْصِمُ مِنَ السُّؤالِ، أنْ يُضافَ إلى الحَدِّ، ما جرَى مَجْرَى المالِ.

وَتَنْقَسِمُ ثَلَاثَةَ أقْسَامٍ: أحدُهَا، مَا لَا تَتْبَعُهُ الْهِمَّةُ، كَالسَّوْطِ، وَالشِّسْعِ، وَالرَّغِيفِ، فَيُمْلَكُ بِأخْذِهِ بِلَا تَعْرِيفٍ.
قوله: وتنْقَسِمُ ثَلاثةَ أقْسام؛ أحَدُها، ما لا تتْبَعُه الهِمةُ.
يَعْنِي، هِمةَ أوْساطِ الناسِ، ولو كثرُ.
وهذا المذهبُ، وعليه جماهيرُ الأصحابِ.
وجزَم به في «الوَجيزِ» وغيرِه.
وقدَّمه في «الفُروعِ» وغيرِه.
ومثلَه المُصَنِّفُ بالسوطِ،

..................................  والشِّسْعِ، والرغِيفِ.
ومثلَه في «الإرْشادِ»، و «تَذْكِرَةِ ابنِ عَقِيل»، و «الهِدايَةِ»، و «المُذْهَبِ»، و «المُسْتَوْعِبِ»، وجماعةٌ، بالتمْرَةِ، والكِسْرَةِ، وشسعِ النعْلِ، وما أشْبَهَه.
ومثلَه في «المُغْنِي» بالعَصا والحَبْلِ، وما قِيمَتُه كقِيمَةِ ذلك.
قال الحارِثي: ما لا تتبعُه الهِمةُ.
نص أحمدُ في رِوايَةِ عَبْدِ اللهِ وحَنبل، أنه ما كان مِثْلَ التمْرَةِ، والكِسْرَةِ، والخِرْقَةِ، وما لا خطَر له، فلا بأسَ.
وقال في رِوايَةِ ابنِ مَنْصُور: الذي يُعَرفُ مِنَ اللُّقَطَةِ كل شيءٍ، إلا مالا

..................................  قِيمَةَ له.
وسُئِلَ في رِوايَةِ حَرْبٍ، الرجُلُ يُصِيبُ الشِّسْعَ في الطريقِ، أيأخُذُه؟ قال: إذا كان جَيِّدًا مما لا يُطْرَحُ مِثْلُه، فلا يُعْجِبُنِي أنْ يأخُذَه، وإنْ كان رَدِيئًا قد طرَحَه صاحِبُه، فلا بَأسَ.
قال الحارِثِي: فكلامُ أحمدَ لا يُوافِقُ ما قال في «المُغْنِي»، ولا شكَّ أن الحَبْلَ، والسَّوْطَ، والرغِيفَ يزِيدُ على التمْرَةِ،

..................................  والكِسْرَةِ.
قال: وسائرُ الأصحابِ على ما قال الإمامُ أحمدُ في ذلك كله، ولا أعْلَمُ أحدًا وافَقَ المُصَنِّفَ، إلا أبا الخَطابِ في الشِّسْعِ فقط.
انتهى.
قال في «الرِّعايَةِ»: وما قل؛ كتَمْرَةٍ، وخِرْقَةٍ، وشسعِ نَعْل، وكِسْرَةٍ، وقيل: ورَغيفٍ.
انتهى.
فحكَى في الرغيفِ الخِلافَ.
وقيل: هو ما دُونَ نِصابِ السرِقَةِ.
قال في «الكافِي»: ويحْتَمِلُ أنْ لا يجِبَ تَعْريفُ ما لا يُقْطَعُ فيه السارِقُ.
وقيل: هو ما دُونَ قِيراطٍ؛ مِن عَين أو وَرِق.
اخْتارَه أبو الفَرَجِ في «المُبْهِجِ»، ورَدهْ المُصَنفُ.
وذكَر القاضي، وابنُ عَقِيل، لا يجِبُ تَعْريف الدَّانِقِ.
قال الحارِثِي: والظاهِرُ أنه عنَى دانِقًا مِن ذهَبٍ.
وكذا قال صاحِبُ «التلْخيصِ».
قال في «الرعايَةِ»: وقيلَ: بل ما فوقَ دانِقِ ذَهَبٍ.
وقال أيضًا: وعنه، يُعَرَّفُ الدِّرْهَمُ فأكثرُ.
فائدة: لو وجَد كَنَّاسٌ، أو نَخالٌ، أو مقلشٌ، قِطعًا صِغارًا مُفرَّقَةً، ملكَها بلا تَعْريفٍ، وإنْ كَثُرَتْ.

..................................  قوله: فيُمْلَكُ بأخْذِه بلا تَعْرِيض.
هذا المذهبُ، وعليه الأصحابُ، ونص عليه أحمدُ.
وعنه، يلْزَمُه تَعْريفُه.
ذكَرَها أبو الحُسَينِ.
وقيل: يلْزَمُه تَعْريفُه مُدَّة يظُنُّ طلَبَ رِّبه له.
اخْتارَه في «الرِّعايَةِ».
فوائد؛ منها ما قاله في «التبَّصَرَةِ»: إن الصدَقَةَ بذلك أوْلَى.
ومنها، أنَّه لا يلْزَمُه دَفْعُ بَدَلِه، إذا وجَد ربه.
على الصَّحيع مِنَ المذهبِ، وقُوةُ كلامِ المُصَنِّفِ هنا تقْتَضِيه؛ لقَوْلِه: فيُمْلَكُ بأخْذِه بلا تَعْريفٍ.
وقدَّمه في «الفُروعِ».
وقال في «التبصِرَةِ»: يلْزَمُه.
قال في «الفُروعِ»: وكلامُهم فيه يحْتَمِلُ وَجْهَين.
وقيل لأحمدَ في التَّمْرَةِ تجِدُها، أو يُلْقِيها عُصْفُوز: أيأكُلُها؟ قال: لا.
قال: أيطْعِمُها صَبِيًّا، أو يتَصَدقُ بها؟ قال: لا يعْرِضُ لها.
نقَلَها أبو طالب وغيرُه، واخْتارَه عَبدُ الوَهابِ الوَرَّاقُ.
ومنها: لا يُعَرِّفُ الكَلْبَ إذا وجَدَه، بل ينتفِعُ به، إذا كان مُباحًا.
على الصحيح مِنَ المذهبِ.
وقيل: يُعَرِّفُ سنَةً.
ويأتِي قريبًا.

الثَّانِي، الضوالُّ الَّتِي تَمْتَنِعُ مِنْ صِغَارِ السِّبَاعِ، كَالْإبِل، وَالْبَقَرِ، وَالْخَيلِ، وَالْبِغَالِ، وَالظِّبَاءِ، وَالطَّيرِ، وَالفُهُودِ، وَنحْوهَا، فَلَا يَجُوزُ الْتِقَاطُهَا، وَمَنْ أخذَهَا ضَمِنَهَا، فَإنْ دَفَعَهَا إِلَى نَائِبِ الإمَامِ زَال عَنْهُ الضَّمَانُ.
قوله: الثانِي، الضوالُّ التي تمْتَنِعُ مِن صِغارِ السِّباعِ؛ كالأبِلِ، والبَقَرِ، والخَيلِ، والبِغالِ، والظباءِ، والطيرِ، والفُهُودِ، ونحوها، فلا يجوزُ التِقاطُها.
بلا نِزاع.

..................................  فوائد؛ منها، الصحيحُ مِنَ المذهبِ، أن الحُمُرَ مما يمْتَنِعُ مِن صِغارِ السِّباعِ.
وعليه جماهيرُ الأصحابِ.
قال المُصَنِّفُ، والشارِحُ، وغيرُهما: قاله الأصحابُ.
قال الحارِثِي: هو قوْلُ القاضي في آخرَين.
وجزَم به في «الرِّعايتَين» وغيرِهما.
وقدمه في «الفُروعِ»، و «الفائقِ»، وغيرِهما.
وألْحَقَ المُصَنِّفُ الحُمُرَ بالشاةِ ونحوها.
قال الحارِثِي: وهو أوْلَى.
ومنها، قال الحارِثِي: اخْتَلفَ الأصحابُ في الكَلْبِ المُعَلمِ؛ فأدْخَلَه المُصَنِّفُ فيما يمْتَنِعُ التِقاطُه، كما اقْتَضاه

..................................  ظاهِرُ لَفْظِه هنا، وصَريحُ لَفْظِه في «المُغْنِي»؛ اعْتِبارًا بمَنَعَتِه بنابِه.
وجوَّزَ التِقاطَه القاضي وغيرُه، وهو أصحُّ؛ لأنه لا نَصَّ في المَنْعِ، وليس في مَعْنَى المَمْنُوعِ، وفي أخْذِه حِفْظ على مُسْتَحِقِّه، أشْبَهَ الأثْمانَ وأوْلَى، مِن جِهَةِ أنه ليس مالًا، فيكونُ أخَفَّ.
وعلى هذا، هل يَنْتَفِعُ به بعدَ حَوْلِ التعْريفِ؟ فيه وَجْهان، وفيهما طَرِيقان؛ أحَدُهما، بِناءُ الخِلافِ على الخِلافِ في تَمَلك الشَّاةِ بعدَ الحَوْلِ.
وهي طَريقَةُ القاضي.
الآخَرُ، بِناءُ الانْتِفاعِ على التمَلك لما يتمَلَّكُ بعدَ الحَوْلِ، وبِناءُ مَنْعِ الانْتِفاعِ على أنه لا يضْمَنُ لما ضاعَ منه بالقِيمَةِ لو تَلِفَ؛ لانْتِفاءِ كوْنِه مالا، فيُؤدِّي إلى الانْتِفاعِ مجَّانًا، وهو خِلافُ الأصْلِ.
انتهى كلامُ الحارِثيِّ.
ومنها، يجوزُ للإمامِ ونائبِه أخْذُ ما يمْتَنِعُ مِن صِغارِ السِّباع، وحِفْظُه لرَبِّه، ولا يلْزَمُه تَعْرِيفُه.
قاله الأصحابُ.
ولا يُكْتَفَى فيها بالصِّفَةِ.
قاله المُصَنِّفُ وغيرُه، واقْتَصرَ عليه في «الفُروعِ».
ولا يجوزُ لغيرِهما أخْذُ شيء مِن ذلك لحِفْظِه لرَبه.
على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ.
وقال المُصَنِّفُ ومَن تَبِعَه: يجوزُ أخْذُها إذا خِيفَ عليها؛ كما لو كانتْ في أرْض مَسْبَعَةٍ، أو قريبًا مِن دارِ الحَرْبِ، أو بمَوْضِع يسْتَحِلُّ أهله أمْوال المُسْلِمين، أو في برِّيَّةٍ لا ماءَ فيها ولا مَرْعَى، ولا ضَمانَ على آخِذِها؛ لأنه إنْقاذ مِنَ الهَلاكِ.
قال الحارِثِي: وهو كما قال.
وجزَم به في «تَجْريدِ العِنايَةِ».

..................................  قلتُ: لو قيلَ بوُجوبِ أخْذِها، والحالةُ هذه، لكان له وَجْه.
ومنها، قطَع المُصَنِّفُ والشارِحُ بجَوازِ التِقاطِ الصيودِ المُتَوحِّشَةِ التي إذا تُرِكَتْ، رجَعَتْ إلى

..................................  الصحْراءِ، بشَرْطِ أنْ يعْجِزَ عنها صاحِبُها.
واقْتَصَر عليه الحارِثِي.
قلتُ: فيُعايَى بها.
وظاهِرُ ما قدَّمه في «الفُروعِ»، عدَمُ الجَوازِ.
قلتُ: وهو ضعيف، [لكِنَّه إنما حُكِيَ ذلك عنه في طَير مُتَوَحِّشَةٍ.
وكلامُ المُصَنف أعَمُّ مِن ذلك] 1. ومنها، قال ابنُ عَقِيل في «الفُصولِ»، والمُصَنفُ، والشارِحُ، والزرْكَشِي، وجماعةٌ: أحْجارُ الطواحِينِ، والقُدورُ الضخْمَةُ، والأخْشابُ الكَبيرَةُ ونحوُها مُلْحَقَة بالإبِلِ في مَنْعِ الالتِقاطِ.
[قال المُصَنِّفُ والشَّارِحُ: بل أوْلَى] (1). قال الحارِثِي: فظاهِرُ كلامِ غيرِ واحدٍ مِنَ الأصحابِ، جوازُ الالتِقاطِ، وكذا نَصُّه في رِوايَةِ حَنْبَل.
[وهو ظاهِرُ ما جزَم به في «الفُروعِ» في الخَشَبَةِ الكَبيرةِ] (1). قوله: ومَن أخَذَها، ضَمِنَها.
يعْنِي، إذا تَلِفَتْ، [ويضْمَنُ نَقْصَها] 2، إذا تعَيبتْ، لكِن إتْلافَها لا يخْلُو؛ إما أنْ يكونَ قد كتَمَها، أوْ لا؛ فإنْ كان ما كتَمَها وتَلِفَتْ، ضَمِنَها كغاصِبٍ، وإنْ كان كتَمَها حتى تَلِفَتْ، ضَمِنَها بقِيمَتِها مرَّتَين،

..................................  على المذهبِ، نص عليه في رِوايَةِ ابنِ مَنْصُور؛ إمامًا كان أو غيرَه.
وأخْتارَه أبو بَكْرْ وغيرُه.
وجزَم به في «المُحَررِ»، و «الرِّعايتَين»، و «الحاوي الصغِيرِ»، و «الوَجيزِ»، و «الفائقِ»، وغيرِهم.
قال الحارِثِي: وقال به غيرُ واحدٍ.
قال في «الفُروعِ»: ويضْمَنُه كغاصِبٍ، ونَصُّه، وقاله أبو بَكْر، يضمَنُ ضالةً مَكْتُومَةً بالقِيمَةِ مرَّتَين؛ للخَبَرِ.

..................................  فائدتان؛ إحْداهما، قوْلُه: فإنْ دفَعَها إلى نائبِ الإمامِ، زال عنه الضمانُ.
بلا نِزاعٍ.
قال الحارِثِي 1: هذا يَنْبَنِي على أن لنائبِ الإمامِ أخْذَها ابتداءً للحِفْظِ.
وهو شيء قاله مُتَأخرُو أهلِ المذهبِ؛ القاضي، وابنُ عَقيل، والسامَرِّي، والمُصَنِّف، وغيرُهم.
وكذا لو أمَرَه برَدِّها إلى مَوْضِعِها، ورَدها، بَرِئ.
قاله في «الفُروع» وغيرِه.
الثَّانيةُ، إذا أخَذَها الإمامُ أو نائبُه منه، لم يلْزَمْه تَعْريفُها.
قاله الأصحابُ.

الثَّالِثُ، سَائِرُ الْأمْوَالِ؛ كَالْأثْمَانِ، وَالْمَتَاعِ وَالْغَنَم وَالفصْلَانِ، وَالْعَجَاجِيلِ، وَالأفْلَاءِ.
قوله: الثالِثُ، سائرُ الأموالِ؛ كالأثْمانِ، والمَتاعِ، والغَنَمِ، والفُصْلانِ، والعَجاجِيلِ، والأفْلاءِ.
يعْنِي، يجوزُ التِقاطُها.
وهذا المذهبُ، وعليه الأصحابُ.
قال في «الفائقِ»: قلتُ: وكذا مرِيض لا ينْبَعِثُ، ولو كان كبيرًا.
وعنه، في شاةٍ، وفَصِيل، وعِجْل، وفِلْو، لا يجوزُ التِقاطُه.
ذكَرَها المُصَنِّفُ وغيرُه.
قال الزَّرْكَشِيُّ: وعنه، لأ يلْتَقِطُ الشاةَ ونحوَها إلا الإمامُ.
وأطْلَقَهما في «الهِدايَةِ»، و «المُذْهَبِ»، و «المُسْتَوْعِبِ».
وذكَر أبو الفَرَجِ في العَرْضِ رِوايَةً، لا يلْتَقِطُه.

..................................  تنبيه: شَمِلَ كلامُ المُصَنِّفِ العَبْدَ الصغيرَ، والجارِيَةَ.
وهو صحيح.
قال في «الرِّعايَةِ»: والعَبْدُ الصغيرُ كالشَّاةِ.
وكذا كل جارِيَةٍ تحْرُمُ على المُلْتَقِطِ.
وجزَم به في «الوَجيزِ».
قال الحارِثِي: وصِغارُ الرقيقِ مُطْلَقًا يجوزُ التِقاطُه.
ذكَرَه القاضي، وابنُ عَقِيل، واقْتَصَر على ذلك.
وقيل: لا يُمْلَكُ بالتعْريفِ.
قال القاضي: هذا قِياسُ المذهبِ.
قال المُصَنِّفُ في «المُغْنِي» 1: وهذه المَسْألةُ فيها نظَر؛ فإن اللقِيطَ مَحْكوثم بحُرِّيته، فإنْ كان ممَّن لا يُعَبِّرُ عن نَفْسِه، فأقَرَّ 2 بأنه مَمْلوك، لم يُقْبَلْ إقْرارُه؛ لأن الطِّفْلَ لا قَوْلَ له، ولو اعْتُبِرَ قَوْلُه في ذلك، لاعْتُبِرَ في تعرِيفِه سيِّدَه.
انتهى.
وتقام كلامُ المُصَنِّفِ، في آخِرِ البابِ الذي قبلَه، وفيه إشارَة إلى أنَّ الصغيرَ يُمْلَكُ بالتعْريفِ.

فَمَنْ لَا يَأمَنُ نَفْسَهُ عَلَيهَا، لَيس لَهُ أخْذُهَا، فَإِنْ فَعَلَ ضَمِنَهَا وَلَمْ يَمْلِكْهَا وَإنْ عَرَّفَهَا.
وَمَنْ أمِنَ نفْسَهُ عَلَيهَا.
وَقَوىَ عَلَى تَعْرِيفِهَا، فَلَهُ أخدهَا، وَالْأفْضَلُ تَرْكُهَا.
قوله: ومَن أمِنَ نَفْسَه عليها، وقَوىَ على تَعْريفِها، فله أخْذُها، والأفْضَلُ تَرْكُها.
هذا المذهبُ، نص عليه، وعليه جماهيرُ الأصحابِ.
وجزَم به في

وَعِنْدَ أَبِي الْخَطَّابِ: إن وَجَدَهَا بمَضْيَعَةٍ فَالْأفْضَلُ أخْذُهَا.
«الوَجيز» وغيرِه.
وقدَّمه في «الفُروعِ» وغيرِه.
وهو مِنَ المُفرَداتِ.
وعندَ أبِي الخَطَّابِ، إنْ وجَدَها بمَضْيَعَةٍ، فالافْضَلُ أخْذُها.
قال الحارِثِيُّ: وهذا أظْهَرُ الأقْوالِ.
قلتُ: وهو الصَّوابُ.
وخرَّج بعضُ الأصحابِ مِن هذا القَوْلِ وُجوبَ أخْذِها، وهو قَوي في النَّظَرِ.
تنبيه: ظاهِرُ قَوْلِه: وقَوىَ على تَعْريفِها.
أنَّ العاجِزَ عنِ التعْريفِ ليس له أخْذُها.
وهو صَحيح.
وكذا الحُكْمُ إنْ لم يأمَنْ نَفْسَه عليها.
ولا يمْلِكُها بالتعْريفِ.
على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ.
وفيه وَجْه، يمْلِكُها.
ذكَرَه في

وَمَتَى أخَذَهَا ثُمَّ رَدَّهَا إلَى مَوْضِعِهَا، أوْ فَرَّطَ فِيهَا، ضَمِنَهَا.
«المُغْنِي» وغيرِه.
فائدة: لو أخَذَها لنيةِ الأمانَةِ، ثم طرأ قَصْدُ الخِيانَةِ.
قال في «التلْخيصِ»: يحْتَمِلُ وَجْهَين؛ أحدُهما، لا يضْمَنُ، كما لا يضْمَنُ لو كان أوْدَعَه.
قال الحارِثِي: وهذا اخْتِيارُ المُصَنِّفِ، وهو الصَّحيحُ.
انتهى.
والثَّاني، يضْمَنُ.
قال في «التلْخيص»: وهو الأشْبَهُ بقَوْلِ أصحابِنا في التَّضْمِينِ بمُجَرَّدِ اعْتِقادِ الكِتْمانِ، ويُخالِفُ المُودَعَ، فإنَّه مُسَلَّط مِن جِهَةِ المالِك.
انتهى.
وتقدَّم نَظيرُ ذلك في الوَدِيعَةِ، قبلَ قوْلِه: وإنْ أوْدَعَه صَبِي وَدِيعَةً.
وأطْلَقَهما في «الفُروعِ» حِكايَةً عن صاحِبِ «الترْغيبِ».
قوله: ومَتَى أخَذَها ثم رَدها إلى مَوْضِعِها، أو فَرَّطَ فيها، ضَمِنَها.
اعلمْ أنه إذا التقَطَها، ثم رَدها إلى مَوْضِعِها، فلا يخْلُو؛ إمَّا أنْ تكونَ ممَّا يجوزُ التِقاطُه، أوْ لا؛ فإنْ كانتْ ممَّا يجوزُ التِقاطُه، ضَمِنَها، إلى أنْ يأمُرَه الحاكِمُ أو نائبُه بذلك، فإنه لا يضْمَنُ، بلا نِزاع، كما تقدّم.
وإنْ كانتْ مما لا يجوزُ التِقاطُه إذا رَدّه، فلا يخْلُو؛ إما أنْ يكونَ بإذْنِ الإمامِ أو نائبِه، أوْ لا؛ فإنْ كان بإذْنِ أحَدِهما، لم يضْمَنْ، وإنْ

..................................  كان بغيرِ إذْنٍ، فالصَّحيحُ مِنَ المذهبِ، أنَّه يضْمَنُ.
وقدَّمه في «الفُروعِ».
وقيل: لا يضْمَنُ.
وهما احْتِمالان مُطْلَقان في «المُغْنِي»، و «الشَّرْحِ».
فعلى المذهبِ، يزُولُ عنه الضَّمانُ لو أخَذَها ودَفعَها إلى الامامِ أو نائبِه.

..................................  فائدة: لو أخَذ مِن نائمٍ شيئًا، لم يبْرَأ منه إلَّا بتسْليمِه له بعدَ انْتِباهِه، وكذلك السَّاهِي 1.

وَهِيَ عَلَى ثَلًاثَةِ أضْرُبٍ؛ حَيَوان، فَيُخَيَّرُ بَينَ أكْلِهِ وَعَلَيهِ قِيمَتُهُ، وَبَينَ بَيعِهِ وَحِفْظِ ثَمَنِهِ، وَبَينَ حِفْظِهِ والإنْفَاقِ عَلَيهِ مِنْ مَالِهِ.
قوله: وهي على ثَلاثةِ أضْرُبٍ؛ أحَدُها، حَيَوان، فيُخَيَّرُ بينَ أكلِه وعليهِ

وهل يَرجِعُ بِذَلِكَ؛ عَلَى وَجْهينِ.
قِيمَتُه، وبينَ بَيعِه وحِفْظِ ثَمَنِه، وبينَ حِفْظِه والإنْفاق عليه مِن مالِه.
قال المُصَنِّف، وتَبعَه الشّارِحُ: لم يذْكُر أصحابُنا له تَعريفًا.
ومُرادُه، إذا اسْتَوَتِ الثَّلاثةُ عندَه، أَمَّا إذا كان أحدُهما أحظ، فإنه يلْزَمُه فِعلُه.
قال في «الفُروعِ»: ويفْعَلُ الأحظَّ لمالِكِه.
قال الحارِثِيُّ: وفي «المُجَردِ»، و «الفُصولِ» في بابِ الوَدِيعَةِ، أن كل مَوْضِعٍ وجَبَ عليه نَفَقَةُ الحَيَوانِ، فحُكْمُه حُكْمُ الحاكمِ؛ إنْ

..................................  رأى مِنَ المصلَحَةِ بَيعَها وحِفْظَ ثَمَنِها، أو بَيعَ البَعضِ في مُؤنَةِ ما بَقِيَ، أو أنْ يسْتَقْرِضَ على المالِكِ، أو يُؤْجِرَ في المُؤْنَةِ، فعَل.
انتهى.
وقال في «التَّرغيب»: لا يبيعُ بعضَ الحَيوانِ.
وأفْتَى أبو الخَطَّابِ، وابنُ الزَّاغُونِي بأكْلِه بمَضْيَعَةٍ بشَرطِ ضَمانِه، وإلا يجُزْ تَعجيلُ ذَبْحِه؛ لأنّه يُطْلَبُ.
وقال أبو الحُسَينِ، وابنُ عَقِيل

..................................  في «الفُصولِ»، وابنُ بَكْروسٍ: لا يتَصَرفُ قبلَ الحَوْلِ في شاةٍ ونحوها بأكْل ولا غيرِه، رِوايَةً واحِدَةً، ونحوُه قَوْلُ أبِي بَكْر، قال في «زادِ المُسافِرِ»: وضالةُ الغَنَمِ إذا أخَذَها يُعَرِّفُها سَنةً، وهو الواجِبُ، فإذا مَضتِ السَّنَةُ، ولم يعرِفْ صاحِبَها، كانتْ له مِثْلَ ما التَقَطَ مِن غيرِها.
قال الحارِثِيُّ: وقد قال الشَّرِيفان؛ أبو جَعفَر، والزيدِي: لا تُملَكُ الشاةُ قبلَ الحَوْلِ، رِوايَةً واحِدَةً.
وكذا حكَى السَّامري، قال: إنْ كانتِ اللُّقَطَةُ حَيَوانًا، يجوزُ أخْذُه كالغَنَمِ، وما حُكْمُه حُكْمُها، لم يملِكْها قبلَ الحَوْلِ.
قال الزَّركَشِيُّ: وظاهِرُ كلامِ الخِرَقِيِّ، أنَّ الحَيَوانَ يُعَرَّفُ كغيرِه، وهو مُقْتَضَى كلامِ صاحِبِ «التلْخيصِ»، وأبِي البَرَكاتِ، وغيرِهما.
قال الحارِثِيُّ: وهذا يَنْفِي اخْتِيارَ الأكْلِ؛ لأنّه تَمَلُّكٌ عاجِلٌ.
قال 1: وهذا، أعنِي الحِفْظَ مِن غيرِ تَخْيِير، هو الصَّحيحُ، وكان قال قبلَ ذلك: أوْلَى الأمُورِ، الحِفْظُ مع الإنْفاقِ، ثم البَيعُ وحِفْظُ ثَمَنِه 2، ثم الأكْلُ وغُرمُ القِيمَةِ.
انتهى.
وقال ناظِمُ المُفْرَداتِ: والشَّاةُ في الحالِ ولو في المِصْرِ.... تُملَكُ بالضَّمانِ إنْ لم يُبْرِي

..................................  قوله: وهل يرجِعُ بذلك؟ على وَجْهين.
وهما رِوايَتان في «المُجَردِ»، و «الفُصول»، و «المُغْنِي»، و «الشّرحِ»، و «المُسْتَوْعِبِ»، وغيرِهم.
وأطْلَقَهما في «المُغْنِي»، و «الشرحِ»، و «المُسْتَوْعِبِ»، و «الزركَشِي»؛ أحدُهما، يرجِعُ إذا نوَى الرُّجوعَ.
وهو المذهبُ، نصَّ عليه، وصحّحه في «التصحيحِ».
قال الحارِثِي: والأصَحُّ الرُّجوعُ.
والرُّجوعُ هو المَنْصوصُ في الآبِقِ، والآبِقُ مِن نحو الضَّالةِ.
وجزَم به في «الوَجيزِ»، و «الإرشادِ».
قال أبو بَكْر: يرجِعُ مع تَركِ التعَدِّي، فإنْ تعَدَّى، لم يُحسبْ له.
والوَجْهُ الثاني، لا يرجِعُ.
قال في «القاعِدَةِ الخامِسَةِ والسبْعِين»: إنْ كانتِ النفقَةُ بإذْنِ حاكِم، رجَع، وإنْ لم تَكُنْ بإذْنِه، ففيه الرِّوايَتان.
يعنِي اللَّتَين في مَن أدَّى حَقًّا واجِبًا عن

..................................  غيرِه بغيرِ إذْنِه، ونوَى الرُّجوعَ، والصَّحيحُ مِنَ المذهبِ الرُّجوعُ، على ما تقدم في بابِ الضمانِ، فكذا هنا.
قال ابنُ رَجَبٍ: ومنهم مَن رجَّحَ هنا عدَمَ الرُّجوعِ؛ لأنَّ حِفْظَها لم يَكُنْ مُتَعَيِّنًا، بل كان مُخَيَّرًا بينَه وبينَ بَيعِها وحِفْظِ ثَمَنِها.
وذكَر ابنُ أبِي مُوسى، أن المُلْتَقِطَ إذا أنْفَقَ غيرَ مُتَطَوِّع بالنَّفَقَةِ، فله الرُّجوعُ بها، وإنْ كان مُحتَسبًا، ففي الرُّجوع رِوايَتان.
قال في «المُسْتَوْعِبِ»: إنْ كان بإذْنِ

الثَّانِي، مَا يُخْشَى فَسادُهُ، فَيَتَخَيَّرُ بَينَ بَيعِهِ وَأكْلِهِ إلا أنْ يمكِنَ  حاكِم، فله الرُّجُوعُ، وإنْ أنْفَقَ بغيرِ إذْنِه، ولم يُشْهد بالرجوعِ، فهو مُتَطَوِّعٌ، وإنْ أنْفَقَ مُحتَسِبًا بها، وأشْهدَ على ذلك، فهل يملِكُ الرجوعَ؟ على رِوايتَين.
قوله: الثَّانِي، ما يُخْشَى فَسادُه، فيُخَيَّرُ بينَ بَيعِه وأكلِه.
يعنِي، إذا اسْتَوَيا، وإلا فعَل الأحظ، كما تقدّم.
قال في «الفُروعِ»: وله أكْلُ الحَيَوانِ، وما يُخْشَى فَسادُه بقِيمَتِه.
قاله أصحابُنا.
وقال في «المُغْنِي» 1: يقْتَضِي قوْلُ أصحابِنا: إن العُروضَ لا تُملَكُ.
أنه 2 لا يأكلُ، ولكِنْ يُخَيَّرُ بينَ الصدَقَةِ وبينَ بَيعِه.

تَجْفِيفُهُ؛ كَالْعِنَبِ، فَيَفْعَلَ مَا يَرَى الْحَظَّ فِيهِ لِمَالِكِهِ.
وذكَر نصًّا يدُلُّ على ذلك.
انتهى.
قال الحارِثِيُّ: ما لا يبْقَى، قال المُصَنِّفُ فيه، والقاضي، وابنُ عَقِيل: يتَخَيَّرُ بينَ بَيعِه وأكْلِه.
بهذا أوْرَدُوا مُطْلَقًا.
وقيَّد أبو الخَطابِ بما بعدَ التعريف؛ فإنه قال: عرفَه بقَدرِ ما يَخافُ فَسادَه، ثم هو بالخِيارِ.
قال: وقوْلُه: بقَدرِ ما يخَافُ فَسادَه.
وَهْمٌ، وإنَّما هو بقَدرِ ما لا يخافُ.
قلتُ: وتابَع أبا الخَطَّابِ على هذه العِبارَةِ في «المُذْهبِ»، و «المُسْتَوْعِب»، و «التلْخيصِ»، وجماعة.
ومشَى على الصوابِ في «الخُلاصةِ»، فقال: عرَّفَه، ما لم يخْشَ فَسادَه.
قال الحارِثِيُّ: والمذهبُ الإبقاءُ، ما لم يفْسُد مِن غيرِ تَخْيِيرٍ، على ما مَر نصُّه في الشاةِ.
وهو الصحيحُ، فإذا دَنا الفَسادُ، فرِوايَتان؛ إحداهما، التصَدُّقُ بعَينه مَضْمُونًا عليه.
والثانيةُ، البَيعُ وحِفْظُ الثمَنِ.
قلتُ: وهو الصَّوابُ.
وأطْلَقَهما الحارِثِي.
وقال ابنُ أبِي موسى: يتَصَدقُ بالثمَنِ.
انتهى.
ومنع تَعذر البَيعِ أو الصَّدَقَةِ يجوزُ له أكْلُه، وعليه القِيمَةُ.
تنبيه: حيثُ قُلْنا: يُباعُ.
فإن البائعَ المُلْتَقِطُ.
على الصّحيحِ مِنَ المذهبِ؛ سواء كان يسيرًا أو كثيرًا؛ تَعذَّر الحاكِمُ أوْ لا.
وعنه، يبِيعُ اليَسِيرَ، ويرفَعُ الكَثِيرَ إلى الحاكِمِ.
وعنه، يبِيعُه كُله إنْ فقدَ الحاكِمَ، وإلَّا رفَعَه إليه.
فائدة: لو ترَكَه حتى تَلِفَ، ضَمِنَه.
قوله: إلا أنْ يُمكِنَ تَجْفِيفُه، كالعِنَبِ، فيفْعَلَ ما يرَى فيه الحَظَّ لمالِكِه.
أي مِنَ

وغَرَامَةُ التَّجْفِيفِ مِنْهُ.
وَعَنْهُ، يَبِيعُ الْيَسِيرَ، وَيَدفَعُ الْكَثِيرَ إِلَى الْحَاكِمِ.
التَّجْفيفِ والبَيعِ والأكلِ.
وصرَّح به المُصَنفُ في «المُغْنِي»، و «الكافِي».
ولم يجْعَلْ له القاضي، وأبو الخَطَّابِ، وابنُ عَقِيل، والسَّامَريُّ الأكلَ، لأنّه يملِكُ قبلَ انْقِضاءِ التَّعريفِ فيما يبْقَى، وهو خِلاف الأصلِ.
واقْتَصَروا على الأحَظِّ، مِنَ التجْفيفِ والبَيعَ.
قال الحارِثِي: وهو الأقْوَى.
وقال: وظاهِرُ كلامِ أحمدَ، مِن رِوايَةِ مهنَّا، وإسحاقَ، التَّسْويَةُ بينَ هذا النوْعِ والذي قبلَه.
وكذا كلامُ ابنِ أبِي مُوسى، قال: فيجْرِي فيه 1 ما مَر مِنَ الخِلافِ.
انتهى.

الثَّالِثُ، سَائِرُ الْمَالِ، فَيَلْزَمُهُ حِفْظُهُ، وَيُعَرِّف الْجَمِيعَ بِالنِّدَاءِ عَلَيهِ فِي مَجَامِعِ النَّاسِ؛ كَالْأَسْوَاقِ وَأبْوَابِ الْمَسَاجِدِ فِي أوْقَاتِ  قوله: ويُعَرِّف الجَمِيعَ -يعنِي وُجوبًا- بالنِّداءِ عليه في مَجامِعِ النَّاسِ؛ كالأسْواق، وأبوابِ المَساجِدِ في أوْقاتِ الصَّلَواتِ، حَوْلًا كامِلا: مَن ضاعَ منه

الصَّلَوَاتِ، حَوْلًا كَامِلا: مَنْ ضَاعَ مِنْهُ شَيء أوْ نَفَقَةٌ.
وَأجْرَةُ الْمُنَادِي عَلَيهِ.
وَقَال أبو الْخَطَّابِ: مَا لَا يملَكُ بِالتّعرِيفِ، وَمَا يُقْصَدُ حِفْظُهُ لِمَالِكِهِ، يَرجِعُ بِالأجْرَةِ عَلَيهِ.
شيء أوْ نَفَقَة.
وهذا بلا نِزاع في الجُملَةِ.
ووَقْتُ التعريفِ النهارُ، ويكونُ في الأسْبُوعِ الأولِ، في كُلِّ يَوْم.
قال في «الترغيب»، و «التلْخيصِ»، و «الرّعايَةِ»، وغيرِهم: ثم مرة في كُلِّ أسْبُوع مِن شَهْر، ثم مَرةً في كلِّ شَهْر.
وقيل: على العادَةِ بالنِّداءِ.
وهو ظاهِرُ كلامِ كثير مِنَ الأصحابِ.
قلتُ: وهو

..................................  الصوابُ، ويكونُ ذلك على الفورِ.
وقيل: يُعَرفُها بقُربِ الصحراءِ، إذا وجَدَها فيها.
قال في «الرعايَةِ الكُبرَى»: قلتُ: في أقْرب البُلْدانِ منه.
تنبيه: شَمِلَ قوْلُه: ويُعَرف الجميعَ.
الحَيَوانَ وغيرَه.
وهو أحدُ القَوْلَين.

جارٍ التحميل