فَإِنِ ادَّعَى كُلُّ وَاحِدٍ ظُلْمَ صَاحِبِهِ لَهُ، أَسْكَنَهُمَا الْحَاكِمُ إِلَى جَانِبِ ثِقَةٍ، يُشْرِفُ عَلَيْهِمَا، وَيُلزِمُهُمَا الإِنْصَافَ،
قوله: فإنِ ادَّعَى كلُّ واحِدٍ ظُلْمَ صاحِبِه له، أسْكَنَهما الحاكِمُ إلى جانِبِ ثِقَةٍ، يُشْرِفُ عليهما، ويُلْزِمُهما الإِنْصافَ.
قال فى «التَّرْغِيبِ»، واقْتَصرَ عليه فى «الفُروعِ»: يَكْشِفُ عنهما كما يَكْشِفُ عن عَدالَةٍ وإفْلاسٍ، مِن خِبْرَةٍ باطِنَةٍ.
فَإِنْ خَرَجَا إِلَى الشِّقَاقِ وَالْعَدَاوَةِ، بَعَثَ الْحَاكِمُ حَكَمَيْنِ حُرَّيْن مُسْلِمَيْنِ عَدْلَيْنِ -وَالْأوْلَى أَنْ يَكُونَا مِنْ أهْلِهِمَا- بِرِضَاهُمَا
انتهى.
إذا عَلِمْتَ ذلك، فالصَّحيحُ مِنَ المذهبِ، وعليه أكْثرُ الأصحابِ، أنَّ الإِسْكانَ إلى جانبِ ثِقَةٍ قبلَ بَعْثِ الحَكَمَيْن،؛ قطَع به المُصَنِّفُ هنا، وقطَع به فى «الهِدايَةِ»، و «المُذْهَبِ»، و «مَسْبوكِ الذَّهَبِ»، و «المُسْتَوْعِبِ»، و «الخُلاصَةِ»، و «الهادِى»، و «الكافِى»، و «المُحَرَّرِ»، و «النَّظْمِ»، و «الشَّرْحِ»، و «الرِّعايتَيْن»، و «الحاوِى الصَّغِيرِ»، و «إدْراكِ الغايةِ»، و «تَجْريدِ العِنايَةِ»، و «الوَجيزِ»، و «المُنَوِّرِ»، و «مُنْتَخَبِ الأزَجِىِّ»، وغَيرِهم.
وقدَّمه فى «الفُروعِ».
ولم يذْكُرْه الخِرَقِىُّ، والقُدَماءُ.
ومُقتَضَى كلامِهم أنَّه إذا وَقَعَتِ العَداوَةُ، وخِيفَ الشِّقاقُ، بُعِثَ الحَكَمان مِن غيرِ إسْكانٍ إلى جانبِ ثِقَةٍ.
قوله: فإنْ خَرَجا إلى الشِّقاقِ والعَداوَةِ، بعَث الحاكِمُ حَكَمَيْن حُرَّيْن مُسْلِمَيْن عَدْلَيْن.
ويكُونان مُكَلَّفَيْن.
اشْتِراطُ الإِسْلامِ والعَدالَةِ فى الحَكَمَيْن مُتَّفَقٌ عليه.
وَتَوْكِيلِهِمَا، فَيَكْشِفَانِ عَنْ حَالِهِمَا، وَيَفْعَلَانِ مَا يَرَيَانِهِ مِنْ جَمْعٍ بَيْنَهُمَا، أَوْ تَفْرِيقٍ بِطَلَاقٍ أَوْ خُلْعٍ،
وقطَع المُصَنِّفُ هنا باشْتِراطِ الحُرِّيَّةِ فيهما.
وهو الصَّحيحُ مِنَ المذهبِ، اختارَه القاضى.
قال فى «الرِّعايتَيْنِ»: حُرَّيْن على الأصحِّ.
وصحَّحه فى «النَّظْمِ»، و «تَصْحيحِ المُحَرَّرِ».
وجزَم به فى «المُذْهَبِ»، و «مَسْبوكِ الذَّهَبِ»، و «المُسْتَوْعِبِ»، و «الخُلاصَةِ»، و «تَذْكِرَةِ ابنِ عَبْدُوسٍ».
وقيل: لا تُشْتَرطُ الحُرِّيَّةُ.
وهو ظاهِرُ «الهِدايَةِ»، و «البُلْغَةِ»، و «الوَجيزِ»، وجماعةٍ؛ فإنَّهم لم يذْكُرُوه.
وأطْلَقَهما فى «المُحَرَّرِ»، و «الحاوِى الصَّغِيرِ»، و «الفُروعِ»، و «الزَّرْكَشِىِّ».
وقال المُصَنِّفُ فى «المُغْنِى»، و «الكافِى»: قال القاضى: ويُشْتَرطُ كوْنُهما حُرَّيْن.
والأَوْلَى أَنْ يُقالَ: إنْ كانا وَكِيلَيْن، لم تُعْتَبرِ الحُرِّيَّةُ، وإنْ كانا حَكَمَيْن اعْتُبِرَتْ.
[وقدَّم الَّذى ذكرَه فى «المُغْنِى»، أنَّه الأُوْلَى فى «الكافِى»] 1.
تنبيه: ظاهِرُ كلامِ المُصَنِّفِ، أنَّه لا يُشْتَرَطُ كوْنُهما فَقِيهَيْن.
وهو ظاهِرُ كلامِه فى «المُذْهَبِ»، و «مَسْبوكِ الذَّهَبِ»، و «المُسْتَوْعِبِ»،
فَإِنِ امْتَنَعَا مِنَ التَّوْكِيلٍ لَمْ يُجْبَرَا.
وَعَنْهُ، أَنَّ الزَّوْجَ إنْ وَكَّلَ فى الطَّلَاقِ بِعِوَضٍ أَوْ غيْرِهِ، وَوَكَّلَتِ الْمَرْأَةُ فى بَذْلِ الْعِوَضِ بِرِضَاهُمَا، وَإلَّا جَعَلَ الْحَاكِمُ إِلَيْهِمَا ذَلِكَ.
و «الخُلاصَةِ»، و «المُحَرَّرِ»، و «الوَجيزِ»، و «الحاوِى»، وغيرِهم؛ لعدَمِ ذِكْرِه.
وهو أحدُ الوَجْهَيْن.
وقدَّمه فى «الرِّعايَةِ الكُبْرَى».
والوَجْهُ الثَّانِى، يُشْتَرَطُ.
قال الزَّرْكَشِىُّ: يُشْتَرطُ أَنْ يكونا عالِمَيْن بالجَمْعِ والتَّفْرِيقِ.
انتهى.
قلتُ: أمَّا اشْتِراطُ ذلك، فيَنْبَغِى أَنْ يكونَ بلا خِلافٍ فى المذهبِ.
وأطْلَقَهما فى «الفُروعِ».
وقال فى «الكافِى»: ومتى كانا حَكَمَيْن، اشْتُرِطَ كوْنُهما فَقِيهَيْن، وإنْ كانا وَكِيلَيْن، جازَ أَنْ يكونا عامِّيَّيْن.
قلتُ: وفى الثَّانى ضَعْفٌ.
وقال فى «التَّرْغيبِ»، لا يُشْتَرطُ الاجْتِهادُ فيهما.
وظاهِرُ كلامِ المُصَنِّفِ وغيرِه، اشْتِراطُ كَوْنِهما ذكَرَيْن، بل هو كالصَّرِيحِ فى كلامِه.
وقطَع به فى «المُغْنِى»، و «الشَّرْحِ»، و «النَّظْمِ»، و «الوَجِيزِ»، وغيرِهم.
وقال الزَّرْكَشِىُّ: وقد يُقالُ بجَوازِ كوْنِها أُنْثَى، على الرِّوايةِ الثَّانيةِ.
قوله: فإِنِ امْتَنَعا مِنَ التَّوْكِيلِ -يعْنِى الزَّوْجَيْن- لم يُجْبَرا.
اعلمْ أنَّ الصَّحيحَ مِنَ المذهبِ، أنَّ الحَكَمَيْن وَكِيلان عن الزَّوْجَيْن 1، لا يُرْسَلان إلَّا برِضاهما
..................................
وتَوْكِيلِهما، فإنِ امْتَنَعا مِنَ التَّوْكيلِ، لم يُجْبَرَا عليه.
قال الزَّرْكَشِىُّ: هذا المَشْهورُ عندَ الأصحابِ، حتَّى أنَّ القاضِىَ فى «الجامِعِ الصَّغِيرِ»، والشَّرِيفَ أبا جَعْفَر، وابنَ البَنَّا، لم يذْكُروا فيه خِلافًا، ورَضِيَه أبو الخَطَّابِ.
قال فى «تَجْريدِ العِنايةِ»: هذا أَشْهَرُ.
وقطَع به فى «الوَجيزِ»، و «المُنَوِّرِ»، و «مُنْتَخَبِ الأَزَجِىِّ»، وغيرِهم.
وقدَّمه فى «الهِدايَةِ»، و «المُذْهَبِ»، و «مَسْبوكِ الذَّهَبِ»، و «المُسْتَوْعِبِ»، و «الخُلاصَةِ»، و «الهادِى»،
..................................
و «المُحَرَّرِ»، و «الرِّعايتَيْن»، و «الحاوِى الصَّغِيرِ»، و «النَّظْمِ»، و «الفُروعِ»، وغيرِهم.
وعنه، أنَّ الزوْجَ إنْ وكَّلَ فى الطَّلاقِ بعِوَض أو غيرِه، ووكَّلَتِ المرْأَةُ فى بذْلِ العِوَضِ برِضاهما، وإلَّا جعَل الحَاكِمُ إليهما ذلك.
فهذا يدُلُّ على أنَّهما حَكَمان يفعَلان ما يرَيان 1؛ مِن جَمْعٍ، أو تَفْرِيقٍ بعِوَضٍ، أو غيرِه
..................................
مِن غيرِ رِضا الزَّوْجَيْن.
قال الزَّرْكَشِىُّ: وهو ظاهِرُ الآيَةِ الكَرِيمةِ 1. انتهى.
واخْتارَه ابنُ هُبَيْرَةَ، والشَّيْخُ تَقِىُّ الدِّينِ، رَحِمَهما اللَّه.
وهو ظاهِرُ كلامِ الخِرَقِىِّ.
قالَه فى «الفُروعِ».
وأطْلَقَهما فى «الكافِى»، و «الشَّرْحِ».
فَإِنْ غَابَ الزَّوْجَانِ أَوْ أَحَدُهُمَا، لَمْ يَنْقَطِعْ نَظَرُ الْحَكَمَيْنِ عَلَى الرِّوَايَةِ الأُولَى، وَيَنْقَطِعُ عَلَى الثَّانِيَةِ.
وَإِنْ جُنَّا انْقَطَعَ نَظَرُهُمَا عَلَى الأُولَى، وَلَمْ يَنْقَطِعْ عَلَى الثَّانِيَةِ.
تنبيه: لهذا الخِلافِ فَوائدُ، ذكرَها المُصَنِّفُ وغيرُه؛ منها، لو غابَ الزَّوْجان أو أحَدُهما، لم ينْقَطِعْ نظَرُ الحَكَمَيْن، على الرِّوايَةِ الأُولَى، وينْقَطِعُ على الثَّانيةِ.
هذا هو الصَّحيحُ مِنَ المذهبِ، وعليه جُمْهورُ الأصحابِ.
وقيل: لا ينْقَطِعُ نظَرُهما أيضًا على الثَّانيةِ.
وهو احْتِمالٌ فى «الهِدايَةِ».
ومنها، لو جُنَّا جميعًا أو أحَدُهما، انْقَطَعَ نظَرُهما على الأُولَى، ولم ينْقَطِعْ على الثَّانيةِ، لأَنَّ الحاكِمَ يحْكُمُ على المَجْنونِ.
هذا هو الصَّحيحُ مِنَ المذهبِ، وعليه جماهيرُ الأصحابِ.
وجزَم المُصَنِّفُ فى
..................................
«المُغْنِى»، و «الكافِى»، بأنَّ نظَرَهما ينْقَطِعُ أيضًا على الرِّوايَةِ الثَّانيةِ؛ لأنَّه لا يتَحقَّقُ معه بَقاءُ الشِّقاقِ، وحُضُورُ المُدَّعِيَيْن 1، وهو شَرْطٌ.
فائدة: لا يصِحُّ الإِبْراءُ مِنَ الحكَمَيْن إلَّا فى الخُلْعِ خاصَّةً، مِن وَكيلِ المرْأةَ فقط.
قالَه المُصَنِّفُ، والشَّارِحُ، وصاحِبُ «الفُروعِ»، وغيرُهم.
حقوق الطبع محفوظة
الطبعة الأولى 1416 هـ - 1996 م
المكتب: 4 ش ترعة الزمر- المهندسين - جيزة تليفون: 3452579 - فاكس: 3451756
المطبعة: 2، 6 ش عبد الفتاح الطويل أرض اللواء - تليفون: 3452963 ص. ب: 63 إمبابة
يوزع على نفقة خادم الحرمين الشريفين الملك فهد بن عبد العزيز آل سعود خدمة للعلم وطلابه أجزل الله مثوبته.. ووفقه لمرضاته
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ