..................................
تنبيه: محَلُّ الخِلافِ، إذا لم يشْتَرِطْ، فإنِ اشْتَرَطَ الكَفِيلُ أنَّه لا شيءَ عليه إنْ ماتَ، بَرِئ بمَوْته، قوْلًا واحدًا.
قاله في «التلْخيصِ»، و «المُحَررِ»، وغيرِهما.
وأمَّا إذا تَلِفَتِ العَينُ بفعلِ الله تِعالى، فالصَّحيحُ مِنَ المذهبِ، أنَّ الكَفِيلَ يبْرأ.
جزَم به في «الهِدايَةِ»، و «المُذهب»، و «المُسْتَوْعِبِ»، و «الخُلاصَةِ»، و «المُحَرَّرِ»، و «الرعايَةِ الصُّغْرَى»، و «الحاويَيْن»، وغيرِهم.
وقدَّمه في «المُغْنِي»، و «الشَّرحِ».
وقيل: لا يبْرأ.
وأطْلَقَهما في «الفُروعَ».
تنبيهان؛ أحدُهما، محَلُّ الخِلافِ، إذا لم يشْتَرِطْ أنْ لا مال عليه بتَلَفِ العَينِ
..................................
المَكْفُولِ بها، فإنِ اشْتَرَطَ، بَرِئ، قوْلًا واحدًا، كما تقدَّم في المَوْتِ.
الثاني، مُرادُه بقَوْلِه: أو تَلِفَتِ العَينُ بفعل، اللهِ تعالى.
قبلَ المُطالبَةِ.
صرَّح به في
وَإنْ تَعَذَّرَ إِحضَارهُ مَعَ بَقَائِهِ، لَزِمَ الْكَفِيلَ الدَّينُ، أوْ عِوَضُ الْعَين وَإنْ غَابَ، أمهِلَ الْكَفِيلُ بِقَدرِ مَا يَمضِي فيُحضِرُهُ، فَإِنْ تَعَذَّر
«المُحَرَّرِ»، و «الفُروعِ»، وغيرِهما.
وأمَّا إذا أسْلَمَ المَكْفُولُ به نفْسَه في مَحِله، فإن الكَفِيلَ يبرأ، قولًا واحدًا.
قوله: وإنْ تَعَذَّرَ إحضارُه، مع بَقائِه، لَزِمَ الكَفِيلَ الدينُ، أو عِوَضُ العَينِ.
هذا المذهبُ، وعليه أكثرُ الأصحابِ، وقطَع به كثير منهم.
وفي «المُبْهِج» وَجْه؛ أنه يُشترَطُ البَراءَةُ منه.
وقال ابنُ عَقِيل: قِياسُ المذهبِ لا يلْزَمُه، إنِ امتنَعَ بسُلْطانٍ، وألْحَقَ به معسِرًا أو مَحبُوسًا ونحوَهما؛ لاسْتِواءِ المَعنَى.
وكوْنُ الكَفِيلِ يضْمَنُ ما على المَكْفُولِ به إذا لم يُسَلّمه، مِنَ المُفْرَداتِ.
فائدة: قال الشيخُ تَقِيُّ الدِّينِ: السَّجَّانُ كالكَفِيلِ.
واقْتَصرَ عليه في «الفُروعَ».
قوله: وإنْ غابَ، أُمْهِلَ الكَفِيلُ بقدرِ ما يمضِي، فيُحضرُه، وإنْ تعَذرَ إحضَارُه، ضَمِنَ.
إذا مضَى الكَفِيلُ ليُحضِرَ المَكْفُولَ به، وتعَذَّرَ إحضارُه،
إِحضَارُهُ، ضَمِنَ مَا عَلَيهِ.
فحُكْمُه حُكْمُ ما إذا تعَذَّرَ إحضارُه مع بَقائِه، على ما تقدَّم، خِلافًا ومذهبًا.
وَإِذَا طَالَبَ الْكَفِيلُ الْمَكْفُولَ بِهِ بِالْحُضُورِ مَعَهُ، لَزِمَهُ ذَلِكَ إِنْ كَانَتِ الْكَفَالَةُ بِإِذْنِهِ أَوْ طَالَبَهُ صَاحِبُ الْحَقِّ بِإِحْضَارِهِ، وَإِلَّا فَلَا.
قوله: وإذا طالَبَ الكَفِيلُ المَكْفُولَ به بالحُضورِ مَعَه 1 لَزِمَه ذلك، إنْ كانتِ الكَفالَةُ بإذْنِه، أو طالَبَه صاحِبُ الحَقِّ بإحْضارِه، وإلَّا فلا.
وهذا المذهبُ فيهما،
..................................
وعليه جماهيرُ الأصحابِ.
وجزَم به في «الوَجيزِ»، و «المُغْنِي»، و «الشَّرْحِ»، وغيرِهم.
وقدَّمه في «الفُروعِ» وغيرِه.
وقيل: لا يلْزَمُه الحُضُورُ إلَّا إذا كانتِ الكَفالةُ بإذْنِه، فطالبَه المَكْفُولُ له بحُضُورِه.
فائدة: حيثُ أدَّى الكَفِيلُ ما لزِمَه، ثم قدَر على المَكْفُولِ به، فقال في «الفُروعِ»: ظاهِرُ كلامِهم، أنَّه في رُجوعِه عليه كالضَّامِنِ، وأنَّه لا يُسَلِّمُه إلى المَكْفُولِ له، ثم يسْتَرِدُّ ما أدَّاه، بخِلافِ مَغْصُوبٍ تعَذَّرَ إحْضارُه مع بَقائه؛ لامْتِناعِ
وَإِذَا كَفَلَ اثْنَانِ بِرَجُلٍ، فَسَلَّمَهُ أحَدُهُمَا، لَمْ يَبْرَأَ الْآخَرُ.
بَيعِه 1.
قوله: وإذا كفَل اثْنان برَجُلٍ، فسَلَّمَه أحَدُهما، لم يبْرَأ الآخَرُ.
هذا المذهبُ، وعليه أكثرُ الأصحابِ؛ منهم القاضي وأصحابُه، ونصَّ عليه.
وجزَم به في «المُغْنِي»، و «الشَّرْحِ»، و «الوَجيزِ»، وغيرِهم.
وقدَّمه في «الفُروعِ»
وَإنْ كَفَلَ وَاحِدٌ لِاثْنَينِ، فَأَبْرَأَةُ أَحَدُهُمَا، لَمْ يَبْرأ مِنَ الْآخَرِ.
وغيرِه.
قال في «القَواعِدِ»: أشْهَرُ الوَجْهَين، لا يبْرَأ.
وقيل: يبْرَأ الآخَرُ.
وهو احْتِمالٌ في «الكافِي».
ونصَرَه الأزَجِيٌّ في «نِهايتِه».
وهو ظاهِرُ كلامِ السَّامَرِّيِّ في «فُروقِه».
قاله ابنُ رَجَبٍ في «قوَاعِدِه»، وقال: والأظْهَرُ أنَّهما إنْ كفَلا كَفالةَ اشْتِراكٍ؛ مثلَ أنْ يقولا: كفَلْنا لك زَيدًا، نُسَلِّمُه إليك.
فإذا سلَّمَه أحدُهما، بَرِئ الآخَرُ؛ لأنَّ التَّسْلِيمَ المُلْتَزَمَ واحِدٌ، فهو كأداءِ أحَدِ الضَّامِنَين للمال.
وإنْ كفَلا كَفالةَ انْفِرادٍ واشْتِراكٍ؛ بأنْ قالا: كُلُّ واحدٍ منَّا كَفِيلٌ لك بزَيدٍ.
وكُلُّ واحدٍ مُلْتَزِمٌ له إحْضارَه، فلا يبْرَأُ بدُونِه، مادامَ الحَقُّ باقِيًا على المَكْفُولِ به، فهو كما لو كفَلا في عَقْدَين مُتَفَرِّقَين.
وهذا قِياسُ قَوْلِ القاضي، في ضَمانِ الرَّجُلَين الدَّينَ.
فائدة: لو سلَّم المَكْفُولُ به نَفْسَه، بَرِئَ الاثْنان، وفَرْقٌ بينَه وبينَ ما إذا سلَّمَه أحدُهما.
قوله: وإن كفَل واحدٌ لاثْنَين، فأبْرَأَه أحَدُهما، لم يَبْرأْ مِنَ الآخَرِ.
بلا نِزاعٍ.
..................................
فوائد؛ إحْداها، يصِحُّ 1 أنْ يكْفُلَ الكَفِيلُ كَفِيلًا آخَرَ، فإنْ بَرِئَ الأوَّلُ، بَرِئَ الآخَرُ، ولا عَكْسَ.
وإنْ كفَل الثَّانِيَ ثالِثٌ، بَرِئ ببَراءَةِ الثَّانِي والأوَّلِ، ولا عكْسَ.
فلو كفَل اثْنان واحِدًا، وكفَل كلَّ واحدٍ منهما كَفِيلٌ آخَرُ، فأحْضَرَه أحدُهما، بَرِئَ هو ومَن تَكَفَّلَ به، وبَقِيَ الآخَرُ ومَن كفَل به.
الثَّانيةُ، لو ضَمِنَ اثْنان دَينَ رَجُلٍ لغَريمِه، فلا يخْلُو؛ إمَّا أنْ يقولَ كلُّ واحدٍ منهما: أنا ضامِنٌ لك
..................................
الأَلْفَ.
أو يُطْلِقَ؛ فإنْ قالا: كلُّ واحدٍ منَّا ضامِنٌ لك الأَلْفَ.
فهو ضَمانُ اشْتِراكٍ في انْفِرادٍ، فله مُطالبَةُ كلِّ واحدٍ منهما بالألْفِ إنْ شاءَ، وله مُطالبَتُهما، وإنْ قَضاه أحدُهما، لم يرْجِعْ [إلَّا على] 1 المَضمُونِ عنه.
وإنْ أطْلَقا الضَّمانَ؛ بأنْ قالا: ضَمِنَّا لك.
فهو بينَهما بالحِصَصِ، وكلُّ واحدٍ منهما ضامِنٌ لحِصَّتِه.
وهذا الصَّحيحُ مِنَ المذهبِ.
وهو قوْلُ القاضي في «المُجَرَّدِ»، و «الخِلافِ»، والمُصَنِّفِ، وقطَع به الشَّارِحُ.
وقيل: كلُّ واحدٍ ضامِنٌ للجَميعِ، كالأوَّلِ.
نصَّ عليه أحمدُ (3) في رِوايَةِ مُهَنَّا.
وكذا قال أبو بَكْرٍ في «التَّنْبِيهِ».
وذكَر ابنُ عَقِيلٍ فيها احْتِمالين.
وأطْلَقَ الوَجْهَين في «القَواعِدِ».
وبَناه القاضي على أنَّ الصَّفْقَةَ تتَعَدَّدُ بتَعَدُّدِ الضَّامِنَين، فيصِيرُ الضَّمانُ مُوَزَّعًا عليهما.
وعلى هذا، لو كان المَضْمونُ دَينًا مُتَساويًا على رَجُلَين، فهل يُقالُ: كلُّ 2 واحدٍ منهما ضامِنٌ لنِصْفِ الدَّينَين.
أو كلُّ واحدٍ منهما ضامِنٌ لأحَدِهما بانْفِرادِه؟ إذا قُلْنا: يصِحُّ ضَمانُ المُبْهَمِ.
يحْتَمِلُ وَجْهَين.
قاله ابنُ رَجَبٍ، في «قَواعِدِه».
الثَّالثةُ، لو كان على اثْنَين مِائَةٌ لآخَرَ، فضَمِنَ كلُّ واحدٍ منهما الآخَرَ، فقَضاه أحدُهما نِصْفَ المِائَةِ،
..................................
أو أبْرَأَه منه، ولا نِيَّةَ، فقيلَ: [إنْ شاءَ صرَفَه إلى الذي عليه بالأصالةِ، و] 1 إنْ شاءَ صرَفَه إلى الذي عليه بطرِيقِ الضَّمانِ.
قلتُ: وهو أوْلَى.
وقد تقدَّم ما يُشْبِهُ ذلك في الرَّهنِ، بعدَ قوْلِه: وإن رهَنَه رَجُلان شيئًا، فوَقَّاه أحدُهما.
وقيل: يكونُ بينَهما نِصْفين.
وأطْلَقَهما في «الفُروعِ».
الرَّابعةُ، لو أحال عليهما ليقْبِضَ مِن أيِّهما شاءَ، صحَّ.
على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ.
وذكَر ابنُ الجَوْزِيِّ وَجْهًا، لا يصِحُّ، كحَوالتِه على اثْنَين له، على كلِّ 2 واحدٍ منهما مِائَةٌ.
الخامسةُ، لو أبْرَأَ أحدَهما مِنَ المِائَةِ، بَقِيَ على الآخَرِ خَمْسُون أَصالةً.
السَّادِسةُ، لو ضَمِنَ ثالِثٌ عن أحَدِهما المِائَةَ بأَمْرِه.
وقَضاها، رجَع على المَضْمونِ عنه بها.
وهل له أنْ يرْجِعَ بها على الآخَرِ؟ فيه رِوايَتان.
وأطْلَقَهما في «الفُروعِ».
قلتُ: الذي يظْهَرُ، أنَّ له الرُّجوعَ عليه؛ لأنَّه كضامِنِ الضَّامِنِ.
السَّابعةُ، لو ضَمِنَ مَعْرِفَتَه، أُخِذَ به.
نقَلَه أبو طالِبٍ.
الثَّامنةُ، لو أَحال رَبذُ الحقِّ، أو أُحِيلَ 3، أو زال العَقْدُ، بَرِئَ الكَفِيلُ، وبطَل الرَّهْنُ.، ويثْبُتُ لوارِثِه.
ذكَرَه في «الانْتِصارِ»، وذكَر في «الرِّعايَةِ الكُبْرَى»، في الصُّورَةِ الأْوَلَى، احْتِمال وَجْهَين في بَقاءِ الضَّمانِ.
ونقَل مُهَنَّا فيها، يبْرَأْ، وأنَّه إنْ عجَز مُكاتَبٌ، رَقَّ، وسقَط الضَّمانُ.
وذكَر القاضي، أنَّه لو أَقاله في سَلَمٍ به رَهْنٌ، حبَسَه برَأْسِ مالِه، جعَلَه أصْلًا، لحَبْسِ رَهْنٍ بمَهْرِ المِثْلِ بالمُتْعَةِ.
التَّاسعةُ، لو خِيفَ مِن غَرَقِ السَّفِينَةِ، فأَلْقَى بعضُ مَن فيها مَتاعَه في البَحْرِ لتَخِفَّ، لم يرْجِعْ به على أحدٍ، سواءٌ نوَى الرُّجوعَ، أوْ لا.
وهذا المذهبُ، وعليه الأصحابُ.
وقال في «الرِّعايَةِ الكُبْرَى»، مِن عندِه: ويحْتَمِلُ
..................................
أنْ يرْجِعَ إذا نوَى الرُّجوعَ.
وما هو ببَعِيدٍ.
انتهى.
ويجِبُ الإِلْقاءُ إنْ خِيفَ تَلَفُ الرُّكَّابِ بالغرَقِ، [ولو قال] 1 بعضُ أهْلِ السَّفِينَةِ: ألْقِ مَتاعَك.
فأَلْقاه، فلا ضَمانَ على الآمِرِ.
وإنْ قال: أَلْقِه، وأنا ضامِنُه.
ضَمِنَ الجميعَ.
قاله أبو بَكْرٍ، والقاضي، ومَن بعدَهما.
وإنْ قال: وأنا ورُكْبانُ السَّفِينَةِ ضامِنُون.
وأطْلَقَ، ضَمِنَ وحدَه بالحِصَّةِ.
على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ.
قدَّمه في «الفُروعِ»، ولم يذْكُرْه المُصَنِّفُ، ولا الشَّارِحُ، ولا الحارِثِيُّ.
وقال أبو بَكْرٍ: يضْمَنُه القائلُ وحدَه، إلَّا أنْ يتَطَوَّعَ بَقِيَّتُهم 2. واخْتارَه ابنُ عَقِيلٍ، وقدَّمه في «الرِّعايَةِ».
قال القاضي: إنْ كان ضَمانَ اشْتِراكٍ، فليس عليه إلَّا ضَمانُ حِصَّتِه، وإنْ كان ضَمانَ اشْتِراكٍ وانْفِرادٍ، بأنْ يقولَ: كلُّ واحدٍ منَّا ضامِنٌ لك مَتاعَك، أو قِيمَتَه.
ضَمِنَ القائلُ ضَمانَ الجميعِ، سواءٌ كانُوا يسْمَعُون قوْلَه، فسَكَتُوا، أو لم يسْمَعُوا.
انتهى.
قال الحارِثِيُّ، في آخِرِ الغَصْبِ: وهو الحقُّ، وإنْ رَضُوا [بما قال] 3، لَزِمَهم.
قال في «الفُروعِ»: ويتَوَجَّهُ الوَجْهان.
وإنْ قالُوا: ضَمِنَّا لك.
ضَمِنُوا بالحِصَّةِ.
وإنْ قالوا 4: كُلُّ واحدٍ منَّا ضامِنُه.
ضَمِنَ الجميعُ.
ذكَرَه أبو بَكْرٍ، والقاضي، ومَن بعدَهما.
وكذا الحُكْمُ في ضَمانِهم ما عليه مِنَ الدَّينِ.
ويأْتِي في آخِر الغَصْبِ بعضُ هذا، ومَسائلُ تتعَلَّقُ بهذا، فليُراجَعْ.
العاشِرَةُ، لو قال لزَيدٍ: طَلِّقْ زَوْجَتَك، وعليَّ ألْفٌ، أو مَهْرُها.
لَزِمَه ذلك بالطَّلاقِ.
قاله في «الرِّعايَةِ».
وقال أيضًا: لو قال: بعْ عَبْدَك مِن زَيدٍ بمِائَةٍ، وعليَّ مِائَةٌ أُخْرَى.
لم يلْزَمْه شيءٌ.
وفيه احْتِمالٌ.
والله أعلمُ.
بَابُ الْحَوَالةِ
بابُ الحَوالةِ
وَالْحَوَالةُ تَنْقُلُ الْحَقَّ مِنْ ذِمَّةِ الْمُحِيلِ إِلَى ذِمَّةِ الْمُحَالِ عَلَيهِ، فَلَا يَمْلِكُ الْمُحْتَالُ الرُّجُوعَ عَلَيهِ بِحَالٍ.
فوائد؛ إحْداها، قال المُصَنِّفُ، والشَّارِحُ، وغيرُهما: [هي مُشْتَقَّةٌ مِن تَحْويلِ الحَقِّ مِن ذِمَّةٍ إلى ذِمَّةٍ.
وقال في «المُسْتَوْعِبِ»] 1: هي مُشْتَقَّةٌ مِن التَّحَوُّلِ؛ لأنَّها تُحَوِّلُ الحَقَّ وتنْقُلُه مِن ذِمَّةٍ إلى ذِمَّةٍ.
والظَّاهِرُ، أنَّ المَعْنَى واحِدٌ؛ فإنَّ التَّحَوُّلَ مُطاوعٌ للتَّحْويلِ، يُقالُ: حَوَّلْتُه فتَحَوَّلَ.
الثَّانيةُ 2، الحَوالةُ عَقْدُ إرْفاقٍ؛ تَنقُلُ الحَقَّ مِن ذِمَّةِ المُحِيلِ إلى ذِمَّةِ المُحالِ 3 عليه، وليستْ بَيعًا.
على
..................................
الصَّحيحِ مِنَ المذهب، وعليه جماهيرُ الأصحابِ؛ لجَوازِها بينَ الدَّينَين المُتَساويَين جِنْسًا وصِفَةً، والتَّفَرُّقِ قبلَ القَبْضِ، واخْتِصاصِها بجِنْسٍ واحدٍ، واسْمٍ خاصٍّ، ولزُومِها.
ولا هي في مَعْنَى البَيعِ؛ لعدَمِ العَينِ فيها.
وهذا الصَّوابُ.
قال المُصَنِّفُ: وهو أشْبَهُ بكَلام أحمدَ.
قال في «القاعِدَةِ الثَّالثةِ والعِشْرين»: الحَوالةُ، هل هي نقْلٌ للحَقِّ، أَو تَقْبِيضٌ؟ فيه خِلافٌ.
وقد قيل: إنَّها بَيعٌ؛ فإنَّ المُحِيلَ 1 يَشْتَرِي ما في ذِمَّتِه بما في ذِمَّةِ المُحالِ عليه، وجازَ تأْخِيرُ القَبْضِ رُخْصَةً؛ لأنَّه مَوْضُوعٌ على الرِّفْقِ.
فيَدْخُلُها خِيارُ المَجْلِسِ.
واعْلَمْ أنَّ الحَوالةَ
..................................
تُّشْبِهُ المُعاوَضَةَ مِن حيثُ إنَّها دَينٌ بدَينٍ.
وتُشْبِهُ الاسْتِيفاءَ مِن حيثُ إَّنه يُبْرِئُ
وَلَا تَصِحُّ إلا بِثَلَاثةِ شُرُوطٍ؛ أَحَدُهَا، أَنْ يُحِيلَ عَلَى دَينٍ مُسْتَقِرٍّ، فَإن أَحَال عَلَى مَالِ الْكِتَابَةِ، أَو السَّلَمِ، أَو الصَّدَاقِ قَبْلَ الدُّخُولِ، لَمْ يَصِحَّ.
وَإِنْ أَحَال الْمُكَاتَبُ سَيِّدَهُ، أَو الزَّوْجُ أمْرَأَتَهُ، صَحَّ.
المُحِيلَ، ويَسْتَحِقُّ تَسْلِيمَ المَبِيعِ إذا أحال بالثَّمَنِ، ولتَرَدُّدِها بينَ ذلك، ألحَقَها بعضُ الأصحابِ بالمُعاوَضَةِ، كما تقدَّم، وألحَقَها بعضُهم بالاسْتِيفاءِ.
الثَّالثةُ، نقَل مُهَنَّا، في مَن بعَث رَجُلًا إلى رَجُلٍ له عندَه مالٌ، فقال: خُذْ منه دِينارًا.
[فأخَذ منه] 1 أكْثَر، فالضَّمانُ على المُرْسِلِ؛ لتَغْرِيرِه، ويَرْجِعُ هو على الرَّسُولِ.
ذكَرَه ابنُ رَجَبٍ في «قَواعِدِه».
قوله: ولا تَصِحُّ إلَّا بثَلاثَةِ شُرُوطٍ؛ أحدُها، أَنْ يُحِيلَ على دَينٍ مُسْتقِرٍّ، فإنْ أحال على مالِ الكِتابَةِ، أو السَّلَمِ، أو الصَّداقِ قبلَ الدُّخُولِ -وكذا لو أحال على الأجْرَةِ عندَ العَقْدِ- لم يصِحَّ، وإنْ أحال المُكاتَبُ سَيِّدَه، أو الزَّوْجُ امْرَأَتَه، صَحَّ.
..................................
وكذا لو أحال بالأُجْرَةِ.
اعْلَمْ أنَّ الحَوالةَ تارَةً تكونُ على مالٍ، وتارَةً تكونُ بمالٍ؛ فإنْ كانتِ الحَوالةُ على مالٍ، فيُشْتَرَطُ أنْ يكونَ المالُ المُحالُ عليه مُسْتَقِرًّا.
على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ، نصَّ عليه، وعليه جماهيرُ الأصحابِ، وقطَع به كثيرٌ منهم.
وقيل: تصِحُّ الحَوالةُ على مالِ الكِتابَةِ بعدَ حُلولِه.
وفي طَرِيقَةِ بعضِ الأصحابِ، أنَّ المُسْلَمَ فيه مُنَزَّلٌ مَنْزِلَةَ المَوْجُودِ 1؛ لصِحَّةِ الإِبْراءِ منه، والحَوالةِ عليه وبه.
وقال الزَّرْكَشِيُّ: لا يَظهَرُ لي مَنْعُ الحَوالةِ بالمُسْلَمِ فيه.
وظاهِرُ ما قدَّمه في
..................................
«المُحَرَّرِ»، صِحَّةُ الحَوالةِ على المَهْرِ قبلَ الدُّخُولِ، وعلى الأُجْرَةِ بالعَقْدِ.
وإنْ كانتِ الحَوالةُ بمالٍ، لم يُشْتَرَطِ اسْتِقْرارُه، وتصِحُّ الحَوالةُ به.
على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ، وعليه جماعَة مِنَ الأصحابِ.
وجزَم به في «الوَجيزِ»، و «الكافِي»، و «تَجْريدِ العِنايَةِ»، وغيرِهم.
وقدَّمه في «الفُروعِ»، و «الزَّرْكَشِيِّ».
وجزَم به في «المُحَرَّرِ»، في مالِ الكِتابَةِ.
وقدَّمه في غيرِه.
واخْتارَه القاضي، وابنُ عَقِيلٍ في مالِ الكِتابَةِ، ذكَرَه في «التَّلْخيصِ»، على ما يأْتِي.
وقيل: يُشْتَرَطُ كَوْنُ المُحالِ به مُسْتَقِرًّا، كالمُحالِ عليه.
اخْتارَه القاضي في «المُجَرَّدِ».
وجزَم به الحَلْوانِيُّ.
قال في «الهِدايَةِ»، و «المُذْهَبِ»، و «مَسْبوكِ الذَّهبِ»، و «المُسْتَوْعِبِ»، و «الخُلاصَةِ»: يُشْتَرَطُ لصِحَّتِها أنْ تكونَ بدَين مُسْتَقِرٍّ، وعلى دَينٍ مُسْتَقِرٍّ.
قال في «الحاويَيْن»: لا تصِحُّ إلَّا بدَينٍ مَعْلومٍ، يصِحُّ السَّلَمُ
..................................
فيه، مُسْتَقِرٍّ على مُسْتَقِرٍّ.
قال في «الرِّعايتَين»: إنَّما تصِحُّ بدَينٍ مَعْلوم يصِحُّ السَّلَمُ فيه، مُسْتَقِرٍّ في الأَشْهَرِ، على دَينٍ مُسْتَقِرٍّ.
قال في «الفائقِ»: وتَخْتَصُّ صِحَّتُها بدَينٍ يصِحُّ فيه السَّلَمُ، ويُشْتَرَطُ اسْتِقْرارُه، في أصحِّ الوَجْهَين، على مُسْتَقِرٍّ.
قال في «التَّلْخيصِ»: فلا تصِحُّ الحَوالةُ بغيرِ مُسْتَقِرٍّ، ولا على 1 غيرِ مُسْتَقِرٍّ.
فلا تصِحُّ في مُدَّةِ الخِيارِ، ولا في الأُجْرَةِ قبلَ اسْتِيفاءِ المَنْفَعَةِ، ولا في الصَّداقِ قبلَ الدُّخولِ.
وكذلك دَينُ الكِتابَةِ، على ظاهِرِ كلامِ أبِي الخَطَّابِ.
وقال القاضي، وابنُ عَقِيلٍ: تصِحُّ حَوالةُ المُكاتَبِ لسَيِّدِه بدَينِ الكِتابَةِ على مَن له عليه دَينٌ، ويَبْرَأُ العَبْدُ ويَعْتِقُ، ويَبْقَى الدَّينُ في ذِمَّةِ المُحالِ عليه للسَّيِّدِ.
انتهى.
وأطْلَقَ في «الرِّعايتَين»، و «الفُروعِ»، الوَجْهَين في الحَوالةِ بمالِ الكِتابَةِ، والمَهْرِ، والأُجْرَةِ.
وأطْلَقَهما في «الحاويَيْن»، و «الفائقِ»، في الحَوالةِ بدَينِ الكِتابَةِ، والمَهْرِ.
وقال الزَّرْكَشِيُّ، تبَعًا لصاحِبِ «المُحَرَّرِ»: الدُّيونُ أرْبَعَةُ أقْسامٍ؛ دَينُ سَلَمٍ، ودَينُ كِتابَةٍ، وما عَداهما وهو قِسْمان؛ مُسْتَقِرٌّ، وغيرُ مُسْتَقِرٍّ، كثَمَنِ المَبِيعِ في مُدَّةِ الخِيارِ ونحوه.
فلا تصِحُّ الحَوالةُ بدَينِ السَّلَمِ، ولا عليه، وتصِحُّ بدَينِ الكِتابَةِ.
على الصَّحيحِ، دُونَ الحَوالةِ عليه، ويَصِحَّان في سائرِ الدُّيونِ، مُسْتَقِرِّها وغيرِ مُسْتَقِرِّها.
وقيل: لا تصِحُّ على غيرِ مُسْتَقِرٍّ بحالٍ.
وإليه ذهَب أبو محمدٍ، وجماعَةٌ مِنَ الأصحابِ.
وقيل: ولا بما ليس بمُسْتَقِرٍّ.
وهذا اخْتِيارُ القاضي في «المُجَرَّدِ»، وتَبِعَه أبو الخَطَّابِ، والسَّامَرِّيُّ.
انتهى.
..................................
تنبيه: يُسْتَثْنَى مِن محَلِّ الخِلافِ مِنَ المالِ المُحالِ عليه، والمُحالِ به، دَينُ السَّلَمِ؛ فإنَّه لا تصِحُّ الحَوالةُ عليه، ولا به، عندَ الإِمامِ أحمدَ وأصْحابِه، إلَّا ما تقدَّم عن بعضِ الأصحابِ في طَرِيقَتِه، وكلامَ الزَّرْكَشِيِّ.
فائدة: في صِحَّةِ الحَوالةِ، برَأْسِ مالِ السَّلَمِ وعليه، وَجْهان.
وأطْلَقَهما في «المُحَرَّرِ»، و «شَرْحِه»، و «النَّظْمِ»، و «الرِّعايتَين»، و «الحاويَيْن»، و «الفُروعِ»، و «الفائقِ»، و «الزَّرْكَشِيِّ»؛ أحدُهما، لا تصِحُّ.
قدَّمه في «الرِّعايَةِ الكُبْرَى»، في بابِ القَبْضِ والضَّمانِ مِنَ البُيوعِ؛ فقال: لا يصِحُّ التَّصَرُّفُ في رَأْسِ مالِ السَّلَمِ بعدَ فَسْخِه واسْتِقْرارِه، بحَوالةٍ ولا بغيرِها.
وقيل: يصِحُّ.
انتهى.
وتقدَّم ذلك في بابِ السَّلَمِ، في كلامِ المُصَنِّفِ.
تنبيه: خرَج مِن كلامِ المُصَنِّفِ، لو أحال مَن لا دَينَ عليه على مَن عليه دَينٌ، فإنَّه لا يُسَمَّى حَوالةً، بل وَكالةٌ في القَبْضِ.
ولو أحال مَن [لا دَينَ عليه] 1، على
وَالثَّانِي، اتِّفَاقُ الدَّينَينِ فِي الْجِنْسِ، وَالصِّفَةِ، وَالْحُلُولِ وَالتَّأْجِيلَ.
مَن لا دَيْنَ عليه، فهو وَكالةٌ في اقْتِراضٍ، لا حَوالةٌ.
ولو أحال مَن عليه دَينٌ، على مَن لا دَينَ عليه، فهو وَكالةٌ في اقْتِراضٍ أيضًا، فلا يُصادِفُه.
نصَّ عليه.
وقال في «المُوجَزِ»، و «التَّبْصِرَةِ»: إنْ رَضِيَ المُحالُ عليه بالحَوالةِ، صارَ ضامِنًا، يَلْزَمُه الأداءُ.
فائدة: قوْلُه: الثَّانِي، اتِّفاقُ الدَّيْنَيْن في الجِنْسِ والصِّفَةِ والحُلُولِ والتَّأجِيلِ.
..................................
بلا نِزاعٍ [في الجُمْلَةِ] 1. ويُشْتَرَطُ أيضًا عِلْمُ المالِ، وأنْ يكونَ فيما يصِحُّ فيه السَّلَمُ مِنَ المِثْلِيَّاتِ، وفي غيرِ المِثْلِيِّ، كمَعْدُودٍ ومَذْروعٍ، وجَهْان.
وأطْلَقهما في «المُغْنِي»، و «الشَّرْحِ»، و «الفُروعِ»، و «الفائقِ»، و «الزَّرْكَشِيِّ».
وقال في «الرِّعايتَين»، و «الحاويَيْن»: إنَّما تصِحُّ بدَينٍ مَعْلومٍ، يصِحُّ السَّلَمُ فيه.
وأطْلَقا، في إبِلِ الدِّيَةِ، الوَجْهِين؛ أحدُهما، تصِحُّ في المَعْدودِ، والمَذْروعِ.
قال القاضي في «المُجَرَّدِ»: تجوزُ الحَوالةُ بكُلِّ ماصحَّ السَّلَمُ فيه، وهو ما يُضْبَطُ بالصِّفاتِ، سواءٌ كان له مِثْلٌ؛ كالأدْهانِ، والحُبُوبِ، والثِّمارِ، أو لا مِثْلَ له؛ كالحَيَوانِ 2، والثِّيابِ.
وقد أوْمَأَ إليه أحمدُ في رِوايَةِ الأَثْرَمِ.
وقدَّمه ابنُ رَزِينٍ في «شَرْحِه».
قال النَّاظِمُ: تصِحُّ فيما يصِحُّ السَّلَمُ فيه.
والوَجْهُ الثَّانِي، لا تصِحُّ.
قال الشَّارِحُ: ويَحْتَمِلُ أنْ يُخرَّجَ هذان الوَجْهان على الخِلافِ فيما يقْضِي 3 به قَرْضُ هذه الأمْوالِ.
انتهى.
وأمَّا الإِبلِ، فقال
..................................
الشَّارِحُ: لو كان عليه إبِلٌ مِنَ الدِّيَةِ، وله على آخَرَ مِثْلُها في السِّنِّ، فقال القاضي: تصِحُّ؛ لأنَّها تَخْتصُّ بأقَلِّ ما يقَعُ عليه الاسمُ في السِّنِّ والقِيمَةِ، وسائرِ الصِّفاتِ.
وقال أبو الخَطَّابِ: لا تصِحُّ في أحَدِ الوَجْهَين؛ لأنَّها مَجْهولَةٌ.
وإنْ كان عليه إبِلٌ مِن دِيَةٍ، وله على آخَرَ مِثْلُها قَرْضًا، فأَحاله؛ فإنْ قُلْنا: يرُدُّ في القَرْضِ قِيمَتَها.
لم تصِحَّ الحَوالةُ؛ لاخْتِلافِ الجنْسِ.
وإنْ قُلْنا: يرُدُّ مِثْلَها.
اقْتَضَى قوْلُ القاضي صِحَّةَ الحَوالةِ.
وإنْ كانتْ بالعَكسِ، فأَحال المُقْرِضَ بإِبلٍ، لم يصِحَّ.
انتهى.
تنبيه: قوْلُه: اتِّفاقُ الدَّينَين في الجِنْسِ.
كالذَّهَبِ بالذَّهَبِ، والفِضَّةِ بالفِضَّةِ، ونحوهما.
والصِّفَةُ، كالصِّحاحِ بالصِّحاحِ، وعكْسِه.
فلو أحال من عليه دَراهِمُ دِمَشْقِيَّةٌ بدَراهِمَ عُثْمانِيَّةٍ، لم تصِحَّ.
قطَع به المُصَنِّفُ، والشَارِحُ، وابنُ رَزِينٍ، وغيرُهم.
قال الزَّرْكَشِيُّ: وكذلك لا تصِحُّ عندَ 1 مَن ألحَقَها بالمُعاوَضَةِ؛ [إذِ اشْتِراطُ] 2 التَّفاوتِ فيهما مُمْتَنِعٌ، كالقَرْضِ.
وأمَّا مَن ألحَقَها بالاسْتِيفاءِ، فقال 3: إنْ كان تَفاوُتًا يُجْبَرُ على أخْذِه عندَ بَذْلِه، كالجَيِّدِ عنِ الرَّدِئِ، صحَّتْ، وإلَّا فلا.
انتهى.
وَالثَّالِثُ، أنْ يُحِيلَ بِرِضَاهُ.
قوله: والثَّالثُ، أنْ يُحِيلَ برِضاه، ولا يُعْتَبَرُ رِضَا المُحالِ عليه، ولا رِضَا
المقنع وَلَا يُعْتَبَرُ رِضَا الْمُحَالِ عَلَيهِ، وَلَا رِضَا الْمُحْتَالِ إِنْ كَانَ الْمُحَالُ
المُحتالِ، إنْ كان المُحالُ عليه مَلِيئًا.
لا يُعْتَبَرُ رِضَا المُحتْالِ إذا كان المُحالُ عليه مَلِيئًا.
على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ، وعليه الأصحابُ، فيُجْبَرُ على قَبُولِها.
وهو
عَلَيهِ مَلِيئًا.
مِن مُفْرَداتِ المذهبِ.
وعنه، يُعْتَبَرُ رِضاه.
ذكَرَها ابنُ هُبَيرَةَ، ومَن بعدَه.
فائدتان؛ إحْداهما، فسَّر الإِمامُ أحمدُ رَضِيَ اللهُ عنه المَلِئَ، فقال: هو أنْ يكونَ مَلِيئًا بمالِه 1 وقوْلِه وبدَنِه.
وجزَم به في «المُحَرَّرِ»، و «النَّظْمِ»، و «الفُروعِ»، و «الفائقِ»، وغيرِهم.
زادَ في «الرِّعايَةِ الصُّغْرَى»، و «الحاويَيْن»، أو فِعْلِه.
وزادَ في «الكُبْرَى» عليهما وتَمَكُّنِه 2 مِنَ الأداءِ.
..................................
وقيل: هو المَلِئُ بالقَوْلِ والأمانَةِ، وإمْكانِ 1 الأَداءِ.
قال الزَّرْكَشِيُّ عن تفْسيرِ الإمامِ أحمدَ: الذي يَظْهَرُ أنَّ المَلِيَّ بالمالِ، أنْ يَقْدِرَ على الوَفاءِ، والقَوْلِ، أنْ لا يكُونَ مُماطِلًا، والبَدَنِ أنْ يُمْكِنَ حُضُوُره إلى مَجْلِسِ الحُكْمِ الثَّانيةُ، يَبْرَأُ المُحِيلُ بمُجَرَّدِ الحَوالةِ، ولو أفْلَسَ المُحالُ عليه، أو جحَد، أو ماتَ.
..................................
على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ.
ونقَلَه الجماعَةُ عن الإِمام أحمدَ.
وصحَّحَه القاضي يَعْقُوبُ.
قال النَّاظِمُ، وصاحِبُ «الفائقِ»: هذا المَشْهورُ عن أحمدَ.
وقدَّمه في «الرِّعايتَين»، و «النَّظْمِ»، و «الحاويَيْن»، و «الفُروعِ»، وغيرِهم.
وعنه لا يَبْرَأُ إلَّا برِضَا المُحْتالِ؛ فإنْ أبى، أجْبَرَه الحاكِمُ، لكِنْ تَنْقَطِعُ المُطالبَةُ بمُجَرَّدِ الحَوالةِ.
وقال في «الفائقِ»: وعنه، لا يَبْرَأُ مُطْلَقًا.
وهو ظاهِرُ كلامِ الْخِرَقِي، وتُفِيدُ الإِلْزامَ فقط.
ذكَرَها في «النُّكَتِ».
وهو المُخْتارُ.
انتهى.
فهذه رِوايَة ثالِثَةٌ، قلَّ مَن ذكرَها.
وأطْلَقَ الرِّوايتَين الأُولَتَين في «المُحَرَّرِ»، و «الزَّرْكَشِي».
قال في «القاعِدَةِ الثَّالِثَةِ والعِشْرِين»: وَمبْنَى الرِّوايتَين، أنَّ
وَإِنْ ظَنَّهُ مَلِيئًا، فَبَانَ مُفْلِسًا، وَلَمْ يَكُنْ رَضِيَ بِالْحَوَالةِ، رَجَعَ عَلَيهِ، وَإِلَّا فَلَا.
وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَرْجِعَ.
الحَوالةَ، هل هي نَقْلٌ للحَقِّ أو تَقْبِيضٌ؟ فإنْ قُلْنا: هي نَقْلٌ للحَقِّ.
لم يُعْتَبَرْ لها قَبُولٌ.
وإنْ قُلْنا: هي تَقْبِيضٌ.
فلا بُدَّ مِنَ القَبْضِ بالقَوْلِ، وهو قَبُولُها، فيُجْبَرُ المُحْتالُ عليه.
انتهى.
فعلى الرِّوايَةِ الثَّانِيَةِ، قال في «الفُروعِ»: يتَوَجَّهُ أنَّ للمُحْتالِ مُطَالبَةَ المُحِيلِ قبلَ إجْبارِ الحاكِمِ.
وذكَر أبو حازِم، وابْنُه أبو يَعْلَى، ليس له المُطالبَةُ، كتَعْييِنه كِيسًا فيُرِيدُ غيرَه.
قوله: وإنْ ظَنَّه مَلِيئًا، فبانَ مُفْلِسًا، ولم يَكُنْ رَضِيَ بالحَوالةِ، رجَع عليه، وإلا فلا.
هنا مَسائلُ؛ الأُولَى، لو رَضِيَ المُحْتالُ بالحَوالةِ مُطْلَقًا، بَرِئَ المُحِيلُ.
الثَّانيةُ، لو ظهَر أنَّه مُفْلِسٌ، مِن غيرِ شَرْطٍ ولا رِضًا مِنَ المُحْتالِ، وهي إحْدَى مَسْأَلتَي المُصَنِّفِ، رجَع، بلا نِزاعٍ.
الثَّالثةُ، لو رَضِيَ بالحَوالةِ، ولم يَشْتَرِطِ اليَسارَ وَجهِلَه، أو ظَنَّه مَلِيئًا، فبانَ مُفْلِسًا، وهي مَسْأَلَةُ المُصَنِّفِ الثَّانيةِ، بَرِئ
وَإذَا أَحال الْمُشْتَرِي الْبَائِعَ بِالثَّمَنِ،، أَو أَحال الْبَائِعُ عَلَيهِ بِهِ، فَبَانَ الْبَيعُ بَاطِلًا، فَالْحَوَالةُ بَاطِلَةٌ.
المُحِيلُ.
على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ، نصَّ 1 عليه، وعليه الأصحابُ.
ويَحْتَمِلُ أنْ يَرْجِعَ.
وهو رِوايَةٌ عن أحمدَ.
ذكَرَها المُصَنِّفُ في «المُغْنِي».
وقال: وبه قال بعضُ أصحابِنا.
وذكَرَه بعضُهم وَجْهًا، وهو ظاهِرُ ما جزَم به ابنُ رَزِينٍ في «نِهايتِه»، و «نَظْمِها».
وأطْلَقَهما في «النَّظْمِ»، و «الرِّعايتَين»، و «الحاويَيْن».
وقيل: الخِلافُ وَجْهان.
وقدَّمه في «الرِّعايَةِ الكُبْرَى».
وهي طَرِيقَةُ ابنِ البَنَّا.
الرَّابعةُ، لو شرَط المُحِيلُ أنَّ المُحال عليه مَلِئُ، ثم تبَيَّنَ عُسْرَتَه، رجَع المُحْتالُ على المُحِيلِ، بلا نِزاعٍ.
وتقدَّم إذا أحاله على مَلِئٍ.
قوله: وإذا أحال المُشْتَرِي البائعَ بالثَّمَنِ، أو أحال البائعُ عليه به، فبانَ البَيعُ باطِلًا، فالحَوالةُ باطِلَةٌ.
بلا نِزاعٍ.
وَإِنْ فُسِخَ الْبَيعُ بِعَيبٍ أَوْ إِقَالةٍ، لَمْ تَبْطُلِ الْحَوَالةُ.
قوله: وإنْ فُسِخَ البَيعُ بعَيبٍ أو إقالةٍ، لم تَبْطُلِ الحَوالةُ.
[إذا فُسِخَ البَيعُ
..................................
بعَيبٍ، أو إقالةٍ، أو خِيارٍ، أو انْفسَخَ النِّكاحُ بعدَ الحَوالةِ بينَ الزَّوجَين ونحوها، فلا يَخْلُو؛ إمَّا أنْ يكونَ بعدَ قَبْضِ المُحْتالِ مال الحَوالةِ، أو قبلَه، فإنْ كان بعدَ القَبْضِ، لم تبْطُلِ الحَوالةُ] 1، قوْلًا واحدًا.
قاله ابنُ مُنَجَّى في «شَرْحِه».
وجزَم به في «المُغْنِي»، و «الشَّرْحِ»، والمُصَنِّفُ هنا، وغيرُهم.
فعلى هذا، للمُشْتَرِي الرُّجوعُ على البائعِ، في مَسْأَلَتَي حوَالتِه والحَوالةِ عليه، لا على مَن كان عليه الدَّينُ في المَسْالةِ الأُولَى، ولا على مَن أُحِيلَ عليه في الثَّانِيَةِ.
وإنْ كان قبَل القَبْضِ، لم تَبْطُلِ الحَوالةُ أيضًا.
على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ، سواءٌ أُحِيلَ على المُشْتَرِي بثَمَنِ المَبِيعِ، أو أحال به، كما لو أعْطَى البائعَ بالثَّمَنِ عَرْضًا.
جزَم
وَلِلْبَائِعِ أَنْ يُحِيلَ الْمُشْتَرِيَ عَلَى مَنْ أَحَالهُ الْمُشْتَرِي عَلَيهِ فِي الصُّورَةِ الْأُولَى، وَلِلْمُشْتَرِي أَنْ يُحِيلَ المُحْتَال عَلَيهِ عَلَى الْبَائِع
به في «الوَجيزِ»، «والمُنَوِّرِ»، و «مُنْتَخَبِ الآدَمِيِّ»، و «تَذْكِرَةِ ابنِ عَبْدُوسٍ»، وغيرِهم.
وقدَّمه المُصَنِّفُ، وصاحِبُ «المُحَرَّرِ»، و «الفُروعِ»، وغيرُهم.
والحُكْمُ على هذا كالحُكْمِ فيما إذا كان بعدَ القَبْضِ، على ما تقدَّم.
وللبائعِ أنْ يُحِيلَ المُشْتَرِيَ على مَن أحاله المُشْتَرِي عليه، في الصُّورَةِ الأُولَى،
فِي الثَّانِيَةِ.
وَيَحْتَمِلُ أَنْ تَبْطُلَ إِنْ لَمْ يَكُنْ قَبَضَهَا.
وللمُشْتَرِي أنْ يُحِيلَ المُحْتال عليه على البائعِ في الصُّورَةِ الثَّانيةِ.
ويَحْتَمِلُ أنْ تَبْطُلَ.
وهو وَجْهٌ، كما لو [بانَ البَيعُ] 1 باطِلًا ببَيِّنَةٍ، أو اتِّفاقِهما، ولا تَفرِيعَ عليه.
وجزَم به ابنُ رَزِينٍ في «نِهايَتِه»، و «نَظْمِها».
وأطْلَقَهما في «المُغْنِي»، و «الشَّرْحِ»، و «شَرْحِ ابنِ مُنَجَّى»، و «النَّظْمِ».
وقال القاضي: تَبْطُلُ الحَوالةُ به، لا عليه؛ لتَعَلُّقِ الحقِّ بثَالثٍ.
وجزَم في «الهِدايَةِ»، و «المُذْهَبِ»، و «المُسْتَوْعِبِ»، و «الخُلاصَةِ»، و «الكافِي»، و «التَّلْخيصِ»، و «البُلْغَةِ»، وغيرِهم، بصِحَّةِ الحَوالةِ على المُشْتَرِي، وهي الصُّورَةُ الثَّانِيَةُ في كلامِ المُصَنِّفِ.
وأطْلَقُوا الوَجْهَين في بُطْلانِ الحَوالةِ به، وهي الصُّورَةُ الأُولَى في كلامِ المُصَنِّفِ، إلَّا صاحِبَ «الكافِي»، فإنَّه قدَّم بُطْلانَ الحَوالةِ.
وأطْلَقَهُنَّ في «الرِّعايتَين»، و «الحاويَيْن»، و «الفائقِ».
فعلى الوَجْهِ الثَّاني، هل يَبْطُلُ إذْنُ المُشْتَرِي للبائعِ أم لا؟ فيه وَجْهان، وأطْلَقَهما في «الفُروعِ»؛ أحدُهما، يَبْطُلُ.
قدَّمه في «الرِّعايَةِ الكُبْرَى».
والثَّانِي، لا يَبْطُلُ.
قال في «التَّلْخيصِ»: فعلى وَجْهِ بُطْلانِ الحَوالةِ، لا يجوزُ له القَبْضُ، فإنْ فعَل، احْتَمَلَ أنْ لا يقَع عنِ المُشْتَرِي؛ لأنَّ الحَوالةَ انْفسَخَتْ، فبطَل الإِذنُ 2 الذي كان ضِمْنَها.
واحْتَمَلَ
وَإِذَا قَال: أَحَلْتُكَ.
قَال: بَلْ وَكَّلْتَنِي.
أَوْ قَال: وَكَّلْتُكَ.
قَال: بَلْ أَحَلْتَنِي.
فَالْقَولُ قَوْلُ مُدَّعِي الْوَكَالةِ.
أنْ يقَع عنه؛ لأنَّ الفَسْخَ ورَد على خُصوصِ جِهَةِ الحَوالةِ، دُونَ ما تَضَمَّنَه الإِذْنُ، فيُضاهِي ترَدُّدَ الفُقَهاءِ في الأمْرِ 1 إذا نُسِخَ الرُجوبُ، هل يَبْقَى الجَوازُ؟ والأصحُّ عندَ أصحابِنا بَقاؤُه، وإذا صلَّى الفَرْضَ قبلَ وَقْتِها انْعقَدَ نَفْلًا.
انتهى.
قال شَيخُنا في «حَواشِي الفروعِ»: وهذا يرْجِعُ إلى قاعِدَةٍ، وهي ما إذا بطَل الوَصْفُ، هل يَبْطُلُ الأصْلُ، أو يَبْطُلُ الوَصْفُ فقط؟ ويَرْجِعُ إلى قاعِدَةٍ، وهي إذا بطَل الخُصُوصُ، هل يَبْطُلُ العُمومُ؟ وهي مَسْأَلةُ خِلافٍ بينَ العُلَماءِ.
ذكَرَها في «القَواعِدِ الأُصُولِيَّةِ».
قوله: وإنْ قال: أحَلْتُك.
قال: بل وَكَّلْتَنِي.
أو قال: وَكَّلْتُك.
قال: بل
وَإِنِ اتَّفَقَا عَلَى أَنَّهُ قَال: أَحَلْتُكَ.
وَادَّعَى أَحَدُهُمَا أَنَّهُ أُرِيدَ بِهَا الْوَكَالةُ، وَأَنْكَرَ الْآخَرُ، فَفِي أَيِّهِمَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ؟ وَجْهَانِ.
أحَلْتَنِي.
فالقَوْلُ قَوْلُ مُدَّعِي الوَكالةِ.
هذا المذهبُ فيهما، وعليه أكثرُ الأصحابِ.
وجزَم به في «المُغْنِي»، و «الكافِي»، و «المُحَرَّرِ»، و «الشَّرْحِ»، و «النَّظْمِ»، و «شَرْحِ ابنِ مُنَجَّى»، و «الوَجيزِ»، و «الفائقِ»، وغيرِهم.
وقدَّمه في «الهِدايَةِ»، و «المُذْهَبِ»، و «المُسْتَوْعِبِ»، و «الرِّعايتَين»، و «الحاويَيْن».
وقيل: القَوْلُ قوْلُ 1 مُدَّعِي الحَوالةِ.
اخْتارَه القاضي.
وقدَّمه في «الخُلاصَةِ».
وأطْلَقَهما في «التَّلْخيصِ»، و «الفُروعِ».
قوله: وإنِ اتَّفَقا على أنَّه قال: أحَلْتُك.
وادَّعَى أحدُهما أنه أُرِيدَ بها الوَكالةُ، وأنْكَرَ الآخَرُ، ففي أيِّهما يُقْبَلُ قوْلُه؟ وَجْهان.
وأطْلَقهما في «الكافِي»،
..................................
و «المُغْنِي»، و «شَرْحِ ابنِ مُنَجَّى»، و «النَّظْمِ»، و «الحاويَيْن»، و «الفُروعِ»؛ أحدُهما، القَوْلُ قوْلُ مُدَّعِي الوَكالةِ.
وهو المذهبُ.
جزَم به في «الوَجيزِ»، و «المُنَوِّرِ»، و «مُنْتَخَبِ الآدَمِيِّ»، وغيرِهم.
وقدَّمه في
..................................
«المُحَرَّرِ»، و «الرِّعايتَين».
وصحَّحه في «التَّصْحيحِ».
والوَجْهُ الثَّانِي، القَوْلُ قَوْلُ مُدَّعِي الحَوالةِ.
وصحَّحه في «التَّلْخيصِ»، و «الفائقِ»، و «تَجْرِيدِ العِنايَةِ».
قلتُ: وهو الصَّوابُ.
فائدتان؛ إحْداهما، مِثْلُ ذلك في الحُكْمِ، لو قال: أحَلْتُك بدَينِي.
وادَّعَى
أحدُهما أنه أُرِيدَ بها الوَكالةُ.
قاله في «الفُروعِ».
وقدَّم في «الرِّعايَةِ الكُبْرَى»،
..................................
في هذه، أنَّ القَوْلَ قوْلُ مُدَّعِي الحَوالةِ.
الثَّانيةُ، لو اتَّفَقا على أنَّه قال: أحَلْتُك بالمالِ الذي قِبَلَ فُلانٍ.
ثم اخْتَلَفا؛ فقال المُحِيلُ: إنَّما وَكَّلْتُك في القَبْضِ لي.
وقال الآخَرُ: بل أحَلْتَنِي بدَينِي.
فقيلَ 1: القَوْلُ قوْلُ المُحِيلِ.
قدَّمه في