الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف ت التركيصفحات 280-319

وَإِنْ تَلِفَ الْمَغْصُوبُ، فَعَلَيهِ أُجْرَتُهُ إلَى وَقْتِ تَلَفِهِ.
وَإِنْ غَصَبَ شَيئًا فَعَجَزَ عَنْ رَدِّهِ، فَأَدَّى قِيمَتَهُ، فَعَلَيهِ أُجْرَتُهُ إلى وَقْتِ أَدَاءِ الْقِيمَةِ، وَفِيمَا بَعْدَهُ وَجْهَانِ.
به أوْ لا.
وظاهرُ «المُبْهِجِ» التَّفْرِقَةُ.
يعْنِي، إنِ انْتفَعَ به، فعليه الأُجْرَةُ، وإلَّا فلا.
واخْتارَه بعضُ الأصحابِ.
وجعَلَه الشَّيخُ تَقِيُّ الدِّينِ ظاهِرَ ما نُقِلَ عنه.
وقد نقَلَ ابنُ مَنْصُورٍ، إنْ زرَع بلا إذْنٍ، فعليه أُجْرَةُ الأرْضِ بقَدْرِ ما اسْتعْمَلَها إلى ردِّه، أو إتْلافِه، أو رَدِّ قِيمَتِه.
فائدتان؛ إحْداهما، لو كانَ العَبْدُ ذا صنائِعَ، لَزِمَه أُجْرَةُ أعْلاها فقط.
الثَّانيةُ، مَنافِعُ المَقْبوضِ بعَقْدٍ فاسدٍ، كَمنافعِ المَغْصُوبِ؛ تُضْمَنُ بالفَواتِ والتَّفْويتِ.
تنبيه: قال الحارِثِيُّ: «أبو بَكْرٍ» المُبْهَمُ في الكِتابِ هو الخَلَّالُ.
وإطْلَاقُ «أبِي بَكْرٍ» في عُرْفِ الأصحابِ إنَّما هو أبو بَكْرٍ عَبْدُ العزيزِ، لا الخَلَّالُ، وإنْ كانَ يَحْتَمِلُ أنْ يكونَ مِن كلامِ أبِي بَكْرٍ عَبْدِ العزِيزِ، كما قال، فإنَّه أدْخَلَ في «جامعِ الخَلَّالِ» شيئًا مِن كلامِه، فرُبَّما اشْتَبَه بكَلامِ الخَلَّالِ، إلَّا أنَّ القاضيَ، وابنَ عَقِيلٍ، وغيرَهما مِن أهْلِ المذهبِ، إنَّما حَكَوه عنِ الخَلَّالِ.
انتهى.
قوله: وإنْ غَصَبَ شَيئًا، فعَجَز عن رَدِّه فأَدَّى قِيمَتَه، فعليه أُجُرَتُه إلى وَقْتِ أَداءِ

فصْلٌ: وَتَصَرُّفَاتُ الْغَاصِبِ الْحُكْمِيَّةُ؛ كَالْحَجِّ، وَسَائِرِ  القِيمَةِ، وفيما بعدَه وَجْهان.
إنْ كانَ قبلَ أداءِ القِيمَةِ، فحُكْمُه حُكْمُ المَسْألةِ التي قبلَها، خِلافًا ومذهبًا.
وإنْ كانَ بعدَ أدائِها، فأطْلَقَ في وُجوبِها الوَجْهَين، وأطْلَقهما في «التَّلْخيص»، وقال: ذكَرَهما القاضي، وابنُ عَقِيلٍ؛ أحدُهما، لا يَلْزَمُه.
وهو الصّحيحُ مِنَ المذهبِ.
صحَّحه في «المُسْتَوْعِبِ»، والمُصَنِّفُ، والشَّارِحُ، وصاحِبُ «التَّصْحيحِ»، وغيرُهم.
وجزَم به في «الوَجيزِ» وغيرِه.
وقدَّمه في «الفُروعِ» وغيرِه.
والوَجْهُ الثَّاني، يلْزَمُه؛ لأنَّ العَينَ باقيةٌ على مِلْكِ المغْصُوبِ منه والمَنْفَعَةَ.
فعلى هذا الوَجْهِ، تَلْزَمُه الأُجْرَةُ إلى ردِّه مع بَقائِه.
فائدة: قال في «الفُروعِ»: وظاهرُ كَلامِ الأصحابِ، أنَّه يضْمَنُ رائحةَ المِسْكِ ونحوَه، خِلافًا «للانْتِصارِ»، لا نقْدًا لتِجارَةٍ.
قلتُ: الذي يَنْبَغِي أنْ يُقْطَعَ بالضَّمانِ في ذَهابِ رائحةِ المِسْكِ، ونحوه.
قوله: وتَصرُّفَاتُ الغَاصِبِ الحُكْمِيَّةُ؛ كالحَجِّ وسائِرِ العِباداتِ، والعُقُودِ؛ كالبَيعِ والنِّكاحِ، ونحوها باطِلَةٌ في إحْدَى الروَايتَين.
وهي المذهبُ.
قال

الْعِبَادَاتِ، وَالْعُقُودِ؛ كَالْبَيعِ، وَالنِّكَاحِ، وَنَحْوهَا، بَاطِلَةٌ في إِحْدَى الرِّوَايَتَينِ، وَالْأُخْرَى صَحِيحَة.
الشَّارِحُ: هذا أظْهَرُ.
قال الزَّرْكَشِيُّ: هذا المذهبُ.
وصَحَّحه في «التَّصْحيحِ» وغيرِه.
قال في «التَّلْخيصِ»، في بابِ البَيعِ: وإنْ كثُرَتْ تَصرُّفاتُه في أعْيانِ المَغْصُوباتِ، يُحْكَمُ ببُطْلانِ الكُلِّ، على الأصحِّ.
وجزَم به في «الوَجيزِ» وغيرِه.
وقدَّمه في «الفُروعِ» وغيرِه.
قال في «الفُروعِ»: اخْتارَه الأكْثَرُ.
ذكَرَه في كتابِ البَيعِ، في الشَّرْطِ السَّابعِ.
والأُخْرى، صحيحةٌ.
وعنه، تصِحُّ

..................................  مَوْقُوفَةً على الإِجازَةِ.
وأطْلَقهُنَّ في «الفائقِ»، وقال: وقيل: الصِّحَّةُ مُقَيَّدَةٌ بما لم يُبْطِلْه المالِكُ مِنَ العُقودِ.
انتهى.
قلتُ: قال الشَّارِحُ: وقد ذكَر شيخُنا في الكتابِ المَشْروحِ رِوايةً، أنَّها صحيحةٌ.
وذكَرَها أبو الخَطَّابِ، قال: وهذا يَنْبَغِي أن يَتَقيَّدَ في العُقودِ بما إذا لم يُبْطِلْه المالِكُ.
فأمَّا إنِ اخْتارَ المالِكُ إبْطاله، فأَخَذَ المَعْقُودَ عليه، فلا نعْلَمُ فيه خِلافًا.
وأمَّا ما لم يُدْرِكْه المالِكُ، فوَجْهُ التَّصْحيحِ فيه، أن الغاصِبَ تَطُولُ مُدَّتُه وتكْثُرُ تصَرُّفاتُه، ففي القَضاءِ ببُطْلانِها ضرَرٌ كثيرٌ، ورُبَّما عادَ الضَّرَرُ على المالِكِ.
انتهى.
وقال ما قاله الشَّارِحُ، والقاضي في «خِلافِه»، وابنُ عَقِيلٍ.
نقَلَه عنهما في «الفائِدَةِ العِشْرِين»، والمُصَنِّفُ في «المُغْنِي»، وأطْلَقَ الرِّوايَةَ مرَّةً كما هنا، ومرَّة قال: يَنْبَغِي أنْ يُقَيِّدَ, كما قال الشَّارِحُ.
وقال: وهو أشْبَهُ مِنَ الإِطْلاقِ.
قال الحارِثِيُّ: وهذه الرِّوايةُ لم أرَ مَن تقدَّم المُصَنِّفَ وأبا الخطَّابِ في إيرادِها.
وقال أيضًا: وأمَّا الصِّحَّةُ على الإِطْلاقِ، فلا أعْلَمُ به أيضًا، سِوَى نَصِّه على مِلْكِ المالِكِ، كرِبْحِ المالِ المَغْصُوبِ, كما سنُورِدُه في مسْألَةِ الرِّبْحِ.
وقال عن كلامِ المُصَنِّفِ في تَقْيِيدِ الرِّوايةِ: أمَّا طُولُ مُدَّةِ الغَصْبِ، وكَثْرةُ تصرُّفاتِ الغاصِبِ، فلا يَطَّرِدُ، بل كثيرٌ مِنَ المَغْصُوبِ لا يُتَصَرَّفُ فيه بَعقْدٍ أصْلًا، وبتَقْديرِ الاطِّرادِ غالِبًا.
تنبيهان؛ أحدُهما، بنَى المُصَنِّفُ في «المُغْنِي»، وجماعةٌ، تصَرُّفَ الغاصِبِ، على تَصُّرفِ الفُضُولِيِّ، فأثْبَتَ فيه ما في تَصرُّفِ الفُضُولِيِّ، مِن رِوايةِ الانْعِقادِ مَوْقُوفًا على إجازَة المالِكِ.
قال الحارِثِيُّ: ومِن مُتَأَخِّرِي الأصحابِ مَن جعَل هذه التَّصَرُّفاتِ مِن نَفْسِ تصَرُّفاتِ الفُضُولِيِّ.
قال: وليس بشيءٍ.
ثم قال: ولا يصِحُّ إلحْاقُه بالفُضُولِيِّ.
وفرَّق بينَهما بفُروقٍ جيِّدَةٍ.
الثَّاني، هذا الخِلافُ المَحْكِيُّ في أصْلِ المَسْأَلةِ مِن حيثُ الجُمْلَةُ، وقد قَسَمَها المُصَنِّفُ

..................................  قِسْمَين؛ عِباداتٌ، وعُقُودٌ.
فالعِباداتُ فيها مَسَائلُ؛ منها، الوُضُوءُ بماءٍ مَغْصُوبٍ، والوُضُوءُ مِن إناءٍ مَغْصُوبٍ، وغَسْلُ النَّجاسَةِ بماءٍ مَغْصوبٍ، وسَتْرُ العَوْرَةِ بثَوْبٍ مَغْصُوبٍ، والصَّلاةُ في مَوْضِعٍ مَغْصوبٍ.
وقد تقدَّم ذلك مُسْتَوْفًى في كتابِ الطَّهارَةِ، والآنِيَةِ، وإزالةِ النَّجَاسةِ، وسَتْرِ العَوْرَةِ، واجْتِنابِ النَّجاسَةِ.
ومنها، الحَجُّ بمالٍ مَغْصُوبٍ, كما قال المُصَنِّفُ، والصَّحيحُ مِنَ المذهبِ، أنَّه لا يصِحُّ.
نصَّ عليه.
قال ابنُ أبِي مُوسى: وهو الصَّحيحُ مِنَ المذهبِ.
وجزَم به في «الوَجيزِ» وغيرِه.
قال في «الخُلاصَةِ»: باطِلٌ على الأصحِّ.
قال الشَّارِحُ: باطِلٌ على الأظْهَرِ.
قال ابنُ مُنَجَّى في «شَرْحِه»: هذا المذهبُ.
قال في «الرِّعايةِ الصُّغْرَى»، و «الحاوي الصَّغِيرِ»: يَبْطُلُ في كلِّ عِبادَةٍ على الأصحِّ.
وصحَّحه النَّاظِمُ وغيرُه.
وقدَّمه الحارِثِيُّ وغيرُه.
وهو مِن مُفْرَداتِ المذهبِ.
وقيل: عنه، يُجْزِئُه مع الكَراهَةِ.
قاله ابنُ أبِي مُوسى.
واخْتارَه ابنُ عَقِيلٍ.
قال الحارِثِيُّ: وهو أقْوَى.
قلتُ: وهو الصَّوابُ، فيَجِبُ بَدَلُ المالِ دَينًا في ذِمَّتِه.
ومنها، الهَدْيُ المَغْصُوبُ لا يُجْزِئُ.
صرَّح به الأصحابُ.
ونصَّ عليه في رِوايةِ عليِّ بنِ سَعِيدٍ.
وعنه، الصِّحَّةُ مَوْقُوفَةٌ على إجازَةِ المالِكِ.
ونصَّ الإِمامُ أحمدُ على الفَرْقِ بينَ أنْ يَعْلَمَ أنَّها لغيرِه، فلا يُجْزِئُه، وبينَ أنْ يظُنَّ أنَّها لنَفْسِه، فيُجْزِئَه، في رِوايةِ ابنِ القاسِمِ، وسِنْدِيٍّ.
وسوَّى كثيرٌ مِنَ الأصحابِ بينَهما في حِكَايةِ الخِلافِ.
قال في «الفائِدَةِ العِشْرِين»: ولا يصِحُّ.
وإنْ كان الثَّمَنُ مَغْصُوبًا، لم يُجْزِئْه أيضًا؛ اشْتَراه بالعَينِ، أو في الذِّمَّةِ.
قاله الحارِثِيُّ.
قلتُ: لو قيلَ بالإِجْزاءِ إذا اشْتَراه في الذِّمَّةِ، لكانَ مُتَّجِهًا.
ومنها، لو أوْقَع الطَّوافَ، أو السَّعْيَ، أو الوُقوفَ على الدَّابَّةِ

..................................  المَغْصُوبَةِ، ففي الصِّحَّةِ رِوايتَا الصَّلاةِ 1 في البُقْعَةِ المَغْصُوبَةِ.
قاله الحارِثِيُّ.
قلتُ: النَّفْسُ تمِيل إلى صِحَّةِ الوُقوفِ على الدَّابَّةِ المَغْصُوبَةِ.
ومنها، أداءُ المالِ المَغْصُوبِ في الزَّكاةِ غيرُ مُجْزِئُ.
قال الحارِثِيُّ: ثم إنَّ أبا الخَطَّابِ صرَّح بجَرَيانِ الخِلافِ في الزَّكاةِ، وتَبِعَه المُصَنِّفُ في «المُغْنِي»، وغيرُه مِنَ الأصحابِ, كما انْتَظَمَه عُمومُ إيرادِ الكِتابِ.
فإنْ أُرِيدَ به ما ذكَرْنا مِن أداءِ المَغْصُوبِ عنِ الغاصِبِ، وهو الصَّحيحُ، فهذا شيءٌ لا يقْبَلُ نِزاعًا أَلْبَتَّةَ؛ لما فيه مِنَ النَّصِّ، فلا يُتَوَهَّمُ خِلافُه.
وإنْ أُرِيدَ به الأداءُ عنِ المالِكِ، بأنْ أخْرَجَ عنه مِنَ النِّصابِ المَغْصُوبِ، وهو بعيدٌ جدًّا، فإنَّ الواقِع مِنَ التَّصَرُّفِ للعِبادَةِ إنَّما يكونُ عنِ الغاصِبِ نَفْسِه؛ فلا يُقْبَلُ أَيضًا، خِلافًا لاتِّفاقِنا على اعْتِبارِ نِيَّةِ المالِكِ، إلَّا أنْ يَمْتَنِعَ مِنَ الأداءِ، فيَقْهَرَه الإِمامُ على الأخْذِ منه، فيُجْزِئَ في الظَّاهِرِ، وليس هذا بواحِدٍ مِنَ الأَمْرَين، فلا يُجْزِئُ بوَجْهٍ.
ومنها، كلُّ صَدَقَةٍ؛ مِن كفَّارَةٍ، أو نَذْرٍ، أو غيرِهما، كالزَّكاةِ سَواءً.
ومنها، عِتْقُ المَغْصوبِ لا يَنْفُذُ، بلا خِلافٍ في المذهبِ.
ونصَّ عليه.
قاله الحارِثِيُّ.
ومنها، الوَقْفُ لا ينْفُذُ في المَغْصُوبِ، قَوْلًا واحِدًا.
لكِنْ لو كان ثَمَنُ المُعْتَقِ أو الموْقُوفِ مَغْصوبًا؛ فإنِ اشْتَرَى بعَينِ المالِ، لم يَنْفُذْ، [وإنِ اشْتَرَى في الذِّمَّةِ، ثم نقَدَه، فإنْ قيلَ بعَدَمِ إفادَةِ المِلْكِ، لم يَنْفُذْ] 2، وإنْ قيلَ بالإِفادَةِ، نفَذ العِتْقُ والوَقْفُ.
قاله الحارِثِيُّ.
وأمَّا العُقودُ؛ مِنَ البَيعِ، والإِجارَةِ، والنَّكاحِ، ونحوها، فالعَقْدُ باطِلٌ.
على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ، ونصَّ عليه.
وعليه الأصحابُ.
وتقدَّم حِكايَةُ الرِّوايةِ بالصِّحَّةِ، والكلامُ عليها، والرِّوايَةُ بالوَقْفِ على الإِجازَةِ.

وَإِنِ اتَّجَرَ بالدَّرَاهِمِ، فَالرِّبْحُ لِمَالِكِهَا.
[تنبيه: قوْلُه: وتَصَرُّفاتُ الغاصِبِ الحُكْمِيَّةُ.
أي التي يُحْكَمُ عليها بصِحَّةٍ أو فَسادٍ.
احْتِرازًا مِن غيرِ الحُكْمِيَّةِ، كإتْلافِ المَغْصُودبِ، كأكْلِه الطَّعامَ، أو إشْعالِه الشَّمْعَ، ونحوهما، وكَلُبْسِه الثَّوْبَ، ونحوه، فإن هذا لا يُقالُ فيه صحيحٌ ولا فاسِدٌ.
واللهُ أعلمُ.
قال ابنُ نَصْرِ اللهِ في «حَواشِي الفُروعِ 1»: وقوْلُه: الحُكْمِيَّةُ احْتِرازٌ مِنَ التَّصَرُّفاتِ الصُّورِيَّةِ.
فالحُكْمِيَّةُ؛ ما له حُكْمٌ من صِحَّةٍ وفَسادٍ؛ كالبَيعِ، والهِبَةِ، والوَقْفِ، ونحوه.
والصُّورِيَّةُ، كطَحْنِ الحَبِّ، ونَسْجِ الغَزْلِ، ونَجْرِ الخَشَبِ، ونحوه.
انتهى.
وهو كالذي قبلَه] 2. قوله: وإِن اتَّجَرَ بالدَّرَاهِمِ، فالرِّبْحُ لمالِكِها.
يعْنِي، إذا اتَّجَرَ بعَينِ المالِ، أو بثَمَنِ الأعْيانِ المَغْصُوبَةِ، فالمالُ ورِبْحُه لمالِكِها.
وهذا الصَّحيحُ مِنَ المذهبِ، ونصَّ عليه، ونقَلَه الجماعَةُ، وعليه الأصحابُ.
قال المُصَنِّفُ، والشَّارِحُ: قال أصحابُنا: الرِّبْحُ للمالِكِ، والسِّلَعُ المُشْتَراةُ له.
وجزَم به في «الوَجيزِ» وغيرِه.
وقدَّمه في «الفُروعِ» وغيرِه.
وهو مِن مُفْرَداتِ المذهبِ.
واحْتَجَّ أحمدُ بخَبَرِ

وَإِنِ اشْتَرَى في ذِمَّتِهِ ثُم نَقَدَهَا، فَكَذَلِكَ.
وَعَنْهُ، الرِّبْحُ لِلْمُشْتَرِي.
عُرْوَةَ بنِ الجَعْدِ 1. ونقَل حَرْبٌ في خَبَرِ عُرْوةَ، إنَّما جازَ؛ لأنَّه، عليه أفْضَلُ الصَّلاةِ والسَّلامِ، جوَّزَه له.
وقيَّد جماعةٌ؛ منهم صاحِبُ «الفُنونِ»، و «التَّرْغيبِ» الرِّبْحَ للمالِكِ، إنْ صحَّ الشِّراءُ، وأطْلَقَ الأكْثَرُ.
وقال الحارِثِيُّ: ويتَخَرَّجُ مِنَ القَوْلِ ببُطْلانِ التَّصُّرفِ رِوايَةٌ بعَدَمِ المِلْكِ للرِّبْحِ، وهو الأقْوَى.
انتهى.
وعنه، يتَصَدَّقُ به.
وقيل: لا يصِحُّ بعَينه، إنْ قُلْنا: النُّقودُ تَتَعيَّنُ بالتَّعْيِينَ.
قوله: وإنِ اشْتَرَى في ذِمَّتِه، ثم نقَدَها، فكذلك.
يعْنِي، الرِّبْحُ للمالِكِ أيضًا.
واعْلمْ أنَّه إذا اشْتَرَى في الذِّمَّةِ، أو باعَ سَلَمًا، ثم أقْبَضَ المَغْصُوبَ ورَبِحَ، فالعَقْدُ صحيحٌ، على المذهب، والإقْباضُ فاسِدٌ.
بمَعْنَى، أنَّه غيرُ مُبْرِئُ، وصِحَّةُ العَقْدِ نصَّ عليها في رِوايَةِ المَرُّوذِيِّ.
وحكَى القاضي في «التَّعْليقِ الكبيرِ» وَجْهًا، يكونُ العَقْدُ مَوْقوفًا على إجازَةِ المالِكِ؛ إنْ أجازَه، صحَّ، وإلَّا بَطَلَ.

..................................  قال: وهو أصحُّ ما يُقالُ في المَسْأَلَةِ.
قال الحارِثِيُّ: وهو مأْخُوذٌ مِن مِثْلِه في مَسْألَةِ المفُضولِيِّ.
قال: وهو مُشْكِلٌ؛ إذْ كيف يَقِفُ تصَرُّفُ الإِنْسانِ لنَفْسِه على إجازَةِ غيرِه؟ انتهى.
وأمَّا الرِّبْحُ، فقدَّم المُصَنِّفُ هنا أنَّه للمالِكِ، وهو الصَّحيحُ مِنَ المذهبِ.
قال الشَّارِحُ: هذا المَشْهورُ في المذهبِ.
قال الحارِثِيُّ: هو ظاهِرُ المذهبِ.
وجزَم به جماهيرُ الأصحابِ، حتى أبو الخَطَّابِ في «رُءوسِ المَسائلِ».
انتهى.
وجزَم به في «الإرْشادِ» وغيرِه.
وقدَّمه في «الفُروعِ»، و «الرِّعايتَين»، و «الحاوي الصَّغِيرِ»، و «الفائقِ»، و «المُسْتَوْعِبِ»، وغيرِهم.
وهو مِنَ المُفْرَداتِ.
وقال في «المُحَرَّرِ»، و «الوَجيزِ»، و «المُنَوِّرِ»: إذا اشْتَرَى في ذِمَّتِه بنِيَّةِ نقْدِها، فالرِّبْحُ للمالِكِ.
واخْتارَه ابنُ عَبْدُوس في «تَذْكِرَتِه».
وعنه، الرِّبْحُ للمُشْتَرِي.
وهو احْتِمالٌ في «الشَّرْحِ»، وهو قِياسُ قَوْلِ الخِرَقِيِّ.
قال الحارِثِيُّ: وهو الأَقْوَى.
فعليها، يجوزُ له الوَطْءُ.
ونقَلَه المَرُّوذِيُّ.
وعلى هذا، إنْ أرادَ التَّخَلُّصَ مِن شُبْهَةٍ بيَدِه،

..................................  اشْتَرى في ذِمَّتِه، ثم نقَدَها.
وقاله القاضي، وابنُ عَقِيلٍ.
وذكَرَه عن أحمدَ.
فوائد؛ الأُولَى، لو اتَّجَرَ بالوَدِيعَةِ، فالرِّبْحُ للمالِكِ.
على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ، ونصَّ عليه في رِوايَةِ الجماعةِ.
ونقَل حَنْبَلٌ، ليس لواحِدٍ منهما، ويتَصَدَّقُ به.
قال الحارِثِيُّ: وهذا مِن أحمدَ مُقْتَضٍ لبُطْلانِ العَقْدِ، وذلك وَفْقَ المذهبِ المُخْتارِ في تَصَرُّفِ الغاصِبِ، وهو أقْوَى.
انتهى.
الثَّانيةُ، لو قارَضَ بالمَغْصوبِ، أو الوَدِيعَةِ، فالرِّبْحُ على ما تقدَّم، ولا شيءَ للعامِلِ على المالِكِ، وإنْ عَلِمَ، فلا شيءَ له على الغاصِبِ أيضًا، وإلَّا فله عليه أُجْرَةُ المِثْلِ.
الثَّالثةُ، إجارَةُ الغاصِبِ للمَغْصُوبِ.
وهو كالبَيعِ, تقدَّم، وهو داخِلٌ في كلامِ المُصَنِّفِ، والأُجْرَةُ للمالِكِ.
نصَّ عليه.
وظاهِرُ كلامِ أحمدَ، أنَّ المُسَمَّى هو الواجِبُ للمالِكِ.
قاله الحارِثِيُّ.
وقال المُصَنِّفُ وغيرُه: إنَّ الواجِبَ أُجْرَةُ المِثْلِ.
قال

..................................  الحارِثِيُّ: وهو أقْوَى.
الرَّابعةُ، لو أنْكَحَ الأَمَةَ المَغْصوبَةَ، ففي البُطْلانِ والصِّحَّةِ ما قاله المُصَنِّفُ في المَتْنِ.
قال الحارِثِيُّ: والتَّصْحيحُ لا أصْلَ له؛ فإنَّه مُقْتَضٍ لنَفْي اشْتِراطِ الوَلِيِّ في النِّكاحِ، وهو خِلافُ المذهبِ.
لكِنْ قد يقْرُبُ إجْراؤُه مَجْرَى الفُضُولِيِّ، فتأْتِي رِوايَةُ الانْعِقادِ مع الإِجازَةِ.
الخامسةُ، لو وَهَبَ المَغْصُوبَ، ففيه الخِلافُ السَّابِقُ.
والصَّحيحُ مِنَ المذهبِ البُطْلانُ، على ما تقدَّم.
السَّادِسَةُ، تذْكِيَةُ الغاصبِ الحَيوانَ المَأْكُولَ.
وفي إفادتِها لحِلِّ الأكْلِ رِوايَتان؛ إحْداهما، هو مَيتَةٌ، لا يَحِلُّ أكْلُه مُطْلَقًا.
جزَم به أبو بَكْرٍ في «التنبِيهِ».
والرِّوايةُ الثَّانيةُ، يحِلُّ.
قال الحارِثِيُّ: وهو قَوْلُ الأَكْثَرِين.
انتهى.
وهذا المذهبُ، وهو قَوْلُ غيرِ أبِي بَكْرٍ مِنَ الأصحابِ.
قاله في «القاعِدَةِ الثَّانيةِ بعدَ المِائَةِ».
[وقد نبَّهَ عليه المُصَنِّفُ قبلَ ذلك، فيما إذا ذَبَحَ الشَّاةَ وشَواها] 1. ويأْتِي نَظِيرُ ذلك في ذَبْحِ السَّارِقِ الحَيوانَ المَسْروقَ، في بابِ القَطْعِ في السَّرِقَةِ.
ومِن جُمْلَةِ المَسائلِ المُتَعَلِّقَةِ بذلك؛ التَّذْكِيَةُ بالآلةِ المَغْصُوبَةِ، وكذلك التَّزَوُّجُ بمالٍ مَغْصُوبٍ.
وفي كل واحِدٍ منهما خِلافٌ يأْتِي.

وَإِنِ اخْتَلَفَا في قِيمَةِ الْمَغْصُوبِ، أَوْ قَدْرِهِ، أَوْ صِنَاعَةٍ فِيهِ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْغَاصِبِ.
قوله: وإنِ اخْتَلَفا في قِيمَةِ المَغْصُوبِ، أو قَدْرِه، أو صِناعَةٍ فيه، فالقَوْلُ قَوْلُ الغاصِبِ.
لا أعلمُ فيه خِلافًا.
فائدة: لو اخْتَلَفا في تَلَفِ المَغْصُوبِ، فالقَوْلُ قَوْلُ الغاصِبِ في تَلَفِه.
على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ.
قال في «الفُروعِ»: قُبِلَ قَوْلُ الغاصِبِ في الأصحِّ.
وجزَم به في «المُغْنِي»، و «الشَّرْحِ»، وغيرِهما.
وقدَّمه الحارِثِيُّ.
وقيل: القَوْلُ قَوْلُ المالِكِ.
اخْتارَه الحارِثِيُّ.
وهما احْتِمالان مُطْلَقان في «التَّلْخيصِ».
فعلى المذهبِ، للمَغْصُوبِ منه أنْ يُطالِبَ الغاصِبَ ببَدَلِه.
على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ.
وقدَّمه في «الشَّرْحِ»، و «التَّلْخيصِ»، و «الفرُوعِ».
وصحّحه الحارِثِيُّ، واخْتارَه المُصَنِّفُ.
وقيل: ليس له مُطالبَتُه؛ لأنَّه لا يَدَّعِيه.

وَإِنِ اخْتَلَفَا في رَدِّهِ، أَوْ عَيبٍ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمَالِكِ.
قوله: وإِنِ اخْتَلَفا في رَدِّه، أو عَيبٍ، فالقَوْلُ قَوْلُ المالِكِ.
بلا نِزاعٍ أعْلَمُه.
وجزَم به في «المُغْنِي»، و «الشَّرْحِ»، و «الحارِثِيِّ»، و «الوَجيز»، و «الفائقِ»، وغيرِهم.
لكِنْ لو شاهَدَتِ البَيِّنَةُ العَبْدَ مَعِيبًا عندَ الغاصِبِ، فقال.
المالِكُ: حدَثَ عندَ الغاصِبِ.
وقال الغاصِبُ: بل كانَ فيه قبلَ غَصْبِه.
فالقَوْلُ قَولُ الغاصِبِ.
على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ.
جزَم به في «المُغْنِي» وغيرِه.
وقدَّمه في «شَرْحِ الحارِثِيِّ»، و «الشَّرْحِ»، وقال: ويتَخَرَّجُ أنَّ القَوْلَ قوْلُ المالِكِ.
كما لو تَبايَعا واخْتلَفا في عَيبٍ؛ هل كان عندَ البائعِ، أو حدَثَ عندَ المُشْتَرِي؟ فإنَّ فيه رِوايةً، أنَّ القَوْلَ قَولُ البائعَ.
كذلك هذا؛ إذِ الأصْلُ السَّلامَةُ، وتأَخَّرَ

وَإِنْ بَقِيَتْ في يَدِهِ غُصُوبٌ لَا يَعْرفُ أَرْبَابَهَا، تَصَدَّقَ بِهَا عَنْهُمْ، بِشرْطِ الضَّمَانِ، كَاللُّقَطَةِ.
الحُدوثُ عن وَقْتِ الغَصْبِ.
انتهى.
قلتُ: هذه الرِّوايةُ اخْتارَها جماعَةٌ مِنَ الأصحابِ هناك، على ما تقدَّم في الخِيارِ في العَيبِ.
قوله: وإِنْ بَقِيَتْ في يَدِه غُصُوبٌ لا يَعْرِفُ أَرْبابَها، تَصَدَّقَ بها عنهم، بشَرْطِ الضَّمانِ، كاللُّقَطَةِ.
إذا بَقِيَ في يَدِه غُصُوبٌ لا يَعْرِفُ أصحابَها، فسَلَّمَها إلى الحاكمِ، بَرِئَ من عُهْدَتِها، بلا نِزاعٍ.
ويجوزُ له الصَّدَقَةُ بها عنهم بشَرْطِ ضَمانِها، ويَسْقُطُ عنه إثْمُ الغَصْبِ.
على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ، وعليه

..................................  الأصحابُ.
وجزَم به في «المُغْنِي»، و «الشَّرْحِ»، و «الوَجيزِ»، وغيرِهم.
قال في «القاعِدَةِ السَّابِعَةِ والتِّسْعِين»: لم يذكُرْ أصحابُنا فيه خِلافًا.
وقال في «القاعِدَةِ السَّادِسَةِ بعدَ المِائَةِ»: ويتَصَدَّقُ بها عنه، على الصَّحيحِ.
وقدَّمه في «الفُروعِ»، و «الفائقِ»، وغيرِهما.
نقَل المَرُّوذِيُّ، يُعْجِبُنِي الصَّدقَةُ بها.
وقال في «الغُنْيَةِ»: عليه ذلك.
ونقَل أيضًا، على فُقراءِ مَكانِه، إنْ عرَفَه.
ونقَل صالِحٌ، أو بقِيمَتِه.
وله شِراءُ عَرْضٍ بنَقْدٍ، ويتَصَدَّق به، ولا تجوزُ مُحاباةُ قَريبٍ وغيرِه.
نصَّ عليهما.
وظاهرُ نَقْلِ حَرْبٍ، في الثَّانِيَةِ، الكَراهَةُ.
قال في «الفُروعِ» وهو ظاهرُ كلامِهم في غيرِ مَوْضِعٍ.
انتهى.
وعنه، ليس له الصَّدَقَةُ بها.
ذكَرَها القاضي في كتابِ «الرِّوايتَين».
وهو تخْرِيج في «الشَّرْحِ»، و «الفائقِ».
فائدتان؛ إحْداهما، قال الحارِثِيُّ وغيرُه: وكذا الرُّهونُ، والوَدائِعُ، وسائرُ الأماناتِ، كالأَمْوالِ المُحَرَّمَةِ فيما ذكَرْنا.
وذكَر نُصوصًا في ذلك.
وتقدَّم حُكْمُ الرُّهونِ في آخِرِ الرَّهْنِ، ويأْتِي قريبًا مِن ذلك، في بابِ أدَبِ القاضي، عندَ حُكْمِ الهَدِيَّةِ، والرِّشْوَةِ، وتأْتِي مسْأَلةُ الوَدِيعَةِ في بابِها، وهل يَلْزَمُ الحاكِمَ الأخْذُ، أم

..................................  لا؟ الثَّانيةُ، لا يجوزُ لمَن هذه الأشْياءُ في يَدِه، وقُلْنا: له الصَّدَقَةُ بها.
أنْ يأْخُذَ منها لنَفْسِه إذا كان مِن أهْلِ الصَّدَقَةِ.
نصَّ عليه.
وخرَّج القاضي جَوازَ الأكْلِ منها إذا كان فَقِيرًا، على الرِّوايتَين في شِراءِ الوَصِيِّ مِن نَفْسِه.
نقَلَه عنه ابنُ عَقِيلٍ في «فُنونِه»، وأفْتَى به الشَّيخُ تَقِيُّ الدِّينِ في الغاصِبِ إذا تابَ.
تنبيه: ظاهرُ قوْلِه: لا يعْرِفُ أرْبابَها.
أنَّه لا يتَصَدَّقُ بها إلَّا مع عدَمِ مَعْرِفَةِ أرْبابِها، سواءٌ كان قليلًا أو كثيرًا، وهو المذهبُ.
وقدَّمه في «الفُروعِ».
ونقَل الأثْرَمُ وغيرُه، له الصَّدَقَةُ بها إذا عَلِمَ ربَّها، وشَقَّ دَفْعُه إليه، وهو يَسِيرٌ، كحَبَّةٍ.
وقطَع به في «القاعِدَةِ السَّابعَةِ والتِّسْعِين»، فقال: له الصَّدقَةُ به عنه.
نصَّ عليه في مَواضِعِ.
وقال الحارِثِيُّ: إذا عَلِمَ الغاصِبُ المالِكَ، فهنا حالتان؛ إحْداهما، انْقِطاعُ خبَرِه لغيبَةٍ؛ إمَّا ظاهِرُها السَّلامَةُ؛ كالتِّجارَةِ، والسِّياحَةِ، ومضَتْ مُدَّةُ الإياسِ، ولا وارِثَ له، تصَدَّقَ بها كما لو جَهِلَ.
نصَّ عليه.
وإمَّا ظاهِرها الهَلاكُ؛ كالمَفْقُودِ مِن بينِ أهْلِه، أو في مَهْلَكَةٍ، أو بينَ الصَّفَّين، ونحوه، وكذلك أرْبَعُ سِنِين، وأربعَةُ أشْهُرٍ وعَشْرٌ، ولا وارِثَ له، تصَدَّقَ به أيضًا.
نصَّ عليه.
وإنْ كان له وارِثٌ، سلَّمَ إليه.
وأنْكَرَ أبو بَكْرٍ الزِّيادَةَ على الأرْبَعِ سِنِين، وقال: لا مَعْنًى للأرْبعَةِ أشْهُرٍ في ذلك.
قال القاضي وغيرُه: أصْلُ المَسْأَلةِ، هل يُقْسَمُ مالُ المَفْقُودِ للمُدَّةِ التي تُباحُ زَوْجَتُه فيها، أو لأرْبَعِ سِنِين فقط؟ على رِوايتَين.
وإنْ لم تَمْضِ المُدَّةُ المُعْتَبَرَةُ، ففي المالِ المُحَرَّمِ يتَعَيَّنُ التَّسْليمُ إلى الحاكمِ مِن غيرِ انْتِظارٍ.
وأمَّا ما اؤْتُمِنَ عليه؛ كالوَدِيعَةِ، والرَّهْنِ، فليس عليه الدَّفْعُ إليه.
الحالةُ الثَّانيةُ، أنْ يعْلَمَ وُجودَه، فإنْ كان غائِبًا، سلَّمَ إلى وَكِيلِه، وإلَّا فإلى الحاكمِ، وإنْ كان حاضِرًا، فإليه أو إلى وَكِيلِه.
وإنْ عَلِمَ مَوْتَه، فإلى وَرَثَتِه، فإن لم يكُنْ له وَرَثَةٌ، تصَدَّقَ به.
نصَّ عليه.
ولا يكون لبَيتِ المالِ فيه شيءٌ.
ويأْتِي

..................................  إذا كسَبَ مالًا حَرامًا برِضَا الدَّافِعِ، ونحوُه، في بابِ أدَبِ القاضي، عندَ الكلامِ على الهَدِيَّةِ للحاكمِ.
تنبيه: قوْلُ المُصَنِّف: كاللُّقَطَةِ.
قال الحارِثِيُّ: الأَلْيَقُ فيه التَّشْبِيهُ بأصْلِ الضَّمانِ، لا في مَضْمُونِ الصَّدَقَةِ والضَّمانِ، فإنَّ المذهبَ في اللُّقَطَةِ التَّمَلُّكُ لا التَّصَدُّقُ.
انتهى.
قلتُ: بل الصَّحيحُ مِنَ المذهبِ جَوازُ التَّصَدُّقِ باللُّقَطَةِ التي لا تُمْلَكُ بالتَّعْريفِ، على ما يأْتِي مِن كلامِ المُصَنِّفِ في اللُّقَطَةِ.
قال الشَّارِحُ هنا: وعنه في اللُّقَطَةِ، لا تجوزُ الصَّدَقَةُ بها.
فيتَخَرَّجُ هنا مِثْلُه.
فوائد؛ إحْداها، قال في «الفُروعِ»: لم يذْكُرِ الأصحابُ في ذلك سِوَى الصَّدَقَةِ بها.
ونقَل إبْراهِيمُ بنُ هانِئٍ، يتَصَدَّقُ بها، أو يَشْتَرِي بها كِراعًا، أو سِلاحًا يُوقَفُ، هو مَصْلَحَةٌ للمُسْلِمين.
انتهى.
قلتُ: قد ذكَر ذلك الحارِثِيُّ، وقال عن ذلك: يُنَزَّلُ مَنْزِلَةَ الصَّدَقَةِ.
انتهى.
قال في «الفُروعِ»: وسألَه جَعْفَرٌ 1 عن مَن ماتَ، وكان يدْخُلُ في أُمُورٍ تُكْرَهُ، فيُرِيدُ بعضُ وَلَدِه التَّنَزُّهَ؟ فقال إذا دفَعَها إلى المَساكِينِ، فأيُّ شَيءٍ بَقِيَ عليه؟ واسْتَحْسَنَ أنْ يُوقِفَها على المَساكِينِ.
ويتَوَجَّهُ على أفْضَلِ البِرِّ.
قال الشَّيخُ تَقِيُّ الدِّينِ: تُصْرَف في المصَالِحِ.
وقاله في وَديعَةٍ، وغيرِها، وقال: قاله العُلَماءُ، وأنَّه مذهبُنا، ومذهبُ أبِي حَنِيفَةَ، ومالكٍ.
وهذا مُرادُ أصحابِنا؛ لأنَّ الكُلَّ صَدَقَةٌ.
وقال الشَّيخُ تَقِيُّ الدِّينِ: مَن تَصَرَّفَ فيه بولايَةٍ شَرْعِيَّةٍ، لم يضْمَنْ.
وقال: ليس لصاحِبِه، إذا عُرِفَ، ردُّ المُعاوَضَةِ؛ لثُبوتِ الولايَةِ عليها شَرْعًا للحاجَةِ، كمَن ماتَ ولا وَلِيَّ له ولا حاكِمَ.
مع أنَّه ذكَر أنَّ مذهبَ أحمدَ وَقْفُ العَقْدِ للحاجَةِ؛ لفَقْدِ المالكِ،

فَصْلٌ: وَمَنْ أَتْلَفَ مَالًا مُحْتَرَمًا لِغَيرِه، ضَمِنَهُ.
ولغيرِ حاجَةٍ، الرِّوايَتان.
وقال في مَنِ اشْتَرَى مال مُسْلِمٍ مِنَ التَّتَرَ لمَّا دخَلُوا الشَّامَ: إنْ لم يُعْرَفْ صاحِبُه، صُرِفَ في المَصالِحِ، وأُعْطِيَ مُشْتَرِيه ما اشْتَراه به؛ لأنَّه لم يَصِرْ لها إلَّا بنَفقَتِه، وإنْ لم يقْصِدْ ذلك.
كما رجَّحه في مَنِ اتَّجَرَ بمالِ غيرِه، ورَبِحَ.
ونصَّ في وَدِيعَةٍ، تُنْتَظَرُ, كمالِ مَفْقُودٍ، وأنَّ جائزَةَ الإِمامِ أحَبُّ إليه مِنَ الصَّدَقَةِ.
قال القاضي: إنْ لم يعْرِفْ أنَّ عَينَه مَغْصوبٌ، فله قَبُولُه.
وسوَّى ابنُ عَقِيلٍ وغيرُه بينَ وَدِيعَةٍ وغَصْبٍ، وذكَرَهما الحَلْوانِيُّ، كرَهْنٍ.
الثَّانيةُ، إذا تصدَّقَ بالمالِ، ثم حضَر المالِكُ، خُيِّرَ بينَ الأَجْرِ وبينَ الأخْذِ مِنَ المُتَصَدِّقِ؛ فإنِ اخْتارَ الأَجْرَ، فذاك وإنِ اخْتارَ الأخْذَ، فله ذلك، والأَجْرُ للغارِمِ.
نصَّ عليه في الرَّهْنِ، قاله الحارِثِيُّ.
الثَّالثةُ، إذا لم يَبْقَ دِرْهَمٌ مُباحٌ، فقال في «النَّوادِرِ»: يأْكُلُ عادَتَه، لا ما له عنه غُنْيَةٌ؛ كحَلْواءَ، وفاكِهَةٍ.
قوله: ومَن أَتْلَفَ مالًا مُحْتَرَمًا لغيرِه، ضَمِنَه.
سواءٌ كان عَمْدًا أو سَهْوًا.
ومَفْهومُه، أن غيرَ المُحْتَرَمِ لا يضْمَنُه؛ كمالِ الحَرْبِيِّ، والصَّائلِ، والعَبْدِ في حالِ قَطْعِه الطَّرِيقَ، ونحوه.
وهو كذلك.
تنبيه: يُسْتَثْنَى مِن قوْلِه: ومَن أتْلَفَ مالًا مُحْتَرَمًا، ضَمِنَه.
الحَرْبِيُّ إذا أتْلَفَ مال المُسْلِم، فإنَّه لا يضْمَنُه.

..................................  فوائد؛ منها، قال في «الفائقِ»: قلتُ: ولو أتْلَفَ لغيرهِ وَثِيقَةً بمالٍ، لا يثْبُتُ ذلك المالُ إلَّا بها ففي إلْزامِه ما تضَمَّنَتْه احْتِمالان؛ أحدُهما، يَلْزَمُه، كقْولِ المالِكِيَّةِ.
انتهى.
قلتُ: وهذا الصَّوابُ.
وقال في «الفُروعِ»، في بابِ القَطعِ في السَّرِقَةِ: وإنْ سَرَق فَرْدَ خُفٍّ، قِيمَةُ كلِّ واحدٍ منهما مُنْفرِدًا دِرْهَمان، ومعًا عَشَرَةٌ، ضَمِنَ ثَمانِيةً؛ قِيمَةُ المُتْلَفِ خَمْسَةٌ، ونقْصُ التَّفْرِقَةِ ثَلاثةٌ.
وقيل: دِرْهَمَين، ولا قَطْعَ.
قال: وضَمانُ ما في وَثِيقَةٍ أتْلَفَها، إنْ تعَذَّرَ، يتَوَجَّهُ تخْرِيجُه عليها.
انتهى.
وقال ابنُ نَصْرِ اللهِ في «حَواشِي الفُروعِ»: وقد يُخرَّجُ الضَّمانُ للوَثيقَةِ مِن مَسْألَةِ الكَفالةِ؛ فإنَّها تَقْتَضِي إحْضارَ المَكْفُولِ، أو ضَمان ما عليه، وهنا؛ إمَّا أنْ يُحْضِرَ الوَثِيقَةَ، أو يَضْمَنَ ما فيها، إنْ تعَذَّرَتْ.
ومنها، لو أُكْرِهَ على إتْلافِ مالِ الغيرِ، فقيل: يضْمَنُه مُكْرِهُه.
قطَع به القاضي في كِتابِه «الأمْرُ بالمَعْرُوفِ، والنَّهْيُ عنِ المُنْكَرِ»، وابنُ عَقِيل في «عُمَدِ الأدِلَّةِ».
قاله في «القَواعِدِ».
وقيل: هو كمُضْطَرٍّ.
قال في «التَّلْخيصِ»: يجِبُ الضَّمانُ عليهما.
واقْتَصَر عليه الحارِثِيُّ.
وهو احْتِمالٌ للقاضي، في بعضِ تَعالِيقِه.
وأطْلَقهما في «الفرُوعِ»، و «القَواعِدِ».
وقال في «الرِّعايةِ»: وإنْ أُكْرِهَ على إتْلافِه، ضَمِنَه.
يعْنِي المُباشِرَ، وقطَع به.
انتهى.
فإذا ضَمِنَ المُباشِرُ، إنْ كان جِاهلًا، رجَع على مُكْرِهِه.
على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ.
جزَم به في «الرِّعايةِ».
وصحَّحه في «الفُروعِ».
وقيل: لا يَرْجِعُ.
وإنْ كان عالِمًا، لم يرْجِعْ.
على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ.
وقيل: يَرْجِعُ؛ لإِباحَةِ إتْلافِه ووُجوبه بخِلافِ الإِكْراهِ على القَتْلِ.
ولم يَخْتَرْه، بخِلافِ مُضْطَرٍّ.
وهل لمالِكِه مُطالبَةُ مُكْرِهِه إذا كان المُكْرَهُ، بفتْحِ الرَّاءِ، عالِمًا، وقُلْنا: له الرُّجوعُ عليه؟ فيه وَجْهان.
وقال في «الرعايتَين»: يَحْتَمِلُ وَجْهَين.
وأطْلَقهما في «الفُروعِ».
قلتُ: له مُطالبَتُه.
فإنْ قُلْنا: له

وَإِنْ فَتَحَ قَفَصًا عَنْ طَائِرِهِ، أَوْ حَلَّ قَيدَ عَبْدِهِ، أَوْ رِبَاطَ فَرَسِهِ،  مُطالبَته.
وطالبَه، رجَع على المُتْلِفِ، إنْ لم يَرْجِعْ عليه.
وقيل: الضَّمانُ بينَهما.
ومنها، لو أذِنَ رَبُّ المالِ في إتْلافِه، فأَتْلَفَه، لم يَضْمَنِ المُتْلِفُ مُطْلَقًا.
على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ.
وقال ابنُ عَقِيلٍ: إنْ عيَّن الوَجْهَ المأْذُونَ فيه، مع غَرضٍ صحيحٍ، لم يضْمَنْ.
وقال في «الفُنونِ»: لو أذِنَ في قَتْلِ عَبْدِه، فقَتَلَه، لَزِمَه كفَّارَةٌ للهِ، وأَثِمَ، ولو أذِنَ في إتْلافِ مالِه، سقَطَ الضَّمانُ والمَأْثَمُ، ولا كفَّارَةَ.
وقال بعدَ ذلك: يُمْنَعُ مِن تَضْيِيعِ الحَبِّ والبَذْرِ في الأرْضِ السَّبِخَةِ بما يقْتَضِي أنَّه محَلُّ وفاقٍ.
قال في «الفُروعِ»: وسبَقَ أنَّه يَحْرُمُ، في الأشْهَرِ، دَفْنُ شيءٍ مع الكَفَنَ.
قوله: وإنْ فتَح قَفَصًا عن طائرِه، أو حَلَّ قَيدَ عَبْدِه، أو رِباطَ فَرسِه، ضَمِنَه.
هذا المذهبُ مُطْلَقا، وعليه جماهيرُ الأصحابِ.
وجزَم به في «المُغْنِي»، و «الشَّرْحِ»، و «الوَجيزِ»، وغيرِهم.
وقدَّمة في «الفُروعِ» وغيرِه.
قال في «التَّلْخيصِ»: قال أصحابُنا: يَلْزَمُه الضَّمانُ في جميعِ ذلك، سواءٌ تعَقَّبَ ذلك فِعْلَه، أو تَراخَى عنه.
قال في «القَواعِدِ»: ذكَرَه القاضي، والأكْثَرون.

..................................  قال الحارِثِيُّ: لا يخْتَلِفُ فيه المذهبُ.
وقال في «الفُنونِ»: إنْ كان الطائِرُ مُتَأَلِّفًا، لم يَضْمَنْه.
وقال أيضًا: الصَّحيحُ التَّفْرِقَةُ بينَ ما يُحالُ الضَّمانُ على فِعْلِه؛ كالآدَمِيِّ، وبينَ ما لا يُحالُ عليه الضَّمانُ؛ كالحَيواناتِ والجَماداتِ، فإذا حلَّ قَيدَ العَبْدِ، لم يَضمَنْ.
وقيل: لا يضْمَنُ إلَّا إذا ذهَبُوا عَقِبَ الفَتْحِ.
والحَلِّ.
فعلى المذهبِ، يَضْمَنُه، سواءٌ ذهَبَ عَقِبَ فِعْلِه، أو مُتَراخِيًا عنه، وسواءٌ هيَّجَ الطَّائِرَ والدَّابَّةَ حتى ذهَبا، أو لم يُهَيِّجْهما.
قاله الأصحابُ.
فوائد؛ إحْداها، لو بَقِيَ الطَّيرُ والفَرَسُ بحالِهما، حتى نفَّرَهما آخَرُ، ضَمِنَهما المُنَفِّرُ.
جزَم به في «المُغْنِي», و «الشَّرْحِ»، و «شَرْحِ الحارِثِيِّ»،

..................................  و «الرعايةِ»، وغيرِهم.
الثَّانيةُ، لو دفَع مِبْرَدًا إلى عَبْدٍ فبَرد به قَيدَه، فهل يضْمَنُه، أم لا؟ وحكَى في «الفُضولِ»، و «التَّلْخيصِ»، و «الرِّعايةِ» فيه احْتِمَالين، وحَكاهما في «الفُروعِ» وَجْهَين، وأطْلَقُوهما.
قلتُ: الصَّوابُ الضَّمانُ.
وهو ظاهرُ ما قدَّمه الحارِثِيُّ.
ولو دفَع مِفْتاحًا إلى لِصٍّ، لم يَضمَنْ.
الثَّالثةُ، لو حَلَّ قَيدَ أسيرٍ، ضَمِنَ، كحَلِّ قَيدِ العَبْدِ، وكذا لو فتَح الإِصْطَبْلَ، فضاعَتِ الدَّابَّةُ، وكذا لو حَلَّ رِباطَ سَفِينَةٍ، فغَرِقَتْ، وسواءٌ كان لعُصُوفِ رِيحٍ، أو لا.
على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ.
وعلى قَوْلِ القاضي: لا يضْمَنُ العُصُوفَ.
الرَّابعةُ، قال الشَّيخُ تَقِيُّ الدِّينِ: لو غَرِمَ بسَبَبِ كَذِبٍ عليه، عندَ وَلِيِّ الأمْرِ، رجَع على الكاذِبِ.
قلتُ: وهو صَحيحٌ.
وتقدَّم ذلك وغيرُه في بابِ الحَجْرِ.
الخامسةُ، لو كانتِ الدَّابَّةُ المَحْمُولَةُ عَقُورًا وجَنَتْ، ضَمِنَ جنايَتَها.
ذكَرَه ابنُ عَقِيلٍ وغيرُه، واقْتَصَر عليه في «شَرْحِ الحارِثِيِّ», كما لو حلَّ سِلْسِلَةَ فَهْدٍ، أو ساجُورَ كَلْبٍ، فعقَرَ.
وإنْ أفْسَدَتْ زَرْعَ إنْسانٍ، فكإفسادِ دابَّةِ نفْسِه، على ما سيَأْتِي.
السَّادِسَةُ، لو وثَبَتْ هِرَّةٌ على الطَّائرِ بعدَ الفَتْحِ، ضَمِنَه.
وقد تضَمَّنَه كلامُ المُصَنِّفِ.
وكذا لو كسَر الطَّائرُ في خُروجِه قارُورَة، ضَمِنَها.

أَوْ وكَاءَ زِقِّ مَائِعٍ، أَوْ جَامِدٍ فَأذَابَتْهُ الشَّمْسُ، أَوْ بَقِيَ بَعْدَ حَلِّهِ قَاعدًا فَأَلقَتْهُ الرِّيحُ فَانْدَفَقَ، ضَمِنَهُ.
وَقَال الْقَاضِي: لَا يَضْمَنُ مَا أَلْقَتْهُ الرِّيحُ.
قوله: أو حَلَّ وكاءَ زِقِّ مائعٍ أو جامِدٍ، فأذابَتْه الشَّمْسُ، أو بَقِيَ بعدَ حَلِّه قاعِدًا، فأَلْقَتْه الرِّيحُ، فانْدَفَقَ، ضَمِنَه.
إذا حَلَّ وكاءَ زِقِّ مائعٍ فانْدفَقَ، ضَمِنَه، بلا نِزاعٍ أعْلَمُه.
وإنْ كان مُنْتَصِبًا، فسَقَطَ برِيحٍ، أو زَلْزَلَةٍ، أو طائر، ضَمِنَ.
على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ.
وقدَّمه في «المُغْنِي»، و «الشَّرْحِ»، و «الهِدايَةِ»، و «المُذْهَبِ»، و «المُسْتَوْعِبِ»، و «الخُلاصَةِ»، و «الحارِثِيِّ»، ونَصرَه المُصَنِّفُ.
وقال القاضي: لا يَضمَنُ ما ألْقَتْه الرِّيحُ.
وكذا قال أبو الخَطَّابِ وغيرُه.
وقال

وَإِنْ رَبَطَ دَابَّةً في طَرِيقٍ فَأَتْلَفَتْ، أَو اقْتَنَى كَلْبًا عَقُورًا فَعَقَرَ، أَوْ خَرَقَ ثَوْبًا ضَمِنَ.
الحارِثِيُّ: وعنِ القاضي، وابنِ عَقِيلٍ، لا يَضْمَنُ.
وقدَّمه في «التَّلْخيصِ».
وإنْ ذابَ بالشَّمْسِ وانْدفَقَ، ضَمِنَ.
على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ.
قال الحارِثِيُّ: وافَقَ على ذلك القاضي، وصاحِبُ «التَّلْخيصِ».
وقدَّمه في «المُغْنِي»، و «الكافِي»، وغيرِهما.
وقال في «الفائقِ»: قال القاضي: لا يَضْمَنُ، فلعَلَّ له قولَين.
وقال ابنُ عَقِيلٍ: عندِي، لا فَرْقَ بينَ حَرِّ الشَمْسِ وهُبوبِ الرِّيحِ؛ فإمَّا أنْ يسْقُطَ الضَّمانُ في المَوْضِعَين، أو يجِبَ فيهما.
واخْتارَ أنَّه لا ضَمانَ هنا أيضًا.
وقال في «الفُروعِ»: وإنْ حَلَّ وعاءً فيه دُهْنٌ جامِدٌ، فذَهَبَ برِيحٍ ألْقَتْه، أو شَمْسٍ، فوَجْهان.
قوله: وإنْ ربَط دَابَّةً في طَرِيقٍ فأَتْلَفتْ، ضَمِنَ.
شَمِلَ مَسْأَلتَين؛ إحْداهما،

..................................  أنْ يكونَ الطَّرِيقُ ضَيقًا، فيَضْمَنَ ما أتْلَفَتْ.
جزَم به في «المُغْنِي»، و «الشَّرْحِ»، و «شَرْحِ الحارِثِيِّ»، و «الفُروعِ»، و «الزَّرْكَشِيِّ»، وغيرِهم.
وقاله ابنُ عَقِيلٍ، وابنُ البَنَّا، ولو كان ما أتْلَفَتْه بنَفْحِ رِجْلِها.
نصَّ عليه.
ومَن ضرَبَها، فرفَسَتْه، فماتَ، ضَمِنَه.
ذكَرَه في «الفُنونِ».
والمَسْألَةُ الثَّانيةُ، أنْ تكونَ الطَّرِيقُ واسِعَةً.
فظاهرُ ما قطَع به المُصَنِّفُ هنا، أنَّه يَضْمَنُ.
قال الحارِثِيُّ: وكذا أوْرَدَه ابنُ أبِي مُوسى، وأبو الخَطَّابِ، مُطْلَقًا، ونصَّ عليه أحمدُ.
انتهى.
قلتُ: وهو ظاهرُ ما جزَم به في «المُذْهَبِ»، و «الخُلاصَةِ»؛ لإطْلاقِهم الضَّمانَ.
وقدَّمه في «القاعِدَةِ الثَّامِنَةِ والثَّمانِين»، وقال: هذا المَنْصوصُ.
وذكَر النُّصوصَ في ذلك.
والروايةُ الثَّانيةُ، لا يَضْمَنُ إذا لم تَكُنْ في يَدِه.
ذكَرَها القاضي في «المُجَرَّدِ».
وهو ظاهرُ ما جزَم به في «الوَجيزِ».
وقدمه في «الرعايتَين»، و «الحاوي الصَّغِيرِ».
وأطْلَقهما في «المُسْتَوْعِبِ»، و «المُغْنِي»، و «الشَّرْحِ»، و «الفائقِ»، و «الفُروعِ»، و «القَواعدِ

إلَّا أَنْ يَكُونَ دَخَلَ مَنْزِلَهُ بِغيرِ إِذْنِهِ.
الأُصُولِيَّةِ»، و «الزَّرْكَشِيِّ».
وقال القاضي في كتابِ «الرِّوايتَين» وغيرِه: ظاهرُ كلامِ أحمدَ، أنَّه لا يَضْمَنُ إذا كان واقِفًا لحاجَةٍ، والطَّرِيقُ واسِعٌ.
قال الحارِثِيُّ: وهو الأَقْوَى نظَرًا.
فائدة: لو تَرَكَ طِينًا في طَرِيقٍ، فزَلَقَ فيه إنْسانٌ، أو خَشَبَةً، أو عَمُودًا، أو حجَرًا، أو كِيسَ دَراهِمَ.
نصَّ عليه، أو أسْنَدَ خَشَبَةً إلى حائطٍ، فتَلِفَ به شيءٌ، ضَمِنَه.
جزَم به في «الفُروعِ» وغيرِه.
ويأتِي في أوَّلِ كتابِ الدِّياتِ؛ إذا صبَّ ماءً في طَريقٍ، أو بالتْ فيها دابَّتُه، أو رَمَى قِشْرَ بِطِّيخٍ، فتَلِفَ به إنْسانٌ، في كلامِ المُصَنِّفِ.
قوله: أَو اقْتَنَى كَلْبًا عَقُورًا فعَقَر، أو خرَق ثَوْبًا، إلَّا أَنْ يكونَ دخَل مَنْزِلَه بغيرِ إذْنِه.
إذا دخَل بَيتَه بإذْنِه، فعَقَرَه، أو خرَق ثَوْبَه، أو فعَل ذلك خارِجَ البَيتِ، ضَمِنَ.
على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ، نصَّ عليه، وعليه جماهيرُ الأصحابِ.
قال الحارِثِيُّ: يَضْمَنُ بغيرِ خِلافٍ في المذهبِ، إذا فعَل ذلك خارِجَ المَنْزِلِ.
وقال: إذا دخَل بإذْنِه، يَنْبَغِي تَقْيِيدُه بما، إذا لم يُنَبِّهْه على الكَلْبِ، أو على

وَقِيلَ: في الْكَلْب رِوَايَتَانِ في الْجُمْلَةِ.
كوْنِه غيرَ مُوثَقٍ، أمَّا إنْ نبَّه، فلا ضَمانَ.
قال في «الرِّعايةِ»: إنْ عقَر خارِجَ الدَّارِ، ضَمِنَ، إنْ لم يَكُفَّه رَبُّه، أو يُحَذِّرْ منه.
انتهى.
وعنه، لا يَضْمَنُ.
اخْتارَه الشَّرِيفُ أبو جَعْفَرٍ.
وإنْ دخَلَ بَيتَه بغيرِ إذْنِه، ففَعل ذلك به، لم يَضْمَنْ.
على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ، نصَّ عليه، وعليه جماهيرُ الأصحابِ.
وعنه، يَضْمَنُ أيضًا.
اخْتارَه القاضي في «الجامعِ».
نقلَ حَنْبَلٌ، إذا كان الكَلْبُ مُوثَقًا، لم يَضْمَنْ ما عقَر.
قوله: وقِيلَ: في الكَلْبِ رِوايَتان في الجُمْلَةِ.
يعْنِي رِوايتَين مُطْلقَتين، سواءٌ دخَل بإذْنٍ، أو لا، وسواءٌ كان في مَنْزِلِ صاحِبِه، أو خارِجًا عنه.
ذكَرَه الشَّارِحُ.
قال الحارِثِيُّ: أوْرَدَ المُصَنِّفُ في «كِتابَيه»، وابنُ أبِي مُوسى، والقاضي في «المُجَرَّدِ»، وصاحِبُ «المُحَرَّرِ» ذلك مِن غيرِ خِلافٍ في شيءٍ مِن ذلك.
وحكَى القاضي في «الجامعِ الصَّغِيرِ»، في الضَّمانِ مُطْلَقًا مِن غيرِ تَقيِيدٍ

..................................  بإذْنٍ، رِوايتَين، وهو ما حكَى أبو الخَطَّابِ في «كِتابَيه» عنِ القاضي، وأوْرَدَه المُصَنِّفُ هنا.
وجرَى كل حِكايَةِ هذا الخِلافِ جماعَةٌ مِن أئِمَّةِ المذهبِ؛ الشَّرِيفُ أبو جَعْفَرٍ، وأبو الخَطَّابِ، وأبو الحَسَنِ بنُ بَكْرُوسٍ، في «كُتُبِهم الخِلافيَّةِ»، واخْتَلَفُوا؛ فمنهم مَن صحَّح الضَّمانَ، وهو القاضي في «الجامعِ»، ومنهم مَن عكَس، وهو قَوْلُ الشَّرِيفِ، والظَّاهِرُ مِن كلامِ أبِي الخَطَّابِ، وابنِ بَكْرُوسٍ.
قال: وقَوْلُ المُصَنِّفِ.
وقيلَ: في الكَلْبِ رِوايَتان.
قال شيخُنا ابنُ أبِي عُمَرَ في «شَرْحِه»: سواءٌ كان في مَنْزِلِ صاحبِه، أو خارِجًا، وسواءٌ دخَلَ بإذْنِ صاحبِ المَنْزِلِ، أو لا.
قال: وليس كذلك، فإنَّ كلامَ أبِي الخَطَّابِ، الذي أخَذ منه المُصَنِّفُ ذلك، إنَّما هو وارِدٌ في حالةِ الدُّخولِ، والإِجْمالُ فيه عائلٌ على الإِذْنِ وعدَمِه.
وكذلك أوْرَدَ السَّامَرِّيُّ في «كِتابِه»؛ فقال: إنِ اقْتَنَى في مَنْزِلِه كَلْبًا عَقُورًا، فعَقَر فيه إنْسانًا؛ إنْ كان دخَل بغيرِ إذْنِه، فلا ضَمانَ، وإنْ كان بإذْنِه، فعليه الضَّمانُ.
قال: وخرَّجَها القاضي على رِوايتَين؛ الضَّمانُ، وعدَمُه، فإنْ عقَر خارِجَ المَنْزِلِ، ضَمِنَ.
ذكَرَه ابنُ أبِي مُوسى.
انتهى.
قال الحارِثِيُّ: فخَصَّصَ الخِلافَ بحالةِ العَقْرِ داخِلَ المَنْزلِ دُونَ خارِجِه.
وهو الصَّحيحُ.
انتهى.
وهذا قطَع به ابنُ مُنَجَّى في «شَرْحِه».
فوائد؛ الأُولَى، إفْسادُ الكَلْبِ بما عَدا العَقْرَ؛ كبوْلِه ووُلُوغِه في إناءِ الغيرِ، لا يُوجِبُ ضَمانًا.
ذكَرَه المُصَنِّفُ وغيرُه، واقْتَصَر عليه الحارِثِيُّ.
وكذلك

وَإِنْ أَجَّجَ نَارًا فِي مِلْكِهِ، أَوْ سَقَى أَرْضَهُ، فَتَعَدَّى إلَى مِلْكِ  لا يَضْمَنُ ما أتْلَفَه غيرُ العَقُورِ ليلًا ونَهارًا.
قاله المُصَنِّفُ وغيرُه، وهو ظاهِرُ كلامِ الأصحابِ؛ لتَقْيِيدِهم الكَلْبَ بالعَقُورِ.
قال الحارِثِيُّ: وكلامُ المُصَنِّفِ مَحْمولٌ على ما يُباحُ اقْتِناؤُه، وأمَّا ما يَحْرُمُ، كالكَلْبِ الأسْوَدِ، فيَجِبُ الضَّمانُ؛ لأنَّه في مَعْنَى العَقُورِ في مَنْعِ الاقْتِناءِ، واسْتِحْقاقِ القَتْلِ.
وكذلك ما عَدا كَلْبَ الصَّيدِ والحَرْثِ والماشِيَةِ؛ لأنَّه في مَعْنَى ما تقدَّم، فيَحْصُلُ العُدْوانُ بإمْساكِه.
انتهى.
الثَّانيةُ، لو اقْتَنَى أسَدًا أو نَمِرًا أو ذِئْبًا، ونحوَ ذلك مِنَ السِّباعِ المُتَوَحِّشَةِ، فكالكَلْبِ العَقُورِ فيما تقدَّم؛ لأنَّه في مَعْناه وأوْلَى؛ لعدَمِ المَنْفَعَةِ.
الثَّالثةُ، لو اقْتَنَى هِرَّةً تأْكُلُ الطُّيورَ، وتَقْلِبُ القُدورَ في العادَةِ، فعليه ضَمانُ ما تُتْلِفُه ليلًا ونَهارًا، كالكَلْبِ.
جزَم به في «المُغْنِي»، و «الشَّرْحِ»، و «الفُروعِ»، و «الفائقِ»، وقالُوا، إلَّا صاحِبَ «الفُروعِ»: قاله القاضي.
قال الحارِثِيُّ: ذكَرَه أصحابُنا.
فإنْ لم يكُنْ مِن عادَتِها ذلك، فلا ضَمانَ.
قاله الأصحابُ.
ولو حصَلَ عندَه كَلْبٌ عَقُورٌ، أو سِنَّوْرٌ ضارٌّ مِن غيرِ اقْتِناءٍ واخْتِيارٍ، وأفْسَدَ، لم يَضمَنْ.
الرَّابعةُ، يجوزُ قَتْلُ الهِرِّ بأَكْلِ لَحْمٍ، ونحوه.
على الصَّحيحِ بِنَ المذهبِ.
قدَّمه في «الفُروعِ».
وقال في «الفُصولِ»: له قَتْلُها حينَ أَكْلِها فقط.
واقْتصَرَ عليه الحارِثِيُّ، ونصَرَه.
وقال في «التَّرْغِيبِ»: له قَتْلُها إذا لم تَنْدَمعْ إلَّا به، كالصَّائلِ.
قوله: وإِنْ أجَّجَ نارًا في مِلْكِه، أو سَقَى أَرْضَه فتَعَدَّى إلى مِلْكِ غيرِه فأَتْلَفَه، ضَمِنَه، إذا كانَ قد أَسْرَفَ فيه، أو فرَّطَ، وإلَّا فلا.
هذا المذهبُ، وعليه الأصحابُ.
قال في «الفُروعِ»: والمُرادُ، لا بطَرَيانِ رِيحٍ.
ولهذا قال في

غَيرِهِ فَأَتْلَفَهُ، ضَمِنَ إِذَا كَانَ قَدْ أَسْرَفَ فِيهِ، أوْ فَرَّطَ، وَإلَّا فَلَا.
«عُيونِ المَسائلِ»: لو أجَّجَها على سَطْحِ دارٍ، فَهبَّتِ الرِّيحُ، فأطارَتِ الشَّرَرَ، لم يَضْمَنْ؛ لأنَّه في مِلْكِه، ولم يُفَرِّطْ، وهُبوبُ الرِّيحِ ليس مِن فِعْلِه، بخِلافِ

..................................  ما لو أوْقَفَ في دابَّته في طَريقٍ فبالتْ، أو رَمَى فيها قِشْرَ بِطِّيخٍ؛ لأنَّه في غيرِ مِلْكِه، فهو مُفَرِّطٌ.
قال في «الفُروعِ»: وظاهِرُه، لا يَضْمَنُ في الأُولَى مُطْلقًا.
انتهى.
وقال في «الرِّعايةِ»، بعدَ ذِكْرِ المَسْألَةِ: قلتُ: وإنْ كان المَكانُ مَغْصُوبًا، ضَمِنَ مُطْلَقًا.
يعْنِي، سواءٌ فرَّطَ أو أسْرَفَ، أو لا، إنْ لم يكُنْ للسَّطْحِ سُتْرَةٌ وبقُرْبِه زَرْعٌ، ونحوُه، والرِّيحُ هابَّةٌ، أو أرْسَلَ في الماءِ ما يَغْلِبُ ويَفِيضُ، ضَمِنَ.
وقيل: مَن أجَّجَ نارًا في مِلْكٍ بيَدِه له أو لغيرِه بإيجارٍ أو إعارَةٍ، وأسْرَفَ، ضَمِنَ، وإلَّا فلا، وإنْ مُنِعَ مِن ذلك لأَذَى جارِه، ضَمِنَ، وإنْ لم يُسْرِف.
انتهى.
فائدة: قال الحارِثِيُّ: قوْلُه: أسْرَفَ فيه أو فَرَّطَ.
يُغْنِي الاقْتَصارُ على لَفْظِ «التَّفْرِيطِ»؛ لدُخولِ الإِسْرافِ فيه.
انتهى.
قلتُ: الذي يَظْهَرُ، أنَّ الأمْرَ ليس

وَإِنْ حَفَرَ في فِنَائِهِ بِئْرًا لِنَفْسِهِ، ضَمِنَ مَا تَلِفَ بِهَا.
كذلك، وأنَّ كلَّ واحدٍ منهما يَنْفَكُّ عنَ الآخَرِ؛ لأنَّ الإِسْرافَ مُجاوَزَةُ الحَدِّ عَمْدًا عُدْوانًا.
وأمَّا التَّفْريطُ فهو التَّقْصِيرُ في المأْمُورِ.
ولذلك قال بعضُ المُحَققِين مِنَ الأصحابِ: فرَّطَ أو أفْرَطَ.
قوله: وإنْ حفَر في فِنائِه بِئْرًا لنَفْسِه، ضَمِنَ ما تَلِفَ بها.
هذا المذهبُ، بلا رَيب، نصَّ عليه، وعليه الأصحابُ.
وجوَّزَ بعضُ الأصحابِ حَفْرَ بِئْرٍ لنَفْسِه في فِنائِه بإذْنِ الإِمامِ.
ذكَرَه القاضي.
قال الشَّيخُ تَقِيُّ الدِّينِ: نَقْلتُه مِن خَطِّه، في مَسْألَةٍ حدَثَتْ في زَمَنِه.
قال في «القاعِدَةِ الثَّامِنَةِ والثَّمانِين»: وفي «الأحْكامِ السُّلْطانِيَّةِ»، له التَّصَرُّفُ في فِنائِه بما شاءَ مِن حَفْرٍ وغيرهِ، إذا لم يَضُرَّ.
وقال الشَّيخُ تَقِيُّ الدِّينِ: ومَن لم يسُدَّ بِئْرَه سَدًّا يَمْنَعُ مِنَ الضَّرَرِ، ضَمِنَ ما تَلِفَ بها.
ويأْتِي ذلك أيضًا في أوَّلِ كتابِ الدِّياتِ.
فائدة: لو حفَر الحُرُّ بِئْرًا بأُجْرَةٍ، أو لا، وثبَتَ عِلْمُه أنَّها في مِلْك غيرِه، نصَّ

وَإِنْ حَفَرَهَا في سَابِلَةٍ؛ لِنَفْعِ الْمُسْلِمِينَ، لَمْ يَضْمَنْ، في أَصَحِّ الرِّوَايَتَينِ.
عليه، ضَمِنَ الحافِرُ.
قاله القاضي، وابنُ عَقِيل، والمُصَنِّفُ، وغيرُهم مِنَ الأصحابِ.
وقدَّمه في «الفُروعِ»، وقال: ونصُّه، هما.
وقدَّمه الحارِثِيُّ، وقال: هو مُقْتَضَى إيرادِ ابنِ أبِي مُوسى، يَعْنِي، أنَّهما ضامِنان، وإنْ جَهِلَ، ضَمِنَ الآمِرُ.
وقيل: الحافِرُ، ويرْجِعُ على الآمِرِ.
قوله: وإنْ حفَرَها في سابِلَةٍ؛ لنَفْعِ المُسْلِمِين، لم يَضْمَنْ في أصَحِّ الرِّوايتَين.
يعْنِي، إذا لم يَكُنْ فيه ضَرَرٌ.
وهذا المذهبُ بهذا الشَّرْطِ.
قال في «الوَجيزِ» وغْيرِه: إنْ كانتِ السَّابِلَةُ واسِعَةً.
وهو قيدٌ حَسنٌ, كما يأْتِي.
جزَم به ابنُ أبي

..................................  مُوسى، والقاضي في «الجامعِ الصَّغِيرِ»، وأبو الفَرَجِ الشِّيرازِيُّ، وصاحِبُ «الوَجيزِ»، وغيرُهم.
قال في «الهِدايَةِ»، و «المُذْهَب»، و «الخُلاصَةِ»: لم يضْمَنْ في أصحِّ الرِّوايَتْين.
وصحَّحه المُصَنِّفُ، والشَّارِحُ أيضًا، والنَّاظِمُ.
وقدَّمه في «الفروعِ»، و «الفائقِ»، و «الرِّعايتَين»، و «الحاوي الصَّغِيرِ»، و «المُحَرَّرِ».
وعنه، يضْمَنُ.
ولم يذْكُرِ القاضي غيرَ هذه الرِّوايَةِ.
قال الحارِثِيُّ: وهذا له قُوَّةٌ، وإنْ كان المُصَنِّفُ، وأبو الخَطَّابِ صحَّحا غيرَه.
وعنه، لا يضْمَنُ إنْ كانَ بإذْنِ الإِمامِ، وإلَّا ضَمِنَ.
قال المُصَنِّفُ، والشَّارِحُ: قال بعضُ أصحابِنا: لا يَضْمَنُ إذا كانَ بإذْنِ الإِمامِ.
قال

..................................  الحارِثِيُّ: وهذه طريقَةُ القاضي في «المُجَرَّدِ»، وكتابِ «الرِّوايتَين»، وابنِ عَقِيلٍ، والسَّامَرِّي، وصاحبِ «التَّلْخيصِ»، وغيرِهم.
انتهى.
وهي طريقَةُ صاحبِ «المُحَرَّرِ» أيضًا.
وقال بعضُ الأصحابِ: يَنْبَغِي أنْ يتَقَيَّدَ سقُوطُ الضَّمانِ عنه فيما إذا حفَرَها في مَوْضِعٍ مائلٍ عنِ القارِعَةِ، بَشْرطِ أنْ يجْعَلَ عليه حاجِزًا يُعْلَمُ به؛ ليُتَوَقَّى.
تنبيهان؛ أحدُهما، محَلُّ الخِلافِ، إذا كانتِ السَّابِلَةُ واسِعَةً، فإنْ كانتْ ضَيِّقَةً، ضَمِنَ، بلا نِزاعٍ.
قال الحارِثِيُّ: لو حفَر في سابلَةٍ ضَيِّقَةٍ، وجَب الصَّمانُ؛ لأنَّه لا يَخْتَلِفُ المذهبُ فيه، وليس بداخِلٍ فيما أَوْرَدَه المُصَنِّفُ مِنَ

..................................  الخِلافِ، وإنَّ ظاهِرَ الإِيرادِ يشْمَلُه، ومحَلُّ الخِلافِ أيضًا، إذا حفَر في غيرِ مَكانٍ يَضُر بالمارَّةِ.
فأمَّا إنْ حفَر في طَريقٍ، اسِعٍ، في مَكانٍ منه يَضُرُّ بالمارَّةِ، فهو كما لو كانَ الطَّريقُ نفْسُه ضَيِّقًا.
ولا فَرْقَ بينَ كَوْنِه لمَصْلَحَةٍ عامَّةٍ، أو خاصَّةٍ، بإذْنِ الإِمامِ أو غيرِه.
الثَّاني، مَفْهومُ قوْلِه: لنَفْعِ المُسْلِمِين.
أنَّه لو حفَر لنَفْعِ نَفْسِه، أنَّه يضْمَنُ.
وهو كذلك، أذِنَ فيه الإِمامُ أو لم يأْذَنْ.
فائدتان؛ إحْداهما، لو حفَرَها في مَواتٍ؛ للتَّمَلُّكِ، أو الارْتِفاقِ بها، أو الانْتِفاعِ العامِّ، فلا ضَمانَ، نصَّ عليه.
وقطَع به الحارِثِيُّ، والمُصَنِّفُ، والشَّارِحُ، وغيرُهم، ذكَراه في كتابِ الدِّياتِ.
الثَّانيةُ، حُكْمُ ما لو بنَى فيها مَسْجِدًا أو غيرَه، كالخانِ، ونحوه، لنَفْعِ المُسْلِمين حُكْمُ حَفْرِ البِئْرِ في سابِلَةٍ لنَفْعِ المُسلِمين.
نقَل إسْماعِيلُ بنُ سَعِيدٍ، في المَسْجِدِ، لا بَأْسَ به إذا لم يَضُرَّ بالطَّريقِ.
ونقَل عَبْدُ اللهِ، أكْرَهُ الصَّلاةَ فيه، إلَّا أنْ يكونَ بإذْنِ إمامٍ.
ونقلَ المَرُّوذِيُّ، حُكْمُ هذه المَساجِدِ التي بُنِيَتْ في الطَّرِيقِ، تُهْدَمُ.
وسأَلَه محمدُ بنُ يَحْيَى الكَحَّالُ: يَزِيدُ في المَسْجِدِ مِن الطَّريقِ؟ قال: لا يُصَلَّى فيه.
ونقَل حَنْبَلٌ، أنَّه سُئِلَ عنِ المَساجِدِ على الأنْهارِ؟ قال: أخْشَى أنْ يكونَ مِنَ الطرَّيقِ.
وسألَه ابنُ إبْراهِيمَ، عن ساباطٍ فوْقَه مَسْجِدٌ، أَيُصَلَّى فيه؟ قال: لا يُصَلَّى فيه، إذا كان مِنَ الطَّريقِ.
قال في «القَواعِدِ»: الأكْثَرُ منَ الأصحابِ قالُوا: إنْ كان

..................................  بإذْنِ الإِمام، جازَ، وإلَّا فروايَتان، ما لم يَضُرَّ بالمَارَّةِ.
وفهم مَن أطْلَقَ الرِّوايتَين.
قال المُصَنِّفُ، والشَّارِحُ: ويَحْتَمِلُ أنْ يُعْتَبرَ إذْنُ الإِمامِ في البِناءِ لنَفْعِ المُسْلِمين دُونَ الحفْرِ؛ لدَعْوَى الحاجَةِ إلى الحَفْرِ لنَفْعِ الطَّريقِ وإصْلاحِها، وإزالةِ الطِّينِ والماءِ منها، فهو كتَنْقِيَتِها، وحَفْرِ هِدْفَةٍ فيها، وقَلْعِ حجَرٍ يضُرُّ بالمارَّةِ، ووَضْعِ الحَصَى في حُفْرَةٍ؛ ليَمْلأَها، وتَسْقيفِ ساقِيَةٍ فيها، ووَضْعِ حجَرٍ في طِينٍ فيها؛ ليَطَأَ النَّاسُ عليه.
فهذا كلُّه مُباحٌ، لا يضْمَنُ ما تَلِفَ به، لا نعْلَمُ فيه خِلافًا.
قالا: وكذلك يَنْبَغِي أنْ يكونَ في بِناءِ القَناطِرِ.
ويَحْتَمِلُ أنْ يُعْتَبرَ إذْنُ الإِمامِ فيها؛ لأنَّ مَصْلَحَتَه لا تعُمُّ.
انتهى كلامُهما.
قال الشَّيخُ تَقِيُّ الدِّينِ: حُكْمُ ما بُنِيَ وَقْفًا على المَسْجِدِ في هذه الأمْكِنَةِ، حُكْمُ بِناءِ المَسْجِدِ.
فائدتان؛ إحْداهما، لو فعَل العَبْدُ ذلك بأمْرِ سيِّدِه، كان كفِعْلِ نَفْسِه؛ أعْتَقَه، أو لا.
قاله المُصَنِّفُ، والشَّارِحُ، وصاحِبُ «الفُروعِ»، وغيرُهم مِنَ الأصحابِ.
وقال الحارِثِي: إنْ كان ممَّن يجْهَلُ الحال، فلا إشْكال في إطْلاقِ الأصحابِ، وإنْ كان ممَّن يَعْلَمُه، ففيه ما في مَسْألَةِ القَتْلِ بأمْرِ السَّيِّدِ، إنْ عَلِمَ

وَإِنْ بَسَطَ في مَسْجِدٍ حَصِيرًا، أَوْ عَلَّقَ فِيهِ قِنْدِيلًا، لَمْ يَضْمَنْ مَا تَلِفَ بِهِ.
الحُرْمَةَ، وفيها رِوايَتان؛ إحْداهما، القَوَدُ على السَّيِّدِ فقط.
والأُخْرَى، على العَبْدِ.
فيتَعَلَّقُ الضَّمانُ هنا برَقَبتِه, كما لو لم يأْمُرِ السَّيِّدُ.
وإنْ حفرَ بغيرِ أمْرِ السَّيِّدِ، تعَلَّقَ الضَّمانُ برَقَبتِه، ثم إنْ أعْتَقَه، فما تَلِفَ بعدَ عِتْقِه، فعليه ضَمانُه.
قاله المُصَنِّفُ، والشَّارِحُ، وغيرُهما.
قال الحارِثِيُّ: وهو الأصحُّ.
وقال صاحِبُ «التَّلْخيصِ» وغيرُه: الضَّمانُ على المُعْتِقِ بقَدْرِ قِيمَةِ العَبْدِ، فما دُونَه.
الثَّانيةُ، لو أمَرَه السُّلْطانُ بفِعْلِ ذلك، ضَمِنَ السُّلْطانُ وحدَه.
قوله: وإنْ بسَط في مَسْجِدٍ حَصِيرًا، أو علَّقَ فيه قِنْدِيلًا، لم يَضْمَنْ ما تَلِفَ به.
هذا المذهبُ، وعليه جماهيرُ الأصحابِ.
قال في «الفُروعِ»: اخْتارَه الأكْثَرُ.
قال الحارِثِيُّ: هذا ما حكَى المُصَنِّفُ، والقاضي في «الجامِعِ الصَّغِيرِ»، وأبو الخَطَّابِ، والشَّرِيفان؛ أبو جَعْفَرٍ وأبو القاسِمِ الزَّيدِيُّ، والسَّامَرِّيُّ، في آخَرِين، عنِ المذهبِ.
انتهى.
وجزَم به في «الوَجيزِ» وغيرِه.
وقدَّمه في «الفائقِ» وغيرِه.
وقيل: يضْمَنُ.
قدَّمه في «الفُروعِ».
وهو تخْرِيجٌ لأبِي

..................................  الخَطَّابِ في «الهِدايَةِ» مِنَ التي قبلَها؛ وهي حَفْرُ البِئْرِ.
وكذلك خرَّجَه أبو الحَسَنِ بنُ بَكْروسٍ.
قال الحارِثِيُّ: ولا يصِحُّ؛ لأنَّ الحَفْرَ عُدْوانٌ لإِبطْالِ حقِّ المُرورِ، ولا كذلك ما نحنُ فيه.
وذكَر القاضي في «المُجَرَّدِ»، وكتابِ «الرِّوايتَين»، إنْ أذِنَ الإمامُ 1، فلا ضَمانَ، وإلَّا فعلى وَجْهَين؛ بِناءً على البِئْرِ.
وتَبِعَه على ذلك ابنُ عَقِيلٍ في «الفُصولِ»، مع أنَّهما قالا: قال أصحابنُا، في بَوارِيِّ المَسْجِدِ: لا ضَمانَ على فاعِلِه، وَجْهًا واحِدًا، بإذْنِ الإِمامِ أو غيرِ إذْنِه؛ لأنَّ هذا مِن تَمامِ مَصْلَحَتِه.
فائدة: لو نصَب فيه بابًا، أو عُمُدًا، أو سقَفَه، أو جعَل فيه رَفًّا؛ لينْتَفِعَ به النَّاسُ، أو بنَى جِدارًا، أو أوْقَدَ مِصْباحًا، فلا ضَمانَ عليه 2.

وَإِنْ جَلَسَ في مَسجِدٍ أوْ طَرِيقٍ وَاسِعٍ فَعَثَرَ بِهِ حَيَوَانٌ، لَمْ يَضْمَنْ، في أَحَدِ الْوَجْهَينِ.
قوله: وإنْ جلَس في مَسْجِدٍ، أو طَرِيقٍ واسِعٍ، فعَثَر به حَيَوانٌ، لم يَضْمَنْ في أَحَدِ الوَجْهَين.
وهو المذهبُ.
قال في «الفُروعِ»: والأصحُّ، لا يضْمَنُ.
قال الشَّارِحُ: وهو أوْلَى.
قال في «الفائقِ»، فيما إذا جلَس في طريقٍ واسعٍ: لم يضْمَنْ في أصحِّ الوَجْهَين.
وصحَّحه في «النَّظْمِ».
وجزَم به في «الوَجيزِ».
والوَجْهُ الثَّاني، يضْمَنُ.
وقدَّمه في «الرِّعايتَين».
واخْتارَه ابنُ عَبْدُوسٍ في «تَذْكِرَتِه»، في الجالِسِ في الطَّريقِ.
وأطْلَقهما في «الهِدايَةِ»، و «المُذْهَبِ»، و «المُسْتَوْعِبِ»، و «الخُلاصَةِ»، و «التَّلْخيصِ»، و «الحاوي الصَّغِيرِ»، و «شَرْحِ ابنِ مُنَجَّى».
تنبيه: قال الحارِثِيُّ: أوْرَدَ المُصَنِّفُ الوَجْهَين في المَتْنِ؛ أخْذًا مِن إيرادِ أبِي الخَطَّابِ.
قال: ولم أرَهما لأحَدٍ قبلَه.
وأصْلُ ذلك، واللهُ أعلمُ، ما مَرَّ مِنَ الرِّوايتَين، في رَبْطِ الدَّابَّةِ بالطَّريقِ.
ومحَلُّه ما لم يَكُنِ الجُلُوسُ مُباحًا، كالجُلوسِ في المَسْجِدِ مع الجَنابَةِ والحَيضِ، أو للبَيعِ والشِّراءِ، ونحو ذلك.
أمَّا ما هو مَطْلُوبٌ؛ كالاعْتِكافِ، وانْتِظارِ الصَّلاةِ، والجُلُوسِ لتَعْليمِ القُرآنِ والسُّنةِ، فلا يتَأَتَّى الخِلافُ فيه بوَجْهٍ.
وكذا ما هو مُباحٌ مِنَ الجُلُوسِ فيه، وفي

جارٍ التحميل