وَهُوَ تَحْبِيسُ الأصْلِ وَتَسْبِيلُ الْمَنْفَعَةِ.
كتابُ الوَقْفِ
قوله: وهو تَحْبِيسُ الأصْلِ وتَسْبِيلُ المنْفَعَةِ.
وكذا قال في «الهِدايَةِ»، و «المُذْهَبِ»، و «المُسْتَوْعِبِ»، و «الخُلاصَةِ»، و «الكافِي»، و «التَّلْخيصِ»، و «الرِّعايتَين»، و «الحاوي الصَّغِيرِ»، و «الوَجيزِ»، و «الفائقِ»، وغيرِهم.
قال الزرْكَشِيُّ: وأرادَ مَن حَدَّ بهذا الحَدِّ، مع شُروطِه المُعْتَبَرَةِ، وأدْخَلَ غيرُهم الشروطَ في الحَدِّ.
انتهى.
وقال في «المُطْلِعِ»: وحَدُّ
..................................
المُصَنِّفِ لم يجْمَعْ شُروطَ الوَقْفِ، وحدَّه غيرُه، فقال: تَحْبِيسُ مالِكٍ مُطْلَقِ التَّصَرُّفِ ماله المُنْتَفَعَ به مع بَقاءِ عَينه، بقَطْعِ تصَرُّفِ الواقِفِ في رقَبَتِه، يُصْرَف رِيعُه إلى جِهَةِ برٍّ؛ تقَرُّبًا إلى الله تعالى.
انتهى.
وقال الشَّيخُ تَقِيُّ الدِّينِ: وأقْرَبُ
وَفِيهِ رِوَايَتَانِ؛ إحْدَاهُمَا، أنهُ يَحْصُل بِالقوْلِ والفِعْلِ الدَّال عَلَيهِ؛ مِثْلَ أنْ يبنِيَ مَسْجِدًا وَيَأذَنَ لِلنَّاسِ بِالصَّلَاةِ فِيهِ، أوْ يَجْعَلَ أرْضَهُ مَقْبَرَةً وَيَأذَنَ لَهُمْ فِي الدَّفْنِ فِيهَا، أوْ سِقَايَةً وَيَشرَعَهَا لَهُمْ.
وَالأُخْرَى، لَا يَصِحُّ إلَّا بِالْقَوْلِ.
الحُدودِ في الوَقْفِ، أنَّه كلُّ عَينٍ تجوزُ عارِيَّتُها.
فأدخَلَ في حدِّه أشياءَ كثيرةً لا يجوزُ وَقْفُها عندَ الإِمامِ أحمدَ، والأصحابِ، يأتي حُكْمُها.
قوله: وفيه رِوايَتان؛ إحْداهما، أنَّه يَحْصُلُ بالقَوْلِ والفِعْلِ الدَّالِ عليه.
كما مَثَّلَ به المُصَنِّفُ.
وهذا المذهبُ.
قال المُصَنِّفُ، والشَّارِحُ, وصاحِبُ «الفائقِ»، وغيرُهم: هذا ظاهِرُ المذهبِ.
قال الحارِثِيُّ: مذهبُ أبي عبدِ اللهِ، انْعِقادُ الوَقْفِ
..................................
به، وعليه الأصحابُ.
انتهى.
وجزَم به في «الجامِعِ الصَّغِيرِ»، و «رُءُوسِ المَسائلِ» للقاضي، و «رُءُوسِ المَسائِل» لأبِي الخَطَّابِ، و «الكافِي»، و «العُمْدَةِ»، و «الوَجيزِ»، وغيرِهم.
وقدَّمه في «الفُروعِ» وغيرِه.
والروايَةُ الأخْرَى، لا يصِحُّ إلَّا بالقَوْلِ وَحْدَه، كما مثَّلَ المُصَنِّفُ.
ذكَرَها القاضي في «المُجَرَّدِ»، واخْتارَه أبو محمدٍ الجَوْزِيُّ.
ومنَع المُصَنِّفُ دلالتَها، وجعَل المذهبَ رِوايَةً واحدَةً، وكذلك الحارِثِيُّ.
..................................
فائدة: قال في «المُطْلِعِ»: السقايَةُ، بكَسْرِ السِّينِ، المَوْضِعُ الذي يُتَّخَذُ فيه الشرابُ في المَواسِمِ وغيرِها.
عن ابنِ عبَّادٍ 1، قال: والمُرادُ هنا بالسِّقايَةِ؛ البَيتُ المَبْنيُّ لقَضاءِ حاجَةِ الإنْسانِ، سُمِّيَ بذلك تَشْبِيهًا بذلك.
قال: ولم أرَه مَنْصُوصًا عليه في شيءٍ مِن كُتُبِ اللُّغَةِ والغَرِيبِ، إلَّا بمَعْنَى مَوْضِعِ الشَّرابِ، وبمَعْنَى الصُّواعِ.
انتهى.
قال الحارِثِيُّ: أرادَ بالسِّقايَةِ مَوْضِعَ التَّطَهُّرِ وقَضاءِ الحاجَةِ، بقَيدِ وُجودِ الماءِ.
قال: ولم أجِدْ ذلك في كُتُبِ اللُّغَويين، وإنَّما هي عندَهم مَقُولَةٌ بالاشْتِراكِ على الإنْاءِ الذي يُسْقَى به، وعلى مَوْضِعِ السقْي، أي المَكانِ المُتَّخَذِ به الماءُ.
غيرَ أنَّ هذا يُقَربُ ما أرادَ المُصَنِّفُ بقوْلِه: وشرَعَها.
أي فتَح بابَها.
وقد يُريدُ به مَعْنَى الوُرودِ.
انتهى قلتُ: لعَلَّه أرادَ أعَمَّ ممَّا قالا، فيَدْخُل في كلامِه: لو وقَف خابِيَةً للماءِ على الطَّريقِ ونحوه، وبَنَى عليها، ويكونُ ذلك تَسْبِيلًا له.
وقد صرَّح بذلك المُصَنف في «المُغْنِي» وغيرِه.
قال الزَّرْكَشِي: لو وقَف سِقَايَةً، ملَك الشُّرْبَ منها، لكِنْ يَرِدُ على ذلك قوْله: ويشْرَعها لهم.
وَصَرِيحُه: وَقَفْتُ، وَحَبَّسْتُ، وَسَبَّلْتُ.
وَكِنَايَتُهُ: تَصَدَّقْتُ، وَحَرَّمْتُ، وَأبدتُ.
فَلَا يَصِح الْوَقْفُ بِالْكِنَايَةِ إِلا أنْ يَنْويَهُ، أوْ يَقْرِنَ بِهَا أحَدَ الألفَاظِ الْبَاقِيَةِ، أوْ حُكْمَ الْوَقْفِ، فيَقُولَ: تَصَدَّقْتُ
تنبيه: قولُه: مِثْلَ أنْ يَبْنِيَ مَسْجِدًا -أي يَبْنِيَ بُنْيانًا على هَيئَةِ المَسْجِدِ- ويَأذَنَ للنَّاسِ في الصلاةِ فيه.
أي إذْنًا عامًّا؛ لأنَّ الإذْنَ الخاص قد يقَعُ على غيرِ المَوْقُوفِ، فلا يُفيدُ دلالةَ الوَقْفِ.
قاله الحارِثِي.
قوله: وصَرِيحُه: وَقَفْتُ، وحَبَّسْتُ، وسبَّلْتُ.
وقَفْتُ، وحَبسْتُ، صرِيح في الوَقْفِ، بلا نِزاعٍ، وهما مُترَادِفان على مَعْنَى الاشْتِراكِ في الرقَبَةِ عنِ التَّصَرُّفاتِ
صَدَقَةً مَوْقُوفَةً، أو مُحَبَّسَةً، أوْ مُسَبَّلَةً، أو مُحَرَّمَةً، أو مُؤبّدَةً، أو لَا تُبَاعُ، وَلَا تُوهَبُ، وَلَا تُورَثُ.
المُزِيلَةِ للمِلْك.
وأمَّا سَبَّلْتُ، فصَرِيحَة، على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ، وعليه الأصحابُ.
وقال الحارِثِيُّ: والصَّحيحُ أنَّه ليس صَرِيحًا؛ لقَوْلِه عليه أفْضلُ الصَّلاةِ والسَّلامِ: «حَبسِ الأصْلَ، وسَبِّلِ الثَّمَرَةَ» 1. غايرَ بينَ مَعْنَى التَّحْبِيسِ، والتَّسْبِيلِ، فامْتنَعَ كوْنُ أحَدِهما صَرِيحًا في الآخَرِ.
وقد عُلِمَ كَوْنُ الوَقْفِ هو الإمْساكَ في الرَّقَبَةِ عن أسْبابِ التَّمَلُّكاتِ.
والتَّسْبِيلُ إطْلاقُ التَّمْليكِ، فكيفَ يكون صَرِيحًا في الوَقْفِ؟ انتهى.
..................................
قوله: وكِنايَتُه: تَصَدَّقْتُ.
وحَرَّمْتُ.
وأبدْتُ.
أما تصَدقْتُ، وحَرمْتُ، فكِنايَةٌ فيه، بلا خِلافٍ أعْلَمُه.
وأما أبدْتُ، فالصَّحيحُ مِنَ المذهبِ أنَّها مِن ألْفاظِ الكِنايَةِ، وعليه جماهيرُ الأصحابِ، وقطَع به الأكثرُ.
وذكَر أبو الفَرَجِ، أن أبدْتُ.
صَرِيح فيه.
قوله: فلا يَصِحُّ الوَقْفُ بالكِنايَةِ إلَّا أنْ يَنْويَه -بلا نِزاعٍ- أو يَقْرِنَ بها أحَدَ الألفاظِ الباقيةِ -يعْنِي الألفاظَ الخَمْسَةَ مِنَ الصَّريحِ والكِنايَةِ -أو حُكْمَ الوَقَفِ، فَيَقُولَ: تَصَدَّقْتُ صَدَقةً مَوْقُوفَةً، أو مُحَبَّسَةً، أو مُسَبَّلَةً، أو مُحَرَّمَةً، أو مُؤبَّدَةً، أو لا تُباعُ، ولا تُوهَبُ، ولا تُورَثُ.
وهذا الصحيحُ مِنَ المذهبِ، وعليه جماهيرُ الأصحابِ.
وذكَر أبو الفَرَجِ أن قوْلَه: صدَقَةً مَوْقُوفَةً، أو مُؤيدَةً، أو لا تُباعُ.
كِنايَة.
وقال الحارِثِيُّ: إضافَةُ التَّسْبِيلِ بمُجَرَّدِه إلى الصدَقَةِ لا تفيدُ زَوال الاشْتِراكِ، فإنَّ التَّسْبِيلَ إنَّما يُفِيدُ ما تُفِيدُه الصَّدَقَةُ، أو بعضه، فلا يُفيدُ مَعْنًى زائِدًا.
وكذا لو اقْتَصَر على إضافَةِ التأبِيدِ إلى التحْريمِ، لا تفِيدُ الوَقْفَ؛ لأنَّ التَّأبِيدَ قد يُريدُ به دَوامَ التَّحريم؛ فلا يخْلُص اللَّفْظُ عن الاشْتِراكِ.
قال: وهذا الصحيحُ.
انتهى.
وقد قال المُصَنفُ، والشَّارِحُ، وغيرُهما: لو جعَل عُلْوَ بَيته أو سُفْلَه مَسْجِدًا، صح.
وكذا لو جعَل وسْطَ دارِه مَسْجِدًا، ولم يذْكُرْ الاسْتِطْراق، صح كالبَيعِ.
قال في «الفُروعِ»: فيتَوجهُ منه الاكتِفاءُ بلَفْظٍ يُشْعِرُ بالمَقْصودِ، وهو أظْهَرُ على أصْلِنا، فيَصِحُّ، جعَلْتُ هذا للمَسْجِدِ، أو في المَسْجِدِ ونحوُه.
وهو ظاهِرُ نصُوصِه.
وصحح في رِوايةِ يَعْقُوبَ وقْفَ مَن قال: قَرْيتي التي بالثَّغْر لمَوالِيَّ الذين به، ولأوْلادِهم.
وقاله شيخُنا، وقال: إذا قال واحدٌ، أو جماعَة: جعَلْنا هذا المَكانَ مسْجِدًا، أو وقفًا.
صارَ مسْجِدًا ووَقْفًا بذلك، وإنْ لم يُكْمِلُوا عِمارَتَه.
وَلَا يَصِحُّ إلا بِشرُوطٍ أرْبَعَةٍ؛ أحَدهَا، أنْ يَكونَ فِي عَين يَجُوز بَيعُهَا وَيمْكِنُ الانْتِفَاعُ بِهَا دَائِمًا مَعَ بَقَاءِ عَينهَا؛ كَالْعَقَارِ، وَالْحَيَوَانِ، وَالْأثَاثِ، وَالسِّلَاحِ.
وإذا قال كلٌّ منهم: جعَلْتُ مِلْكِي للمَسْجِدِ.
أو في المَسْجِدِ.
ونحوَ ذلك، صارَ بذلك حقًّا للمَسْجِدِ.
انتهى.
فائدتان؛ إحْداهما، إذا قال: تصَدَّقتُ بأرْضِي على فُلانٍ، وذكَر مُعَينًا، أو مُعَيَّنين، والنَّظرُ لي أيامَ حياتِي، أو لفُلانٍ، ثم مِن بعدِه لفُلانٍ.
كانُ مُفيدًا للوَقْفِ.
وكذا لو قال: تصَدَّقْتُ به على فُلانٍ، ثم مِن بعدِه على وَلَدِه، أو على فُلانٍ.
أو: تصَدَّقْتُ به على قَبِيلَةِ كذا، أو طائفَةِ كذا كان مُفِيدًا للوَقْفِ؛ لأنَّ ذلك لا يُسْتَعْمَلُ فيما عَداه، فالشرِكَةُ مُنْتَفِيَة.
الثَّانيةُ، لو قال: تصَدَّقْتُ بدارِي على فُلانٍ.
ثم قال بعدَ ذلك: أرَدْتُ الوَقْفَ.
ولم يُصَدِّقه فُلان، لم يُقْبَلْ قوْلُ المُتَصَدِّقِ في الحُكْمِ؛ لأنَّه مُخالِف للظَّاهِرِ.
قلتُ: فيُعايىَ بها.
قوله: ولا يَصِحُّ إلا بشُروطٍ أرْبَعَةٍ؛ أحَدُها، أنْ يكونَ في عَينٍ يَجُوزُ بَيعُها، ويُمْكِنُ الانْتِفاعُ بها دائمًا مع بَقاءِ عَينها.
يعْنِي، في العُرْفِ، كالإجارَةِ.
وهذا المذهبُ، وعليه الأصحابُ.
واعْتَبرَ أبو محمدٍ الجَوْزِي بَقاءً مُتَطاولًا، أدْناه عُمْرُ الحَيوانِ.
قوله: كالعَقارِ، والحَيَوانِ، والأثاثِ، والسِّلاحِ.
أمَّا وَقْفُ غيرِ المَنْقولِ،
..................................
فيَصِحُّ بلا نِزْاع.
وأمَّا وقْفُ المَنْقولِ؛ كالحَيوانِ، والأثاثِ، والسلاحِ، ونحوها، فالصَّحيحُ مِنَ المذهبِ صِحَّةُ وقْفِها، وعليه الأصحابُ، ونصَّ عليه.
وعنه، لا يصِحُّ وَقْفُ غيرِ العَقارِ.
نصَّ عليه في رِوايَةِ الأثرَمِ، وحَنبل.
ومنَع
..................................
الحارِثِي دَلالةَ هذه الروايَةِ، وجَعَل المذهبَ رِوايةً واحدةً.
ونقَل المَروذِيُّ، لا يجوزُ وَقْفُ السِّلاحِ.
ذكَرَه أبو بَكْر: وقال في «الإِرْشادِ»: لا يصِح وَقفُ الثيابِ.
وَيَصِحُّ وَقْف الْمُشَاعِ.
قوله: ويَصِحُّ وَقفُ المُشاعِ.
هذا المذهبُ، نصَّ عليه، وعليه الأصحابُ قاطِبَةً.
وفي طريقةِ بعضِ الأصحابِ، ويتَوَجَّهُ مِن عدَمِ صِحَّةِ إجارَةِ المُشاعِ، عدَمُ صِحَّةِ وَقْفِه.
فائدة: قال في «الفُروعِ»: يتَوَجَّهُ أنَّ المُشاعَ لو وقَفَه مسْجِدا، ثبَت فيه حُكْمُ المَسْجِدِ في الحالِ، فيُمنَعُ مِنَ الجُنُبِ، ثم القِسْمَةُ مُتَعَيِّنَةٌ هنا؛ لتَعَيُّنها طريقا للانْتِفاعِ بالمَوْقوفِ.
انتهى.
وكذا ذكَرَه ابنُ الصَّلاحِ 1.
وَيَصِحُّ وَقْفُ الْحَلْي عَلَى اللُّبْسِ وَالْعَارِيةِ.
وَعَنْهُ، لَا يَصِحُّ.
قوله: ويَصِحُّ وَقْفُ الحَلْي للُّبْسِ، والعارِيَّةِ.
هذا المذهبُ، وعليه جماهيرُ الأصحابِ.
قال المُصَنِّف وغيرُه: هذا المذهبُ.
قال الحارِثِيُّ: هذا الصَّحيحُ.
وذكَرَه صاحِبُ «التَّلْخيصِ» عن عامَّةِ الأصحابِ، واخْتارَه القاضي، وأبو الخَطَّابِ، وابنُ عَقِيل، والمُصَنفُ، والشَّارِحُ، في آخَرِين، ونقَلَها الخِرَقِيُّ، وجزَم به في «الوَجيزِ» وغيرِه.
وقدمه في «الفُروعِ» في الحَلْي وغيرِه.
وعنه، لا يصِحُّ.
اخْتارَه ابنُ أبِي مُوسى، ذكَرَه الحارِثِيُّ.
وتأوَّلَها القاضي، وابنُ عَقِيل.
وَلَا يَصِحُّ الْوَقْفُ فِي الذِّمَّةِ؛ كَعَبْدٍ، وَدَارِ،
قال في «التلْخيصِ»: وهذه الرِّوايَةُ مَبْنِيَّة على ما حَكَيناه عنه في المَنْعِ في وَقْفِ المَنْقُولِ.
وأطْلَقَهما في «الرِّعايَةِ».
فائدة: لو أطْلَقَ وقْفَ الحَلْي، لم يصِحَّ.
قطَع به في «الفائقِ».
قلتُ: لو قِيلَ بالصِّحَّةِ، ويُصْرَفُ إلى اللُّبْس والعارِيَّةِ، لكانَ مُتَّجِهًا، وله نَظائِرُ.
وَلَا غَيرِ مُعَيَّن، كَأحَدِ هَذَينِ، وَلَا وَقْفُ مَا لَا يَجُوزُ بَيعُهُ، كَأمِّ الْوَلَدِ، وَالْكَلْبِ،
قوله: ولا يَصِح وَقْفُ غيرِ مُعَيَّن، كأحَدِ هذين.
هذا المذهبُ بلا رَيبٍ، وعليه الأصحابُ.
وقال في «التَّلْخيصِ»: ويَحْتَمِلُ أنْ يصِحر، كالعِتْقِ.
ونقَل جماعة عن أحمدَ، في مَن وقَفَ دارًا، ولم يَحُدَّها، قال: يصِحُّ، وإنْ لم يَحُدَّها، إذا كانتْ معْروفَةً.
اخْتارَه الشَّيخُ تَقِيُّ الدِّينِ.
فعلى الصِّحَّةِ، يخْرُجُ المُبْهَمُ بالقُرْعَةِ.
قلَه الحارِثِي، وصاحِبُ «الرِّعايَةِ»، وغيرُهما.
قوله: ولا يَصِح وَقْفُ ما لا يَجُوزُ بَيعُه؛ كأمِّ الوَلَدِ، والكَلْبِ.
أمَّا أم الوَلَدِ، فالصَّحيحُ مِنَ المذهبِ، وعليه الأصحابُ، أنَّه لا يصِح وَقْفُها.
قطَع به في
..................................
«المُغْنِي»، و «الشَّرْحِ»، و «شَرْحِ الحارِثِي»، و «الفُروعِ»،
وغيرِهم.
وقيل: يصِحُّ.
قاله في «الفائقِ».
وأطْلَقَهما في «الرعايَةِ الصُّغْرَى»، و «الحاوي الضغِيرِ».
قلتُ: فلعَل مُرادَ القائلِ بذلك إذا قيلَ بجَوازِ بيعِها، أو أنَّه يصِحُّ ما دامَ سيِّدُها حيًّا، على قوْلٍ يأتِي.
ثم وجَدْتُ صاحِبَ «الرِّعايَةِ الكُبْرَى» قال: وفي أم الوَلَدِ وَجْهان، قلتُ: إنْ صح بيعُها، صح وَقْفُها، وإلا فلا.
انتهى.
لكِنْ ينْبَغِي على هذا أنْ يصِح وقْفُها، قوْلًا واحدًا، وعندَ الشَّيخِ تَقِي الدينِ، يصِحُّ وَقْفُ مَنافِعِ أم الوَلَدِ في حَياتِه.
فائدتان؛ إحْداهما، قال الحارِثِي: المُكاتَبُ؛ إنْ قيلَ بمَنْعِ بيعِه، فكأمِّ الوَلَدِ، وإنْ قيل بالجَوازِ، كما هو المذهبُ، فمُقْتَضَى ذلك صِحةُ وَقْفِه، ولكِنْ إذا أدَّى، هل يبْطُلُ الوَقفُ؟ يحْتاجُ إلى نظَر.
انتهى.
الثانيةُ، حُكْمُ وَقف المُدَبَّرِ حُكْمُ بيعِه، على ما يأتِي في بابِه.
ذكَرَه في «الرِّعايتَين»، و «الزَّرْكَشِي»، وغيرِهم.
وأمَّا الكَلْبُ، فالصَّحيحُ مِنَ المذهبِ، أنه لا يصِحُّ وَقْفُه، وعليه الأصحاب؛ لأنه لا يصِحُّ بيعُه.
وقَال الحارِثِيُّ في «شَرْحِه»: وقد تُخَرَّجُ الصِّحَّةُ مِن جوازِ إعارَةِ الكَلْبِ المُعَلَّمِ، كما خُرِّجَ جوازُ الإجارَةِ؛ لحُصولِ نقْلِ المَنْفَعَةِ، والمَنْفَعَةُ مُسْتَحَقَة بغيرِ إشْكالٍ، فجازَ أنْ تُنْقَلَ.
قال: والصَّحيحُ اخْتِصاصُ النَّهْي عنِ البَيعِ بما عَدا كَلْبَ الصَّيدِ؛ بدَليلِ رِوايَةِ حمَّادِ بنِ سَلَمَةَ، عن أبِي الزْبيرِ، عن جابر قال: نَهَى رَسُولُ اللهِ صلَّى الله عليه وسلَّم عن ثَمَنِ الكَلْبِ، والسِّنَوْرِ، إلَّا كَلْبَ الصَّيدِ 1. والإسْنادُ جيِّدٌ، فيَصِحُّ وقف مُعَلمِ؛ لأن بيعَه جائز.
وفي
وَمَا لَا يُنْتَفَعُ بِهِ مَعَ بَقائِهِ دَائِمًا؛ كَالْأثْمانِ، وَالمَطْعُومِ، وَالريَاحِينَ.
مَعْناه جَوارِحُ الطيرِ، وسِباع البهائمِ الصَّيادَةُ، يصِحُّ وقْفُها، ويجوزُ بيعُها، بخِلافِ غيرِ الصَّيَّادَةِ.
ومَر في المذهبِ رِوايَة بامْتِناعِ بيعِها، أعْنِي الصيَّادَةَ، فيَمْتَنِعَ وقْفُها.
والأوَّلُ أصحُّ.
انتهى.
قال الشَّيخُ تَقِيُّ الدِّينِ: ويصِحُّ وَقْفُ الكَلْبِ المُعَلَّمِ، والجَوارِحِ المعَلَّمَةِ، وما لا يُقْدَرُ على تَسْليمِه.
قوله: وما لا يُنتَفَعُ به مع بقائِه دَائمًا، كالأثْمانِ.
إذأ وقَف الأثْمانَ، فلا يخْلُو؛ إمَّا أنْ يقِفَها للتَّحَلِّي والوَزْنِ، أو غيرِ ذلك، فإنْ وقَفَها للتحَلي والوَزْنِ، فالصَّحيح مِنَ المذهبِ، أنه لا يصِحُّ.
ونَقَله الجماعَةُ عن أحمدَ، وهو ظاهِرُ ماقدمه في «المُغْنِي»، و «الشَّرْحِ».
قال الحارِثِي: وعدَمُ الصِّحَّةِ أصحُّ.
وقيل: يصِحُّ؛ قِياسًا على الإجارَةِ.
قال في «التَّلْخيصِ»: إنْ وقَفَها للزنَةِ بها، فقِياسُ قوْلِنا في الإجارَةِ، أنه يصِحُّ.
فعلى هذا؛ إنْ وقَفَها وأطْلَقَ، بطَل الوَقْفُ.
على الصَّحيحِ.
وقيل: يصِحُّ، ويُحْمَلُ عليهما.
وإنْ وقَفَها لغيرِ ذلك، لم يصِحَّ على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ.
وقال في «الفائقِ»: وعنه، يصِحُّ وَقْفُ الدَّراهمِ،
..................................
فيُنْتَفَعُ بها في القَرْضِ ونحوه.
اخْتارَه شيخُنا.
يعْنِي به الشيخَ تَقِي الدينِ.
وقال في «الاخْتِياراتِ»: ولو وقَف الدَّراهِمَ على المُحْتاجِين، لم يكُنْ جوازُ هذا بعيدًا.
فائدتان؛ إحْداهما، لو وقَف قِنْديلَ ذَهَبٍ، أو فِضةٍ على مسْجِدٍ، لم يصِح، وهو باقٍ على مِلْكِ رَبه، فيُزَكِّيه.
على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ.
وقيل: يصِح، فيُكْسرُ ويُصرَفُ في مصَالحِه.
اخْتارَه المُصَنفُ.
قلتُ: وهذا هو الصَّوابُ.
وقال الشَّيخُ تَقِي الدينِ: لو وقَف قِنْدِيلَ: نقْدٍ للنَّبِي، - صلى الله عليه وسلم -، صُرِفَ لجِيرانِه، - صلى الله عليه وسلم - قِيمَتُه.
وقال في مَوْضِعٍ آخَرَ: النَّذْرُ للقُبورِ هو للمَصالِحِ، ما لم يُعلمْ رَبُّه، وفي الكفَارَةِ الخِلافُ، وإنَّ مِنَ الحُسْنِ صَرْفَه في نَظيرِه مِنَ المَشْرُوعِ.
ولو وقَف فَرَسًا بسَرْجٍ ولِجامٍ مُفَضَّض، صحَّ.
نصَّ عليه تَبَعًا.
وعنه، تُباعُ الفِضَّةُ، وتُصْرَفُ في وَقْفٍ مِثْلِه.
وعنه، تُنْفَقُ عليه.
الثانيَةُ، قال في «الفائقِ»: ويجوزُ وَقْفُ الماءِ.
نصَّ عليه.
قال في «الفُروع»: وفي «الجامِعِ»، يصِح وَقْفُ الماءِ.
قال الفَضْلُ: سألتُه عن وَقْفِ الماءِ؟ فقال: إنْ كان شيئًا اسْتَجازُوه بينَهم، جازَ.
وحمَلَه القاضي وغيرُه على وَقْفِ مَكانِه.
قال الحارِثِي: هذا النَّص يقْتَضِي تَصْحيحَ الوَقْفِ لنَفْسِ الماءِ، كما يفْعَلُه أهْلُ دِمَشقَ؛ يقِفُ أحَدُهم حِصَّةً أو بعضَها مِن ماء النَّهْرِ.
وهو مُشْكِلٌ مِن وَجْهَين؛ أحدُهما، إثباتُ الوَقْفِ فيما لم يَمْلِكْه بعدُ، فإنَّ الماءَ يتَجددُ شيئًا فشيئًا.
الثَّانِي، ذَهابُ العَينِ بالانْتِفاعِ.
ولكِنْ قد يُقالُ: بَقاءُ مادَّةِ الحُصولِ مِن غيرِ تَأثُّر بالانْتِفاعِ يتَنَزَّلُ مَنْزِلَةَ بَقاءِ أصْلِ العَينِ مع الانْتِفاعِ.
..................................
ويُؤيِّدُ هذا صِحَّةُ وَقْفِ البِئْرِ، فإنَّ الوَقْفَ وارِد على مَجْموعِ الماءِ والحَفيرَةِ، فالماءُ أصْل في الوَقْفِ.
وهو المَقْصودُ مِنَ البِئْرِ.
ثم لا أثَرَ لذَهابِ الماءِ بالاسْتِعْمالِ؛ لتجدُّدِ بدَلِه، فهنا كذلك، فيجوزُ وَقْفُ الماءِ كذلك.
الهى.
قوله: والمَطْعومِ والرَّياحِينِ.
يعْنِي، لا يصِحُّ وَقْفُها.
وهو صحيح، وهو المذهبُ، وعليه الأصحابُ.
وقال الشَّيخُ تَقِيُّ الدِّينِ: لو تصَدَّقَ بدُهْنٍ على مَسْجِدٍ ليُوقَدَ فيه، جازَ، وهو مِن بابِ الوَقْفِ، وتَسْمِيَتُه وَقْفًا، بمَعْنَى أنَّه وُقِف على تلك الجِهَةِ، لا يُنْتَفَعُ به في غيرِها، لا تأباه اللُّغَةُ، وهو جارٍ في الشَّرْعِ.
وقال أيضًا: يصِحُّ وَقْفُ الرَّيحانِ ليَشُمَّه أهْلُ المَسْجِدِ.
قال: وطِيبُ الكَعْبَةِ حُكْمُه حُكْمُ كُسْوَتِها.
فعُلِمَ أن التطيبَ مَنْفَعَة مقْصودَة، لكِنْ قد تطُولُ مُدَّةُ التَّطيُّبِ، وقد تَقْصُرُ، ولا أثرَ لذلك.
قال الحارِثِيُّ: وما يبقَى أثَرُه مِنَ الطيبِ؛ كالندِّ، والصَّنْدَلِ، وقِطَعِ الكافُورِ، لشَمِّ المَريضِ وغيرِه، فيصِحُّ وَقْفُه على ذلك؛ لبَقائِه مع الانْتِفاعِ، وقد صحتْ إجارَتُه لذلك، فصَحَّ وَقْفُه.
انتهى.
وهذا ليس داخِلًا في كلامِ المُصَنِّفِ، والظَّاهِرُ أن هذا مِنَ المُتَّفَقِ على صِحَّتِه؛ لوُجودِ شُروطِ الوَقْفِ فيه.
الثَّانِي، أنْ يَكونَ عَلَى بِرٍّ؛ كَالْمَسَاكِينِ، وَالْمَسَاجِدِ، وَالْقَنَاطِرِ، وَالْأقَارِبِ، مُسْلِمِينَ كَانُوا أوْ مِنْ أهْلِ الذمَّةِ.
قوله: الثانِي، أنْ يكونَ على بِرٍّ -وسواء كان الواقِفُ مُسْلِمًا أو ذِمِّيًّا، نصَّ
..................................
عليه الإمامُ أحمدُ- كالمَساكِينِ، والمَساجِدِ، والقَناطِرِ، والأقارِبِ.
وهذا المذهبُ، وعليه جماهيرُ الأصحابِ، وقطَع به كثير منهم.
وقيل: يصِحُّ الوَقْفُ على مُباحٍ أيضًا.
وقيل: يصِحُّ على مُباح ومَكْرُوهٍ.
قال في «التَّلْخيصِ»: وقيل: المُشْتَرَط أنْ لا يكونَ على جِهَةِ مَعْصِيَةٍ، سواء كان قُرْبَةً وثَوابًا، أو لم يكُنْ.
انتهى.
فعلى هذا، يصِحُّ الوَقْفُ على الأغْنِياءِ.
فعلى المذهبِ، اشْتِراطُ العُزوبَةِ باطل؛ لأنَّ الوَصْفَ ليس قُرْبَة، ولتَمْييزِ الغَنِيِّ عليه.
وعلى هذا، هل يلْغُو الوَصْفُ ويَعُمُّ، أو يلْغُو الوَقْفُ، أو يُفَرَّقُ بينَ أَنْ يقِفَ ويَشْتَرِطَ، أو يذْكُرَ الوَصْفَ ابْتِداءً، فيُلْغَى في الاشْتِراطِ، ويصِحُّ الوَقْفُ؟ يحْتَمِلُ أوْجُهًا.
قاله في «الفائقِ».
فائدتان؛ إحْداهما، أبطَلَ ابنُ عَقِيلٍ وَقْفَ الستورِ لغيرِ الكعْبَةِ؛ لأنه بِدْعَة، وصحَّحَه ابنُ الزاغُونِيِّ، فيُصْرَفُ لمَصْلَحَةٍ.
نَقَله ابنُ الصَّيرَفِيِّ عنهما.
وفي «فَتاوَى ابنِ الزاغُونِيِّ»، المَعْصِيَةُ لا تنعَقِدُ.
وأفْتَى أبو الخَطَّابِ بصِحتِه، ويُنْفَقُ ثمَنُها على عِمارَته ولا يُسْتَرُ؛ لأنَّ الكَعْبَةَ خُصَّتْ بذلك، كالطَّوافِ.
الثَّانيَةُ، يصِحُّ وَقْفُ عَبْدِه على حُجْرَةِ النَّبِيِّ، - صلى الله عليه وسلم -؛ لإخراجِ تُرابِها، وإشْعالِ قَنادِيلِها وإصْلاحِها، لا لإشْعالِها وحْدَه، وتَعْليقِ سُتُورِها الحريرِ، والتَّعْليقِ، وكَنْسِ الحائطِ، ونحو ذلك.
ذكَرَه في «الرِّعايَةِ».
قوله: مُسْلِمِين كانُوا أو مِن أهلِ الذِّمَّةِ.
يعنِي، إذا وقَف على أقارِبِه مِن أهلِ الذِّمَّةِ، صحَّ.
وهذا المذهبُ، نصَّ عليه، وعليه الأصحابُ قاطِبَةً.
تنبيهان؛ أحدُهما، قد يُقالُ: مفْهومُ كلامِ المُصَنِّفِ، أنَّه لا يصِحُّ الوَقْفُ على ذِمِّيٍّ، غيرِ قَرابَتهِ.
وهذا أحَدُ الوَجْهَين، وهو مفْهومُ كلامِ جماعَةٍ؛ منهم صاحِبُ «الوَجيزِ»، و «التلْخيصِ»، وقدَّمه في «الرِّعايتَين»، ومال إليه الزَّرْكَشِيُّ.
وَلَا يَصِحُّ على الْكَنَائِس وَبُيُوتِ النَّارِ، وَكِتَابَةِ التَّوْرَاةِ وَالْإنْجِيل.
وقيل: يصِحُّ على الذمي، وإنْ كان أجْنَبِيًّا مِنَ الواقِفِ.
وهو الصحيحُ مِنَ المذهبِ.
جزَم به في «المُغْنِي»، و «الكافِي»، و «المُحَرَّرِ»، و «الشرْحِ»، و «المُنْتَخَب»، و «عُيونِ المَسائلِ»، وغيرِهم.
قال في «الفائقِ»: ويصِحُّ على ذِمِّيٍّ مِن أَقارِبِه.
نصَّ عليه وعلى غيرِه، مِن مُعَيَّن، في أصح الوَجْهَين دُون الجهَةِ.
انتهى.
وهو ظاهِرُ ما قطَع به الحارِثِي.
وأطْلَق الوَجْهَين في «الحاوي الصَّغِيرِ».
وقال الحَلْوانِيُّ: يصِحُّ على الفُقَراءٍ منهم دُونَ غيرِهم.
وصحَّح في «الواضِحَ» صِحَّةَ الوَقْفِ من ذِمِّيٍّ علهم دُون غيرِه.
الثَّانِي 1، قال الحارِثِيُّ: قال الأصحابُ: إنْ وقَف على مَن ينْزِلُ الكَنائسَ، والبِيَعَ مِنَ المارَّةِ والمُجْتازِين، صح.
قالوا: لأنَّ الوَقْفَ علهم لا على البُقْعَةِ، والصَّدقَةُ علهم جائزَة وصالِحَة خصَّ أهْلَ الذمةِ، فوقَف على المارَّةِ منهم، لم يصِح.
انتهى.
وقال في «الفُروعِ»: وفي «المُنْتَخَبِ»، و «الرعايَةِ»، يصِحُّ على المارَّةِ بها منهم.
يعْنِي، مِن أهْلِ الذمةِ.
وقاله في «المُغْنِي»، في بِناءِ بَيتٍ يسْكُنُه المُجْتازُ منهم.
ولم أرَ ما قال عنه صاحِبُ «الرعايَةِ» فيهما في مَظِنَّتِه، بل قال: ويصِحُّ منها على ذِميّ بهما أو ينْزِلُهما، أو يجتازُ؛ راجِلًا، أو راكِبًا.
قوله: ولا يصِحُّ على الكَنائسِ وبُيوتِ النَّارِ.
وكذا البِيَعُ.
وهذا المذهبُ، وعليه
..................................
الأصحابُ، ونصَّ عليه في الكَنائسِ والبِيَعِ.
وفي «المُوجَزِ» روايَة، يصِح على الكَنِيسَةِ والبِيعَةِ كمارٍّ بهما.
فوائد؛ الأولَى، الذمي كالمُسْلِمِ في عدَمِ الصِّحَّةِ في ذلك.
على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ، فلا يصِح وَقْفُ الذمي على الكَنائسِ والبِيَعِ وبُيوتِ النَّارِ، ونحوهم، ولا على مَصالحِ شيءٍ مِن ذلك، كالمُسْلِمِ.
نصَّ عليه، وقطَع به الحارِثِيُّ وغيرُه.
قال المُصَنِّفُ: لا نعْلَمُ فيه خِلافًا.
وصحَّح في «الواضِحِ» وَقْفَ الذمي على البِيعَةِ
..................................
والكَنِيسَةِ.
وتقدَّمِ كلامُه في وَقفِ الذِّميِّ على الذِّمِّيِّ.
الثانيَةُ، الوَصِيةُ كالوَقْفِ في ذلك كلِّه.
على الصَّحيح مِنَ المذهبِ.
قدمه في «الفُروعِ».
وقيل: مِن كافر.
وقال في «الانْتِصارِ»: لو نذَر الصدَقةَ على ذِميةٍ، لَزِمَه.
وذكَر في
وَلَا عَلَى حَرْبي، وَلَا مُرْتَدٍّ.
«المُذْهَبِ» وغيرِه، يصِحُّ للكُل، وذكَرَه جماعَة رِوايَةً.
وذكَر القاضِي صِحَّتَها بحَصيرٍ وقَنادِيلَ.
قال في «التبصِرَةِ»: إنْ وصَّى لما لا معْروفَ فيه ولا بِرَّ؛ ككَنِيسَةٍ أو كَتْبِ التَّوْراةِ، لم يصِحَّ.
وعنه، يصِحُّ.
الثَّالثَةُ، لو وقَف على ذِمِّيٍّ، وشرَط اسْتِحْقاقَه ما دامَ كذلك، فأسْلَمَ، اسْتَحقَّ ما كان يَسْتَحِقُّه قبلَ الإسلامِ، ولغَى الشَّرْطُ.
على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ، وقطَع به كثير مِنَ الأصحابِ.
وصحَّحَ ابنُ عَقِيلٍ في «الفُنونِ» هذا الشَّرْطَ، وقال: لأنه إذا وقَفَه على الذمةِ 1 مِن أهلِه دُونَ المُسْلِمِ، لم لا يجوزُ شَرْط لهم حال الكُفْرِ، وأي فَرْق؟
قوله: ولا على حَرْبِيّ، أو مُرْتَد.
هذا المذهبُ، وعليه الأصحابُ، وأكثرُهم قطَع به؛ منهم صاحِبُ «المغْنِي»، و «الرعايَةِ»، «الفُروعِ»، وغيرُهم مِنَ الأصحابِ.
وقال الحارِثِي: هذا أحدُ الوَجْهَين.
قال في «المُجَرَّدِ»، في كِتابِ الوَصايا: إذا أوْصَى مُسْلِم لأهْلِ قَرْيَته أو قَرابَتِه، لم يتَناوَلْ كافِرَهم الأ بتَسْمِيَته.
قال في «المُحَرَّرِ»: والوَقْفُ كالوَصِيَّةِ في ذلك كله.
قال الحارِثِيُّ: فصَحَّحه على الكافرِ القَرِيبِ والمُعَيَّنِ.
قال: وهو الصَّحيحُ، لكِنْ بشَرْطِ أنْ لا يكونَ مُقاتِلًا، ولا مُخْرِجًا للمُسْلمِين مِن دِيارِهم، ولا مُظاهِرًا للأعْداءِ 2 على الإخْراجِ.
انتهى.
وقواه بأدِلَّة كثيرَة.
وَلَا يَصِحُّ عَلَى نَفْسِهِ، فِي إحْدَى الرِّوَايَتَينِ.
قوله: ولا يصِحُّ على نَفْسِه، في إحْدَى الروايتَين.
وهو المذهبُ، وعليه أكثرُ الأصحابِ، وهو ظاهِرُ كلامِ الحرَبيِّ.
قال في «الفُصولِ»: هذه الروايَةُ أصحُّ.
قال الشارحُ: هذا أقْيَس.
قال في «الرعايتَين»: ولا يصِحُّ على نفسِه، على الأصحِّ.
قال الحارِثِيُّ: وهذا الأصحُّ عندَ أبِي الخَطابِ، وابنِ عَقِيل، والمُصَنِّفِ.
وقطَع به ابنُ أبِي مُوسى في «الإرْشادِ»، وأبو الفَرَجِ الشِّيرازِيُّ في «المُبْهِجِ»، وصاحِبُ «الوَجيزِ»، وغيرُهم.
نقَل حَنْبَل، وأبو طالِبٍ، ما سَمِعْتُ بهذا، ولا أعْرِفُ الوَقْفَ إلَّا ما أخْرَجَه للهِ تعالى.
واخْتارَه ابنُ عَبْدُوس في «تَذْكِرَتِه».
وقدَّمه في «الفُروعِ»، و «شَرْحِ ابنِ رَزِين»، و «الحاوي الصغِيرِ».
والرِّوايَةُ الثَّانيَةُ، يصِحُّ.
نصَّ عليه في رِوايَةِ إسْحَاقَ بنِ إبْراهِيمَ،
..................................
ويُوسُفَ بنِ مُوسى، والفَضْلِ بنِ زِيادٍ.
قال في «المُذْهَبِ»، و «مَسْبوكِ الذَّهَبِ»: صحَّ في ظاهرِ المذهبِ.
قال الحارِثِيُّ: هذا هو الصَّحيحُ.
تال أبو المَعالِي في «النِّهايَةِ»، و «الخُلاصَةِ»: يصِحُّ على الأصحِّ.
قال النَّاظِمُ: يجوزُ على المَنْصُورِ مِنَ نصِّ أحمدَ.
وصحَّحه في «التَّصْحيحِ»، و «إدْراكِ الغايَةِ».
قال في «الفائقِ»: وهو المُخْتارُ.
واخْتارَه الشَّيخُ تَقِيُّ الدِّينِ، ومال إليه صاحِبُ «التَّلْخيصِ».
وجزَم به في «المُنَورِ»، و «مُنْتَخَبِ الآدَمِيِّ».
وقدَّمه في «الهِدايَةِ»، و «المُسْتَوْعِبِ»، و «الهادِي»، و «الفائقِ»، وغيرِهم.
وقدَّمه المَجْدُ في مُسَوّدَتِه على «الهِدايَةِ»، وقال: نصَّ عليه.
قال المُصَنفُ، وتبِعَه الشَّارِحُ، وصاحِبُ «الفُروعِ»: اخْتارَه ابنُ أبِي مُوسى.
وقال ابنُ عَقِيل: هي أصحُّ.
قلتُ: الذي رأيتُه في «الإرْشادِ»، و «الفُصولِ»، ما ذكَرْتُه آنِفًا.
ولم يذْكُرِ المَسْألةَ في «التَّذْكِرَةِ»، فلعَلَّهما اخْتاراه في غيرِ ذلك، لكِنَّ عِبارَتَه في «الفُصولِ» مُوهِمَة.
قلتُ: وهذه الروايَةُ عليها العمَلُ في زَمانِنا وقبلَه، عندَ حُكَّامِنا مِن أزْمِنَةٍ مُتَطاولَةٍ.
وهو الصَّوابُ، وفيه مصْلَحَة عَظيمَة، وترْغيب في فِعْلِ الخَيرِ، وهو مِن مَحاسِنِ المذهبِ.
وأطْلَقَهما في «المُغْنِي»، و «الكافِي»، و «المُحَرّرِ»، و «شَرْحِ ابنِ مُنَجَّى»، و «البُلْغَةِ»،
وإنْ وَقَفَ عَلَى غَيرِهِ وَاسْتَثْنَى الْأكْلَ مِنْهُ مُدَّةَ حَيَاتِهِ، صَح.
و «تَجْريدِ العِنايَةِ».
فعلى المذهبِ، هل يصح على مَن بعدَه؟ على وَجْهَين، بِناءً على الوَقْفِ المُنْقَطِعِ الابتِداءِ، على ما يأتِي، إنْ شاءَ الله تعالى.
قال الحارِثِيُّ: ويحْسُنُ بِناؤه على الوَقْفِ المُعَلقِ.
فائدة: إذا حكَم به حاكِمٌ، حيثُ يجوزُ له الحُكْمُ، فقال في «الفُروع»: ظاهِرُ كلامِهم ينْفُذُ الحُكْمُ ظاهِرًا، وفيه في الباطِنِ الخِلافُ، وفي «فَتاوَى ابنِ الصَّلاحِ»، إذا حكَم به حَنَفِي، وأنْفَذَه شافِعِي، للواقِفِ نقْضُه، إذا لم يَكُن الصَّحيحَ مِن مذهبِ أبِي حَنِيفَةَ، وإلَّا جازَ نقْضُه في الباطِنِ فقط، بخِلافِ صلاته في المَسْجِدِ وحدَه حياتَه؛ لعدَمِ القُرْبَةِ والفائدَةِ فيه، ذكَرَها ابنُ شِهابٍ وغيرُه.
قوله: وإنْ وقَف على غيرِه، واسْتَثْنَى الأكْلَ منه مُدَّةَ حَياتِه، صحَّ.
هذا
..................................
المذهب، نص عليه، وعليه جماهير الأصحاب.
وجزم به في «المغني»، و «الشرح»، و «شرح الحارثي»، و «ابن منجَّى» و «المحرر»، و «الوجيز»، و «القواعد» وغيرهم.
وقدَّمه في «الفُروع»، و «الرِّعايَةِ».
وهو مِن مُفْرَداتِ المذهبِ.
وقيل: لا يصِحُّ.
فائدتان؛ إحْداهما، وكذا الحُكْمُ لو اسْتَثْنَى الأكْلَ مُدَّةً مُعَينةً، وكذا لو اسْتَثْنَى الأكْلَ والانْتِفاعَ لأهْلِه، أو يُطْعِمَ صَديقَه.
قاله المُصَنِّفُ، والشَّارِحُ، والحارِثِي، وغيرُهم.
قال في «الفُروعِ»: ويصِحُّ شرْطُ غَلَّتِه له أو لوَلَدِه مُدَّةَ حَياتِه، في
..................................
المَنْصوصِ.
قال في «المُسْتَوْعِبِ»: وكذلك إنْ شرَط لأوْلادِه أو لبعضِهم سُكْنَى الوَقْفِ مُدَّةَ حَياتِهم، جازَ.
وقيل: لا يصِحُّ، إذا شرَط الانْتِفاعَ لأهْلِه، أو شرَط السُّكْنَى لأوْلادِه أو لبعضِهم.
ذكَرَه في «الفائقِ» وغيرِه.
فعلى المذهبِ، لو اسْتَثْنَى الانْتِفاعَ مُدَّةً مُعَينةً، فماتَ في أثْنائِها، فقال في «المُغْنِي» 1: ينبَغِي أنْ يكونَ ذلك لوَرَثَتِه، كما لو باعَ دارًا واسْتَثْنَى لنَفْسِه السُّكْنَى مُدَّةً، فماتَ في أثْنائِها.
واقتصَرَ عليه الحارِثِيُّ.
وعلى المذهبِ أيضًا، يجوزُ إيجارُها للمَوْقُوفِ عليه ولغيرِه.
الثانيةُ، لو وقَف على الفُقَراءِ، ثم افْتَقَرَ، أُبِيحَ له التَّناوُلُ منه.
على الصحيحِ
..................................
مِنَ المذهبِ، وعليه جماهيرُ الأصحابِ، ونص عليه في رِوايَةِ المَرُّوذِيِّ.
قال في
..................................
«التَّلْخيصِ»: هذا ظاهِرُ كلامِ أصحابِنا.
قال الحارِثِيُّ: هذا الصَّحيحُ.
قال في «الفُروعِ»، و «الرعايَةِ»: شَمِلَه في الأصح.
قال في «القَواعِدِ
الثَّالِثُ، أنْ يَقِفَ عَلَى مُعَيَّن يَمْلِكُ.
وَلَا يَصِح عَلَى مَجْهُولٍ؛ كَرَجُلٍ وَمَسْجِدٍ،
الأصُولِيةِ»، و «الفِقْهِيةِ»: يدْخُلُ، على الأصحِّ، في المذهبِ.
وقيل: لا يُباحُ له ذلك.
وهو احْتِمالٌ في «التلْخيصِ».
قال في «القَواعِدِ الأصُولِيةِ»: والظاهِرُ أنَّ محَل الخِلافِ في دُخولِه إذا افْتَقرَ، على قَوْلِنا بأن الوَقْفَ على النفْسِ يصِحُّ.
وأما على القَوْلِ بأنه لا يصِحُّ، فلا يدْخُلُ في العُمومِ، إذا افتقَرَ جَزْمًا؛ لأنه لا يُتَناوَلُ بالخُصوصِ، فلا يُتَناوَلُ بالعُمومِ بطَريقِ الأوْلَى.
وأئَا إذا وقَف دارَه مسْجِدًا، أو أرْضَه مقْبَرَةً، أو بِئْرَه؛ ليَسْتَقِيَ منها المُسْلِمُون، أو بنَى مدْرَسَةً بعُمومِ الفُقَهاءِ أو لطائفَةٍ منهم، أو رِباطًا للصُّوفِيَّةِ، ونحوَ ذلك ممَّا يعُمُّ، فله الانْتِفاعُ كغيرِه.
قال الحارِثِيُّ: له ذلك مِن غيرِ خِلافٍ.
قوله: الثَّالثُ، أنْ يَقِفَ على مُعَيَّن يَملِكُ، ولا يَصِحُّ على مَجْهُولٍ؛ كرَجُل، ومَسْجِدٍ.
بلا نِزاع.
وكذا لا يصِحُّ لو كان مُبْهَمًا، كَأحَدِ هذين الرجُلَين.
على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ، وعليه جماهيرُ الأصحابِ، وقطَع به كثيرٌ منهم.
وقيل: يصِحُّ.
ذكَرَه في «الرعايَةِ» احْتِمالًا.
وقيل: يصِحُّ، إنْ قُلْنا: لا يفْتَقِرُ الوَقْفُ إلى قَبُولٍ.
مُخَرَّجٌ مِن وَقْفِ إحْدَى الدَّارَين.
وهو احْتِمالٌ في «التَّلْخيصِ».
فعلى الصِّحَّةِ، يخرجُ المُبْهَمُ بالقُرْعَةِ.
قاله في «الرِّعايتَين».
قلتُ: وهو مُرادُ مَن يقولُ بذلك.
وتقدَّم نظيرُه فيما إذا وقَف أحَدَ هذَين.
وَلَا عَلَى حَيَوَانٍ لَا يَمْلِكُ؛ كَالْعَبدِ، وَالْحَمْل، والملك، وَالْبَهِيمَةَ.
قوله: ولا على حَيَوانٍ لا يَمْلِكُ، كالعَبْدِ.
لا يصِحُّ الوَقْفُ على العَبْدِ، على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ مُطْلَقًا، نصَّ عليه، وعليه جماهيرُ الأصحابِ، وقطَع به كثير منهم.
قال في «القَواعِدِ الفِقْهِيَّةِ»: الأكْثرَون على أنَّه لا يصِحُّ الوَقْف على العَبْدِ، على الروايتَين؛ لضَعْفِ مِلْكِه.
وجزَم به في «المُغْنِي» وغيرِه.
وقَدَّمه في «الفُروعِ» وغيرِه.
وقيل: يصِحُّ، إنْ قُلْنا: يمْلِكُ.
وهو ظاهِرُ كلامِ المُصَنِّفِ هنا، حيثُ اشْتَرطَ لعدَمِ الصِّحَّةِ عدَمَ المِلْكِ.
قال في «الرِّعايَةِ»: ويكونُ لسَيِّدِه.
وقيل: يصِحُّ الوَقْفُ 1 عليه؛ سواءٌ قُلنا: يمْلِكُ.
أو لا.
ويكونُ لسيدِه.
واخْتارَه الحارِثِيُّ.
فائدتان؛ إحْداهما، لا يصِحُّ الوَقْفُ على أمِّ الوَلَدِ.
على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ، وعليه الأصحابُ.
واخْتارَ الحارِثِي الصِّحةَ.
وقال الشَّيخُ تَقِي الدِّينِ: يصِحُّ الوَقْفُ على أمِّ وَلَدِه بعدَ مَوْتِه، وإنْ وقَف على غيرِها، على أنْ يُنْفِقَ عليها مُدَّةَ حياتِه، أو يكونَ الرَّيْعُ لها مُدَّةَ حياتِه، صحَّ؛ فإنَّ اسْتِثْناءَ المَنْفَعَةِ لأمِّ وَلَدِه كاسْتِثْنائِها لنَفْسِه.
..................................
وإنْ وقَف عليها مُطْلَقًا، فيَنْبَغِي أنْ يُقال: إنْ صحَّحْنا الوَقْفَ على النَّفْسِ، صحَّ.
لأن مِلْكَ أمِّ وَلَدِه أكثرُ ما يكونُ بمَنْزِلَةِ مِلْكِه.
وإنْ لم نُصَحِّحْه، فيتَوَجَّهُ أنْ يُقال: هو كالوَقْفِ على العَبْدِ القِنِّ.
ويتَوَجَّهُ الفَرْقُ بأنَّ أمَّ الوَلَدِ لا تَمْلِكُ بحالٍ.
وفيه نظَرٌ.
وقد يُخرَّجُ على مِلْك العَبْدِ بالتَّمْليكِ؟ فإنَّ هذا نَوْعُ تَمْلِيكٍ لأمِّ وَلَدِه، بخِلافِ العَبْدِ القِنِّ؛ فإنَّه قد يخْرُجُ عن مِلْكِه، فيكونُ مِلْكًا لعَبْدِ الغيرِ.
وإذا ماتَ السَّيِّدُ، فقد تُخَرج هذه المَسْألةُ على مَسْألةِ تفْريقِ الصَّفْقَةِ؛ لأنَّ الوَقف على أمِّ الوَلَدِ يعُمُّ حال رِقِّها وعِتْقِها، فإذا لم يصِحَّ في إحْدَى الحالين، خُرِّجَ في الحالِ الأخْرَى وَجْهان، وإنْ قُلْنا: إنَّ الوَقْف المُنْقَطِعَ الإشدِاءِ يصِحُّ.
فيَجِبُ أنْ يُقال ذلك، وإنْ قُلْنا: لا يصِحُّ.
فهذا كذلك.
انتهى.
الثَّانيةُ، لا يصِحُّ الوقْف على المُكاتَبِ.
على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ، وعليه أكثرُ الأصحابِ، وقطَع به في «المُغْنِي»، و «الشَّرْح»، و «التَّلْخيص»، و «البُلْغَةِ»، و «المُسْتَوْعِبِ»، و «شَرْحِ ابنِ رَزِين»، وغيرِهمِ.
وقيل: يصِحُّ.
ويَحْتَمِلُه مفْهومُ كلامِ المُصَنِّفِ، وقد يَشْمَلُه قوْلُه: أنْ يَقِف على مُعَيَّن يَمْلِكُ.
واخْتارَه الحارِثِيُّ.
وأطْلَقَهما في «المُحَرَّرِ»، و «الفُروعِ»، و «الرِّعايتَين»، و «الفائقِ»، و «الحاوي الصَّغِيرِ»، وغيرِهم.
قوله: والحَمْلِ.
يعْنِي، لا يصِحُّ الوَقْف عليه 1. وهذا المذهبُ، وعليه
..................................
جماهيرُ الأصحابِ، وقطَع به كثيرٌ؛ فهم ابنُ حَمْدانَ، وصاحِبُ «الفائقِ»، و «الوَجيزِ»، و «الهِدايَةِ»، و «المُذْهَبِ»، و «المُسْتَوْعِبِ»، و «الخُلاصَةِ»، وغيرِهم.
وصحَّح ابنُ عَقِيل جَوازَ الوَقْفِ على الحَمْلِ ابْتِداءً، واخْتارَه الحارِثِيُّ.
قال في «الفُروعِ»: ولا يصِحُّ على حَمْل؛ بِناءً على أنه تَمْلِيك إذَنْ، وأنَّه لا يَمْلِكُ.
وفيهما نِزاعٌ.
تنبيه: إيرادُ المُصَنفِ في مَنْعِ الوَقْفِ على الحَمْلِ، يخْتَصُّ بما إذا كان الحَمْلُ أصْلًا في الوَقْفِ.
أمَّا إذا كان تبَعًا؛ بأنْ وقَف على أوْلادِه، أو أوْلادِ فُلان، وفيهم حَمْلٌ، أو انْتقَلَ إلى بَطْنٍ، وفيهم حَمْلٌ، فيَصِحُّ بلا نِزاع، لكِنْ لا يُشارِكُهم قبلَ ولادَتِه.
على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ، نصَّ عليه.
قال في «القاعِدَةِ الرابِعَةِ والثَّمانِين»: هو قوْلُ القاضي، والأكْثَرِين.
وجزَم به الحارِثِيُّ وغيرُه.
وقال ابنُ عَقِيلٍ: يثْبُتُ له اسْتِحْقاقُ الوَقْفِ في حالِ كَوْنِه حَمْلًا، حتى صحَّح الوَقفَ على الحَمْلِ ابْتِداءً، كما تقدَّم.
وأفْتَى الشَّيخُ تَقِيُّ الدينِ باسْتِحْقاق الحَمْلِ مِنَ الوَقْفِ أيضًا.
فائدة: لو قال: وَقَفْتُ على مَن سيُولَدُ لي.
أو: مَن سيُولَدُ لفلانٍ.
لم يصِحَّ.
على الصحيحِ مِنَ المذهبِ، وعليه جماهيرُ الأصحابِ.
وجزَم به القاضي في «خِلافِه» وغيرِه.
وقدَّمه في «الفُروعِ» وغيرِه.
وصحَّحه المُصَنفُ في
الرَّابعُ، أنْ يَقِف نَاجِزًا، فَإنْ عَلَّقَهُ عَلَى شَرْطٍ، لَمْ يَصِحَّ، إلَّا أنْ يَقُولَ: هُوَ وَقفٌ بَعْدَ مَوْتِي.
فَيَصِحَّ فِي قَوْلِ الْخِرَقِيِّ.
وَقَال أبو الْخَطَّابِ: لَا يَصِحُّ.
«المُغْنِي» وغيرِه.
وذكَرَه المُصَنِّفُ في مَسْألةِ الوَصِيَّةِ لمَن تَحْمِلُ هذه المرْأة.
وقال المَجْدُ: ظاهِرُ كلامِ أحمدَ، صِحَّتُه.
ورَدَّه ابنُ رَجَبٍ.
قوله: والبَهِيمَةِ.
يعْنِي، لا يصِحُّ الوَقْفُ عليها.
وهو المذهبُ، وعليه الأصحابُ.
واخْتارَ الحارِثِي الصِّحَّةَ، وقال: وهو الأظْهَرُ عندِي.
كما في الوَقْفِ على القَنْطَرَةِ، والسِّقايَةِ، ويُنْفَقُ عليها.
قوله: الرَّابعُ، أن يَقِفَ ناجِزًا، فإنْ عَلَّقَه على شَرْطٍ، لم يَصِحَّ.
هذا المذهبُ،
وعليه أكثرُ الأصحابِ.
وجزَم به في «الوَجيزِ» وغيرِه.
وقدَّمه في «الفُروعِ» وغيرِه.
وقيل: يصِحُّ.
واخْتارَه الشَّيخُ تَقِي الدينِ، وصاحب «الفائقِ»، والحارِثِي، وقال: الصحَّةُ أظْهَرُ.
ونصَرَه.
وقال ابنُ حَمْدانَ، مِن عندِه: إنْ قيلَ: المِلْكُ للهِ تعالى.
صحَّ التَّعْليقُ، وإلَّا فلا.
..................................
قوله: إلا أنْ يقولَ: هو وَقْفٌ مِن بعدِ مَوْتِي، فيَصِحَّ في قَوْلِ الخِرَقيِّ.
وهو المذهبُ.
اخْتارَه أبو الخَطَّابِ في «خِلافِه الصغِيرِ»، والمُصَنفُ، والشَّارِحُ، والحارِثِي، والشيخُ تَقِي الدِّينِ، وصاحِبُ «الفائقِ»، وغيرُهم.
قال المصَنِّف، والشَّارِحُ: وهو ظاهِرُ كَلام أحمدَ.
وجزَم به في «الكافِي»، و «الخُلاصَةِ»، و «المُنَوِّرِ»، و «مُنْتَخَبِ الأزَجِيِّ»، وغيرِهم.
وقدمه في «المُحَررِ»، و «الفُروعِ»، و «النَّظْمِ»، وغيرِهم.
قال في «القَواعِدِ»: وهو أصحُّ؛ لأنها وَصِية، والوَصايا تقْبَلُ التَّعْليقَ.
وقال أبو الخَطَّابِ في «الهِدايَةِ»: لا يصِحُّ.
واخْتارَه ابنُ البَنَّا، والقاضي، وحمَل كلامَ الخِرَقي على أنه قال: قِفُوا بعدَ مَوْتِي.
فيكونُ وَصِيَّةً بالوَقْفِ.
وأطْلَقَهما في «المُذْهَبِ».
فعلى المذهبِ، يُعْتَبَرُ مِنَ الثلُثِ.
..................................
فوائد؛ منها، قال الحارِثِي: كلامُ الأصحاب يقْتَضِي أنَّ الوَقْفَ المُعَلَّقَ على المَوْتِ، أو على شرْطٍ في الحَياةِ، لا يقَعُ لازِمًا قبلَ وُجودِ المُعَلقِ عليه؛ لأنَّ ما هو مُعَلق بالموْتِ وَصِية، والوَصِيةُ، في قوْلِهم، لا تَلْزَمُ قبلَ المَوْتِ، والمُعَلقُ على شرْطٍ في الحياةِ في مَعْناها، فيَثْبُتُ فيه مِثْلُ حُكْمِها في ذلك.
قال: والمَنْصوصُ عن أحمدَ في المُعَلَّقِ على الموتِ، هو اللُّزومُ.
قال المَيمُونِيُّ في «كِتابِه»: سألتُه عن الرجُلِ يُوقِفُ على أهْلِ بَيته، أو على المَساكِينِ بعدَه، فاحْتاجَ إليها، أيبيعُ على قِصّةِ المُدَبَّرِ؟ فابْتدَأنِي أبو عَبْدِ اللهِ بالكَراهَةِ لذلك، فقال: الوُقوفُ إنما كانت مِن أصحابِ النّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - على أنْ لا يَبيعُوا ولا يهَبُوا.
قلتُ: فمَن شبّهَه وتأوَّلَ المُدَبَّرَ عليه، والمُدَبَّرُ قد يأتِي عليه وَقْتَ يكونُ فيه حُرًّا، والمَوْقوفُ إنما هو شيء وقَفَه بعدَه، وهو مِلْكٌ الساعَةَ؟ قال لي: إذا كان يتأوَّلُ.
قال المَيمُونِيُّ: وإنَّما ناظَرْتُه بهذا؛ لأنه قال في المُدَبرِ: ليس لأحَدٍ فيه شيء، وهو مِلْك السَّاعَةَ، وهذا شيء قد وَقَفَه على قوْمٍ مَساكِين، فكيف يُحْدِثُ به شيئًا؟ فقلتُ: هكذا الوُقوفُ، ليس لأحَدٍ فيها شيء، السَّاعَةَ هو مِلْك، وإنَّما اسْتُحِقَّ بعدَ الوَفاةِ، كما أنَّ المُدَبَّرَ السَّاعَةَ ليس بحُرٍّ، ثم يأتِي عليه وَقْت يكونُ فيه حُرا.
انتهى.
فنَص أحمدُ على الفَرْق بينَ الوَقْفِ بعدَ الموتِ وبينَ المُدَبرِ.
قال الحارِثِيُّ: والفَرقُ عَسِر جِدًّا.
وتابعَ في «التَّلْخيصِ» المَنْصوصَ، فقال: أحْكامُ الوَقْفِ خَمْسَة؛ منها، لُزومُه في الحالِ؛ أخْرَجَه مَخْرَجَ الوَصِيَّةِ، أم لم يُخْرِجْه، وعندَ ذلك ينْقَطِعُ تصَرفُه فيه.
وشيخُنا،
..................................
رَحِمَه الله، في حواشِي «المُحَرَّرِ» لمَّا لم يطَّلِعْ على نص أحمدَ، رَد كلامَ صاحبِ «التَّلْخيصِ» وتأوَّلَه؛ اعْتِمادًا على أنَّ المَسْألةَ ليس فيها مَنْقول، مع أنَّه وافَقَ الحارِثِيَّ على أنَّ ظاهِرَ كلامِ الأصحابِ، لا يقَعُ الوَقْفُ، والحالةُ هذه، لازِمًا.
قلتُ: كلامُه في «القَواعِدِ» يُشْعِرُ أنَّ فيه خِلافًا؛ هل هو لازمٌ، أم لا؟ قاله في «القاعِدَةِ الثَّانِيَةِ والثَّمانِين»، في تبَعِيَّةِ الوَلَدِ.
ومنها، المُعَلقُ وَقْفُها بالمَوْتِ، إنْ قُلْنا: هو لازِم.
وهو ظاهِرُ كلامِ أحمدَ، في رِوايةِ الميمُونِيِّ.
انتهى.
فظاهِرُ قوْلِه: إنْ قُلْنا: هو لازِم.
يُشْعِرُ بالخِلافِ.
ومنها، لو شرَط في الوَقْفِ أنْ يَبِيعَه، أو يهَبَه، أو يرْجِعَ فيه متى شاءَ، بطَل الشَّرْطُ والوَقْفُ، في أحَدِ الأوْجُهِ.
وهو الصَّحيحُ مِنَ المذهبِ، نصَّ عليه.
وقدمه في «الفُروعِ»، و «شَرْحِ الحارِثِيِّ»، و «الفائقِ»، و «الرِّعايتَين»، و «الحاوي الصَّغِيرِ».
قال المُصنفُ في «المُغْنِي» 1: لا نعْلَمُ فيه خِلافًا.
وقيل: يبْطُلُ الشَّرْطُ دُونَ الوَقْفِ، وهو تخْريج مِنَ البَيعِ.
وما هو ببعيدٍ.
وقال الشَّيخُ تَقِي الدينِ: يصِحُّ