الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف ت التركيصفحات 24-71

..................................  و «الرعايتَين»، و «الحاوي الصَّغِيرِ»، و «الفُروعِ»، وغيرِهم.
وقال القاضي في «المُجَرَّدِ»: يبْطُلُ عقْدُ الهِبَةِ.
جزَم به في «الفُصولِ».
وقدَّمه في «المُغْنِي» 1، و «الشَّرْحِ»، و «النظْمِ»، و «الفائقِ».
قال في «القاعِدَةِ الرَّابعَةِ والأرْبَعِين بعدَ المِائَةِ»: وهو المَنْصوصُ في رِوايَةِ ابنِ مَنْصُورٍ، واخْتِيارُ ابنِ أبي مُوسى، وقاله القاضي، وابنُ عَقِيلٍ في الهِبَةِ، في الصِّحَّةِ، وأمَّا في المَرَضِ، إذا ماتَ قبلَ إقْباضِها، فجعَلا الورَثَةَ بالخِيارِ؛ لشَبَهِها بالوَصِيَّةِ.
انتهى.
فائدة: لو وهَب الغائبُ هِبَةً، وأنْفَذها مع رَسولِ المَوْهوبِ له، أو وَكِيلِه، ثم ماتَ الواهِبُ أو المَوْهوبُ له قبلَ وُصولِها، لَزِمَ حُكْمُها، وكانتْ للمَوْهوبِ له، لأنَّ قبْضَ الرسُولِ والوَكِيلِ كقَبْضِه.
وإنْ أنْفَذها الواهِبُ مع رَسُولِ نفسِه، ثم ماتَ قبلَ وُصُولِها إلى المَوْهوبِ له، أو ماتَ المَوْهوبُ له، بطَلَتْ، وكانتْ للواهِبِ ولوَرَثَتِه، لعدَمِ القَبْضِ.
وكذلك الحُكْمُ في الهَدِيةِ.
نصَّ على ذلك.
تنبيه: أفادَنا المُصَنِّفُ، رَحِمَه الله تعالى، بقَوْلِه: قامَ وارِثُه مَقامَه.
أنَّ إذْنَ الواهِبِ يبْطُلُ بمَوْتِه.
وهو صحيحٌ، وكذلك يبطُلُ إذنه بمَوْتِ المُتَّهِبِ.

..................................  فوائد؛ الأُولَى، لو ماتَ المُتَّهِبُ قبلَ قَبُولِه، بطَل العَقْدُ.
على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ.
وقيل: لا يبْطُلُ.
الثَّانيةُ، يقْبِضُ الأبُ للطِّفْلِ مِن نَفْسِه، بلا نِزاعٍ، ولا يحْتاجُ إلى قَبُولٍ مِن نَفْسِه.
على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ، ويُكْتَفَى بقَوْلِه: وَهَبْتُه، وقَبَضتُه له.
وقال القاضي: لابُدَّ في هِبَةِ الوَلَدِ أنْ يقولَ: قَبِلْتُه.
وهو مَبْنِيٌّ على اشْتِراطِ القَبُولِ، على ما تقدَّم قَريبًا، والمذهبُ خِلافُه.
وقال بعضُ الأصحابِ: يُكْتَفَى بأحَدِ لَفْظين؛ إمَّا أنْ يقولَ: قد قَبِلْتُه.
أو: قبَضْتُه.
وإنْ وهَب وَلِيٌّ غيرُ الأبِ، فقال أكثرُ الأصحابِ: لا بدَّ أنْ يُوَكِّلَ الواهِبُ مَن يقْبَلُ للصَّبِيِّ، ويقْبِضُ له؛ ليكونَ الإيجابُ مِنَ الوَلِيِّ، والقَبُولُ والقَبْضُ مِن غيرِه، كما في البَيعِ، بخِلافِ الأب؛ فإنَّه يجوزُ أنْ يُوجِبَ ويقْبَلَ ويقْبِضَ.
قال المُصَنِّفُ: والصَّحيحُ عندي، أنَّ الأَبَ وغيرَه في هذا سَواءٌ.
قال في «الفُروعِ»: وفي قَبْضِ وَلِيٍّ غيرِ الأبِ مِن نَفْسِه، رِوايتا شِرائِه وبَيعِه له مِن نَفْسِه.
الثَّالثةُ، لا يصِحُّ قَبْضُ الطِّفْلِ والمَجْنونِ لنَفْسِه ولا قَبُولُه، ووَلِيُّه يقومُ مَقامَه فيهما.
فإنْ لم يَكُنْ له أبٌ، فوَصِيُّه، فإنْ لم يَكُنْ، فالحكمُ الأمِينُ، أو مَن يُقِيمُوه مَقامَهم.
ولا يقومُ غيرُ هؤلاءِ الثَّلاثَةِ مَقامَهم.
وقال المُصَنِّفُ في «المُغْنِي» 1: ويَحْتَمِلُ أنْ يصِحَّ القَبُولُ والقَبْضُ مِن غيرِهم

..................................  عندَ عدَمِهم.
الرَّابعَةُ، لا يصِحُّ مِنَ المُمَيِّزِ قَبْضُ الهِبَةِ ولا قَبُولُها.
على الصحيحِ مِنَ المذهبِ، نصَّ عليه، في رِوايَةِ ابنِ مَنْصُورٍ.
وقال في «القَواعِدِ الأُصُولِيَّةِ»، تبَعًا للحارِثِيِّ: هذا أشْهَرُ الرِّوايتَين، وعبيه مُعْظَمُ الأصحابِ.
وعنه، يصِحُّ قبْضُه وقَبُولُه.
اخْتارَه المُصَنِّفُ في «المُغْنِي»، والحارِثِيُّ.
وقال في «المُغْنِي» 1: ويَحْتَمِلُ أنْ تقِفَ صِحَّةُ قَبْضِه على إذْنِ وَلِيِّه دُونَ القَبُولِ.
وفرَّق بينَهما.
وتقدَّم في الحَجْرِ، هل تصِحُّ هِبَتُه؟ والسَّفِيهُ كالمُمَيِّزِ [في ذلك] 2، وأوْلَى بالصِّحَّةِ.
والوَصِيَّةُ كالهِبَةِ في ذلك.
الخامسةُ، قال القاضي في «المُجَردِ»: يُعْتَبرُ لقَبْضِ المُشاعِ إذْنُ الشَّرِيكِ فيه، فيكونُ نِصْفُه مَقْبوضًا تَملُّكًا، ونِصْفُ الشَّرِيكِ أمانَةً بيَدِه.
انتهى.
وجزَم به في «الحاوي الصَّغِيرِ»، و «الرِّعايتَين».
قال في «القاعِدَةِ الثَّالثةِ والأرْبَعِين»: في «المُجَرَّدِ»، و «الفُصولِ»، يكونُ نِصْفُ الشَّرِيكِ وَدِيعَةً عندَه.
وقال ابنُ عَقِيلٍ في «الفُنونِ»: يكونُ قَبْضُ نِصْفِ الشَّرِيكِ

وَإنْ أَبْرأَ الْغَرِيمُ غَرِيمَهُ مِن دَينِهِ، أوْ وَهَبَهُ لَهُ، أو أَحَلَّهُ مِنْهُ، بَرِئَتْ ذِمَّتُهُ، وَإنْ رَدَّ ذلِكَ وَلَمْ يَقْبَلْهُ.
عارِيَّةً مَضْمونةً.
انتهى.
قلتُ: لو قيلَ: إنْ جازَ له أنْ يتَصرَّفَ، وتصَرَّفَ، كان عارِيَّةً، وإنْ لم يتَصرَّفْ، فوَدِيعةٌ.
لكان مُتَّجِهًا.
ثم وجَدْتُه في «القاعِدَةِ الثَّالثةِ والأرْبَعِين» حكَى كلامَه في «الفُنونِ» فقال: قال ابنُ عَقِيلٍ في «فُنونِه»: هو عارِيَّةٌ؛ حيثُ قبَضَه؛ ليَنْتَفِعَ به بلا عِوَضٍ.
قال صاحبُ «القَواعِدِ»: وهو صحيحٌ، إنْ كان أذِنَ له في الانْتِفاعِ مجَّانًا، أمَّا إنْ طلَب منه أُجْرَةً، فهي إجارَةٌ، وإنْ لم يأْذَنْ له في الانْتِفاعِ، بل في الحِفْظِ، فوَدِيعَة.
انتهى.
وفيه نَظَر.
فائدة: لو قال أحدُ الشَّرِيكَين للعَبْدِ المُشْتَرَكِ: أنت حَبِيسٌ على آخِرِنا مَوْتًا.
لم يعْتِقْ بمَوْتِ الأوَّلِ منهما، ويكونُ في يَدِ الثَّاني عارِيَّةً، فإذا ماتَ عتَق.
ذكَرَه القاضي في «المُجَرَّدِ».
وذكَرَه في «القاعِدَةِ الثَّالِثَةِ والأرْبَعِين».
قوله: وإنْ أبرَأ الغَرِيمُ غَرِيمَه مِن دَينه، أو وهَبَه له، أو أحَلَّه منه، بَرِئَتْ ذِمَّتُه -

..................................  وكَذا إنْ أسْقَطَه عنه، أو ترَكَه له، أو ملَّكَه له، أو تصَدَّقَ به عليه، أو عَفا عنه، بَرِئَتْ ذِمَّتُه- وإنْ رَدَّ ذلك ولم يَقْبَلْه.
اعْلمْ أنَّه إذا أبْرأه 1 مِن دَينِه، أو وهَبَه له، أو أحَلَّه منه، ونحوَ ذلك، وكان المُبْرِيء والمُبْرأُ يعْلمان الدَّينَ، صحَّ ذلك، وبَرِئَ، وإنْ ردَّه ولم يقْبَلْه.
على الصَّحيح مِنَ المذهبِ، نصَّ عليه، وعليه جماهِيرُ الأصحابِ، وقطَع به كثير منهم.
وقيل: يُشْترَطُ القَبُولُ.
قال في «الفُروعِ»: وفي «المُغْنِي»: في إبْرائِها له مِنَ المَهْرِ، هل هو إسْقاطٌ، أو تَمْلِيكٌ؟ فيتَوَجَّهُ منه احْتِمال لا يصِحُّ به، وإنْ صحَّ اعْتُبِرَ قبولُه.
وفي «المُوَجزِ»، و «الإيضاحِ»: لا تصِحُّ هِبَةٌ في عَينٍ.
وقال في «المُغْنِي» 2: إنْ حلَف لا يهَبُه، فأبْرَأَه، لم يَحْنَثْ؛ لأنَّ الهِبَةَ تَمْلِيكُ عَينٍ.
قال الحارِثِيُّ: تصِحُّ بلَفْظِ الهِبَةِ والعَطيَّةِ مع اقْتِضائِهما وُجودَ مُعَيَّنٍ، وهو مُنْتَفٍ؛ لإفْادَتِهما لمَعْنَى الإسْقاطِ هنا.
قال: ولهذا لو وهَبَه دَينَه هِبَةً حقِيقَةً، لم يصِحَّ؛ لانْتِفاءِ مَعْنَى الإسْقاطِ، وانْتِفاءِ شَرْطِ الهِبَةِ.
ومِن هنا، امْتنَع هِبَتُه لغيرِ مَن هو عليه، وامْتنَع إجْزاؤُه عنِ

..................................  الزَّكاةِ؛ لانْتِفاء حقِيقَةِ المِلْكِ.
انتهى.
وقال في «الانْتِصارِ»: إنْ أبْرَأَ مريضٌ مِن دَينِه، وهو كلُّ مالِه، ففي بَراءتِه مِن ثُلُثِه قبلَ دَفْعِ ثُلُثَيه، مَنْعٌ وتَسْليمٌ.
انتهى.
وأمَّا إنْ عَلِمَه المُبْرأ، بفَتْحِ الرّاءِ، أو جَهِلَه، وكان المُبْرِيء، بكَسْرِها، يَجْهَلُه، صحَّ، سواءٌ جَهِلَ قدْرَه، أو وَصْفَه، أو هما.
على الصحيحِ مِنَ المذهبِ.
جزَم به في «الوَجيزِ».
وقدَّمه في «المُحَررِ»، و «الفُروعِ»، و «الفائقِ»، وغيرِهم.
وصحَّحَه النَّاظِمُ.
قال في «القَواعِدِ»: هذا أشْهَرُ الرِّواياتِ.
وعنه، يصِحُّ مع جَهْلِ المُبْرَأ، بفَتْحِ الرَّاءِ، دُونَ عِلْمِه.
وأطْلَقَ، فيما إذا عرَفَه المدْيونُ، فيه الرِّوايتَين، في «الرعايتَين»، و «الحاوي الصغِيرِ».
وعنه، لا يصِحُّ ولو جهِلاه، إلَّا إذا تعَذَّرَ عِلْمُه.
وقال في «المُحَررِ»: ويتَخَرجُ أنْ يصِح بكُلِّ حالٍ، إلَّا إذا عرَفَه المُبْرأُ، وظَنَّ المُبْرِئُ جَهْلَه به، فلا يصِحُّ.
انتهى.
وعنه، لا تصِحُّ البَراءَةُ مِنَ المَجْهولِ، كالبَراءَةِ مِنَ العَيبِ.
ذكَرَها أبو الخَطابِ، وأبو الوَفاءِ، كما لو كتَمَه المُبْرأ؛ خْوفًا مِن أنَّه لو عَلِمَه المُبْرِيء، لم يُبْرِئه.
قاله في «الفُروعِ».
قال المُصَنِّفُ، والشارِحُ: فأما إنْ كان مَن عليه الحق يعْلَمُه ويكْتُمُه المُسْتَحِقَّ؛ خَوْفًا مِن أنَّه إذا عَلِمَه، لم يسْمَحْ بإبْرائِه منه، فيَنْبَغِي أنْ لا تصِحَّ البرَاءَةُ فيه؛ لأن فيه تغْريرًا بالمُبْرِئ، وقد أمْكَنَ التَّحَرُّزُ منه.
انتهيا.
وتابَعَهما الحارِثِيُّ، وقال: وظاهِرُ كلامِ أبِي الخَطَّابِ، الصِّحَّةُ مُطْلَقًا.
قال: وهذا أقْرَبُ.

..................................  فوائد؛ الأولَى، مِن صُوَرِ البَراءَةِ مِنَ المَجْهولِ، لو أبْرَأه مِن أحَدِهما، أو أبْرأَه أحدُهما.
قاله الحَلْوانِيُّ، والحارِثِيُّ، وقالا: يصِحُّ، ويُؤْخَذُ بالبَيانِ، كطَلاقِه إحْداهما 1، وعِتْقِه أحَدَهما.
قال في «الفُروعِ»: يعْنِي، ثم يُقْرَعُ، على المذهبِ.
الثَّانيةُ، قال المُصَنِّفُ وغيرُه: قال أصحابُنا: لو أبْرَأَه مِن مِائَةٍ، وهو يعْتَقِدُ أنْ لا شيءَ عليه، فكانَ له عليه مِائَةٌ، ففي صِحَّةِ البَراءَةِ وَجْهان.
صحح النَّاظِمُ أنَّ البَراءَةَ لا تصِحُّ.
قال الحارِثِيُّ: وهذا أظْهَرُ.
وأطْلَقهما في «الفُروعِ».
أصْلُهما، لو باعَ مالًا لمَوْرُوثِه، يعتَقِدُ أنَّه حيٌّ، وكان قد ماتَ وانْتقَلَ مِلْكُه إليه،

..................................  فهل يصِحُّ البيعُ؟ فيه وَجْهان.
وتقدَّم الصَّحيحُ منهما في كتابِ البَيعِ، بعدَ تصَرُّفِ الفُضُولِيِّ، فكذا هنا.
وقال القاضي: أصْلُ الوَجْهَين؛ مَن باشَرَ امْرأةً بالطَّلاقِ، يظُنُّها أجْنَبيَّةً، فبانَتْ امْرأَتَه، أو واجَه بالعِتْقِ مَن يعْتَقِدُها حُرَّةً، فبانَتْ أمَتَه.
ويأْتِي ذلك في آخَرِ بابِ الشَّكِّ في الطَّلاقِ.
الثَّالثةُ، لا تصِحُّ هِبَةُ الدينِ لغيرِ مَن هو في ذِمَّتِه.
على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ.
وهو ظاهِرُ كلامِ المُصَنفِ هنا.
ويَحْتَمِلُ الصِّحَّة كالأعْيانِ.
ذكَرَه المُصَنِّفُ ومَن بعدَه.
قال في «الفائقِ»: والمُخْتارُ الصِّحَّةُ.
قال الحارِثِيُّ: وهو أصحُّ.
وهو المَنْصوصُ في رِوايَةِ حَرْبٍ، فذكَرَه إنِ اتَّصَلَ القَبْضُ به.
وتقدم حُكْمُ هِبَةِ دَينِ السَّلَمِ في بابِه مُحَرَّرًا، فليُعاوَدْ.
الرابعَةُ، لا تصِحُّ البَراءَةُ بشَرْطٍ.
نصَّ عليه، في مَن قال: إنْ مِت، فأنت في حِلٍّ.

..................................  فإنْ ضَمَّ التَّاءَ، فقال: إنْ مِتُّ فأنت في حِلٍّ.
فهو وَصِيَّةٌ.
وجعَل الإمامُ أحمدُ، رَحِمَه اللهُ تعالى، رَجُلًا في حِلٍّ مِن غِيبَتِه بشَرْطِ أنْ لا يعودَ، وقال: ما أحْسَنَ الشَّرْطَ.
فقال في «الفُروعِ»: فيتَوَجَّهُ فيهما رِوايَتان.
وأخَذَ صاحِبُ «النَّوادِرِ» مِن شَرْطِه أنْ لا يعودَ، رِوايَةً في صِحةِ الإبراء بشَرْطٍ.
وذكَر الحَلْوانِيُّ صِحَّةَ الإبراءِ بشَرْطٍ، واحْتَجَّ بنَصِّه المذكُور هنا أنَّه وَصِيَّةٌ، وأن ابنَ شِهاب، والقاضي قالا: لا يصِحُّ على غيرِ مَوْتِ المُبْرِئ، وأنَّ الأَوَّل أصح؛ لأنَّه إسْقاطٌ.
وقدَّم الحارِثِيُّ ما قاله الحَلْوانِيُّ، وقال: إنَّه أصحُّ.
الخامسةُ، لا يصِحُّ الإبراءُ مِنَ الدَّينِ قبلَ

..................................  وُجوبِه.
ذكَرَه الأصحابُ، وجزَم جماعةٌ بأنَّه تَمْلِيكَ.
ومنَع بعضُهم أنَّه إسْقاطٌ، وأنَّه لا يصِحُّ بلَفْظِ الإسْقاطِ، وإنْ سلَّمْناه، فكأنَّه مَلَّكَه إيَّاه، ثم سقَط.
ومنَع أيضًا أنَّه لا يُعْتَبُر قَبُولُه، وإنْ سلَّمْناه؛ فلأنَّه ليس مالًا بالنِّسْبَةِ إلى مَن هو عليه.
وقال: العَفْوُ عن دَمِ العَمْدِ تَمْلِيكٌ أيضًا.
وفي صحيحِ مُسْلِمٍ 1، أنَّ أبا اليَسَرِ الصَّحابِيَّ قال لغَريمِه: إذا وَجَدْتَ قَضاءً، فاقْضِ، وإلَّا فأنت في حِلٍّ.
وأعْلَمَ به الوَلِيدَ بنَ عُبادَةَ بنِ الصَّامِتِ، وابنَه، وهما تابِعِيَّان، فلم يُنْكِراه.
قال في «الفُروعِ»: وهذا مُتّجِهٌ.
واخْتارَه شيخُنا.
السَّادِسَةُ، لو تَبارَآ، وكان لأحَدِهما على الآخرِ دَين مَكْتوبٌ، فادَّعَى أحدُهما اسْتِثْناءَه بقَلْبِه، ولم يُبْرِئْه منه، قُبِل قوْلُه، ولخَصْمِه تحْلِيفُه.
ذكَرَه الشّيخُ تَقِيُّ الدِّينِ.
قال في «الفُروعِ»: وتتَوَجَّهُ الرِّوايَتان في مُخالفَةِ النِّيَّةِ للعامِّ، بأيِّهما يُعْمَلُ.
السَّابعةُ، قال القاضي

..................................  مُحِبُّ الدِّينِ بنُ نَصْر اللهِ، في حَواشِي «الفُروعِ»: الإبراءُ مِنَ المَجْهولِ عندَنا صحيحٌ، لكِنْ هل هو عامٌّ في جَميعِ الحُقوقِ، أو خاصٌّ بالأمْوالِ؟ ظاهِرُ كلامِهم أنَّه عامٌّ.
قلتُ: صرح به في «الفُروعِ»، في آخرِ القَذْفِ، وقدَّمه.
وقال الشيخُ عَبْدُ القادِرِ، في «الغُنْيَةِ»: لا يكْفِي الاسْتِحْلالُ المُبْهَمُ.
ويأْتِي ذلك مُحَرَّرًا هناك.

وَتَصِحُّ هِبَةُ الْمُشَاعِ،  قوله: وتصِحُّ هِبَةُ المُشاعِ.
هذا المذهبُ المَقْطوعُ به، عندَ الأصحابِ قاطِبَةً.
وفي طريقَةِ بعضِ الأصحابِ، ويتَخَرجُ لنا مِن عدَم إِجارَةِ المُشاعِ، أنَّه لا يصِحُّ رَهْنُه ولا هِبَتُه.

وَكُلِّ مَا يَجُوزُ بَيعُهُ.
قوله: وكلِّ ما يجوزُ بَيعُه.
يعْنِي، تصِحُّ هِبَتُه.
وهذا صحيحٌ، ونصَّ عليه.
ومَفْهومُه، أنَّ ما لا يجوزُ بَيعُه لا تجوزُ هِبَتُه.
وهو المذهبُ.
قدَّمه في «الفُروعِ» واخْتارَه القاضي.
وقيل: تصِحُّ هِبَةُ ما يُباحُ الانْتِفاعُ به مِنَ النَّجاساتِ.
جزَم به الحارِثِيُّ.
[وتصِحُّ هِبَةُ] 1 الكَلْبِ.
جزَم به في «المُغْني»، و «الكافِي»، و «الشَّرْحِ».
واخْتارَه الحارِثِيُّ.
قال في «القاعِدَةِ السَّابعَةِ والثمانِين»: وليس بينَ القاضي وصاحِبِ «المُغْنِي» خِلافٌ في الحقيقَةِ؛ لأنَّ نقْلَ اليَدِ في هذه الأعْيانِ جائزٌ، كالوَصِيَّةِ، وقد صرَّح به القاضي في «خِلافِه».
انتهى.
نقَل حَنْبَل، في مَن أهْدَى إلى رَجُل كَلْبَ صَيدٍ، تَرَى أنْ يُثِيبَ عليه؟ قال: هذا خِلافُ الثمَنِ، هذا عِوَضٌ مِن شيءٍ، فأمَّا الثمَنُ، فلا.
وأطلَقَ في الكَلْبِ المُعَلَّمِ وَجْهَين في «الرِّعايَةِ»، و «القَواعِدِ الفِقهِيَّةِ».
وقيل: وتصِحُّ أيضًا هِبَةُ جِلْدِ المَيتَةِ.
وقال الشَّيخُ تَقِيُّ الدِّينِ: ويظْهَرُ لي صِحَّةُ هِبَةِ الصُّوفِ على الظَّهْرِ، قوْلًا واحِدًا.

..................................  تنبيه: مفْهومُ كلامِ المُصَنِّفِ أيضًا، أنَّه لا تصِحُّ هِبَةُ أُمِّ الوَلَدِ، إنْ قُلْنا: لا يجوزُ بيعُها.
وهو صحيحٌ، وهو المذهبُ.
وقيل: يصِحُّ هنا، مع القَوْلِ بعدَمِ صِحَّةِ بَيعِها.
وأطْلَقهما في «الرِّعايتَين»، و «الفائقِ».
قلتُ: يَنْبَغِي أنْ يُقَيَّدَ القَوْلُ بالصِّحَّةِ؛ بأنْ يكونَ حُكْمُها حُكمَ الإماءِ في الخِدْمَةِ ونحوها، إلى أنْ يموتَ الواهِبُ، فتَعْتِقَ، وتَخرُجَ مِن الهِبَةِ.

وَلَا تَصِحُّ هِبَةُ الْمَجْهُولِ،  قوله: ولا تصِح هِبَةُ المَجْهُولِ.
اعْلمْ أنَّ الصَّحيحَ مِنَ المذهبِ، أنَّ هِبَةَ المَجْهولِ كالصُّلْحِ عنِ المَجْهولِ، على ما تقدَّم في بابِ الصُّلْحِ عندَ قوْلِه: ويصِحُّ الصُّلْحُ عنِ المَجْهولِ بمَعْلومٍ.
وعليه الأصحابُ.
[اعْلمْ أنَّ المَوْهوبَ المَجْهولَ؛ تارَةً يتعَذَّرُ عِلْمُه، وتارَة لا يتَعذَّرُ عِلْمُه، فإنْ تعَذَّرَ عِلْمُه، فالصَّحيحُ مِنَ المذهبِ، أنَّ حُكْمَه حُكمُ الصُّلْحِ على المَجْهولِ المُتعَذَّر عِلْمُه، كما تقدَّم.
وهو الصِّحَّةُ.
قطَع به في «المُحَررِ»، و «النظْمِ»، و «الفُروعِ»، و «المُنَوِّرِ»، وغيرِهم.
وهو ظاهِرُ ما جزَم به في «الرِّعايتَين»، و «الحاوي الصغِيرِ».
وظاهِرُ كلامِ المُصَنِّفِ وأكثرِ الأصحابِ، أنَّه لا يصِحُّ؛ لإطلاقِهم عدَمَ الصِّحةِ في هِبَةِ] 1

..................................  [المَجْهولِ، مِن غيرِ تَفْصيلٍ.
وهو ظاهِرُ رِوايَةِ أبِي داودَ، وحَرْبِ الآتِيَتَين.
وإنْ لم يتَعذَّرْ عِلْمُه، فالصَّحيحُ مِنَ المذهبِ، أنَّها لا تصِحُّ، وعليه جماهِيرُ الأصحابِ، وأكثرُهم قطع به.
نقَل حَرْبٌ، لا تصِحُّ هِبَةُ المَجْهولِ.
وقال في رِوايَةِ حَرْب أيضًا: إذا قال: شَاةً مِن غَنَمِى.
يعْنِي، وَهَبْتُها له، لم يَجُزْ] 1. وقال المُصَنِّفُ: ويَحْتَمِلُ أنَّ الجَهْلَ [إذا كان] 2 مِنَ الواهِبِ، مَنَعَ الصِّحَّةَ، وإنْ كان مِنَ المَوْهوبِ له، لم يَمْنَعْها.
وقال الشيخُ تَقِيُّ الدِّينِ: وتصِحُّ هِبَةُ المَجْهولِ؛ كقَوْلِه: ما أخَذْتَ مِن مالِي، فهو لك.
أو مَن وجَد شيئًا مِن مالِي، فهو له.
واخْتارَ الحارِثِيُّ صِحةَ هِبَةِ المَجْهولِ.
فائدة: لو قال: خُذْ مِن هذا الكِيسِ ما شِئْتَ.
كان له أخْذُ ما فيه جميعًا.
ولو قال: خُذْ مِن هذه الدَّراهِمِ ما شِئْتَ.
لم يَمْلِكْ أخْذَها كلِّها؛ إذِ الكِيسُ ظَرْفٌ،

وَلَا مَا لَا يَقْدِرُ عَلَى تَسْلِيمِهِ.
وَلَا يَجُوزُ تَعْلِيقُهَا عَلَى شَرْط، وَلَا شَرْطُ مَا يُنَافِي مُقْتَضَاهَا، نَحْوَ أَلَّا يَبِيعَهَا وَلَا يَهَبَهَا.
فإذا أخذَ المَظْروفَ، حَسُنَ أنْ يقولَ: أخَذْتُ مِنَ الكِيسِ ما فيه.
ولا يحْسُنُ أنْ يقولَ: أخَذْتُ مِنَ الدَّراهِمِ كلَّها.
نقَلَه الحارِثِيُّ عن «نَوادِرِ ابنِ الصَّيرَفِيِّ».
قوله: ولا ما لا يقْدِرُ على تَسْلِيمِه.
يعْنِي، لا تصِحُّ هِبَتُه.
وهذا المذهبُ، وعليه جماهِيرُ الأصحابِ، وقطَع به كثيرٌ منهم.
وقيل: تصِحُّ هِبَتُه.
قال في «الفُروعِ»: ويتَوَجَّهُ مِن هذا القَوْلِ، جَوازُ هِبَةِ المَعْدومِ وغيرِه.
قلتُ: اخْتارَ الشيخُ تَقِيُّ الدِّينِ صِحَّةَ هِبَةِ المَعْدومِ؛ كالثَّمَرِ، واللَّبَنِ بالسَّنَةِ.
قال: واشْتِراطُ القُدْرَةِ على التَّسْليمِ هنا، فيه نظَرٌ، بخِلافِ البَيعِ.
قوله: ولا يجوزُ تَعْلِيقُها على شَرْطٍ.
هذا المذهبُ، وعليه الأصحابُ، إلَّا ما اسْتَثْناه، وقطَع به أكثرُهم.
وذكَر الحارِثِيُّ جوازَ تعْليقِها على شَرْطٍ.
قلتُ: واخْتارَه الشَّيخُ تَقِيُّ الدِّينِ.
ذكَرَه عنه في «الفائقِ».

وَلَا توْقِيتُهَا، كَقَوْلِهِ: وَهَبْتُكَ هَذَا سَنَةً.
تنبيه: قولُه: ولا شَرْطِ ما يُنافِي مُقْتَضاها؛ نحوَ، أنْ لا يبيِعَها، ولا يَهَبَها.
هذا الشَّرْطُ باطِل، بلا نِزاعٍ.
لكِنْ هل تصِحُّ الهِبَةُ، أمْ لا؟ فيه وَجْهان؛ بِناءً على الشُّروطِ الفاسِدَةِ في البَيعِ، على ما تقدَّم.
[والصَّحيحُ مِنَ المذهب الصِّحَّةُ] 1. قوله: ولا تَوقِيتُها، كقَوْلِه: وَهَبْتُك هذا سَنَةً.
هذا المذهبُ، وعليه الأصحابُ، إلَّا ما اسْتَثْناه المُصَنِّفُ.
وذكَر الحارِثِيُّ الجوازَ.
واخْتارَه الشَّيخُ تَقِيُّ الدِّينَ.

إلا فِي الْعُمْرَى؛ وَهُوَ أَنْ يَقُولَ: أَعْمَرْتُكَ هَذِهِ الدَّارَ.
أوْ: أَرْقَبْتُكَهَا.
أَوْ: جَعَلْتُهَا لَكَ عُمُرَكَ.
أوْ: حَيَاتَكَ.
فَإنَّهُ يَصِحُّ، وَتَكُونُ لِلْمُعْمَرِ وَلِوَرَثَتِهِ مِنْ بَعْدِهِ.
قوله: إلَّا في العُمْرَى؛ وهو أنْ يقُولَ: أعْمَرْتُك هذه الدَّارَ، أوْ أرْقَبْتُكها، أوْ جَعَلْتُها لك عُمْرَك، أو حَياتَك.
وكذا قوْلُه: أعْطَيتُكها.
أو جعَلْتُها لك عُمْرَى، أو رُقْبَى أو ما بَقِيتَ -فإنَّهُ يصِحُّ، وتكونُ للْمُعْمَرِ- بفَتْحِ الميمِ- ولوَرَثَتِه مِن بعدِه.
هذه العُمْرَى، والرُّقْبَى.
وهي صحيَحةٌ بهذه الألْفاظِ، وتكونُ للمُعْمَرِ

..................................  ولوَرَثَتِه مِن بعدِه.
وهذا المذهبُ، وعليه الأصحابُ.
وقال الحارِثِيُّ: العُمْرَى

..................................  المَشْروعَةُ 1، أنْ يقولَ: هي لك ولعَقِبك مِن بعدِك لا غيرُ.
ونقَل يَعْقُوبُ، وابنُ هانِيء، مَن يُعْمَرُ الجارِيَةَ، هل يطَؤها؟ قال: لا أراه.
وحمَلَه القاضي على الوَرَعِ؛ لأنَّ بعضَهم جعَلَها تَمْلِيكَ المَنافِعِ.
قال في «القاعِدَةِ الخامِسَةِ والثلاثين بعدَ المِائَةِ»: وهو بعيدٌ.
والصَّوابُ تحْريمُه، وحَمْلُه على أنَّ المِلْكَ بالعُمْرَى قاصِرٌ.
فائدة: لو لم يَكُنْ له وَرَثَةٌ، كان لبَيتِ المالِ.

وَإِنْ شَرَطَ رَجُوعَهَا إلَى الْمُعْمِرِ عِنْدَ مَوْتِهِ، أَوْ قَال: هِيَ لِآخِرِنَا مَوْتًا.
صَحَّ الشَّرْطُ.
وَعَنْهُ، لَا يَصِحُّ، وَتَكُونُ لِلْمُعْمَرِ وَلِوَرَثَتِهِ.
قوله: وإنْ شرَط رُجوعَها إلى الْمُعْمِرِ -بكَسْرِ الميمِ- عندَ مَوْتِه، أوْ قال: هِى لآخِرِنا مَوْتًا.
صَحَّ الشَّرْطُ.
هذا إحْدَى الرِّوايتَين.
اخْتارَه الشَّيخُ تَقِيُّ الدِّينِ.
وقدَّمه في «الهِدايَةِ»، و «المُذْهَبِ»، و «مَسْبوكِ الذهبِ»، و «المُسْتَوْعِبِ»، و «الخُلاصَةِ»، و «الرعايَةِ الصُّغْرَى»، و «الحاوي الصَّغِيرِ».
وعنه، لا يصِحُّ الشرْطُ، وتكونُ للمُعْمَرِ -بفَتْحِ الميمِ- ولورَثَتِه مِن بعدِه.
وهو المذهبُ.
قال المُصَنفُ: هذا ظاهِرُ المذهبِ، نص عليه في رِوايَةِ أبِي طالِبٍ.
قال في «الفائقِ»: هذا المذهبُ.
وجزَم به في «الوَجيزِ»، و «المُنَوِّرِ».
وقدَّمه في «المُحَررِ»، و «الفُروعِ»، و «الرِّعايَةِ

..................................  الكُبْرَى».
وأطْلَقَهما في «التَّلْخيص»، و «الشرْحِ».
قال الحارِثِيُّ، عن المَسْأَلَةِ الأُوْلَى: هو المذهبُ.
وقال عن الثَّانِيَةِ: لا تصِح الرِّوايَةُ عن أحمدَ بصِحَّةِ الشَّرْطِ.

..................................  تنبيه: مِن لازِمِ صِحَّةِ الشرْطِ، صِحَّةُ العَقْدِ، ولا عَكْسَ.
والصَّحيحُ مِنَ المذهبِ، أنَّ العَقْدَ في هذه المَسْأَلَةِ صحيحٌ.
جزَم به في «الهِدايَةِ»، و «المُذْهَبِ»، و «مَسْبوكِ الذَّهَبِ»، و «المُسْتَوْعِبِ»، و «الخُلاصَةِ»، و «الوَجيزِ»، وغيرِهم.
وقدَّمه في «المُحَرَّرِ»، و «الفُروعِ»، و «الرِّعايتَين»،

..................................  و «الحاوي الصغِيرِ»، وغيرِهم.
قال في «الفائقِ» وغيرِه: هذا المذهبُ.
وعنه، لا يصِحُّ العَقْدُ أيضًا.
قال الحارِثِيُّ: وذكَر ابنُ عَقِيلٍ وغيرُه وَجْهًا ببُطْلانِ العقْدِ لبُطْلانِ الشرْطِ، كالبَيعِ، ولا يصِحُّ.
انتهى.
فائدة: لا يصِحُّ إعْمارُه المَنْفعَةَ، ولا إرقابُها، فلو قال: سُكْنَى هذه الدَّارِ لك عُمْرَك.
أو غلَّةُ هذا البُسْتانِ.
أو خِدْمَةُ هذا العَبْدِ لك عُمْرَك.
أو منَحْتُكه عُمْرَك.

..................................  أو هو لك عُمْرَك.
فذلك عارِيَّةٌ، له الرُّجوعُ فيها 1 متى شاءَ في حَياتِه أو بعدَ مَؤتِه.
نقَلَه الجماعَةُ عن أحمدَ.
ونقَل أبو طالِبٍ، إذا قال: هو وَقفٌ على فُلانٍ، فإذا ماتَ، فلوَلَدِي، أو لفُلانٍ.
فكما لو 2 قال: إذا ماتَ، فهو لوَلَدِه، أو لمَن أوْصَى له الواقِفُ، ليس يَمْلِكُ منه شيئًا، إنَّما هو لمَن وقَفَه، يضَعُه حيث شاءَ،

..................................  مثلَ السُّكْنَى، والسُّكْنَى متى شاءَ رجَع فيه.
ونقَل حَنْبَل، في الرُّقْبَى والوَقْفِ، إذا ماتَ، فهو لورَثَتِه، بخِلافِ السُّكْنَى.
ونقَل حَنْبَل أيضًا، العُمْرَى والرُّقْبَى والوَقْفُ مَعْنًى واحدٌ؛ إذا لم يَكُنْ فيه شَرْط، لم يرْجِعْ إلى ورَثَةِ المُعْمَرِ، وإنْ شرَط في وَقْفِه أنَّه له حَياتَه، رجَع، وإنْ جعَلَه له حَياتَه وبعدَ مَوْتِه، فهو لورَثَةِ الذي أعْمَرَه، وإلَّا رجَع إلى وَرَثَةِ الأوَّلِ.
وتقدَّم حُكْمُ الوَقْفِ المُؤقَّتِ.

فَصْلٌ: وَالْمَشْرُوعُ فِي عَطِيَّةِ الأوْلَادِ الْقِسْمَةُ بَينَهُمْ عَلَى قَدْرِ مِيرَاثِهِمْ.
قوله: والمَشْروعُ في عَطيَّةِ الأوْلادِ القِسْمَةُ بينَهم على قَدْرِ مِيراثِهم.
هذا المذهبُ.
نصَّ عليه، في رِوايَةِ أبِي داودَ، وحَرْبٍ، ومحمدِ بنِ الحَكَمِ، والمَرُّوذِيِّ، والكَوْسَجِ، وإسْحاقَ بنِ إبْراهيمَ، وأبِي طالِبٍ، وابنِ القاسِمِ، وسِنْدِيٍّ.
وعليه جماهِيرُ الأصحابِ.
وجزَم به في «الهِدايَةِ»، و «المُذْهَبِ»، و «المُسْتَوْعِبِ»، و «الخُلاصَةِ»، و «الوَجيزِ»، و «التَّلْخيصِ»، و «الزَّرْكَشِىيِّ».
وقدَّمه في «المُغنِي»، و «الشَّرْحِ»، و «الفُروعِ»، و «الفائقِ»، و «الرعايَةِ»، و «الحارِثِي»، وغيرِهم.
وعنه، المَشْروعُ أنْ يكونَ الذَّكرُ كالأُنْثَى، كما في النَّفَقَةِ.
اخْتارَه ابنُ عَقِيلٍ في «الفُنونِ»، والحارِثِيُّ.

..................................  وفي «الواضِحِ» وَجْهٌ، تُسْتَحَبُّ التَّسْويَةُ بينَ أبٍ وأُمٍّ، وأخٍ وأُخْتٍ.
قال في رِوايةِ أبِي طالِبٍ: لا يَنْبَغِي أنْ يُفَضِّلَ أحدًا مِن وَلَدِه في طَعام ولا غيرِه، كان 1 يُقالُ: يعْدِلُ بينَهم في القُبَلِ.
قال في «الفُروعِ»: فدخَل فيه نظَرُ وَقفٍ.
وقال الشيخُ تَقِيُّ الدِّينِ: ولا يجبُ على المُسْلِمِ التسْويَةُ بينَ أوْلادِه الذِّمَّةِ 2.

..................................  تنبيهات؛ الأوَّلُ، يَحْتَمِلُ قوْلُه: في عَطِيَّةِ الأوْلادِ.
دُخولَ أوْلادِ الأوْلادِ، ويُقَوِّيه قوْلُه: القِسْمَةُ بينَهم على قَدْرِ إرْثِهم.
فقد يكونُ في وَلَدِ الولدِ مَن يَرِثُ.
وهذا المذهبُ، وهو ظاهِرُ كلامِ الأصحابِ.
وقدَّمه في «الفُروعِ».
ويَحْتَمِلُ أنَّ هذا الحُكْمَ مَخْصوصٌ بأوْلادِه لصُلْبِه.
وهو وَجْهٌ.
وذكَر الحارِثِيُّ، لا وَلَدَ بَنِيه 1 وبَناتِه.
الثَّاني، قُوَّةُ كلامِ المُصَنِّفِ تُعْطِي أنَّ فِعْلَ ذلك على سَبِيلِ الاسْتِحْبابِ.
وهو قوْلُ القاضي في «شَرْحِه».
وتقدَّم كلامُه في «الواضِحِ».
والصَّحيحُ مِنَ

..................................  المذهبِ؛ أنَّه إذا فعَل ذلك يجِبُ عليه، ولا يَأْباه كلامُ المُصَنِّفِ هنا.
وجزَم به في «المُحَرَّرِ»، و «التَّلْخيصِ»، و «النظْمِ»، و «الوَجيزِ»، و «الفائقِ»، و «الرِّعايتَين»، و «الحاوي الصَّغِيرِ».
وقدَّمه في «الفُروعَ»، و «الحارِثِيِّ».
واخْتارَه الشَّيخُ تَقِيُّ الدِّينِ.
وقال: هو المذهبُ.
الثَّالثُ، مَفْهومُ قوْلِه: والمَشْروعُ في عَطيةِ الأوْلادِ.
أنَّ الأقارِبَ الوارِثِين غيرَ الأوْلادِ، ليس عليه التَّسْويَةُ بينَهم.
وهو اخْتِيارُ المُصَنفِ، والشَّارِحِ.
قال في «الحاوي الصغِيرِ»: وهو أصحُّ.
وهو ظاهِرُ كلامِه في «الوَجيزِ»، فإنَّه قال: يجِبُ التَّعْديلُ في عطيةِ أوْلادِه بقَدْرِ إرْثهم منه.
قال الحارِثِيُّ: هو المذهبُ، وعليه المُتَقدمون؛ كالخِرَقِيِّ، وأبِي بَكْرٍ، وابنِ أبِي مُوسى.
قال في «الفُروعِ»: وهو سَهْوٌ.
انتهى.
والصَّحيحُ أنَّ حُكْمَ الأقارِبِ الوُرَّاثِ في العَطِيَّةِ، كالأوْلادِ.
نصَّ عليه، وجزَم به في «الهِدايَةِ»، و «المُذْهَبِ»، و «مَسْبوكِ الذَّهَبِ»، و «المُسْتَوْعِبِ»، و «الخُلاصَةِ»، و «التَّلْخيصِ»، و «المُحَرَّرِ»، وغيرِهم.
وقدَّمه في «الرعايتَين»، و «النَّظْمِ»، و «الفائقِ»، و «الفُروع»، وقال: اخْتارَه الأكثر.
وأمَّا الزَّوْجُ والزَّوْجَةُ، فلا يدْخُلان في لَفْظِ الأولادِ والأقارِبِ، بلا نِزاعٍ بينَ الأصحابِ، فهم خارِجُون مِن هذه الأحْكامِ.
صرَّح به في «الرعايَةِ» وغيرِها، وهو ظاهِرُ كلامِ الباقين.
الرَّابعُ، ظاهِرُ كلام المُصَنفِ مَشْروعِيَّةُ التَّسْويَةِ في الإعْطاءِ، سواءٌ كان قليلًا أو كثيرًا، وسواءٌ كانوا كلُّهم فُقَراءَ أو بعضُهم.
واعْلمْ أنَّ الإمامَ أحمدَ نصَّ على أنَّه يُعْفَى عن الشَّيءِ التَّافِهِ.
وقال القاضي أبو يَعْلَى الصَّغِيرُ: يُعْفَى عن الشَّيءِ اليَسيرِ.
وعنه، يجِبُ التسْويَةُ أيضًا فيه، إذا تَساوَوْا في الفَقْرِ أو الغِنَى.

فَإِنْ خَصَّ بَعْضَهُمْ أوْ فَضَّلَهُ، فَعَلَيهِ التَّسْويَةُ بِالرُّجُوعِ أَوْ إِعْطَاءِ الْآخَرِ حَتَّى يَسْتَوُوا.
قوله: فإنْ خَصَّ بعضَهم أو فضلَه، فعليه التَّسْويَةُ بالرُّجوعِ أو إعْطاءِ الآخَرِ حتى يَسْتَوُوا.
هذا المذهبُ مُطلَقًا، وهو ظاهِرُ كلامِه في «الهِدايَةِ»، و «المُذْهَبِ»، و «المُسْتَوْعِبِ»، و «الخُلاصَةِ»، و «التلْخيصِ»، وغيرِهم.
وجزَم به في «الوَجيزِ» وغيرِه.
وقدَّمه في «الفُروعٍ»، و «الرِّعايتَين»، وغيرِهم.
قال الزَّرْكَشِيُّ: نصَّ عليه في روايَةِ يُوسُف بنِ مُوسى، وهو ظاهِرُ كلامَ الأكْثَرِين.
انتهى.
قال الحارِثِيُّ: وهو ظاهِرُ إيرادِ الكتابِ والأصحابِ.
ونصَرَه.
وتحْريمُ فِعْلِ ذلك، في الأوْلادِ وغيرِهم مِنَ الأقاربِ، مِنَ المُفْرَداتِ.
وقيل: إنْ أعْطاه لمَعْنًى فيه؛ مِن حاجَةٍ، أو زَمانَة، أو عَمًى، أو كثرَةِ عائلَة، أو لاشْتِغالِه بالعِلمِ ونحوه، أو منَع بعْضَ وَلَدِه لفِسْقِه، أو بِدْعَتِه، أو لكَوْنِه يعْصِي الله بما يأخُذُه ونحوُه، جازَ التَّخْصيصُ.
واخْتارَه المُصَنِّفُ، واقْتَصرَ عليه ابنُ رَزِينٍ في «شَرْحِه»، إلَّا أنْ تكونَ النسْخَةُ مَغلوطَةً.
وقطَع به النَّاظِمُ.
وقدَّمه في «الفائقِ».
وقال: هو ظاهِرُ كلامِه.
قلتُ: قد رُوِيَ عن أحمدَ ما يدُلُّ

..................................  على ذلك؛ فإنَّه قال في تَخْصيصِ بعضِهم بالوَقْفِ: لا بأَسَ إذا كان لحاجَةٍ، وأكْرَهُه، إذا كان على سَبِيلِ الأَثرَةِ.
والعَطِيَّةُ في معْنَى الوَقْفِ.
قلتُ: وهذا قَويٌّ جدًّا.

..................................  قوله: فعليه التَّسْويَةُ بالرُّجوعِ أو إعْطاءِ الآخَرِ.
هذا المذهبُ، أعْنِي، أنَّ التَّسْويَةَ؛ إمَّا بالرَّجوعِ، وإمَّا بالإعْطاءِ.
قال في «الفُروعِ»: هذا الأشْهَرُ.
نصَّ عليه.
وجزَم به في «الهِدايَةِ»، و «المُذْهَبِ»، و «المُسْتَوْعِبِ»،

..................................  و «الخُلاصَةِ»، و «التلْخيصِ»، وغيرِهم.
ولم يذْكُرِ الإمامُ أحمدُ في رِوايَةٍ إلَّا الرُّجوعَ فقط.
وقاله الخِرَقِيُّ، وأبو بَكْر.
قال الحارِثيُّ: والأظْهَرُ أنَّ المَنْقولَ عن أحمدَ ليس قوْلَين مُخْتَلِفَين، إنَّما هو اخْتِلافُ حالين.

..................................  تنبيه: ظاهِرُ قولِه: أو إعْطاء الآخَرِ.
ولو كان إعْطاؤُه في مَرضِ الموْتِ.
وهو صحيحٌ، وهو المذهبُ.
قال الشَّارِحُ: وهو الصَّحيحُ.
وصحَّحه في «الفائقِ».

فَإن مَاتَ قَبْلَ ذَلِكَ، ثَبَتَ لِلْمُعْطَى.
وَعَنْة، لَا يَثْبُت، وَلِلْبَاقِينَ الرُّجُوعُ.
اخْتَارَة أَبُو عَبْدِ اللهِ بن بَطَّةَ.
قال الزَّرْكَشِيُّ: أوْلَى القَوْلَين، الجوازُ.
واخْتارَه المُصَنِّفُ وغيرُه.
وقدَّمه في «الفُروعِ».
وعنه، لا يُعْطِي في مرَضِه.
وهو 1 قول قدمه في «الرِّعايتَين».
قال الحارِثِيُّ: أشْهَرُ الرِّوايتَين، لا يصِح.
نصَّ عليه في رِوايَةِ المَرُّوذِيِّ، ويُوسُفَ بنِ مُوسى، والفَضْلِ بنِ زِيادٍ، وعَبْدِ الكَرِيمِ بنِ الهَيثَمِ، وإسْحاقَ بن إبْراهِيمَ.
ونقَل المَيمُونِيُّ وغيرُه، لا ينْفُذُ.
وقال أبو الفَرَجِ وغيرُه: يُؤمَرُ برَدِّه.
فائدتان؛ إحْداهما، يجوزُ التَّخْصِيصُ بإذْنِ الباقِي.
ذكَرَه الحارِثِي، واقْتَصرَ عليه في «الفُروعِ».
الثَّانية، يجوزُ للأبِ تَمَلُّكُه بلا حِيلَةٍ.
قدَّمه الحارِثِيُّ، وتابَعه في «الفُروعِ».
ونقَل ابنُ هانيِء، لا يُعْجِبُنِي أنْ يأْكُلَ منه شيئًا.
قوله: فإنْ ماتَ قبلَ ذلك، ثبَت للمُعْطَى.
هذا المذهبُ، وعليه أكثرُ الأصحابِ؛ منهم الخَلَّالُ، وصاحِبُه أبو بَكْر، والخِرَقِي، والقاضِي، وأصحابُه، ومَن بعدَهم.
قاله الحارِثِيُّ.
قال ابنُ مُنَجَّى: هذا المذهبُ.
قال في «الرِّعايتَين»:

..................................  لم يرْجِعَ الباقُون على الأصحِّ.
وجزَم به في «الوَجيزِ»، و «المُنَوِّرِ».
وقدَّمه في «الفُروعِ»، و «شَرْحِ ابنَ رَزِينٍ»، و «الحاوي الصَّغِيرِ»، و «الحارِثِيِّ»، وغيرِهم.
وعنه، لا يثْبُت، وللباقِين الرُّجوعُ.
اخْتارَه أبو عَبْدِ اللهِ بنُ بَطَّةَ، وصاحِبُه أبو حَفْص 1 العُكْبَرِيَّان، وابنُ عَقِيلٍ، والشَّيخُ تَقِيُّ الدِّينِ، وصاحِبُ «الفائقِ».
وأطْلَقهما في «المُذْهَبِ»، و «المُسْتَوْعِبِ»، و «الخُلاصَةِ»، و «التَّلْخيصِ»، و «المُحَرَّرِ»، و «النَّظْمِ»، و «الفائقِ»،

..................................  وغيرِهم.
قال الشيخُ تَقِيُّ الدِّينِ: وأما الوَلَدُ المُفَضَّلُ، فيَنْبَغِي له الردُّ بعدَ الموتِ، قوْلًا واحدًا.
قال في «المُغْنِي»، و «الشرْحِ»: يُسْتَحَبُّ للمُعْطَى أنْ يُساويَ أخاه في عَطِيَّتِه.
وحُكِيَ عن أحمدَ بُطْلانُ العَطِيَّةِ.
واخْتارَه الحارِثِيُّ، وذكَر أنَّ بعضَهم نَقَلَه عن أحمدَ.
وذكَر ابنُ عَقِيلٍ في الصحةِ رِوايتَين.

..................................  فوائد؛ إحْداها، قال في «الرِّعايتَين»، و «الحاوي الصَّغِيرِ»: حُكْمُ ما إذا وُلِدَ له وَلَدٌ بعدَ موْتِه، حُكْمُ مَوْتِه قبلَ التَّعْديلِ المذْكُورِ بالإعْطاءِ أو الرُّجوعِ.
واخْتارَ الحارِثِيُّ هنا عدَمَ الوُجوبِ 1، وقال: إنْ حدَث بعدَ الموتِ، فلا رُجوعَ للحادِثِ على إخْوَتِه.
وقاله الأصحابُ أيضًا.
وفي «المُغْني» 2 تُسْتَحَبُّ التَّسْويَة بينَهم وبينَه.
الثَّانيةُ، محَلُّ ما تقدَّم، إذا فعَلَه في غيرِ مرَضِ المَوْتِ، فأمَّا إنْ فعَلَه في مرَضِ الموتِ، فإنَّهم يرْجِعُون.
قال في «الرِّعايَةِ»: فإنْ فعَل ذلك في مَرضِ

جارٍ التحميل