وَلَا يَجُوزُ لِمَنْ لَمْ يَحُجَّ عَنْ نَفْسِهِ أَنْ يَحُجَّ عَنْ غَيْرِهِ، وَلَا نَذْرِهِ، وَلَا نَافِلَةٍ، فَإِنْ فَعَلَ، [62 و] انْصَرَفَ إِلَى حَجَّةِ الْإِسْلَامِ.
وَعَنْهُ، يَقَعُ مَا نَوَاهُ.
مَحْرَمٌ، سقَط فرْضُ الحَجِّ ببَدَنِها، ووَجبَ أنْ يَحُجَّ عنها غيرُها.
قال في «الفُروعِ»: وهو محْمُولٌ على الإِياسِ.
قال في «التَّبْصِرَةِ»: إنْ لم تَجِدْ مَحْرَمًا، فرِوايَتان؛ لتَرَدُّدِ النَّظَرِ في حُصولِ الإِياس منه.
قوله: ولا يَجُوزُ لمَن لم يحُجَّ عن نفسِه أن يحُجَّ عن غيرِه، ولا نَذْرِه، ولا نافِلةٍ، فإنْ فعَلَ، انْصَرَفَ إلى حَجَّةِ الإِسْلامِ.
اعلمْ أنَّه إذا لم يكُنْ حَجَّ حَجَّةَ الإسْلامِ، وأرادَ الحَجَّ؛ فتارةً يريدُ الحَجَّ عن غيرِه، وتارةً يُريدُ الحَجَّ عن نفْسِه غيرَ حَجَّةِ الإِسْلامِ.
فإنْ أرادَ الحَجَّ عن غيرِه، لم يَجُزْ، فإنْ خالفَ وفعَل،
..................................
انْصرَفَ إلى حَجَّةِ الإِسْلامِ.
على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ، وسَواءٌ كان حَجُّ الغيرِ فرْضًا، أو نَذْرًا، أو نَفْلًا، وسَواءٌ كان الغيرُ حيًّا أو مَيِّتًا.
هذا المذهَبُ.
قالَه في «الفُروعِ» وغيرِه، وعليه جماهيرُ الأصحابِ، وجزَم به في «الوَجِيزِ» وغيرِه.
وقدَّمه فى «المُغْنِى»، و «الشَّرْحِ»، و «الفُروعِ»، وغيرِهم.
قال القاضى في «الرِّوَايتَيْن»: لم يخْتَلِفْ أصحابُنا فيه.
وقال أبو حَفْصٍ العُكْبَرِيُّ: يقَعُ عنِ المَحْجُوجِ عنه، ثم يقْلِبُه الحاجُّ عن نَفْسِه.
نقَل إسْماعِيلُ الشَّالَنْجِيُّ، لا يُجْزِئُه؛ لأَنَّه، عليه أفْضَلُ الصَّلاةِ والسَّلامِ، قال لمَن لَبَّى عن غيرِه: «اجْعَلْهَا عَنْ نَفْسِكَ».
وعنه، يقَعُ باطِلًا.
نقَله علِيٌّ الشَّالَنْجِىُّ 1. واخْتارَه أبو بَكْرٍ.
..................................
وعنه، يجوزُ عن غيرِه، ويقَعُ عنه.
قَال القاضى: وهو ظاهِرُ نَقْلِ محمدِ بنِ مَاهَانَ 1. وفى «الانْتِصَارِ» رِوايةٌ، يقَعُ عمَّا نَواه بشَرْطِ عَجْزِه عن حَجِّه لنَفْسِه.
فعلى المذهبِ، لا يَنُوبُ مَن لم يُسْقِطْ فَرْضَ نفْسِه.
على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ.
قدَّمه في «الفُروعِ».
وقال في «الفُروعِ»: يتَوجَّهُ ما قيل: ينُوبُ في نَفْلِ عَبْدٍ وصَبِيٍّ، ويُحْرِمُ.
وجزَم به في «الرِّعايَةِ الصُّغْرَى»، و «الحاوِيَيْن»، و «تَذْكِرَةِ ابنِ عَبْدُوسٍ».
ورَجَّح غيرُ واحدٍ المَنعَ.
وأمَّا إذا
..................................
أرادَ أنْ يحُجَّ عن نفْسِه نذْرًا أو نافِلَةً، فالصَّحيحُ مِنَ المذهَبِ، أنَّ ذلك لا يجوزُ، ويقَعُ عن حَجَّةِ الإِسْلامِ.
نصَّ عليه، وعليه الأصحابُ.
وعنه، يقَعُ ما نوَاه.
وعنه، يقَعُ باطِلًا.
ولم يذْكُرْها بعضُهم هنا؛ منهم القاضى أبو الحُسَيْنِ في «فُروعِه»، والمُصَنِّفُ في «المُغْنِى»، وصاحِبُ «التَّلْخِيصِ»، وغيرُهم.
وحَكَوْها في التى قبلَها.
فعلى المذهَبِ، لا تُجْزِئُ عنِ المَنْذورةِ مع حَجَّةِ الإِسْلامِ معًا.
على الصَّحيحِ.
مِنَ المذهبِ.
نصَّ عليه.
ونَقل أبو طالِبٍ، تُجْزِئُ عنهما، وأنَّه قوْلُ أكثرِ العُلَماءِ.
اخْتارَه أبو حَفْصٍ.
فوائد؛ إحداها، لو أحْرَمَ بنَفْلٍ مَن عليه نَذْرٌ، ففيه الرِّواياتُ المُتقَدِّمَةُ، نقْلًا
..................................
ومذهَبًا.
قال في «الفُروعِ»: ويتَوجَّهُ أنَّ هذا وغيرَه الأشْهَرُ في أنَّه يسْلُكُ في النَّذْرِ مَسْلكَ الواجِبِ لا النَّفْلِ.
الثَّانيةُ، العُمْرَةُ كالحَجِّ، فيما تقدَّم ذِكْرُه.
الثَّالثةُ، لو أتَى بواجِبِ أحَدِهما، فله فِعْلُ نذْرِه ونفْلِه قبل إتْيانِه بالآخَرِ.
على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ.
وقيل: لا؛ لوُجوبِهما على الفَوْرِ.
الرَّابعةُ، لو حَجَّ عن نذْرِه، أو عن نَفْلٍ، وعليه قَضاءُ حَجَّةٍ فاسِدَةٍ، وَقعَتْ عن القَضاءِ دُونَ ما نوَاه.
على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ.
قالَه في «القاعدَةِ الحادِيَةَ عَشْرَةَ».
الخامسةُ، النَّائبُ كالمَنُوبِ عنه فيما تقدَّم؛ فلو أحْرَمَ النَّائبُ بنَذْرٍ أو نَفْلٍ عن مَن عليه حَجَّةُ الإِسْلامِ، وقَع عنها.
على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ.
ولو اسْتَنابَ عنه، أو عن مَيِّتٍ، واحدًا في فرْضِه، وآخَرَ في نَذْرِه في سنَةٍ، جازَ.
قال ابنُ عَقِيلٍ: وهو أفْضَلُ مِنَ التَّأْخيرِ؛ لوجُوبِه على الفَوْرِ.
قال في «الفُروعِ»: كذا قال، فيَلْزَمُه وُجوبُه إذَنْ، ولْيُحْرِمْ بحَجَّةِ
..................................
الإِسْلامِ قبلَ الآخَرِ، وأيُّهما أحْرَمَ أوَّلًا، فعن حَجَّةِ الإِسْلامِ، ثم الأُخْرَى عن النَّذْرِ.
قال في «الفُروعِ»: وظاهرُ كلامِهم، ولو لم يَنْوِه.
وقال في «الفُصُولِ»: يَحْتَمِلُ الإِجْزاءُ؛ لأنَّه قد يُعْفَى عنِ التَّعْيِينِ في بابِ الحَجِّ، ويَنْعَقِدُ مُبْهَمًا، ثم يُعَيَّنُ.
قال: وهو أشْبَهُ، ويَحْتَمِلُ عكْسُه؛ لاعْتِبارِ تعْييِنه، بخِلافِ حَجَّةِ الإِسْلامِ.
وَهَلْ يَجُوزُ لِمَنْ يَقْدِرُ عَلَى الْحَجِّ بِنَفْسِهِ أنْ يَسْتَنِيبَ فِى حَجِّ التَّطَوُّعِ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ.
قوله: وهل يَجُوزُ لمَن يَقْدِرُ على الحَجِّ بنَفْسِه أنْ يَسْتَنِيبَ في حَجِّ التَّطَوُّعِ؟ على رِوايتَيْن.
وأطْلَقهما في «المُذْهَبِ»، و «مَسْبُوكِ الذَّهَبِ»، و «المُسْتَوْعِبِ»، و «التَّلْخِيصِ»، و «البُلْغَةِ»، و «الشَّرْحِ»، و «الحاوِيَيْن»، و «الفَائقِ»، والصَّرْصَرِيُّ في «نَظْمِه»؛ إحداهما، يجوزُ.
وهو المذهبُ.
قال في «الفُروعِ»: ويصِحُّ في الأصحِّ.
قال في «الخُلَاصَةِ»: ويجوزُ على الأصحِّ.
وصحَّحَه في «التَّصْحِيحِ».
واخْتارَه ابنُ عَبْدُوسٍ في «تَذْكِرَتِه».
وجزَم به في «الكَافِى»، و «الوَجِيزِ»، و «الإفادَاتِ»، و «المُنَوِّرِ»، و «المُنْتَخَبِ».
وقدَّمه في «الهِدَايَةِ»، و «الهَادِى»،
..................................
و «المُحَرَّرِ»، و «الرِّعايتَيْن».
وصحَّحَه القاضى أبو الحُسَيْنِ، وصاحِبُ «التَّصْحِيحِ».
والرِّوايةُ الثَّانيةُ، لا يجوزُ، ولا يصِحُّ.
تنبيه: ظاهِرُ كلامِ المُصَنِّفِ، أنَّه يجوزُ له أنْ يَسْتَنِيبَ إذا كان عاجِزًا عَجْزًا يُرْجَى معه زَوالُ عِلَّتِه، مِن غيرِ خِلافٍ.
وهى طريقَةُ المُصَنِّفِ، وتابعَه الشارِحُ.
والصَّحيحُ مِنَ المذهبِ، أنَّ حُكْمَه حُكْمُ القادِر بنَفْسِه، على الخِلافِ، كما تقدَّم.
قدَّمه في «الفُروعِ» وغيرِه.
وجزَم به في «التَّلْخِيصِ»، و «البُلْغَةِ»، و «الرِّعايَةِ الصُّغْرَى»، و «الحاوِيَيْن».
فوائد؛ منها، حُكْمُ المَحْبُوسِ حُكْمُ المرِيضِ المَرْجُوِّ بُرْؤْه.
قالَه الزَّرْكَشِيُّ.
ومنها، تصِحُّ الاسْتِنابَةُ عنِ المَعْضُوبِ والمَيِّتِ في النَّفْلِ، إذا كانَا قد حجَّا حَجَّةَ الإسْلامِ.
ومنها، يُسْتَحَبُّ أنْ يَحُجَّ عن أبوَيْه.
قال بعضُ الأصحاب: إنْ لمَ يَحُجَّا.
وقال بعضُهم: يُسْتَحَبُّ أنْ يَحُجَّ عنهما وعن غيرِهما، ويُسْتَحَبُّ أنْ يُقَدِّمَ
..................................
الأُمَّ، ويُقدِّمَ واجِبَ أبِيه على نَفْلِ أُمِّه.
نصَّ عليهما.
وقد تقدَّم حُكْمُ طاعَةِ والِدَيْه في الحَجِّ الواجبِ والنَّفْلِ، عندَ قَوْلِه: وليسَ للزَّوْجِ مَنْعُ امرأتِه مِن حَجِّ الفَرْضِ.
ومنها، في أحْكامِ النِّيابَةِ، فَنقولُ: مَن أُعْطِىَ مالًا ليَحُجَّ به عن شَخْصٍ بلا إجارَةٍ ولا جَعالَةٍ، جازَ.
نصَّ عليه، كالغَزْوِ.
وقال أحمدُ أيضًا: لا يُعْجِبُنى أنْ يأْخُذَ دَراهِمَ ويَحُجَّ عن غيرِه، إلَّا أنْ يتَبرَّعَ.
قال في «الفُروعِ»: ومُرادُه الإجارَةُ، أو أَحُجُّ حجَّةً بكذا.
والنَّائبُ أمِينٌ، يرْكَبُ ويُنْفِقُ بالمعْرُوفِ منه، أو ممَّا اقْترَضَه أو اسْتَدانَه لعُذْرٍ على ربِّه، أو يُنْفِقُ مِن نفْسِه، ويَنْوِى رُجوعَه به، ولو ترَكَه وأنْفقَ مِن نفْسِه، فقال فى «الفُروعِ»: ظاهرُ كلامِ أصحابِنا، يَضْمَنُ، وفيه نظَرٌ.
انتهى.
قال الأصحابُ: ويَضْمَنُ ما زادَ على المعْروفِ، ويَرُدُّ ما فضَل إلَّا أنْ يُؤْذَنَ له فيه؛ لأنَّه لا يَمْلِكُه، بل أباحَه، فيُؤْخَذُ منه، لو أحْرَمَ، ثم ماتَ مُسْتَنِيبُه، أخذَه الورَثَةُ، وضمِنَ ما أنْفَقَ بعدَ مَوْتِه.
قال في «الفُروعِ»: ويتَوجَّهُ، لا؛ للُزومِ ما أُذِنَ فيه.
قال في «الإِرْشَادِ» وغيرِه، في قوْلِه: حُجَّ عنِّي بهذا، فما فضَل فلكَ 1: ليس له أنْ يَشْتَرِىَ به تِجارَةً قبلَ حَجِّهِ.
قال في «الفُروعِ»: ويتَوجَّهُ، يجوزُ له صَرْفُ نَقْدٍ بآخَرَ لمَصْلَحَةٍ، وشِراءُ ماءٍ للطّهارَةِ به، وتَداوٍ، ودخُولُ حَمَّامٍ.
وإنْ ماتَ، أو ضَلَّ، أو صُدَّ، أو مَرِضَ، أو تَلِفَ بلا تَفْريطٍ، أو أَعْوَزَ بعدَه، لم يَضْمَنْ.
قال في «الفُروعِ»: ويتَوجَّهُ مِن كلامِهم، يُصَدَّقُ، إلَّا أنْ يدَّعِىَ أمْرًا ظاهِرًا، فَيُبَيَّنَه، وله نفَقَةُ رُجوعِه.
على الصَّحيحِ مِنَ المذهَبِ مُطْلَقًا.
وعنه، إنْ رجَع لمرَضٍ، رَدَّ ما أخَذ، كرُجوعِه لخَوْفِه مرَضًا.
قال في «الفُروعِ»: ويتَوجَّهُ فيه احْتِمالٌ.
وإنْ سلَكَ طرِيقًا يُمْكِنُه سلُوكُ أقْرَبَ منه بلا ضَرَرٍ، ضَمِنَ ما زادَ.
قال المُصَنِّفُ: أو تعَجَّلَ عَجَلَةً يُمْكِنُه ترْكُها.
قال في «الفُروعِ»: كذا قال.
ونقَل الأَثْرَمُ، يَضْمَنُ ما زادَ على ما أُمِرَ بسُلوكِه.
ولو
..................................
جاوَزَ المِيقاتَ مُحِلًّا، ثم رجَع ليُحْرِمَ، ضمِنَ نفَقَةَ تجَاوُزِه ورُجوعِه.
وإنْ أقامَ بمَكَّةَ فوقَ مُدَّةِ قَصْرٍ بلا عُذْرٍ، فمِن مالِه، وله نفَقَةُ رُجوعِه، خِلافًا «للرِّعايَةِ الكُبْرَى»، إلَّا أنْ يتَّخِذَها دارًا ولو ساعةً واحدَةً، فلا.
وهل الوِحْدَةُ عُذْرٌ أم لا؟ ظاهرُ كلامِ الأصحابِ مُخْتَلِفٌ.
قال في «الفُروعِ»: والأَوْلَى أنَّه عُذْرٌ.
ومَعْناه في «الرِّعايَةِ» وغيرِها، للنَّهْىِ.
وذكَر المُصَنِّفُ، إنْ شرَط المُؤَجِّرُ على أجيرِه أنْ لا يتَأخَّرَ عنِ القافِلَةِ، أو لا يسيرَ في آخرِها، أو وَقْتَ القائلَةِ، أو ليْلًا، فخالفَ، ضَمِنَ.
فدَلَّ أنَّه لا يضْمَنُ بلا شَرْطٍ، والمُرادُ مع الأمْنِ.
قالَه في «الفُروعِ».
ومتى وجَب القَضاءُ، فمِنْه عنِ المُسْتَنِيبِ، وَيرُدُّ ما أخَذ؛ لأنَّ الحَجَّةَ لم تقَعْ عن مُسْتَنِيبِه لجِنايَتِه.
كذا مَعْنَى كلامِ المُصَنِّفِ.
وكذا في «الرِّعايَةِ»، نفَقَةُ الفاسِدِ والقَضاءُ على النَّائبِ.
ولعَلَّه ظاهِرُ «المُسْتَوْعِبِ».
قالَه في «الفُروعِ»، وقال: وفيه نظَرٌ.
فإنْ حَجَّ مِن قابِلٍ بمالِ نفْسِه، أجْزأَه.
ومع عُذْرٍ، ذكَر المُصَنِّفُ إنْ فاتَ بلا تَفْرِيطٍ، احْتُسِبَ له بالنَّفَقَةِ.
فإنْ قُلْنا: يجبُ القَضاءُ.
فعليه؛ لدُخولِه في حَجٍّ ظَنَّه عليه، فلم يكُنْ، وَفاتَه.
وذكرَ جماعةٌ، إنْ فاتَ بلا تَفْريطٍ، فلا قَضاءَ عليهما، إلا واجِبًا على مُسْتَنِيبٍ، فيُؤدَّى عنه بوُجوبٍ سابقٍ، والدِّماءُ عليه.
والمَنْصُوصُ، ودمُ تَمَتُّعٍ وقِرانٍ، كنَهْيِه عنه، وعلى مُسْتَنِيبِه إنْ أذِنَ، كدَمِ إحْصارٍ.
وأطْلَقَ في «المُسْتَوْعِبِ» في دَمِ إحْصارٍ وَجْهَيْن.
ونقَل ابنُ مَنْصُورٍ، إنْ أمرَ مرِيضٌ مَن يَرْمِى عنه، فنَسِىَ المأْمورُ، أساءَ، والدَّمُ على الآمِرِ.
قال في «الفُروعِ»: ويتَوجَّهُ أنَّ ما سبَق مِن نَفَقَةِ تَجاوُزِه ورُجوعِه، والدَّمَ مع عُذْرٍ، على مُسْتَنِيبِه، كما ذكَرُوه في النَّفقَةِ في فَواتِه بلا تَفْريطٍ، ولعَلَّه مُرادُهم.
انتهى.
وإنْ شرَط أحدُهما أنَّ الدَّمَ الواجِبَ عليه على غيرِه، لم يصِحَّ شرْطُه، كأَجْنَبِيٍّ.
قال في «الفُروعِ»: ويتَوجَّهُ، إنْ شرَطَه على نائبٍ، لم يصِحَّ.
اقْتَصَرَ عليه في
..................................
«الرِّعايَةِ»، فيُؤْخَذُ منه، يصِحُّ عكْسُه.
وفى صِحَّةِ الاسْتِئْجارِ لحَجٍّ أو عُمْرَةٍ، رِوايَتا الإِجارَةِ على قُرْبَةٍ، يأْتِيَان في كلامِ المُصَنِّفِ في الإِجارَةِ.
والمذهبُ عدَمُ الصِّحَّةِ، ولا يَلْزَمُ مِنِ اسْتِنابَةٍ إجارَةٌ؛ بدَليلِ اسْتِنابَةِ قاضٍ، وفى عمَلٍ مَجْهُولٍ، ومُحْدِثٍ في صَلاةٍ.
قال في «الفُروعِ»: كذا قالوا.
واخْتارَ ابنُ شَاقْلَا، يصِحُّ.
وذكرَ في «الوَسِيلَةِ» الصِّحَّةَ عنه وعن الخِرَقِىِّ.
فعلى هذا، تُعْتَبرُ شُروطُ الإِجارَةِ.
وإنِ اسْتَأْجرَ عيْنَه لم يَسْتَنِبْ.
على الصَّحيحِ مِنَ المذهَبِ.
وقال في «الفُروعِ»: يتَوجَّهُ كتَوْكيلٍ، وأنْ يَسْتَنِيبَ لعُذْرٍ.
وإنْ ألزمَ ذِمَّتَه بتَحْصِيلِ حَجَّةٍ له، اسْتَنابَ، فإنْ قال: بنَفْسِكَ.
قال في «الفُروعِ»: فيتَوجَّهُ في بُطْلانِ الإِجارَةِ ترَدُّدٌ، فإنْ صحَّتْ لم يَجُزْ أن يَسْتَنِيبَ.
انتهى.
[ولا يَسْتَنِيبُ في إجارَةِ العَيْنِ، ويجوزُ في إجارَةِ الذِّمَّةِ، فإنْ قال: بنَفْسِكَ.
لم يَجُزْ في وَجْهٍ، وفى آخَرَ، تَبْطُلُ الإِجارَةُ.
وأطْلَقهما في «الفُروعِ»] 1. قال الآجُرِّيُّ: وإنِ اسْتَأْجرَه؛ فقال: يحُجُّ عنه من بلَدِ كذا.
لم يَجُزْ حتى يقولَ: يُحْرِمُ عنه مِن مِيقاتِ كذا.
وإلَّا فَمجْهُولَةٌ.
فإذا وَقَّتَ مَكانًا يُحْرِمُ منه، فأَحْرَمَ قبلَه فماتَ، فلا أُجْرَةَ، والأُجْرَةُ مِن إحْرامِه ممَّا عَيَّنَه إلى فَراغِه.
قال في «الفُروعِ»: ويتوَجَّهُ، لا جَهالَة، ويُحْمَلُ على عادَةِ ذلك البَلَدِ غالِبًا، ومَعْناه كلامُ أصحابِنا ومُرادُهم.
قال: ويتَوجَّهُ، إنْ لم يكُنْ للبَلَدِ إلَّا مِيقَاتٌ واحدٌ، جازَ.
فعلى قوْلِه، يقَعُ الحَجُّ عنِ المُسْتَنِيبِ، وعليه أُجْرَةُ مِثْلِه.
ويُعْتَبرُ تَعْيِينُ النُّسُكِ وانْفِساخُها بتَأْخيرِ يأْتِى في الإِجارَةِ، فإنْ قَدِمَ فيَتَوجَّهُ جَوازُه لمَصْلحَةٍ، وعدَمُه لعدَمِها، وإلَّا فاحْتِمالَان، أظْهَرُهما، يجوزُ.
قالَه في «الفُروعِ».
ومَعْنَى كلامِ المُصَنِّفِ وغيرِه، يجوزُ، وأنَّه زادَ خيْرًا.
ويَمْلِكُ ما يأخُذه ويتَصرَّفُ فيه، ويَلْزَمُه الحَجُّ، ولو أُحْصِرَ، أو ضَلَّ، أو تَلِفَ ما أخَذَه،
..................................
فرَّطَ أو لا، ولا يُحْتَسَبُ له بشئٍ.
واخْتارَ صاحِبُ «الرِّعايَةِ»، لا يَضْمَنُ بلا تَفْريطٍ والدِّماءُ عليه، وإنْ أفْسَدَه كفَّرَ، ومَضَى فيه وقَضاه، وتَجِبُ أُجْرَةُ مُسافِرٍ قبلَ إحْرامِه.
جزَم به جماعَةٌ.
وقدَّمه في «الفُروعِ».
وقيلَ: لا.
وأطْلَقَ بعضُهم وَجْهَيْن.
وعلى الأوَّلِ قِسْطُ ما سارَه، لا أُجْرَةُ المِثْلِ، خِلافًا لصاحِبِ «الرِّعايَةِ»، وإنْ ماتَ بعدَ رُكْنٍ، لَزِمَه أُجْرَةُ الباقِى.
ومَن ضمِنَ الحَجَّةَ بأُجْرَةٍ أو جُعْلٍ، فلا شئَ له، ويَضْمَنُ ما تَلِفَ بلا تَفْريطٍ، كما سبَق.
وقال الآجُرَّيُّ: وإنِ اسْتُؤْجِرَ مِن مِيقاتٍ، فَماتَ قبلَه، فلا، وإنْ أحْرَمَ منه، ثم ماتَ، احْتُسِبَ منه إلى مَوْتِه.
ومَنِ اسْتُؤْجِرَ عن مَيِّتٍ، فهل تصِحُّ الإِقالَةُ أم لا؛ لأنَّ الحَقَّ للمَيِّتِ؟ يتَوَجَّهُ احْتِمالان.
قالَه في «الفُروعِ».
قلتُ: الأوْلَى الجَوازُ؛ لأنَّه قائمٌ مَقامَه، فهو كالشَّرِيكِ، والمُضارِبِ.
والصَّحيحُ، جَوازُ الإقالَةِ منهما، على ما يأْتِى في الشَّركَةِ.
وعلى الثَّانِى، يُعايَى بها.
ومَن أُمِرَ بحَجٍّ، فاعْتَمَرَ لنَفْسِه، ثم حَجَّ عن غيرِه، فقال القاضى وغيرُه: يَرُدُّ كلَّ النَّفقَةِ؛ لأنَّه لم يُؤْمَرْ به.
وجزَم به في «الحاوِى الكَبِيرِ».
ونصَّ أحمدُ - واخْتارَه المُصَنِّفُ وغيرُه - إنْ أحْرَمَ به مِن مِيقَاتٍ، فلا، ومِن مكَّةَ، يَرُدُّ مِنَ النَّفقَةِ ما بينَهما.
ومَن أُمِرَ بإفْرادٍ فقَرَنَ، لم يَضْمَنْ، كتَمَتُّعِه.
وفى «الرِّعايَةِ»، وقيلَ: هَدَرَ 1. قال في «الفُروعِ»: كذا قال.
ومَن أُمِرَ بتَمَتُّعٍ فقَرَنَ، لم يَضْمَنْ.
على الصَّحيحِ مِنَ المذهَبِ.
وقال القاضى وغيرُه: يَرُدُّ نِصْفَ النَّفقَةِ؛ لفوَاتِ فَضِيلَةِ التَّمَتُّعِ.
وعُمْرَةٌ مُفْردَةٌ كإفْرادِه ولو اعْتَمرَ؛ لأنَّه أحَلَّ فيها مِنَ المِيقاتِ.
ومَنْ أُمِرَ بقرانٍ فتَمَتَّعَ أو أفْرَدَ، فلِلْآمِرِ، ويَرُدُّ نَفَقَةَ قَدْرِ ما يَتْرُكُه مِن إحْرامِ النُّسُكِ المَتْروكِ مِنَ المِيقاتِ.
ذكَرَه المُصَنِّفُ وغيرُه.
وقال فى «الفُصُولِ» وغيرِها: يَرُدُّ نِصْف النَّفَقةِ، وإنَّ مَن تمَتَّعَ لا يَضْمَنُ؛ لأنَّه
..................................
زادَه خَيْرًا.
وإنِ اسْتَنابَ شخْصًا في حَجَّةٍ، واسْتَنابَه آخَرُ في عُمْرَةٍ، فَقَرَنَ، ولم يَأْذَنا له، صَحَّا له، وضَمِنَ الجميعَ، كمَن أُمِرَ بحَجٍّ فاعْتَمَرَ أو عكْسُه.
ذكَرَه القاضى وغيرُه.
وقدَّمه فى «الفُروعِ».
واخْتارَ المُصَنِّفُ وغيرُه، يقَعُ عنهما، ويَرُدُّ نِصْفَ نفَقَةِ مَن لم يأْذَنْ؛ لأنَّ المُخالفَةَ في صِفَتِه.
قال في «الفُروعِ»: وفى القَوْلَيْن نظَرٌ؛ لأنَّ المسْأَلَةَ تُشْبِهُ مَن أُمِرَ بالتَّمَتُّعِ فقَرَنَ.
قال في «الفُروعِ»: ويتَوجَّهُ منهما، لا ضَمانَ هنا، وهو مُتَّجَهٌ إنْ عدَّدَ أفْعالَ النُّسُكَيْن، وإلَّا فاحْتِمالان.
انتهى.
قلتُ: الصَّوابُ عدَمُ الصِّحَّةِ عن واحدٍ منهما، وضَمانُ الجميعِ.
وإنْ أُمِرَ بحَجٍّ أو عُمْرَةٍ، فقَرَنَ لنَفْسِه، فالخِلافُ.
وإنْ فَرَغَه ثم حجَّ أو اعْتَمَرَ لنَفْسِه، صحَّ، ولم يَضْمَنْ، وعليه نفَقَةُ نفْسِه مُدَّةَ مُقامِه لنَفْسِه.
وإنْ أُمِرَ بإحْرامٍ مِن مِيقَاتٍ، فأَحْرَمَ قبلَه، أو مِن غيرِه، أو مِن بَلَدِه، فأَحْرَمَ مِن مِيقاتٍ، أو في عامٍ، أو في شَهْرٍ، فخالَفَ، فقال ابنُ عَقِيلٍ: أساءَ لمُخالَفَتِه.
وذكَر المُصَنِّفُ، يجوزُ؛ لإِذْنِه فيه بالجُمْلَةِ.
وقال في «الانْتِصَارِ»: لو نوَاه بخِلافِ ما أمَرَه به، وجَب رَدُّ ما أخذَه.
ويأْتِى في أوَاخرِ بابِ الإِحْرامِ، في كلامِ المُصَنِّفِ وغيرِه، بعضُ أحْكامِ مَن حَجَّ عن غيرِه.
بَابُ الْمَوَاقِيتِ
وَمِيقَاتُ أهْلِ الْمَدِينَةِ مِنْ ذِى الْحُلَيْفَةِ، وَأَهْلِ الشَّامِ وَمِصْرَ وَالْمَغْرِبِ الْجُحْفَةُ، وَأَهْلِ الْيَمَنِ يَلَمْلَمُ، وَأهْلِ نَجْدٍ قَرْنٌ، وَأَهْلِ الْمَشْرِقِ ذَاتُ عِرْقٍ.
بابُ المَوَاقِيتِ
فوائد؛ الأُولَى، قوله: ومِيقَاتُ أهْلِ المدِينَةِ مِنْ ذِى الحُلَيْفَةِ، وأهْلِ الشَّامِ ومِصْرَ والمغْرِبِ الجُحْفَةُ، وأهْلِ اليَمَنِ يَلَمْلَمُ، وأهْلِ نَجْدٍ قَرْنٌ، وأهْلِ المشْرِقِ ذَاتُ عِرْقٍ.
اعلمْ أنَّ بين ذِى الحُلَيْفَةِ وبين مَكَّةَ عَشَرَة أيَّامٍ أو تِسْعَةً.
وهو أبعَدُ
..................................
المَواقِيتِ.
وقيل: أكْثْرُ مِن سَبْعِين فَرْسَخًا.
وقيل: مِائَتا مِيلٍ إلَّا مِيلَيْن، وبينَها وبينَ المَدِينَةِ مِيلٌ.
قالَه في «الرِّعايَةِ الكُبْرَى».
وقال الزَّرْكَشِيُّ: سِتَّةُ أمْيالٍ أو سَبْعَةٌ، وبينهما تَبايُنٌ كبيرٌ.
والصَّوابُ، أنَّ بينَهما سِتَّةَ أمْيالٍ، ورأَيْتُ مَن وَهَّمَ
..................................
قوْلَ مَن قال: إنَّ بينَهما مِيلًا.
ويَلِيه في البُعْدِ، الجُحْفَةُ.
وهى على ثَلاثِ مَراحِلَ مِن مَكَّةَ.
وقيل: خَمْسِ مَراحِلَ أو سِتَّةٍ.
ووَهِمَ مَن قال: ثَلاثٌ.
والثَّلاَثةُ الباقِيَةُ
..................................
بينَها وبين مَكَّةَ ليْلَتان.
وقيل: أقْرَبُها ذاتُ عِرْقٍ.
حكَاه في «الرِّعايَةِ».
وقال الزَّرْكَشِىُّ: قَرْنٌ عن مَكَّةَ يوْمٌ وليْلَةٌ، ويَلَمْلَمُ ليْلَتان.
ورأَيْتُ في «شَرْحِ الحافِظِ ابنِ حَجَرٍ» 1، أنَّ بينَ يَلَمْلَمَ وبينَ مَكَّةَ مَرْحَلتَيْن، ثَلاثُون مِيلًا، وبينَ ذاتِ عِرْقٍ وبينَ مَكَّةَ مَرْحلَتان، والمَسافَةُ اثْنان وأرْبَعُون مِيلًا.
فَقَرْنٌ لأهْلِ نَجْدٍ، وهى نَجْدُ اليَمَنِ، ونَجْدُ الحِجَازِ والطَّائفِ.
وذاتُ عِرْقٍ للمَشْرِقِ والعِراقِ وخُرَاسَانَ.
الثَّانيةُ، هذه المَواقِيتُ كلُّها ثبَتَتْ بالنَّصِّ.
على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ.
وأوْمَأَ أحمدُ أنَّ ذاتَ عِرْقٍ باجْتِهادِ عمرَ.
قال في «الفُروعِ»: والظَّاهِرُ، أنَّه
وَهَذِهِ الْمَوَاقِيتُ لِأَهْلِهَا، وَلِمَنْ مَرَّ عَلَيْهَا مِنْ غَيْرِهِمْ.
خَفِىَ النَّصُّ فوَافقَه، فإنَّه مُوَفَّقٌ للصَّوابِ.
قاله المُصَنِّفُ.
ويجوزُ أنْ يكونَ عمرُ ومَن سأَلَه لم يعْلَمُوا بتَوْقيتِه، عليه أفْضَلُ الصَّلاةِ والسَّلامِ، ذاتَ عِرْقٍ، فقال ذلك برَأْيِه، فأَصابَ.
فقد كان مُوَفَّقًا للصَّوابِ.
انتهى.
قلتُ: يتَعيَّنُ ذلك؛ إِذْ مِنَ المُحالِ أنْ يعْلَمَ أحَدٌ مِن هؤلاءِ بالسُّنَّةِ، ثم يسْأَلُونَه أنْ يُوَقِّتَ لهم.
الثَّالثةُ، الأَوْلَى أنْ يُحْرِمَ مِن أوَّلِ جُزْءٍ مِنَ المِيقاتِ، فإنْ أحْرَمَ مِن آخِرِه، جازَ.
ذكَرَه في «التَّلْخِيصِ» وغيرِه.
قوله: وهذه المَواقيتُ لأهْلِها، ولِمَن مَرَّ عليها مِن غيرِهم.
وهذا المذهَبُ، وعليه
..................................
الأصحابُ.
فلو مَرَّ أهْلُ الشَّامِ أو غيرُهم على ذِى الحُلَيْفَةِ، أو مَرَّ غيرُ أهْلِ ميقاتٍ على غيرِه، لم يكُنْ لهم مُجاوزَتُه إلَّا مُحْرِمين.
نصَّ عليه.
وقال الشَّيْخُ تَقِىُّ الدِّينِ:
وَمَنْ مَنْزِلُهُ دُونَ الْمِيقَاتِ، فَمِيقَاتُهُ مِنْ مَوْضِعِهِ.
يجوزُ تأْخِيرُه إلى الجُحْفَةِ إذا كان مِن أهْلِ الشَّامِ.
وجعَلَه في «الفُروعِ» توْجيهًا مِن عندِه، وقوَّاه ومالَ اليه، وهو مذهبُ عطاءٍ وأبي ثَوْرٍ ومالكٍ.
قوله: ومَن مَنْزِلُه دونَ الميقاتِ، فَمِيقاتُه مِن مَوْضِعِه.
بلا نِزاعٍ، لكنْ لو كان
وَأَهْلُ مَكَّةَ إِذَا أَرَادُوا الْعُمْرَةَ، فَمِنَ الْحِلِّ،
له مَنْزِلان، جازَ أنْ يُحْرِمَ مِن أقْرَبِهما إلى البَيْتِ، والصَّحيحُ مِنَ المذهَبِ، أنَّ الإِحْرامَ مِنَ البَعيدِ أوْلَى.
وقيلَ: هما سَواءٌ.
قوله: وأهْلُ مَكَّةَ إذا أرَادُوا العُمْرَةَ، فَمِنَ الحِلِّ.
سَواءٌ كان مِن أهْلِها، أو مِن
وَإِذَا أَرَادُوا الْحَجَّ، فَمِنْ مَكَّةَ.
غيرِهم، وسَواءٌ كان في مَكَّةَ أو في الحَرَمِ، هذا الصَّحيحُ مِنَ المذهَبِ، وكلَّما تباعَدَ كان أفْضلَ.
وذكَر ابنُ أبى مُوسى، أنَّ مَن كان بمَكَّةَ مِن غيرِ أهْلِها، إذا أرادَ عُمْرَةً واجِبَةً، فمِنَ المِيقاتِ، فلو أحْرَمَ مِن دُونِه، لَزِمَه دَمٌ، وإنْ أرادَ نَفْلًا، فمِن أدْنَى الحِلِّ.
وعنه، مَنِ اعْتمَرَ في أشْهُرِ الحَجِّ - أطْلقَه ابنُ عَقِيلٍ، وزادَ غيرُ واحدٍ فيها، مِن أهْلِ مَكَّةَ - أهَلَّ بالحَجِّ مِنَ المِيقاتِ، وإلَّا لَزِمَه دَمٌ.
قال في «الفُروعِ»: وهى ضَعيفَةٌ عندَ الأصحابِ، وأوَّلَها بعضُهم بسُقوطِ دَمِ المُتْعَةِ عن الآفَاقِيِّ بخُروجِه إلى المِيقَاتِ.
ويأْتِي في كلامِ المُصَنِّفِ، في صِفَةِ العُمْرَةِ، أنَّ العُمْرَةَ مِنَ التَّنْعيمِ أفْضَلُ، وبعدَها إذا أحْرَمَ مِنَ الحَرَمِ بها، وفِعْلُ العُمْرَةِ في كلِّ سَنةٍ وتَكْرَارُها.
قوله: وإذا أرَادُوا الحَجَّ، فَمِن مَكَّةَ.
هذا المذهبُ، سَواءٌ كان مَكِّيًّا أو غيرَه،
..................................
إذا كان فيها.
قال في «الفُروعِ»: وظاهِرُه لا تَرْجيحَ.
يعْنِى، أنَّ إحْرامَه مِنَ المَسْجِدِ وغيرِه سَواءٌ في الفَضِيلَةِ.
ونقَل حَرْبٌ، يُحْرِمُ مِنَ المَسْجِدِ.
قال في «الفُروعِ»: ولم أجِدْ عنه خِلافَه.
ولم يَذْكُرْه الأصحابُ إلَّا في «الإِيضَاحِ»؛ فإنَّه قال: يُحْرِمُ به مِنَ المِيزَابِ.
قلتُ: وكذا قال في «المُبْهِجِ».
..................................
فائدة: يجوزُ لهم الإحْرامُ مِنَ الحَرَمِ والحِلِّ، ولا دَمَ عليهم.
على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ.
نقَلَه الأثْرَمُ، وابنُ مَنْصُورٍ.
ونَصَرَه القاضى وأصحابُه.
وقدَّمه في «الفُروعِ» وغيرِه.
وعنه، إذا فعلَ ذلك، فعليه دَمٌ.
وعنه، إنْ أحْرَمَ مِنَ الحِلِّ،
..................................
فعليه دَمٌ لإحْرامِه دُونَ المِيقَاتِ، بخِلافِ مَنْ أحْرَمَ مِنَ الحرَمِ.
صحَّحَه في «تَصْحِيحِ المُحَرَّرِ»، والنَّاظِمُ.
وجزَم به المُصَنِّفُ، وقال: إنْ مَرَّ في الحَرَمِ
..................................
قبلَ مُضِيَّه إلى عرَفةَ، فلا دَمَ عليه.
وأطْلَقَ الأُولَى والثَّالِثَةَ في «المُحَرَّرِ»، و «الرِّعايتَيْن»، و «الحاوِيَيْن»، و «الفَائقِ»، وغيرِهم.
وعنه، في مَنِ اعْتمَرَ في أشْهُرِ الحَجِّ مِن أهْلِ مَكَّةَ، يُهِلُّ بالحَجِّ مِنَ المِيقاتِ، فإنْ لم يَفْعَلْ، فعليه دَمٌ.
وعن أحمدَ، المُحْرِمُ مِنَ المِيقاتِ عن غيرِه، إذا قَضَى نُسُكَه، ثم أرادَ أنْ يُحْرِمَ عن نفْسِه، واجبًا أو نَفْلًا، أو أحْرَمَ عن نَفْسِه، ثم أرادَ أنْ يُحْرِمَ عن غيرِه، أو عن إنْسانٍ، ثم عن آخَرَ، يُحْرِمُ مِنَ المِيقاتِ، وإلاَّ لَزِمَه دَمٌ.
اخْتارَه القاضى وجماعةٌ.
وقال في «التَّرْغِيبِ»: لا خِلافَ فيه.
قال في «الفُروعِ»: كذا قال.
وَمَنْ لَمْ يَكُنْ طَرِيقُهُ عَلَى مِيقَاتٍ، فَإِذَا حَاذَى أَقْرَبَ الْمَوَاقِيتِ إِلَيْهِ، أَحْرَمَ.
واخْتارَه المُصَنِّفُ، والشَّارِحُ، وغيرُهما.
قال الزَّرْكَشِيُّ: وهو المَشْهورُ، خِلافَ ما جزَم به القاضى وغيرُه، ورَدُّوه 1. وهو ظاهِرُ كلامِ الخِرَقِىِّ والإِمامِ أحمدَ، لكنَّ بعضَهم تَأَوَّلَه.
ويأْتِي بعضُ ذلك في بابِ صِفَةِ الحَجِّ.
قوله: ومَن لم يكُنْ طَرِيقُه على مِيقَاتٍ، فإذا حَاذى أقْرَبَ المَواقِيتِ إليه، أحْرَمَ.
وَلَا يَجُوزُ لِمَنْ أَرَادَ دُخُولَ مَكَّة تَجَاوُزُ الْمِيقَاتِ بِغيْرِ إِحْرَامٍ، إِلَّا لِقِتَالٍ مُبَاحٍ، أَوْ حَاجَةٍ مُتَكَرِّرَةٍ؛ كَالْحَطَّابِ وَنَحْوِهِ،
وهذا بلا نِزاعٍ، لكنْ يُسْتَحَبُّ الاحتِياطُ، فإنْ تَساوَيا في القُرْبِ إليه، فمِن أبعَدِهما عن مَكَّةَ.
وأطْلَقَ الآجُرِّىُّ، أنَّ مِيقَاتَ مَن عرَّج عنِ المَواقِيتِ، إذا حَاذَاها.
فائدة: قال في «الرِّعايَةِ»: ومَن لم يُحاذِ مِيقَاتًا، أحْرَمَ عن مَكَّةَ بقَدْرِ مَرْحلَتَيْن.
قال في «الفُروعِ»: وهذا مُتَّجَهٌ.
قوله: ولا يجَوزُ لمَن أرادَ دُخولَ مَكَّةَ تجَاوُزُ المِيقَاتِ بغيرِ إحْرَامٍ.
هذا المذهبُ، نصَّ عليه.
سَواءٌ أرادَ نُسُكًا أو مَكَّةَ.
وكذا لو أرادَ الحَرَمَ فقط.
وعليه
ثُمَّ إِنْ بَدَا لَهُ النُّسُكُ، أَحْرَمَ مِنْ مَوْضِعِهِ.
أكثرُ الأصحابِ.
وعنه، يجوزُ تَجاوُزُه مُطْلَقًا مِن غيرِ إحْرامٍ، إلَّا أنْ يُريدَ نُسُكًا.
ذكَرَها القاضى وجماعَةٌ، وصحَّحَها ابنُ عَقِيلٍ.
قال في «الفُروعِ»: وهى أظْهَرُ؛ للخَبَرِ.
واخْتارَه في «الفَائقِ».
قال الزَّرْكَشِيُّ: وهو ظاهِرُ كلامِ الخِرَقِىِّ، وظاهِرُ النَّصِّ.
تنبيه: قوله: ولا يجوزُ لمَن أرَادَ دُخولَ مكَّةَ.
مُرادُه، إذا كان مُسْلِمًا مُكَلَّفًا
..................................
حُرًّا، فلو تَجاوَزَ المِيقاتَ كافِرٌ، أو صَبِيٌّ، أو عَبْدٌ، ثم لَزِمَهم؛ بأنْ أسْلَمَ، أو بلَغ، أو عتَق، أحْرَمُوا مِن مَوْضِعِهم مِن غيرِ دَمٍ.
على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ.
نَصَّ عليه، واخْتارَه جماعَةٌ، منهم المُصَنِّفُ، والشَّارِحُ.
قال في «القَواعِدِ
..................................
الأُصُوليَّةِ»: والمذهبُ، لا دَمَ على الكافِرِ عندَ أبى محمدٍ.
وقدَّمه في «الفُروعِ»، و «الفَائقِ»، و «الرِّعايتَيْنِ»، و «الحاوِيَيْن».
قلتُ: فيُعايَى بها.
وعنه في الكافِرِ يُسْلِمُ، يُحْرِمُ مِنَ المِيقاتِ.
اختارَه أبو بكرٍ، ونَصَرَه القاضى وأصحابُه؛
..................................
لأنَّه حُرٌّ بالِغٌ عاقِلٌ، كالمُسْلِمِ، وهو مُتَمَكِّنٌ مِنَ المانِعِ.
قال المُصَنِّفُ، والشَّارِحُ: ويتَخرَّجُ في الصَّبِيِّ والعَبْدِ كذلك.
قال في «الرِّعايَةِ الصُّغْرَى»، و «الحاوِى»، و «الفائقِ»، بعدَ ذِكْرِ الرِّوايَةِ: وهما مِثْلُه.
وقال في «الرِّعايَةِ الكُبْرَى»: وغيرُه مِثْلُه وأوْلَى.
انتهى.
قلت: لو قِيل بالدَّمِ عليهما دُونَ الكافرِ والمَجْنونِ، لَكان له وَجْهٌ؛ لصِحَّتِه منهما مِنَ المِيقاتِ، بخِلافِ الكافرِ والمَجْنونِ.
..................................
ومنَع الزَّرْكَشِىُّ مِنَ التَّخْرِيجِ، وقال: الرِّوايَةُ التى في الكافرِ مَبْنيَّةٌ على أنَّه مُخاطَبٌ بفُروعِ الإِسْلامِ.
انتهى.
وقال في «القَواعِدِ الأُصُولِيَّةِ»: وبَنَى بعضُهم الخِلافَ في الكافرِ على أنَّه مُخاطَبٌ بفُروعِ الإِسْلامِ.
وعنه، يَلْزَمُ الجميعَ دَمٌ إذا لم يُحْرِمُوا مِنَ المِيقاتِ.
وأمَّا المَجْنونُ، إذا أفاقَ بعدَ مُجاوزَةِ المِيقاتِ، فإنَّه يُحْرِمُ مِن مَوْضِعِ إفاقَتِه، ولا دمَ عليه.
فائدة: لو تَجاوَزَ الحُرُّ المُسْلِمُ المُكَلَّفُ المِيقاتَ بلا إحْرامٍ، لم يَلْزَمْه قَضاءُ الإِحْرامِ.
ذكَرَه القاضى في «المُجَرَّدِ».
وجزَم به المُصَنِّفُ، والشَّارِحُ.
وقدَّمه في «الفُروعِ»، و «المُسْتَوْعِبِ».
قال في «الرِّعايتَيْن»، و «الحاوِيَيْن»: لم يَلْزَمْه قَضاءُ الإِحْرام الواجبِ في الأصحِّ.
وذكَر القاضى أيضًا وأصحابُه، يقْضِيه، وأنَّ أحمدَ أوْمَأَ إليه، كنَذْرِ الإِحْرامِ.
قوله: إلَّا لقِتَالٍ مُبَاحٍ، أو حاجَةٍ مُتَكَرَّرَةٍ، كالحَطَّابِ.
والفَيْجِ، ونَقْلِ المِيرَةِ، والصَّيْدِ، والاحْتِشاشِ، ونحوِ ذلك.
وكذا ترَدُّدُ المَكِّىِّ إلى قرْيَتِه
وَمَنْ جَاوَزَهُ مُرِيدًا لِلنُّسُكِ، رَجَعَ فَأَحْرَمَ مِنْهُ، فَإِنْ أحْرَمَ مِنْ مَوْضِعِهِ، فَعَلَيْهِ دَمٌ، وَإِنْ رَجَعَ مُحْرِمًا إِلَى الْمِيقَاتِ.
بالحِلِّ.
ويأْتِى في آخِرِ كتابِ الحُدُودِ، هل يجوزُ القِتالُ بمَكَّةَ؟
قوله: ثم إنْ بَدَا له النُّسُكُ، أحْرَمَ مِن مَوْضِعِه.
هذا المذهبُ، وعليه الأصحابُ.
وعنه، يَلْزَمُه أنْ يرْجِعَ فيُحْرِمَ مِنَ المِيقاتِ، ولا دَم عليه.
وذكَرَها في «الرَّعايَةِ» قوْلًا.
قوله: ومَن جَاوَزَه مُرِيدًا للنُّسُكِ، رجَع فأحْرَمَ منه.
يعْنِى، يَلْزَمُه الرُّجوعُ.
وهذا الصَّحيحُ مِن المذهبِ، لكنَّ ذلك مُقَيَّدٌ بما إذا لم يخَفْ فَوْتَ الحَجِّ أو غيره.
بلا نِزاعٍ.
قال في «الفُروعِ»: وأطْلَقَ في «الرِّعايَةِ» في وُجوبِ الرُّجوعِ وَجْهَين، وظاهِرُ «المُسْتَوْعِبِ»، أنَّهما بعدَ إحْرامِه، وكلٌّ منهما ضعِيفٌ.
..................................
انتهى.
قلتُ: قال في «الرِّعايَةِ»: وفى وُجوبِ رُجوعِه مُحِلًّا ليُحْرِمَ منه مع أمْنِ عَدُوٍّ، وفَوْتِ وَقْتِ 1 الحَجِّ، وجَهْان.
وقال في «المُسْتَوْعِبِ»: ولا يَلْزَمُه الرُّجوعُ إلى المِيقَاتِ بعدَ إحْرامِه بحالٍ.
ذكرَه القاضى.
وحكَى ابنُ عَقِيلٍ، أنَّه إنْ لم يخفْ عَدُوًّا ولا فواتًا، لَزِمَه الرُّجوعُ والإِحْرامُ مِنَ المِيقاتِ.
انتهى.
تنبيه: ظاهرُ كلامِ المُصَنِّفِ، أنَّه لو رجَع، فأَحْرَمَ مِنَ المِيقاتِ قبلَ إحْرامِه، أنَّه لا شئَ عليه.
وهو صحيحٌ، وهو المذهبُ، وعليه جماهيرُ الأصحابِ، وقطَع
..................................
به كثيرٌ منهم.
وحُكِىَ وَجْهٌ، عليه دَمٌ.
قوله: فإنْ أحْرَمَ مِن مَوْضِعِه، فعليه دَمٌ، وإنْ رجَع إلى الميقاتِ.
هذا المذهبُ.
وجزَم به في «المُغْنِى»، و «الشَّرْحِ»، و «المُحَرَّرِ»، و «الوَجِيزِ»، وغيرِهم.
وقدَّمه في «الفُروعِ»، و «الفَائقِ»، وغيرِهما.
وعنه، يسْقُطُ الدَّمُ إنْ رجَع إلى المِيقَاتِ.
وأطْلَقهما في «المُسْتَوْعِبِ».
فائدتان؛ إحداهما، الجاهِلُ والنَّاسِى، كالعالمِ العامِدِ، بلا نِزاعٍ.
والمُكْرَهُ
..................................
كالمُطِيعِ.
على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ.
قدَّمه في «الرِّعايَةِ».
وقال في «الفُروعِ»: وقاله بعضُ أصحابِنا في المُكْرَهِ.
وقال: ويتَوَجَّهُ أنْ لا دمَ على مُكْرَهٍ، أو أنَّه كإتْلافٍ.
وقال في «الرِّعايَةِ»: قلتُ: يَحْتَمِلُ أنْ لا يلْزَمُ المُكْرَهَ دَمٌ.
الثَّانيةُ، لو أفْسَدَ نُسُكَه هذا، لم يسْقُطْ دمُ المُجاوَزَةِ.
على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ.
نصَّ عليه، وقدَّمه في «الفُروعِ» وغيرِه، وعليه الأصحابُ.
ونقلَ مُهَنَّا، يسْقُطُ بقَضائِه.
وأطْلقَهما في «الرِّعايَةِ الكُبْرَى».
وَالِاخْتِيَارُ أَنْ لَا يُحْرِمَ قَبْلَ مِيقَاتِهِ، وَلَا يُحْرِمَ بِالْحَجِّ قَبْلَ أَشْهُرِهِ، فَإِنْ فَعَلَ فَهُوَ [62 ظ] مُحْرِمٌ.
تنبيه: ظاهرُ قولِه: والاخْتِيارُ أنْ لا يُحْرِمَ قبلَ مِيقَاتِه.
أنَّه يجوزُ الإحْرامُ قبلَ المِيقاتِ، لكِنَّه فعَل غيرَ الاخْتِيارِ، فيكونُ مَكْرُوهًا.
وهو صحيحٌ، وهو المذهبُ، وعليه أكثرُ الأصحابِ.
وقدَّم في «الرِّعايَةِ الكُبْرَى»، الجَوازَ مِن
..................................
غيرِ كراهةٍ، وأنَّ المُسْتَحَبَّ، مِنَ المِيقاتِ.
وهو ظاهِرُ كلامِ جماعةٍ، فيكونُ
..................................
مُباحًا.
ونَقَل صالِحٌ، إنْ قَوِىَ على ذلك فلا بَأْسَ.