الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف ت التركيصفحات 539-24

وَذَهَبَ بَعْضُهُمْ مِنَ المُحْدَثِينَ إِلَى جَوَازِ ذَلِكَ.
فَإِنْ قَدَرَ عَلَى جِنْسِ حَقِّهِ، أَخَذَ قَدْرَ حَقِّهِ، وَإلَّا قَوَّمَهُ وَأَخَذَ بِقَدْرِ حَقِّهِ، مُتَحَرِّيًا  المذهبُ.
نقَله الجماعَةُ عن الإِمامِ أحمدَ، رَحِمَه اللهُ.
قال المُصَنِّفُ، والشَّارِحُ: هذا المَشْهورُ فى المذهبِ.
قال الزَّرْكَشِىُّ: هذا المذهبُ المَنْصوصُ المَشْهورُ.
وجزَم به فى «الوَجيزِ»، والخِرَقِىُّ، وغيرُهما.
وقدَّمه فى «الفُروعِ» وغيرِه.
وذهَبَ بعْضُهم مِن المُحْدِّثِين إلى جَوازِ ذلك.
وحكاه ابنُ عَقِيلٍ عن المُحْدَثِين مِن الأصحابِ.
وهو رِوايةٌ عن الإِمامِ أحمدَ، رَحِمَه اللهُ.
وخرَّجه أبو الخَطَّابِ-

لِلْعَدْلِ فِى ذَلِكَ؛ لحَدِيثِ هِنْدٍ: «خُذِى مَا يَكْفِيكِ وَوَلَدَكِ بِالْمَعْرُوفِ».
وَلِقَوْلِهِ - صلى الله عليه وسلم -: «الرَّهْنُ مَرْكُوبٌ وَمَحْلُوبٌ».
وتَبِعَه جماعَةٌ مِن الأصحابِ- مِن قولِ الإِمامِ أحمدَ، رَحِمَه اللهُ تعالَى، فى المُرْتَهِنِ: يرْكَبُ ويحْلِبُ بقَدْرِ ما يُنْفِقُ، والمَرْأةُ تأْخُذُ مُؤْنَتَها، والبائعُ للسِّلْعَةِ يأْخُذُها 1 مِن مالِ المُفْلِسِ بغيرِ رِضاه.
وخرَّجه فى «المُحَرَّرِ» وغيرِه، مِن تَنْفيذِ الوَصِىِّ الوَصِيَّةَ ممَّا فى يَدِه إذا كتَمَ الوَرَثَةُ بعْضَ التَّرِكَةِ.
قال الزَّرْكَشِىُّ: وهو أظْهَرُ فى التَّخْريجِ.
فعلى هذا، إنْ قَدَرَ على جِنْسِ حقِّه، أخَذَ بقَدْرِه، وإلَّا قوَّمَه وأخذَ بقَدْرِه مُتَحَرِّيًا للعَدْلِ فى ذلك، لحديثِ [رسُولِ اللهِ صلّى اللهُ عليه وسلَّم لهِنْدٍ زَوْجِ أبى سُفْيانَ، رَضِىَ اللهُ عنهما] 2: «خُذِى مَا يَكْفِيكِ وَوَلَدَكِ بالمَعْرُوفِ»؛ ولقَوْلِه عليه أفْضَلُ الصَّلاةِ والسَّلامِ: «الرَّهْنُ مَرْكُوبٌ ومَحْلُوبٌ» 3. وجزَم به فى «الهِدايةِ»، و «المُحَرَّرِ»، وغيرِهما.
وذكَرَ فى

..................................  «الواضِحِ»، أنَّه لا يأْخُذُ إلَّا مِن جِنْسِ حقِّه.
وهما احْتِمالان فى «المُغْنِى»، و «الشَّرْحِ»، مُطْلَقانِ.
قال فى «القَواعِدِ الأُصُولِيَّةِ»: وخرَّج بعْضُ أصحابِنا الجوازَ، رِوايةً عن الإِمامِ أحمدَ، رَحِمَه اللهُ، مِن جَوازِ أخْذِ الزَّوْجَةِ مِن مالِ زوْجِها نَفَقَتَها ونَفَقَةَ وَلَدِهَا بالمَعْروفِ، وقد نصَّ الإِمامُ أحمدُ، رَحِمَه اللهُ، على = 6/ 38. وأبو نعيم، فى: حلية الأولياء 5/ 45.كلهم من حديث أبى هريرة مرفوعا.
وقال البيهقى: ورواه الجماعة عن الأعمش موقوفا على أبى هريرة.
وانظر: فتح البارى 5/ 143. وأخرجه عبد الرزاق، فى: المصنف 8/ 244. موقوفا على أبى هريرة.
وانظر ما تقدم تخريجه فى 12/ 491.

..................................  التَّفْريقِ بينَهما، فلا يصِحُّ التَّخْريجُ.
وأشارَ إلى الفَرْقِ بأنَّ المَرْأة تأْخُذُ مِن بَيْتِ زَوْجِها.
يعْنِى، أنَ لها يَدًا وسُلْطانًا على ذلك، وسبَبُ النَّفَقَةِ ثابِتٌ وهو الزَّوْجِيَّةُ، فلا تُنْسَبُ بالأَخْذِ إلى خِيانَةٍ؛ ولذلك أباحَ فى رِوايةٍ عنه أخْذَ الضَّيْفِ مِن مالِ مَن نزَلَ به ولم يَقْرِه بقَدْرِ قِراه.
ومتى ظَهَرَ السَّبَبُ، لم يُنْسَبِ الآخِذُ إلى خِيانَةٍ.
وعكَسَ ذلك بعْضُ الأصحابِ، وقال: إذا ظَهَرَ السَّبَبُ، لم يَجُزِ الأخْذُ بغيرِ

..................................  إذْنٍ؛ لإِمْكانِ إقامَةِ البَيِّنَةِ عليه، بخِلافِ ما إذا خَفِىَ.
وقد ذكَرَ المُصَنِّف، والشَّارِحُ فى ذلك أرْبَعَةَ فُروقٍ.
فائدة: قال القاضى أبو يَعْلَى، فى قَوْلِ النَّبِىِّ - صلى الله عليه وسلم - لهِنْدٍ 1: «خُذِى ما يَكْفِيكِ ووَلَدِكِ بالمَعْرُوفِ»: هو حُكْمٌ لا فُتْيا.
واخْتَلَفَ كلامُ المُصَنِّفِ فيه؛ فَتارَةً قطَع بأنَّه حُكْمٌ، وتارَةً قطَع بأَنَّه فُتْيا.
قال الزَّرْكَشِىُّ: والصَّوابُ أنَّه فُتْيا.
تنبيهات؛ أحدُها، حيثُ جوَّزْنا الأخْذَ بغيرِ إذْنٍ، فيَكونُ فى الباطِنِ.
قالَه فى «المُحَرَّرِ»، و «الفُروعِ»، وغيرِهما.
وظاهرُ كلامِ المُصَنِّفِ هنا، جَوازُ الأخْذِ ظاهِرًا وباطِنًا.
والأصولُ التى خرَّج عليها أبو الخَطَّابِ، والمُصَنِّفُ، وغيرُهما، مِن حديثِ هِنْدٍ، وحَلْبِ الرَّهْنِ ورُكُوبِه، تَشْهَدُ لذلك، والأُصولُ التى خرَّج عليها صاحِبُ «المُحَرَّرِ» تقتَضِى ما قالَه.
الثَّانى، مفْهومُ قولِه: ولم يُمْكِنْه أخْذُه بالْحاكمِ.
أنَّه إذا قَدَرَ على أخْذِه بالحاكمِ، لم يَجُزْ له أخْذُ قَدْرِ حقِّه إذا قَدَرَ عليه.
وهو صحيحٌ.
وهو المذهبُ.
وعنه، فى الضَّيْفِ، يأْخُذُ وإنْ قَدَرَ على أخْذِه بالحاكمِ.
[وظاهِرُ «الواضِحِ»، يأْخُذُ الضَّيْفُ وغيرُه وإنْ قَدَرَ على أخْذِه بالحاكمِ] 2. قال فى

..................................  «الفُروعِ»: [وهو] 1 ظاهِرُ ما خرَّجه أبو الخَطَّابِ فى نفَقَةِ الزَّوْجَةِ، «والرَّهْنُ مَرْكُوبٌ ومَحْلُوبٌ»، وأخْذِ سِلْعَتِه مِن المُفْلِسِ.
واخْتارَ الشَّيْخُ تَقِىُّ الدِّينِ، رَحِمَه اللهُ، جَوازَ الأخْذِ ولو قَدَرَ على أخْذِه بالحاكمِ، فى الحق الثَّابِتِ بإقْرار أو بَيِّنَةٍ، أو كان سَبَبُ الحقِّ ظاهِرًا.
قال فى «الفُروعِ»: وهو ظاهِرُ كلامِ ابنِ شِهَابٍ وغيرِه.

..................................  الثَّالثُ، مَحَلُّ الخِلافِ فى هذه المَسْألَةِ، إذا لم يَكُنِ الحقُّ الذى 1 فى ذِمَّتِه قد أخَذَه قَهْرًا، فأمَّا إنْ كانَ قد غصَبَ مالَه، فيَجُوزُ له الأخْذُ بقَدْرِ حقِّه.
ذكَرَه الشَّيْخُ تَقِىُّ الدِّينِ، رَحِمَه اللهُ، وغيرُه.
وقال: ليسَ هذا مِن هذا البابِ.
وقال فى «الفُنونِ»: مَن شَهِدَتْ له بَيِّنَةٌ بمالٍ - لا عندَ حاكمٍ- أخَذَه.
وقيلَ: لا، كقَوَدٍ، فى الأصحِّ.
ومَحَل الخِلافِ أيضًا، إذا كانَ عَيْنُ مالِه قد تعَذَّرَ أخْذُه، فأمَّا إنْ قَدَرَ على عَيْنِ مالِه، أخَذَه قَهْرًا.
زادَ فى «التَّرْغيبِ»، ما لم يُفْضِ إلى فِتْنَةٍ.
قال: ولو كانَ لكُلِّ واحدٍ منهما على الآخَرِ دَيْنٌ مِن غيرِ جنْسِه، فجَحَدَ أحدُهما، فليسَ للآخَرِ أنْ يَجْحَدَ، وَجْهًا واحدًا؛ لأنَّهَ كَبَيْعِ دَيْنٍ بدَيْنٍ؛ لا يجوزُ، ولو رَضِيا.
انتهى.
[فائدة: لو كانَ له دَيْنٌ على شَخصٍ، فجَحَدَه، جازَ له أخْذُ قَدْرِ حقِّه، ولو مِن غيرِ جِنْسِه.
على الصَّحيحِ مِن المذهبِ.
وهو مِن «المُفْرَداتِ».
قال ناظِمُها: ومعْ جُحُودِ الدَّيْنِ لا بالظَّفَرِ … يُؤْخَذُ مِن جِنْسِه فى الأشْهَرِ] 2

وَحُكْمُ الحَاكِمِ لا يُزِيلُ الشَّىْءَ عَنْ صِفَتِهِ فِى البَاطِنِ.
وَذَكَرَ ابْنُ أَبِى مُوسَى عَنْهُ رِوَايَةً، أَنَّهُ يُزِيلُ العُقُودَ وَالفُسُوخَ.
قوله: وحُكْمُ الْحَاكِمِ لا يُزِيلُ الشَّىْءَ عَن صِفَتِه فى الباطِنِ- وهو المذهبُ.
وعليه جماهيرُ الأصحابِ- وذكَرَ ابْنُ أبِى مُوسَى رِوايَةً عنه، أنَّه يُزِيلُ الْعُقُودَ وَالْفُسُوخَ.
وذكَرَها أبو الخَطَّابِ.
قال فى «الفُروعِ»: وحُكِىَ عنه، يُحِيلُه فى

..................................  عَقْدٍ وفَسْخٍ مُطْلَقًا.
وأطْلَقَهما فى «الوَسِيلَةِ».
قال الإِمامُ أحمدُ، رَحِمَه اللهُ: الأَهْلُ أكثرُ مِن المالِ.
وقال فى «الفُنونِ»: إنَّ حَنْبَلِيًّا نَصَرَها، فاعْتَبَرَها باللِّعانِ.
وعنه، يُزِيلُه 1 فى مُخْتَلَفٍ فيه قبلَ الحُكْمِ.
قطَع به فى «الواضِحِ» وغيرِه.
قال فى «المُحَرَّرِ»: وحُكْمُ الحاكمِ لا يُحِيلُ الشَّئَ عن صِفَتِه فى الباطِنِ، إلَّا فى أَمْرٍ

..................................  مُخْتَلَفٍ فيه قبلَ الحُكْمِ؛ فإنَّه على رِوايتَيْن.
قال فى «الرِّعايتَيْن»، بعدَ أنْ حكَى الرِّوايتَيْن فى 1 الأولِ: وقيلَ: هما فى أمْرٍ مُخْتَلَفٍ فيه قبلَ الحُكْمِ.
فعلى هذه الرِّوايةِ، لو حَكَمَ حَنَفِىٌّ لحَنْبَلِىٍّ أو لشافِعِىٍّ بشُفْعَةِ جِوارٍ، فَوَجهان.
وأَطْلَقهما فى «الفُروعِ».
ومَن حكَمَ لمُجْتَهِدٍ، أو عليه بما يُخالِفُ اجْتِهادَه، عَمِلَ باطِنًا بالحُكْمِ.
ذكَره القاضى.
وقيلَ: باجْتِهادِه.
وإنْ باعَ حَنْبَلِىٌّ مَتْرُوكَ التَّسْمِيَةِ، فحكَمَ بِصحَّتِه شافِعِىٌّ، نَفَذَ عندَ أصحابِنا خِلافًا لأبى الخَطَّابِ.
قال ابنُ نَصْرِ اللهِ فى «حَواشِيه»: قولُ أبى الخَطَّابِ أَظْهَرُ؛ إذْ كيفَ يحكُمُ له بما لا يَسْتَحِلُّه، فإنَّه إنْ كانَ مُجْتَهِدًا، لَزِمَه العَمَلُ باجْتِهادِه، وإنْ كانَ مُقَلِّدًا، لَزِمَه العَمَلُ بقَوْلِ مَن قلَّده؛ فكيفَ يَلْزَمُه شئٌ ولا يلْتَزِمُه، فيَجْتَمِعَ الضِّدَّان، إلَّا أنْ يُرادَ، يَلْزَمُه الانْقِيادُ للحُكْمِ ظاهِرًا، والعَمَلُ بضِدِّه باطِنًا، كالمَرْأةِ التى تَعْتَقِدُ أنَّها مُحَرَّمَة على زَوْجِها، وهو يُنْكِرُ ذلك.
لكِنْ فى جَوازِ إقْدامِ الحاكمِ على الحُكْمِ بذلك، لمَن

..................................  يَعْتَقِدُ تحْرِيمَه، نظَرٌ؛ لأنَّه إلْزامٌ له بفِعْلٍ مُحَرَّمٍ، لاسِيَّما على قَوْلِ مَن يقولُ: كلُّ مُجْتَهِدٍ مُصِيبٌ.
انتهى.
فوائد؛ الأُولَى، قال فى «الانْتِصارِ»: متى عَلِمَ البَيِّنَةَ كاذِبَةً، لم يُنْفِذْ.
وإنْ باعَ مالَه فى دَيْن ثَبَتَ ببَيِّنَةِ زُورٍ، ففى نُفُوذِه مَنْعٌ وتَسْلِيمٌ.
وقال الشَّيْخُ تَقِىُّ الدِّينِ، رَحِمَه اللهُ: هل يُباحُ له بالحُكْمِ ما اعْتَقَدَ تحْرِيمَه قبلَ الحُكْمِ؟ فيه رِوايَتان.
وفى حِلِّ ما أخَذَه وغيرِه بتَأْوِيلٍ، أو مع جَهْلِه، رِوايَتان 1. وإنْ رجَع المُتَأَوِّلُ، فاعْتَقَدَ التَّحْريمَ، رِوايَتان؛ بِناءً على ثُبوتِ الحُكْمِ قبلَ بُلوغِ الخِطابِ.
قال: أصَحُّهما حِلُّه، كالحَرْبِىِّ بعدَ إسْلامِه وأوْلَى.
وجعَل مِن ذلك، وَضْعَ طاهِرٍ فى اعْتِقادِه فى مائعٍ لغيرِه.
قال فى «الفُروعِ»: وفيه نظَرٌ.
وذكَر جماعَةٌ، إنْ أسْلَمَ بدارِ الحَرْبِ، وعامَلَ برِبًا جاهِلًا، ردَّه.
وقال فى «الانْتِصارِ»: ويُحَدُّ لِزِنًى.
الثَّانيةُ، مَن حُكِمَ له- ببَيِّنَةِ زُورٍ- بزَوْجِيَّةِ امْرَأةٍ، حلَّتْ له حُكْمًا، فإنْ وَطِئَ مع العِلْمِ، فكَزِنًى.
على الصَّحيحِ مِن المذهبِ.
وقيل: لا حَدَّ.
ويصِحُّ

..................................  نِكاحُها لغيرِه، خِلافًا للمُصَنِّفِ.
وإنْ حكَمَ بطَلاقِها ثَلاثًا بشُهودِ زُورٍ، فهى زَوْجَتُه باطِنًا، ويُكْرَهُ له اجْتِماعُه بها ظاهِرًا، خَوْفًا مِن مَكْرُوهٍ يَنالُه، ولا يصِحُّ نِكاحُها غيرَه ممَّن يعْلَمُ الحالَ.
ذكَره الأصحابُ، ونَقَلَه أحمدُ بنُ الحَسَنِ.
قال المُصَنِّفُ فى «المُغْنِى» 1: إنِ انْفَسَخ باطِنًا، جازَ.
وكذا قال فى «عُيونِ المَسائلِ»، على الرِّوايةِ الثَّالثةِ: تَحِلُّ للزوْجِ الثانى، وتَحْرُمُ على الأوَّلِ بهذا الحُكْمِ ظاهِرًا وباطِنًا.
الثَّالثةُ، لو رَدَّ الحاكِمُ شَهَادَةَ واحِدٍ برَمَضَانَ، لم يُؤَثِّرْ، كمِلْكٍ مُطْلَقٍ، وأَوْلَى؛ لأنَّه لا مَدْخَلَ لحُكْمِه فى عِبادَةٍ ووَقْتٍ، وإنَّما هو فَتْوَى، فلا يقالُ: حكَمَ بكَذِبِه، أو بأنَّه لم يَرَه.
ولو سلَّمَ أنَّ له مَدْخَلًا، فهو مَحْكُومٌ به فى حقِّه مِن رَمَضَانَ، فلم يُغَيِّرْه حُكْمٌ، ولم تُؤَثِّرْ شُبْهَةٌ؛ لأنَّ الحُكْمَ يُغيِّرُ إذا اعْتَقَدَ المَحْكومُ عليه أنَّه حُكْمٌ، وهذا يُعْتَقَدُ خَطَؤُه؛ كمُنْكِرَةٍ نِكاحَ مُدَّعٍ تتَيَقَّنُه، فشَهِدَ له فاسِقان، فرُدَّا.
ذكَره فى «الانْتِصارِ».
وقال المُصَنِّفُ فى «المُغْنِى» 2: رَدُّه ليسَ بحُكْم هنا؛ لتَوقفِه فى العَدالَةِ.
ولهذا لو ثَبَتَ، حَكَمَ.
قال الشيْخُ تَقِىُّ الدِّينِ، رَحِمَه اللهُ: أُمورُ الدِّينِ والعِباداتِ المُشْتَرَكَةِ بين المُسْلِمين لا يحْكُمُ فيها إلَّا اللهُ ورَسُولُه إجْماعًا.
وذكَرَه القرافِىُّ.
قال فى «الفُروعِ»: فدَلَّ أنَّ إثْباتَ

..................................  سبَبِ الحُكْمِ كرُؤْيَةِ الهلالِ، والزَّوالِ، ليسَ بحُكْمٍ، فمَن لم يَرَه سَبَبًا، لم يَلْزَمْه شئٌ.
وعلى ما ذكَرَ الشَيْخُ [تَقِىُّ الدِّينِ، رَحِمَه اللهُ] 1، وغيرُه فى رُؤْيَةِ الهِلالِ، أنَّه حُكْمٌ.
وقال القاضى فى «الخِلافِ»: يجوزُ أنْ يَختَصَّ الواحِدُ برُؤْيَةٍ، كالبَعْضَ.
الرَّابعةُ، لو رُفِعَ إليه حُكْمٌ فى مُخْتَلَفٍ فيه، لا يَلْزَمُه نَقْضُه ليُنْفِذَه، لَزِمَه تَنْفِيذُه.
على الصَّحيحِ مِن المذهبِ.
قال فى «الفُروعِ»: لَزِمَه فى الأصحِّ.
وجزَم به فى «المُحَرَّرِ»، و «النَّظْمِ»، و «الرِّعايتَيْن»، و «الحاوِى»، و «المُنَوِّرِ»، و «تَذْكِرَةِ ابنِ عَبْدُوسٍ»، وغيرِهم.
قال فى «الرِّعايةِ الكُبْرى»: لَزِمَه ذلك.
قلتُ: مع عدَمِ نَصَّ يُعَارِضُه.
وقيل: لا يَلْزَمُه.
وقيل: يَحْرُمُ تنْفِيذُه إنْ لم يَرَه.
وكذا الحُكْمُ لو كان نفْسُ الحُكْمِ مُخْتَلَفًا فيه، كحُكْمِه بعِلْمِه، ونُكُولِه، وشاهِدٍ ويَمِينٍ.
على الصَّحيحِ مِن المذهبِ.
قدَّمه فى «الفُروعِ».
وقال فى «المُحَرَّرِ»: فإنْ كانَ المُخْتَلَفُ فيه نفْسَ الحُكْمِ، لم يَلْزَمْه تنْفِيذُه، إلَّا أنْ يحْكُمَ به حاكِمٌ آخَرُ قبلَه.
وجزَم به فى «النَّظْمِ»، و «الرِّعايتَيْن»، و «الحاوِى الصَّغِيرِ»، و «المُنَوِّرِ»، وغيرِهم.
قال ابنُ نَصْرِ اللهِ فى «حَواشِى الفُروعِ»: الحُكْمُ بالنُّكولِ، والشَّاهدِ واليَمينِ هو المذهبُ، فكيفَ لا يَلْزَمُه تنْفِيذُه على قولِ «المُحَرَّرِ»؟ إذْ لو كان أصْلُ الدَّعْوى عندَه، لَزِمَه الحكْمُ بها، وإنَّما يتوَجَّهُ ذلك- وهو عدَمُ لُزومِ التَّنْفيذِ لحُكْم مُخْتَلَفٍ فيه-[إذا كانَ الحاكمُ الذى رُفِعَ إليه الحُكْمُ المُخْتَلَفُ فيه] 2 لا

..................................  يرَى صِحَّةَ الحكْمِ، كالحُكْمِ بعِلْمِه؛ لأنَّ التَّنْفيذَ يتَضَمَّنُ الحُكْمَ بصِحَّةِ الحكْمِ المُنَفَّذِ؛ وإذا كانَ لا يرَى صِحَّتَه، لم يَلْزَمْه 1 الحكْمُ بصِحَّتِه.
انتهى.
وقال الشَّيْخُ تَقِىُّ الدِّينِ، رَحِمَه اللهُ: إذا صادَفَ حُكْمُه مُخْتَلَفًا فيه لم يعْلَمْه، ولم يَحْكُمْ فيه، جازَ نقْضُه.
الخامسةُ، قال شارِحُ «المُحَرَّرِ» هنا: نفْسُ الحُكْمِ فى شئٍ لا يكونُ حُكْمًا بصِحَّةِ الحُكْمِ فيه، لكِنْ لو نفَّذَه حاكِمٌ آخَرُ، لَزِمَه إنْفاذُه؛ لأنَّ الحُكْمَ المُخْتَلَفَ فيه صارَ محْكومًا به، فلَزِمَ تنْفِيذُه كغيرِه.
قال شيْخُنا الشَّيْخُ تَقِىُّ الدِّينِ ابنُ قندسٍ البَعْلِىُّ، رَحِمَه اللهُ: قد فُهِمَ مِن كلامِ الشَّارِحِ أنَّ الإِنْفَاذَ حُكْمٌ؛ لأنَّه قال: لو نفَّذَه حاكمٌ آخَرُ، لَزِمَه 2 تنْفيذُه؛ لأنَّ الحُكْمَ المُخْتَلَفَ فيه صارَ محْكومًا به، وإنَّما صارَ محْكومًا به بالتَّنْفيذِ؛ لأنَّه لم يحْكُمْ به، وإنَّما نفَّذَه.
فَجَعَلَ التَّنْفيذَ حُكْمًا.
وكذلك فسَّر التَّنْفيذَ بالحُكْمِ فى «شَرْحِ المُقْنِعِ الكَبِير»؛ فإنَّه قال عندَ قولِ المُصَنِّفِ: فهل يُنْفِذُه؛ على رِوايتَيْن؛ إحْداهما، يُنْفِذُه.
وعللَه بأنَّه حُكْمُ حاكمٍ لم يعْلَمْه، فلم يَجُزْ إنْفاذُه إلَّا ببيِّنَةٍ.
والرِّوايةُ الثَّانيةُ، يحْكُمُ به.
ففَسَّرَ رِوايةَ التَّنْفيذِ بالحُكْمِ.
لكِنْ قال فى مسْأَلَةِ ما إذا ادَّعَى أنَّ الحاكِمَ حكَمَ له بحقٍّ، فذَكَرَ الحاكمُ حُكْمَه: أَمْضاه، وأَلْزَمَ خَصْمَه بما حكَمَ به عليه.
وليسَ هذا حُكْمًا بالعِلْمِ، وإنَّما هو إمْضاءٌ لحُكْمِه السَّابقِ.
فصرَّح أنَّه ليسَ حُكْمًا، مع أنَّ رِوايةَ التَّنْفيذِ المُتَقَدِّمَةَ التى فسَّرها بالحُكْمِ، إنَّما هى إمْضاءٌ

..................................  لحُكْمِه الذى وجَدَه فى قِمَطْرِه، فهما بمَعْنًى واحدٍ.
وقد ذكَرُوا فى السِّجِلِّ أنَّه لإِنْفاذِ ما ثَبَتَ عندَه والحُكْم به، وأنَّه 1 يكْتُبُ: وإنَّ القاضىَ أمْضاه وحكَمَ به على ما هو الواجِبُ فى مِثْلِه، ونفَّذَه، وأشْهَدَ القاضى فُلانٌ على إنْفاذِه وحُكْمِه وإمْضائِه مَن حضَرَه مِن الشُّهودِ.
فذَكَرُوا الإِنْفاذَ والحُكْمَ والإِمْضاءَ، وذكَرُوا أنَّه يكْتُبُ على كلِّ نُسْخَةٍ مِن النُّسْخَتَيْن، أنَّها حُجَّةٌ فيما أنْفَذَه فيهما.
فدَلَّ على أنَّ الإِنْفاذَ حُكْمٌ؛ لأنَّهم اكْتَفَوْا به عن الحُكْمِ والإِمْضاءِ، والمُرادُ الكُلُّ.
انْتَهى كلامُ شيْخِنا.
وقال ابنُ نَصْرِ اللهِ فى «حَواشِى الفُروعِ»: لم يتَعَرَّضِ الأصحابُ للتَّنْفيذِ، هل هو حُكْمٌ، أمْ لا؟ والظَّاهِرُ، أنَّه ليسَ بحُكْمٍ؛ لأنَّ الحُكْمَ بالمَحْكُومِ به تحْصِيلُ الحاصِلِ، وهو مُحالٌ، وإنَّما هو عمَلٌ بالحُكْمِ وإمْضاءٌ له، كَتَنْفيذِ الوَصِيَّةِ، وإجازَةٌ له، فكأَنَّه يُجيزُ هذا المَحْكومَ به بعَيْنِه لحُرْمَةِ الحُكْمِ، وإنْ كانَ [ذلك المَحْكومُ به مِن] 2 جِنْسٍ غيرِ جائزٍ عندَه.
انتهى.
وقال فى مَوْضِعٍ آخَرَ: لأنَّ التَّنْفيذَ يَتَضَمَّنُ الحُكْمَ بصِحَّةِ الحُكْمِ 3 المُنَفَّذِ.
انتهى.
وتقدَّم فى آخِرِ البابِ الذى قبلَه، هل الثُّبوتُ حُكْمٌ، أمْ لا؟.
السَّادسةُ، لو رفَع إليه خَصْمان عَقْدًا فاسِدًا عندَه فقطْ، وأقَرَّا بأنَّ نافِذَ الحُكْمِ حكَم بصِحَّتِه، فله إلْزامُهما ذلك ورَدُّه، والحُكْمُ بمَذْهَبِه.
ذكَرَه القاضى.
واقْتَصَرَ عليه فى «المُحَرَّرِ»، و «الفُروعِ»، وغيرِهما.
وقال الشَّيْخُ تَقِىُّ الدِّينِ، رَحِمَه اللهُ: قد يقالُ: قِياسُ المذهبِ، أنَّه كالبَيِّنَةِ.
ثم ذكَر أنَّه كالبَيِّنَةِ إنْ

..................................  عيَّنا الحاكِمَ.
السَّابعةُ، لو قلَّد 1 فى صِحَّةِ نِكاحٍ، لم يُفارِقْ بتَغيُّرِ اجْتِهادِه، كحُكْمٍ.
على الصَّحيحِ مِن المذهبِ.
وقيل: بلَى، كمُجْتَهِدٍ نكَحَ ثم رأَى بُطْلانَه، فى أصحِّ الوَجْهَيْن فيه.
وقيل: ما لم يحْكُمْ به حاكِمٌ.
ولا يَلْزَمُه إعْلامُه بتَغَيُّرِه، فى أصحِّ الوَجْهَيْن.
الثَّامنةُ، لو بانَ خطَؤُه فى إتْلافٍ بمُخالَفَةِ دَليلٍ قاطِعٍ، ضَمِنَ، لا مُسْتَفْتِيه.
وفى تَضْمِينِ مُفْتٍ ليسَ أهْلًا وَجْهان.
وأَطْلَقهما فى «الفُروعِ».
واخْتارَ ابنُ حَمْدانَ، فى كتابه «أدَبِ المُفْتِى والمُسْتَفْتِى»، أنَّه لا ضَمانَ عليه.
قال ابنُ القَيِّمِ، رَحِمَه اللَّهُ، فى «إعْلامِ المُوَقِّعِين» فى الجزء الأخيرِ: ولم أعْرِفْ هذا القَوْلَ لأحَدٍ قبلَ ابنِ حَمْدان.
ثم قال: قلتُ: خطَأُ المُفْتِى كخَطَأ الحاكمِ أو الشَّاهدِ.
التَّاسِعَةُ، لو بانَ بعدَ الحُكْمِ كُفْرُ الشُّهودِ أو فِسْقُهم، لَزِمَه نقْضُه، ويرجِعُ بالمالِ أو 2 بدَلِه، وبدَلِ قَوَدٍ مُسْتَوْفًى على المَحْكُومِ له، وإنْ كانَ الحُكْمُ للهِ بإتْلافٍ حِسِّىٍّ، أو بما سَرَى إليه، ضَمِنَه مُزَكُّون.
على الصَّحيحِ مِن المذهبِ.
قدَّمه فى «المُحَرَّرِ»، و «الفُروعِ»، و «النَّظْمِ»، و «الرِّعايتَيْن»، و «الحاوِى»، وغيرِهم.
وقال القاضى وصاحِبُ «المُسْتَوْعِبِ»: يضمَنُه

..................................  الحاكِمُ، كعَدَمِ مُزَكٍّ وفِسْقِه.
وقيل: يضْمَنُ أيَّهما شاءَ، وقَرَارُه على مُزَكٍّ.
وعندَ أبى الخَطَّاب؛ يَضْمَنُه الشُّهودُ.
وذكَر ابنُ الزَّاغُونِى، أنَّه لا يجوزُ له نقْضُ حُكْمِه بفِسْقِهما إلًّا بثبوتِه ببَيِّنَةٍ، إلَّا أنْ يكونَ حكَمَ بعِلْمِه فى عَدالَتِهما، أو بظاهرِ عَدالَةِ الإِسْلامِ.
ويمَنْعُ ذلك فى المَسْألتَيْن فى إحْدَى الرِّوايتَيْن، وإنْ جازَ فى الثَّانيةِ، احْتَمَلَ وَجْهَيْن؛ فإنْ وافَقَه المَشْهودُ له على ما ذكَرَ، ردَّ مالًا أخَذَه، ونقَضَ الحُكْمَ بنَفْسِه دُونَ الحاكمِ، وإنْ خالَفَه فيه، غَرِمَ الحاكمُ.
وأجابَ أبو الخَطَّابِ، إذا بانَ له فِسْقُهما وَقْتَ الشَّهادَةِ، أو 1 أنَّهما كانا كاذِبَيْن، نقَضَ الحُكْمَ الأوَّلَ، ولم يَجُزْ له تَنْفِيذُه.
وأجابَ أبو الوَفَاءِ، لا يُقْبَلُ قولُه بعدَ الحُكْمِ.
وعنه، لا يُنْقَضُ بفِسْقِهم.
وذكَر ابنُ رَزِينٍ [فى «شَرْحِه»] 2، أنَّه الأَظْهَرُ، فلا ضَمانَ.
وفى «المُسْتَوْعِب» وغيرِه، يضْمَنُ الشُّهودُ.
انتهى.
وإنْ بانُوا عَبِيدًا، أو والِدًا، أو وَلَدًا، أو عَدُوًّا؛ فإنْ كانَ الحاكِمُ الذى حكَمَ به يرَى الحُكْمَ به، لم ينْقُضْ حُكْمَه، وإنْ كانَ لا يرَى الحُكْمَ به، نقَضَه، ولم يُنْفِذْ؛ لأنَّ الحاكمَ يعْتَقِدُ بُطْلانَه.
قالَه فى «الفُروعِ».
وقال ابنُ نَصْرِ اللهِ فى «حَواشِيه»: إذا حَكَمَ بشَهادَةِ شاهدٍ، ثم ارْتابَ فى شَهادَتِه، لم يَجُزْ له الرُّجوعُ فى حُكْمِه.
وقال فى مَوْضِعٍ آخَرَ: تحَرَّرَ فيما إذا كانَ لا يرَى الحُكْمَ به ثَلاَثَةُ أقوالٍ؛ لُزومُ النَّقْضِ، وجَوازُه، وعدَمُ جَوازِ نقْضِه، كما هو مُقتَضَى ما فى «الإرْشادِ».
انتهى.
وقال فى «المُحَرَّرِ»: مَن حكَمَ بقَوَدٍ، أو حَدٍّ ببَيِّنَةٍ، ثم بانُوا عَبيدًا، فله نقْضُه إذا كانَ لا يرَى قَبُولَهم فيه.
قال: وكذا مُخْتَلَفٌ فيه صادَف مَا حكَمَ فيه وجَهِلَه.
وتقدَّم كلامُه فى «الإِرْشادِ»، أنَّه إذا حكَمَ فى مُخْتَلَفٍ فيه

..................................  بما لا يرَاه مع عِلْمِه، لا ينْقُضُ.
فعلى الأوَّلِ، إنْ شكَّ فى رَأْىِ الحاكمِ، فقد تقدَّم، إذا شكَّ هل علِمَ الحاكِمُ بالمُعارِضِ، كمَن حكَمَ ببَيِّنَةِ خارِجٍ، وجَهِلَ عِلْمَه ببَيِّنَةِ داخِلٍ، لم ينْقُضْ.
قال فى «الفُروعِ»: وقد عُلِمَ ممَّا تقدَّم وممَّا ذكَرُوا فى نقْضِ حُكْمِ الحاكمِ، أنَّهَ لا يُعْتَبَرُ فى نَقْضِ حُكْمِ الحاكمِ عِلْمُ الحاكمِ بالخِلافِ، خِلافًا لمالِكٍ، رَحِمَه اللهُ تعالَى.
وإنْ قال: عَلِمْتُ وَقْتَ الحُكمِ أنَّهما فَسَقَةٌ، أو زُورٌ، وأكْرَهَنِى السُّلْطانُ على الحُكْمِ بهما.
فقال ابنُ الزَّاغُونِىِّ: إنْ أضافَ فِسْقَهما إلى عِلْمِه، لم يَجُزْ له نَقْضُه، وإنْ أضافَه إلى غيرِ عِلْمِه، افْتَقَرَ إلى بَيِّنَةٍ بالإِكْراهِ، ويَحْتَمِلُ، لا.
وقال أبو الخَطَّابِ، وأبو الوَفاءِ: إنْ قال: كُنْتُ عالِمًا بفِسْقِهما.
يُقْبَلُ قولُه.
قال فى «الفروعِ»: كذا وَجَدْتُه.

حقوق الطبع محفوظة

الطبعة الأولى 1417 هـ - 1996 م

المكتب: 4 ش ترعة الزمر- المهندسين - جيزة تليفون: 3452579 - فاكس: 3451756

المطبعة: 2، 6 ش عبد الفتاح الطويل أرض اللواء - تليفون: 3452963 ص. ب: 63 إمبابة

يوزع على نفقة خادم الحرمين الشريفين الملك فهد بن عبد العزيز آل سعود خدمة للعلم وطلابه أجزل الله مثوبته.. ووفقه لمرضاته

بسم الله الرحمن الرحيم [333 ظ]

بَابُ حُكْمِ كِتَابِ القَاضِى إِلَى القَاضِى

بابُ حُكْمِ كِتابِ القاضى إلى القاضى

يُقْبَلُ كِتَابُ القَاضِى إلَى القَاضِى فِى المَالِ، وَمَا يُقْصَدُ بِهِ  قوله: يُقْبَلُ كِتابُ القاضِى إلَى القاضِى فى المالِ، وما يُقْصَدُ به المالُ؛

المَالُ؛ كَالْقَرْضِ، وَالْغَصْبِ، وَالْبَيْعِ، وَالإِجَارَةِ، وَالرَّهْنِ، وَالصُّلْحِ، وَالوَصِيَّةِ لَهُ، وَالجِنَايَةِ المُوجِبَةِ لِلْمَالِ، وَلَا يُقْبَلُ فِى حَدٍّ للهِ تَعَالَى.
وَهَلْ يُقْبَلُ فِيمَا عَدَا ذَلِكَ؛ مِثْلَ القِصَاصِ، وَالنِّكَاحِ، وَالطَّلَاقِ، وَالخُلْعِ، وَالعِتْقِ، وَالنَّسَبِ، وَالكِتَابَةِ، وَالتَّوْكِيلِ، وَالوَصِيَّةِ إلَيْهِ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ.
فَأَمّا حَدُّ القَذْفِ، فَان قُلْنَا: هُوَ لِلهِ تَعَالَى.
فَلَا يُقْبَلُ فِيهِ.
وَإنْ قُلْنَا: لِلْآدَمِىِّ.
فَهُوَ كَالْقِصَاصَ.
كالْقَرْضِ، والْغَصْبِ، والْبَيْعِ، والْإِجارَةِ، والرَّهْنِ، والصُّلْحِ، والْوصِيَّةِ له، والْجِنايَةِ المُوجِبَةِ للْمالِ.
بلا نِزاعٍ.
قوله: ولا يُقْبَلُ فى حَدٍّ للهِ تعالَى.
وهو المذهبُ.
وعليه الأصحابُ.
وقطَعُوا به.
وذكَر فى «الرِّعايةِ» رِوايةً، يُقْبَلُ.

..................................  قوله: وهل يُقْبَلُ فِيما عَدا ذلك؛ مِثْلَ القِصاصِ، والنِّكاحِ، والطَّلاقِ، والخُلْعِ، والْعِتْقِ، والنَّسَبِ، والْكِتابَةِ، والتَّوْكِيلِ، والْوَصِيَّةِ إليه؟ على رِوايتَيْن.
قال فى «الهِدايةِ»: يُخَرّجُ على رِوايتَيْن.
وقال فى «الخُلاصةِ»: فيه

..................................  وَجْهان.
وأطْلَقهما فى «الهِدايةِ»، و «المُذْهَبِ»، و «المُسْتَوْعِبِ»، و «الخُلاصَةِ»، و «شَرْحِ ابنِ مُنَجَّى»؛ أحدُهما، يُقْبَلُ.
وهو المذهبُ.
وهو ظاهرُ كلامِ الْخِرَقِىِّ.
قال الزَّرْكَشِىُّ: يَحْتَمِلُه كلامُ الْخِرَقِىِّ.
وجزَم به فى «الوَجيزِ».
وقدَّمه فى «المُحَرَّرِ»، و «النَّظْم»، و «الرِّعايتَيْن»، و «الحاوِى الصَّغِيرِ»، و «الفُروعِ».
نقَل جماعَةٌ عن الإِمامِ أحمدَ، رَحِمَه اللهُ، يُقْبَلُ حتى فى قَوَدٍ.
ونَصَرَه القاضى وأصحابُه.
وجزَم به فى «الرَّوْضَةِ»

..................................  وغيرِها.
والرِّوايةُ الثَّانيةُ، لا يُقْبَلُ فى ذلك.
قال الزَّرْكَشِىُّ: وهو مُخْتارُ كثيرٍ مِن أصحابِ القاضى.
قال المُصَنِّفُ، والشَّارِحُ: والمذهبُ، أنَّها لا تُقْبَلُ فى القِصاص،.
قال فى «العُمْدَةِ»: ويُقْبَلُ فى كل حقٍّ، إلاَّ فى الحُدودِ والقِصاصِ.
وقال ابنُ حامِدٍ: لا يُقْبَلُ فى النِّكاحِ.
ونحوُه قولُ أبى بَكْرٍ.
وعنه ما يدُلُّ على

وَيَجُوزُ كِتَابُ القَاضِى فِيمَا حَكَمَ بِهِ لِيُنْفِذَهُ فِى المَسَافَةِ القَرِيبَةِ وَمَسَافَةِ القَصْرِ، وَيَجُوزُ فِيمَا ثَبَتَ عِنْدَهُ ليَحْكُمَ بِهِ فِى الْمَسَافَةِ  قبولِه، إلَّا فى الدِّماءِ والحُدودِ.
قال فى «الفُروعِ» وغيرِه: وعنه، لا يُقْبَلُ فيما لا يُقْبَلُ فيه إلَّا رَجلان.
فائدة: قال فى «الفُروعِ»: وفى هذه المَسْألَةِ ذكَرُوا، أنَّ كِتابَ القاضى [إلى القاضى] 1، حُكْمُه كالشَّهادَةِ على الشَّهادَةِ؛ لأنَّه 2 شَهادَةٌ على شهادةٍ.
وذكَرُوا، فيما إذا تغَيَّرَتْ حالُه، أنَّه أصْل، ومَن شَهِدَ عليه فَرْعٌ- وجزَم به ابنُ 3 الزَّاغُونِىِّ وغيرُه- فلا يجوزُ نقْضُ الحُكْمِ بإنْكارِ القاضى الكاتِبِ، ولا يقْدَحُ فى عَدَالَةِ البَيِّنَةِ، بل يمْنَعُ إنْكارُه الحُكْمَ، كما يَمْنَعُ رُجوعُ شُهودِ الأَصْلِ الحُكْمَ.
فدَلَّ ذلك على أنه فَرْعٌ لمَنِ شَهِدَ عندَه، وهو أصْل لمَن شَهِدَ عليه، ودلَّ ذلك، أنَّه يجوزُ أنْ يكونَ شُهودُ فرْعٍ فَرْعًا لأَصْل، يؤَيِّدُه قولُهم فى التَّعْليلِ: إنَّ الحاجَةَ داعِيَةٌ إلى ذلك.
وهذا المَعْنَى مَوْجُودٌ فى فَرْعِ الفَرْعِ.
انتهى.
قوله: ويَجُوزُ كِتابُ الْقَاضِى فيما حَكَمَ به ليُنْفِذَه فى المسافَةِ القَرِيبَةِ ومَسَافَةِ القَصْرِ.
ولو كانا ببَلَدٍ واحدٍ، بلا نِزاعٍ.
وعندَ الشَّيْخِ تَقِىِّ الدِّينِ، رَحِمَه اللهُ،

البَعِيدَةِ دُونَ الْقَرِيبَةِ.
وفى حقِّ اللهِ تعالَى أيضًا.
وتقدَّم قريبًا، هل التَّنْفِيذُ حُكْمٌ، أمْ لا؟.

..................................  قوله: ويَجُوزُ فيما ثَبَتَ عِنْدَه ليَحْكُمَ به فى المسافَةِ الْبَعِيدَةِ، دُونَ الْقَرِيبَةِ.
وهذا المذهبُ.
وعليه الأصحابُ.
وعنه، فوقَ يَوم.
وهو قولٌ فى «المُحَرَّرِ» وغيرِه، وعندَ الشَّيْخِ تَقِىِّ الدِّينِ، رَحِمَه اللهُ، وقال: خرَّجْتُه فى المذهبِ، وأقَلُّ مِن يومٍ، كخَبَرٍ.
انتهى يعْنِى، إذا أَخْبَرَ حاكِمٌ لآخَرَ بحُكْمِه، يجبُ العمَلُ به.
فلَوْلَا أنّ حُكْمَ الحاكمِ كالخَبَرِ، لَما اكْتَفَى فيه بخَبَرِه، ولَما جازَ

..................................  للحاكم الآخر العَمَلُ به حتى يشْهَدَ به شاهِدان.
قالَه ابنُ نَصْرِ اللهِ.
وقال القاضى: ويكونُ فى كتابه «شَهِدا عنْدِى بكذا» ولا يكْتُبُ «ثَبَتَ عنْدِى» لأنَّه حُكْمٌ بشَهادَتِهما، كبَقِيَّةِ الأحْكامِ.
وقالَه ابنُ عَقِيلٍ وغيرُه.
قال الشيْخُ تَقِىُّ الدِّينِ، رَحِمَه اللهُ: والأَوَّلُ أشْهَرُ- أنَّه 1 خَبَرٌ بالثُّبوتِ، كشُهودِ الفَرْعِ- لأنَّ الحُكْمَ أمْرٌ ونَهْىٌ يتَضَمَّنُ إلْزامًا.
انتهى.
فعليه، لا يمْتَنِعُ كِتابَتُه «ثَبَتَ عنْدِى» قال فى «الفُروعِ»: فيَتَوَجَّهُ، لو أَثْبَتَ حاكِمٌ مالِكِىٌّ وقْفًا لا يراه- كوَقْفِ الإِنْسانِ على نفْسِه- بالشَّهادَةِ.
على الخَطِّ، فإنْ 2 حَكَمَ للخِلافِ فى العَمَلِ بالخَط، كما هو المُعْتادُ، فلحاكمٍ حَنْبَلِىٍّ يرَى صِحَّةَ الحُكْمِ، أنْ ينفِذَه فى مَسافَةٍ قَرِيبَةٍ، وإنْ لم يَحْكُمِ المالِكِىُّ، بل قال: ثَبَتَ كذا.
فكذلك؛ لأنَّ الثُّبوتَ عندَ المالِكِىِّ حُكْمٌ.
ثم إنْ رأَى الحَنْبَلِىُّ الثُّبوتَ حُكْمًا، أنْفَذَه 3، وإلَّا فالخِلافُ فى قُرْبِ المَسافَةِ، ولُزومِ الحَنْبَلِىِّ تَنْفِيذُه، يَنْبَنِى على لُزومِ تَنْفيذِ الحُكْمِ المُخْتَلَفِ فيه، على ما تقدَّم.
وحُكْمُ المالِكِىِّ، مع عِلْمِه باخْتِلافِ العُلَماءِ فى الخَطِّ، لا يمْنَعُ كوْنَه مُخْتَلَفًا فيه، ولهذا لا يُنْفِذُه الحَنَفِيَّةُ حتى يُنْفِذَه حاكِمٌ.
وللحَنْبَلِىِّ الحُكْمُ بصِحَّةِ الوَقْفِ المذْكورِ مع بُعْدِ المَسافَةِ، ومع قُرْبِها الخِلافُ؛ لأنَّه نَقَلَ إليه ثُبوتَه مُجَرَّدًا.
قالَه ابنُ نَصْرِ اللهِ.
وقال: ومِثْلُ ذلك، لو ثَبَتَ عندَ حَنْبَلِىٍّ وَقْفٌ على النَّفْسِ، ولم يحْكُمْ به، ونَقَلَ الثُّبوتَ إلى حاكمٍ شافِعِىٍّ، فله الحُكْمُ وبُطْلانُ الوَقْفِ.
وأمْثِلتُه كثيرةٌ.
فائدة: لو سَمِعَ البَيِّنَةَ، ولم يُعَدِّلْها، وجعَلَه إلى الآخَرِ، جازَ مع بُعْدِ

وَيَجُوزُ أنْ يَكْتُبَ إلَى قَاضٍ مُعَيَّنٍ، وَإلَى مَنْ يَصِلُ إلَيْهِ كِتَابِى هَذَا مِنْ قُضَاةِ المُسْلِمِينَ وَحُكَّامِهِمْ.
وَلَا يُقْبَلُ الْكِتَابُ إلَّا أَنْ يَشْهَدَ بِهِ شَاهِدَانِ، يُحْضِرُهُمَا القَاضِى الكَاتِبُ فَيَقْرَؤُهُ عَلَيْهِمَا، ثُمَّ يَقُولُ: أُشْهِدُكُمَا أن هَذَا كِتَابِى إِلَى  المَسافَةِ.
قالَه فى «التَّرْغيبِ».
واقْتَصَرَ عليه فى «الفُروعِ».
تنبيه: قولُه: ويَجُوزُ أن يَكْتُبَ إلى قاضٍ مُعَيَّنٍ، وإلى مَن يَصِلُ إليه كِتابِى هذا مِن قُضاةِ المسْلِمِين وحُكَّامِهِمْ.
قال الشَّيْخُ تَقِىُّ الدِّينِ، رَحِمَه اللهُ: وتَعْيِينُ القاضى الكاتِبِ، كشُهودِ الأَصْلِ، وقد يُخْبِرُ 1 المَكْتُوبَ إليه.
قال الأصحابُ فى شُهودِ الأصْلِ: يُعْتَبَرُ تَعْيِينُهم لهم 2. قال القاضى: حتى لو قال تابِعِيَّان: أَشْهَدَنا صَحابِيَّان.
لم يَجُزْ حتى يُعَيِّناهُما.

فُلانِ بْنِ فُلانٍ.
وَيَدْفَعُهُ [334 و] إلَيْهِمَا، فَإذَا وَصَلَا إلَى المَكْتُوبِ إلَيْهِ، دَفَعَا إِلَيْهِ الكِتَابَ وَقَالَا: نَشْهَدُ أنَّ هَذَا كِتَابُ فُلَانٍ إلَيْكَ، كَتَبَهُ مِنْ عَمَلِهِ، وَأشْهَدَنَا عَلَيْهِ.
وَالاحْتِيَاطُ أَنْ يَشْهَدَا عَلَيْهِ بِمَا فِيهِ، وَيَخْتِمَهُ.
وَلَا يُشْتَرَطُ خَتْمُهُ.
قوله: فاذا وصلا إلى الْمكْتُوبِ إِليه، دَفَعا إليهِ الكِتابَ، وقالا: نَشْهَدُ أنَّ هذا كِتابُ فُلانٍ إليْكَ، كَتَبَه مِن عَمَلِه، وأشْهَدَنا عليه.
والاحْتِياطُ أنْ يَشْهَدا بما فيه.
فيَقُولَان 1: وأشْهَدَنا عليه.
قالَه الْخِرَقِىُّ وجماعَةٌ واعْتَبَر الْخِرَقِىُّ أيضًا، وجماعةٌ، قوْلَهما: قُرِئ علينا.
وقولَ الكاتبِ: اشْهَدا عَلَىَّ.
والذى قدَّمه فى «الفُروعِ»، أنَّهما إذا وَصَلا، قالا: نَشْهَدُ أنَه كِتابُ فُلانٍ إليكَ، كَتَبَه بعَمَلِه 2. مِن غيرِ زِيادَةٍ على ذلك.
قال الزَّرْكَشِىُّ: الذى يَنْبَغِى قَبُولُ شَهادَةِ مَن شَهِدَ، أنَ هذا كِتابُ فُلانٍ إليكَ، كَتَبَه مِن عَمَلِه، إذا جَهِلا ما فيه، قوْلًا واحدًا؛ لانتِفاءِ الجَهالَةِ.
انتهى.
وفى كلامِ أبى الخَطَّابِ، كَتَبَه بحَضْرَتِنا، وقال لنا: اشْهَدا علَىَّ أَنِّى 3 كَتَبْتُه فى عَمَلِى بما ثَبَتَ عندِى، وحَكَمْتُ به مِن كذا وكذا.
فيَشْهَدان بذلك.
قال الزَّرْكَشِىُّ: وقال القاضى: يكْفِى أنْ يقولَ: هذا كِتابِى إلى فُلانٍ.
مِن غيرِ أنْ يقولَ: اشْهَدا علىَّ.
انتهى.
وقال الشَّيْخُ تَقِىُّ الدِّينِ، رَحِمَه اللهُ: كِتابُه فى غيرِ عَمَلِه أو بعدَ عَزْلِه، كخَبَرِه.
على ما تقدَّم.

وَإِنْ كَتَبَ كِتَابًا وَأَدْرَجَهُ وَخَتَمَهُ، وَقَالَ: هَذَا كِتَابِى إِلَى  فائدة: قال ابنُ نَصْرِ اللهِ فى «حَواشِى الفُروعِ»: هل يجوزُ أنْ يشْهَدَ على القاضى- فيما أَثْبَتَه وحَكَمَ به- الشاهِدان اللَّذان شَهِدا عندَه بالحقِّ المَحْكُومِ به؟ لم أجِدْ لأصحابِنا فيها نصًّا، ومُقْتَضَى قاعِدَةِ المذهبِ، أنَّها لا 1 تُقْبَلُ؛ لأنَّها تَتَضَمَّنُ الشَّهادةَ عليه بقَبُولِه شَهادَتَهما، وإثْباتِه بها الحَقَّ والحُكْمَ؛ فالثُّبوتُ والحُكْمُ مَبْنِيَّان على قَبُولِ شَهادَتِهما، وشَهادَتُهما عليه 2 بقَبُولِه شَهادَتَهما نَفْعٌ لهما، فلا يجوزُ قبولُها، وإذا بَطَلَتْ بعْضُ الشَّهادَةِ، بَطَلَتْ؛ لأنَّها لا تَتَجَزَّأُ.
وفى «رَوْضَةِ الشَّافِعِيَّةِ» عن أبى طاهِرٍ، يجوزُ أنْ يكونَ الشَّاهِدان بحُكْمِ القاضى هما اللَّذانِ شَهِدا عندَه وحكَم بشَهادَتِهما؛ لأنَّهما الآنَ يشْهَدان على فِعْلِ القاضى.
قال أبو طاهِرٍ: وعلى هذا تَفَقَّهْتُ، وأدْرَكْتُ القُضاةَ.
انتهى.
وهذا فيما إذا كانتْ شَهادَتُهما على الحُكْمِ رُبَّما تَحْتَمِلُ قَبُولَه على ما فيه، وأما على الثُّبوتِ، فهذا فى غايَةِ البُعْدِ.
وقد أَفْتَى بالمَنْعِ قاضِى القُضاةِ بَدْرُ الدِّينِ العَيْنِىُّ الحَنَفِىُّ 3، وقاضى القُضاةِ البِساطِىُّ المالِكِىُّ.
ويأْتِى التَّنْبِيهُ على ذلك فى مَوانِعِ الشَّهادَةِ.
قوله: وإنْ كَتَبَ كِتابًا، وأدْرَجَه وخَتَمَه، وقالَ: هذا كِتابِى إلى فُلانٍ 4، اشْهَدا عَلَىَّ بما فيه.
لم يَصِحَّ؛ لأنَّ أحمدَ- رَحِمَه اللهُ- قال فى مَن كَتَبَ وَصِيَّةً

فُلَانٍ، اشْهَدَا عَلَىَّ بِمَا فِيهِ.
لَمْ يَصِحَّ؛ لِأنَّ أحْمَدَ قَالَ فِى مَنْ كَتَبَ وَصِيَّةً وَخَتَمَهَا، ثُمَّ أَشْهَدَ عَلَى مَا فِيهَا: فَلَا، حَتَّى يُعْلِمَهُ مَا فِيهَا.
وَيَتَخَرَّجُ الْجَوَازُ لِقَوْلِهِ: اذَا وُجِدَتْ وَصِيَّةُ الرَّجُلِ مَكْتُوبَةً عِنْدَ رَأْسِهِ، مِنْ غَيْرِ أنْ يَكُونَ أشْهَدَ، أوْ أعْلَمَ بِهَا أحَدًا عِنْدَ مَوْتِهِ، وَعُرِفَ خَطُّهُ وَكَانَ مَشْهورًا، فَإنَّهُ يَنْفُذُ مَا فِيهَا.
وَعَلَى هَذَا، إذَا عَرَفَ المَكْتُوبُ الَيْهِ أَنَّهُ خَطُّ القَاضِى الكَاتِبِ وَخَتْمُهُ، جَازَ قَبُولُهُ.
وَالعَمَلُ عَلَى الأَوَّلِ.
وخَتَمَها، ثُمَّ أَشْهَد على ما فيها: فلا، حَتَّى يُعْلِمَ ما فيها.
وهذا المذهبُ.
قال المُصَنِّفُ هنا: والعَمَلُ عليه.
وعليه جماهيرُ الأصحابِ.
قال الزَّركَشِىُّ: هذا المذهبُ المَشْهورُ.
وهو مُقْتَضَى قولِ الْخِرَقِىِّ.
وجزَم به فى «الوَجيزِ» وغيرِه.
وقدَّمه فى «الفُروعِ» وغيرِه.
ويَتَخَرَّجُ الْجَوازُ لقَوْلِه: إذا وُجِدَتْ وَصِيَّةُ الرَّجُلِ مَكْتُوبَةً عِنْد رَأْسِه، مِن غَيْرِ أنْ يَكُونَ أَشْهَدَ، أو أَعْلَمَ بها أحَدًا عِنْدَ مَوْتِه، وعُرِفَ خَطُّه وكَانَ

..................................  مَشْهُورًا، فإنَّه يَنْفُذُ ما فيها.
وهذا روايةٌ مخرِّجةٌ، خرَّجَها الأصحابُ.
واخْتارَ هذه الرِّوايةَ المُخَرِّجةَ فى الوَصِيَّةِ المُصَنِّفُ، والشَّارِحُ، وصاحِبُ «الفائقِ»،

..................................  وغيرُهم.
على ما تقدَّم فى أوَّلِ كتابِ الوَصايَا.

..................................  وعلى هذا، إذا عَرَفَ الْمَكْتُوبُ إليه أَنه خَطُّ الْقاضِى الْكاتِبِ وخَتْمُه، جازَ قَبُولُه.
على الصَّحيحِ، على هذا التَّخْريجِ.
وقدَّمه فى «الفُروعِ»،

..................................  و «الرِّعايةِ».
وقيل: لا يقْبَلُه.
ذكَرَه فى «الرِّعايةِ».
قال الزَّرْكَشِىُّ: ظاهرُ هذا، أنَّ على هذه الرِّوايةِ، يُشْتَرَطُ لقَبُولِ الكتابِ أنْ يعْرِفَ المكْتُوبُ إليه أنَّه خَطُّ القاضِى الكاتِبِ وخَتْمُه.
وفيه نظَرٌ.
وأشْكَلُ منه حِكايَةُ ابنِ حَمْدانَ قَوْلًا بالمَنْعِ؛ فإنَّه إذَنْ تَذْهبُ فائدةُ الرِّوايةِ.
والذى يَنْبَغِى على هذه الرِّوايةِ، أنْ لا يشْتَرِطَ شيئًا مِن ذلك.
وهو ظاهرُ كلامِ أبى البَرَكاتِ، وأبى محمدٍ فى «المُغْنى».
نعم، إذا قيلَ بهذه 1 الرِّوايةِ، فهل يُكْتَفَى بالخَطِّ المُجَرَّدِ مِن غيرِ شهادَةٍ؟ فيه وَجْهان، حكاهُما أبو البَرَكاتِ.
وعلى هذا يُحْمَلُ كلامُ ابنِ حَمْدانَ وغيرِه.
انتهى.
وعندَ الشيْخِ تَقِىِّ الدِّينِ، رَحِمَه اللهُ، مَن عُرِفَ خطُّه بإقْراِر، أو إنْشاءٍ، أو عَقْدٍ أو شَهادَةٍ؛، عُمِلَ به كَمَيِّتٍ، فإنْ حضَر وأنْكَرَ مضْمُونه، فكاعْتِرافِه بالصَّوْتِ وإنْكارِ مضْمُونِه.
وقال الشَّيْخُ تَقِىُّ الدِّينِ، رَحِمَه اللهُ، فى كتابٍ

..................................  أصْدَرَه الى السُّلْطانِ، فى مَسْأَلَةِ الزِّيارَةِ 1: وقد تَنازَعَ الفُقَهاءُ فى كتابِ الحاكمِ، هل يحْتاجُ الى شاهِدَيْنِ على لَفْظِه، أم واحدٍ؟ أو 2 يُكْتَفَى بالكِتابِ المَخْتومِ، أم يُقْبَلُ الكِتابُ بلا ختْمٍ ولا شاهِدٍ؟ على أرْبَعَةِ أقْوالٍ معْروفَةٍ فى مذهبِ الإِمامِ أحمدَ، رَحِمَه اللهُ، وغيرِه.
نقَله ابنُ خَطِيبِ السَّلَامِيَّةِ فى «تَعْلِيقِه» 3. وذكَر الشَّيْخُ تَقِىُّ الدِّينِ، رَحِمَه اللهُ، قوْلًا فى المذهبِ، أنَّه يَحْكُمُ بخَطِّ شاهدٍ مَيِّتٍ، وقال: الخَطُّ كاللَّفْظِ، إذا عرَفَ أنَّه خطُّه.
وقال: أنَّه مذهبُ جُمْهورِ العُلَماءِ، وهو يعْرفُ أنَّ هذا خطُّه، كما يعْرِفُ أنَّ هذا صَوْتُه.
واتَّفَقَ العُلَماءُ على أنَّه يشْهَدُ على الشَّخْصِ إذا عرَفَ صَوْتَه مع إمْكانِ الاشْتِباهِ، وجوَّزَ الجُمْهورُ، كالإِمامِ مالِكٍ والإِمامِ أحمدَ، رَحِمَهُما اللهُ تعالَى، الشَّهادَةَ على الصَّوْتِ مِن غيرِ رُؤْيَةِ المَشْهودِ عليه، والشَّهادَةُ على الخَطِّ أضْعَفُ، لكِنَّ جَوازَه قَوِىٌّ، أَقْوَى مِن مَنْعِه.
انتهى.
فوائد؛ الأُولَى، قال فى «الرَّوْضَةِ»: لو كَتَبَ 4 شاهِدان الى شاهِدَيْن مِن بَلَدِ المَكْتُوبِ إليه بإِقامَةِ الشَّهادَةِ عندَه عنهما، لم يَجُزْ؛ لأنَّ الشَّاهِدَ إنَّما يصِحُّ أنْ

..................................  يشْهَدَ على غيرِه إذا سمِعَ منه لَفْظَ الشهادَةِ، وقال: اشْهَدْ علَىَّ.
فأمَّا أنْ يشْهَدَ عليه بخَطِّه، فلا؛ لأنَّ الخُطُوطَ يدْخُلُ عليها العِلَلُ، فإنْ قامَ بخطِّ كلِّ واحدٍ مِن الشاهِدَيْن شاهِدان، ساغَ له الحُكْمُ به.
الثَّانيةُ، يُقْبَلُ كتابُ القاضِى فى الحَيوانِ بالصِّفَةِ.
على الصَّحيحِ مِن المذهبِ.
جزَم به فى «المُحَرَّرِ» وغيرِه.
قال فى «الفُروعِ»: ويُقْبَلُ كِتابُه فى حَيوانٍ فى الأصحِّ.
وقيل: لا يُقْبَلُ.
وأطْلَقَهما فى «المُغْنِى»، و «الشَّرْحِ».
فعلى المذهبِ، لو كتَبَ القاضِى كِتابًا فى عَبْدٍ، أو حَيوانٍ بالصِّفَةِ، ولم يَثْبُتْ له مُشارِكٌ فى صِفَتِه، سُلِّمَ إلى المُدَّعِى، فإنْ كانَ غيرَ عَبْدٍ وأمَةٍ، سُلِّمَ إليه مَخْتومًا، وإنْ كان عَبْدًا أو أمَةً، سُلِّمَ إليه مَخْتومَ العُنُقِ بخَيْطٍ لا يخْرُجُ مِن رَأْسِه، وأُخِذَ منه كَفِيلٌ؛

جارٍ التحميل