..................................
في «الهِدايةِ»، و «المُسْتَوْعِبِ»، والمُصَنِّفُ، والشَّارِحُ، وصاحِبُ «المُحَرَّرِ»، وابنُ مُنَجَّى في «شَرْحِه»، وغيرُهم.
فيَكونُ المُرَجَّحُ [على قولِ] 1 هؤلاءِ عَزْلَه، على ما تقدَّم في بابِ الوَكالةِ.
وذكَرَهما مِن غيرِ بناءٍ في «المُذْهَبِ»، و «الرِّعايتَين»، و «الحاوي الصَّغِيرِ»، و «النَّظْمِ»، و «الفُروعِ»، وغيرِهم.
وأطْلَقَ الخِلافَ في «المُذْهَبِ»، و «المُحَرَّرِ»، و «النَّظْمِ»، و «الرِّعايتَين»، و «الحاوي الصَّغِيرَ»، و «الفُروعِ»، وغيرِهم؛ أحدُهما، ينْعَزِلُ قبلَ عِلْمِه.
صحَّحه في «التَّصْحيحِ»، و «تَصْحيحِ المُحَرَّرِ».
وجزَم به في «الوَجيزِ».
وهو المذهبُ على المُصْطَلَحِ في الخُطْبَةِ.
والوَجْهُ الثَّاني، لا ينْعَزِلُ قبلَ عِلْمِه.
صحَّحه في «الرِّعايةِ»، وهو الصوابُ الذي لا يسَعُ الناسَ غيرُه.
وقال في «التَّلْخيصِ»: لا ينْعَزِلُ قبلَ العِلْمِ بغيرِ خِلافٍ وإنِ انْعَزَلَ الوَكِيلُ.
ورَجَّحَه الشيخُ تَقِيُّ الدِّينِ، رَحِمَه اللهُ، وقال: هو المَنْصوصُ عن الإمامِ أحمدَ، رَحِمَه اللهُ.
قال: لأنَّ في ولايَته حقًّا للهِ تعالى، وإنْ قيلَ: إنَّه وَكيل، فهو شَبِيهٌ بنَسْخِ الأحْكامِ، لا تثْبُتُ قبلَ بلُوغِ النَّاسِخِ، على الصَّحيحِ،
وَإذَا قَال الْمُوَلِّي: مَنْ نَظَرَ في الْحُكْمِ فِي الْبَلَدِ الْفُلَانِيِّ مِنْ فُلَانٍ وَفُلَانٍ، فَهُوَ خَلِيفَتِي، أَوْ: قَدْ وَلَّيتُهُ.
لَمْ تَنْعَقِدِ الْولَايةُ لِمَنْ يَنْظُرُ.
بخِلافِ الوَكالةِ المَحْضَةِ، وأيضًا فإنَّ ولايةَ القاضي العُقودُ والفُسوخُ، فتَعْظُمُ البَلْوَى بإبْطالِها قبلَ العِلْمِ، بخِلافِ الوَكالةِ.
قلتُ: وهذا الصَّوابُ.
قال في «الرِّعايةِ»، بعدَ أنْ أطْلَقَ الوَجْهَين: أصحُّهما بَقاؤُه حتى يعْلَمَ به.
فائدة: لو أُخْبِرَ بمَوْتِ قاضي بَلَدٍ، فوَلَّى غيرَه، فَبَانَ حيًّا، لم ينْعَزِلْ.
على الصَّحيحِ مِن المذهبِ.
وقيل: ينْعَزِلُ.
قوله: وإذا قال المُوَلِّي: مَن نَظَرَ في الحُكْمِ في الْبَلَدِ الْفُلانِيِّ مِن فُلانٍ وفُلانٍ،
وَإِنْ قَال: وَلَّيتُ فُلَانًا وَفُلَانًا، فَمَنَ نَظرَ مِنْهُمَا، فَهُوَ خَلِيفَتِي.
انْعَقَدَتِ الْولَايةُ.
فَصْلٌ: وَيُشْتَرَط في الْقَاضِي عَشْرُ صِفَاتٍ؛ أنْ يَكُونَ
فهو خَلِيفَتِي.
أو: قَدْ وَلَّيتُه.
لم تَنْعَقِدِ الْولايةُ لِمَن يَنْظُرُ.
وهو المذهبُ.
وعليه الأصحابُ.
وذلك لجَهالةِ المُوَلَّى منهما.
ذكَرَه القاضي وغيرُه.
وعلَّلَه المُصَنِّفُ، وتَبعَه الشَّارِحُ بأنَّه علَّق الولايةَ بشَرْطٍ، ثم ذكَر احْتِمالًا بالجَوازِ؛ للخَبَرِ 1: «أمِيرُكُمْ زَيدٌ».
قال في «الفُروعِ»: والمَعْروفُ صِحَّةُ الولايَةِ بشَرْطٍ.
وهو كما قال، وعليه الأصحابُ.
قال في «المُحَرَّرِ» وغيرِه: ويصِحُّ تعْليقُ القَضاءِ والإمارَةِ بالشَّرْطِ.
وأمَّا إذا وُجِدَ الشرْطُ بعدَ مَوْتِه، فسبَق ذلك في بابِ المُوصَى إليه.
تنبيه: قوْلُه: وإنْ قال: وَلَّيتُ فُلانًا وفلانًا، فَمَن نَظَرَ منهما، فهو خَلِيفَتِي.
انْعَقَدَتِ الولايَةُ.
لأنَّه وَلَّاهما، ثم عيَّن مَنْ سَبَقَ، فَتَعَيَّنَ.
قوله: ويُشْتَرَطُ في القاضِي عَشْرُ صِفاتٍ؛ أَنْ يَكُونَ بالِغًا.
وهو المذهبُ.
وعليه جماهيرُ الأصحابِ.
وقطَع به أكثرُهم، وقدَّمه في «الفُروعِ».
ولم يذْكُرْ
بَالِغًا، عَاقِلًا، ذَكَرًا، حُرًّا، مُسْلِمًا، عَدْلًا، سَمِيعًا، بَصِيرًا، مُتَكَلِّمًا، مُجْتَهِدًا.
وَهَلْ يُشْتَرَطُ كَوْنُهُ كَاتِبًا؟ عَلَى وَجْهَينِ.
أبو الفَرَجِ الشِّيرَازِيُّ في كتُبِه «بالِغًا».
فظَاهِرُه عدَمُ اشْتِراطِه.
قوله: حُرًّا.
هذا المذهبُ بلا رَيبٍ.
وعليه جماهيرُ الأصحابِ.
وجزَم به أكثرُهم.
وقيل: لا تُشْتَرَطُ الحُرِّيّةُ، فيَجوزُ أنْ يكونَ عَبْدًا.
قاله ابنُ عَقِيلٍ، وأبو الخَطَّابِ.
وقال أيضًا: يجوزُ بإذْنِ السَّيِّدِ.
فائدة: تصِحُّ ولايةُ العَبْدِ إمارةَ السَّرايا، وقَسْمَ الصَّدَقاتِ والفَىْءِ، وإمامَةَ
..................................
الصَّلاةِ.
ذكَرَه القاضي محَلَّ وفاقٍ.
قوله: مُسْلِمًا.
هذا المذهبُ بلا رَيبٍ.
وعليه الأصحابُ.
وقطَعُوا به.
وقال في «الانْتِصارِ» في صِحَّةِ إسْلامِه: لا نعْرِفُ فيه رِوايَةَ: فإن سَلِمَ.
وقال في
..................................
«عُيونِ المَسائلِ»: يَحْتَمِلُ المَنْعَ وإنْ سَلِمَ.
قوله: عَدْلًا.
هذا المذهبُ، ولو كان تائِبًا مِن قَذْفٍ.
نصَّ عليه.
وعليه أكثرُ الأصحابِ.
وجزَم به في «الوَجيزِ» وغيرِه.
وقدَّمه في «الفُروعِ» وغيرِه.
وقيل: إن فُسِّقَ بشُبْهَةٍ، فوَجْهان.
ويأْتي بَيانُ العَدالةِ في بابِ شُروطِ مَن تُقْبَلُ شهادَتُه.
وقد قال الزَّرْكَشِيُّ: العَدالةُ المُشْتَرَطَةُ هنا؛ هل هي العَدالةُ ظاهِرًا وباطِنًا، كما في الحُدودِ، أو ظاهِرًا فقطْ، كما في إمامَةِ الصَّلاةِ والحاضِنِ ووَلِيِّ اليَتِيمِ ونحو ذلك؟ وفيها الخِلافُ، كما في العَدالةِ في الأمْوالِ، ظاهِرُ إطْلاقاتِ الأصحابِ، أنَّها كالذي في الأَمْوالِ.
وقد يُقال: إنَّها كالذي في الحُدودِ.
انتهى.
قوله: سَمِيعًا، بَصِيرًا.
هذا المذهبُ.
وعليه جماهيرُ الأصحابِ.
وجزَم به في «الوَجيزِ» وغيرِه.
وقدَّمه في «الفُروعِ» وغيرِه.
وقيلَ: لا يُشْتَرَطان.
..................................
قوله: مُجْتَهِدًا.
هذا المذهبُ المَشْهورُ.
وعليه مُعْظَمُ الأصحابِ.
وجزَم به في «الوَجيزِ» وغيرِه.
وقدَّمه في «الفُروعِ» وغيرِه.
قال ابنُ حَزْم: يُشْتَرَطُ كوْنُه مُجْتَهِدًا إجْماعًا.
وقال: أجْمَعُوا أنَّه لا يحِلُّ لحاكم ولا لمُفْتٍ تقْليدُ رجُل، فلا يحْكُمُ ولا يُفْتِي إلَّا بقَوْلِه.
وقال في «الإِفْصاحِ»: الإِجْماعُ انْعَقَدَ على تقْليدِ كل مِن المذاهبِ الأرْبَعَةِ، وأنَّ الحقَّ لا يخْرُجُ عنهم.
قال المُصَنِّفُ في خُطبةِ «المُغْنِي» 1: النِّسْبَةُ إلي إمامٍ في الفُروعِ، كالأئمَّةِ الأرْبعَةِ ليستْ بمَذْمُومَةٍ، فإنَّ اخْتلافَهم رَحْمَة، واتِّفاقَهم حُجَّةٌ قاطِعَةٌ.
قال بعْضُ الحَنَفِيَّةِ: وفيه نَظَر؛ فإنَّ الإجْماعَ ليسَ عِبارَةً عنِ الأئمَّةِ الأرْبَعَةِ وأصحابِهم.
قال في «الفُروعِ»: وليسَ في كلامِ الشَّيخِ ما فَهِمَه هذا الحَنَفِيُّ.
انتهى.
واخْتارَ في
..................................
«التَّرْغيبِ»: ومُجْتَهِدًا في مذهبِ إمامِه للضَّرُورَةِ.
واخْتارَ في «الإفْصاحِ»، و «الرِّعايةِ»: أو مُقَلِّدًا.
قلتُ: وعليه العَمَلُ مِن مُدَّةٍ طويلةٍ، وإلَّا تعَطَّلَتْ أحْكامُ النَّاسِ.
وقيلَ في المُقَلِّدِ: يُفْتِي ضَرُورَةً.
وذكَر القاضي، أنَّ ابنَ شَاقْلا اعْتَرَضَ عليه بقولِ الإمامِ أحمدَ، رَحِمَه اللهُ: لا يكونُ فَقِيهًا حتى يَحْفَظَ أرْبَعَمِائَةِ ألْفِ حديثٍ.
فقال: إنْ كنتُ لا أحْفَظُه، فإنِّي أُفْتِي بقولِ مَن يَحْفَظ أكثرَ منه.
قال القاضي: لا يقْتَضِي هذا أنَّه كان يُقَلِّدُ الإمامَ أحمدَ، رَحِمَه اللهُ، لمَنْعِه الفُتْيَا بلا عِلْمٍ.
قال بعْضُ الأصحابِ: ظاهِرُه تقْلِيدُه، إلَّا أنْ يُحْمَلَ على أخْذِه طُرُقَ العِلْمِ عنه 1. وقال ابنُ بَشَّارٍ، مِن الأصحابِ: ما أعِيبُ 2 على مَن يَحْفَظُ خَمْسَ
..................................
مَسائِلَ للإمامِ أحمدَ، رَحِمَه اللهُ، يُفْتِي بها.
قال القاضي: هذا مِنْه مُبالغَةٌ في فَضْلِه.
وظاهرُ نَقْلِ عَبْدِ اللهِ، يُفْتِي غيرُ مُجْتَهِدٍ.
ذكَرَه القاضي.
وحَمَله الشَّيخُ تَقِيُّ الدِّينِ، رَحِمَه اللهُ، على الحاجَةِ.
فعلى هذا، يُراعِي أَلْفاظَ إمامِه ومُتَأخِّرَها، ويُقَلِّدُ كِبارَ مذهَبِه في ذلك.
قال في «الفُروعِ»: وظاهِرُه أنَّه يحْكُمُ ولو اعْتَقَدَ
..................................
خِلافَه؛ لأنَّه مُقَلِّدٌ، وأنَّه لا يخْرُجُ عن الظَّاهرِ عنه، فيَتَوَجَّهُ، مع الاسْتِواءِ، الخِلافُ في مُجْتَهِدٍ.
انتهى.
وقال في «أُصُولِه»: قال بعْضُ أصحابِنا: مُخالفَةُ المُفْتِي نصَّ إمامِه الذي قلَّدَه كمُخالفَةِ المُفْتِي نصَّ الشَّارِعِ.
فائدة: يَحْرُمُ الحُكْمُ والفُتْيَا بالهَوَى إجْماعًا، وبقَوْلٍ أو وَجْهٍ مِن غيرِ نظَر في التَّرْجيحِ إجْماعًا، ويجِبُ أنْ يعملَ بمُوجِبِ اعْتِقادِه فيما له أو عليه إجْماعًا.
قاله الشَّيخُ تَقِيُّ الدِّينِ، رَحِمَه الله.
ويأْتِي قريبًا شيءٌ مِن أحْكامِ المُفْتِي.
قوله: وهل يُشْتَرَطُ كَوْنُه كاتِبًا؟ على وَجْهَينِ.
وأطْلَقَهما في «الهِدايةِ»، و «المُذْهَبِ»، و «المُسْتَوْعِبِ»، و «الخُلاصَةِ»، و «الهادِي»، و «المُحَررِ»، و «شَرْحِ ابنِ مُنَجَّى»، و «تَجْريدِ العِنايةِ»، و «الزَّرْكَشِىيِّ»، وغيرِهم؛ أحدُهما، لا يُشْتَرَطُ ذلك.
وهو المذهبُ؛ صحَّحه في «التَّصْحيحِ»، و «النَّظْمِ»، و «الحاوي الصَّغِيرِ»، و «تَصْحيحِ المُحَرِّرِ»، وغيرِهم.
وهو ظاهِرُ ما جزَم به في «الوَجيزِ»، و «المُنَوِّرِ»، و «مُنْتَخَبِ الأدَمِيِّ»؛ لكَوْنِهم لم يذْكُروه في الشووطِ.
قال ابنُ عَبْدُوسٍ في «تَذْكِرَتِه»: والكاتِبُ أوْلَى.
وقدَّمه في «المُغْنِي»، و «الكافِي»، و «الشَّرْحِ»، [و «شَرْحِ ابنِ رَزِينٍ»] 1، و «الفُروعِ»، وغيرِهم.
والوَجْهُ الثَّاني، يُشْتَرَطُ.
قدَّمه في
..................................
«الرِّعايتَين»، و «الحاوي الصَّغِيرِ»، لكِنْ صحَّحَ الأوَّلَ.
تنبيه: ظاهِرُ كلامِ المُصَنفِ، أنَّه لا يُشْتَرَطُ فيه غيرُ ما تقدَّم.
وهو المذهبُ.
وعليه أكثرُ الأصحابِ.
وقدَّمه في «الفُروعِ»، و «الرِّعايةِ الكُبْرى».
وهو ظاهِرُ كلامِ كثيرٍ مِن الأصحابِ؛ لكَوْنِهم لم يذْكُرُوه.
وقال الْخِرَقِيُّ، وصاحِبُ «الرَّوْضَةِ»، والحَلْوانِيُّ، وابنُ رَزِينٍ، والشَّيخُ تَقِيُّ الذينِ، رَحِمَهُم اللهُ: يُشْتَرَطُ كوْنُه وَرِعًا.
وهو الصَّوابُ.
قال الزَّرْكَشِيُّ: وهو ظاهِرُ كلامِ الإِمامِ أحمدَ، رحِمَه اللهُ، على ما حَكاه أبو بَكْرٍ في «التنبِيهِ».
وقيل: يُشْتَرَطُ كوْنُه وَرِعًا زاهِدًا.
وأطلَقَ في «التَّرْغيبِ»، و «تَجْرِيدِ العِنايةِ» فيهما وَجْهَين.
وقال ابنُ عَقِيلٍ: لا مُغَفَّلًا.
قال مَشايخِنا: الذي يظْهَرُ الجَزْمُ به.
وهو كما قال.
والذي يظْهَرُ، أنَّه مُرادُ الأصحابِ، وأنه يُخَرجُ مِن كلامِهم.
وقال القاضي في مَوْضِعٍ: لا بَلِيدًا.
قلتُ: وهو الصَّوابُ.
وقال القاضي أيضًا: لا نافِيًا للقِياسِ.
وجعَله ظاهِرَ كلامِ الإمامِ أحمدَ.
وقال الشَّيخُ تَقِيُّ الدِّينِ: الولايةُ لها رُكْنان؛ القُوَّةُ، والأمانَةُ؛ فالقُوَّةُ في الحُكْمِ ترْجِعُ إلى العِلْمِ بالعَدْلِ وتَنْفيذِ الحُكْمِ، والأمانَةُ ترْجِعُ إلى خَشْيَةِ اللهِ عز وجَلَّ.
قال: وهذه الشروطُ تُعْتبَرُ حسَبَ الإمْكانِ، وتَجِبُ توْلِيَةُ الأمْثَلِ فالأمْثَلِ.
وقال: على هذا يدُلُّ كلامُ الإمامِ أحمدَ، رحِمَه اللهُ، وغيرِه؛ فيُوَلَّى للعَدَمِ أنْفَعُ الفاسِقَين، وأَقلُّهما شرًّا، وأعْدَلُ المُقَلِّدَين وأعْرَفُهما بالتَّقْليدِ.
قال في «الفُروعِ»: وهو كما قال؛ فإن
..................................
المَرُّوذِيَّ نقَل في مَن قال: لا أسْتَطِيعُ الحُكْمَ بالعَدْلِ.
يصِيرُ الحُكْمُ إلى أعْدَلَ منه.
قال الشَّيخُ تَقِيُّ الدِّينِ، رَحِمَه اللهُ: قال بعْضُ العُلَماءِ: إذا لم يُوجَدْ إلَّا فاسِقٌ عالِمٌ و 1 جاهِلٌ دَيِّنٌ، قُدِّمَ ما الحاجَةُ إليه أكثرُ إذَنْ.
انتهى.
تنبيه: لا يُشْتَرَطُ غيرُ ما تقدَّم، ولا كراهَةَ فيه، فالشَّابُّ المُتَّصِفُ بالصِّفاتِ المُعْتَبَرَةِ كغيرِه، لكِنَّ الأَسَنَّ أوْلَى مع التَّساوي، ويُرَجَّحُ أيضًا بحُسْنِ الخُلُقِ وغيرِ ذلك، ومَن كانَ أكمَلَ 2 في الصفاتِ، ويوَلَّى المُوَلى مع أهْلِيَّته.
فائدتان؛ إحْداهما، كل ما يمنعُ مِن توْليَةِ القَضاءِ ابْتِداءً يَمْنَعُها دَوامًا.
على الصَّحيحِ مِن المذهبِ.
فيَنْعَزِلُ إذا طَرَأ ذلك عليه مُطْلَقًا.
وقدَّمه في «الفُروعِ» وغيرِه.
وجزَم به في «الرِّعايةِ» وغيرِه.
وقال في «المُحَرَّرِ»، و «الزَّرْكَشِيِّ»، و «الوَجيزِ»، ومَن تابعَهم: ما فُقِدَ مِن الشُّروطِ في الدَّوامِ أزال الولايةَ، إلَّا فَقْدَ السَّمْعِ والبَصَرِ فيما يثْبُتُ عندَه ولم يحْكُمْ به؛ فإنَّ ولايةَ حُكْمِه باقِيَةٌ فيه.
وقاله في «الانْتِصارِ» في فَقْدِ البَصَرِ فقطْ.
وقيل: إنْ تابَ فاسِقٌ، أو أفاقَ مَن جُنَّ أو أُغْمِيَ عليه، وقُلْنا: يَنْعَزِلُ بالإِغْماءِ، فولايَتُه باقِيَةٌ.
وقال في «التَّرْغيبِ»: إنْ جُنَّ، ثم أفاقَ، احْتَمَلَ وَجْهَين.
وقال في «المُعْتَمَدِ»: إنْ طرَأ جُنون، فقيل: إنْ لم يكُنْ مُطْبقًا، لم يُعْزَلْ، كالإغْماء، وإنْ أطْبَقَ به، وَجَبَ عَزْلُه.
وقال: الأثْمبَهُ بقوْلِنا: يُعْزَلُ.
إنْ أطْبَقَ شَهْرًا؛ لَأنَّ الإِمامَ أحمدَ، رحِمَه اللهُ تعالى، أجازَ شهادَةَ مَن يُخْنَقُ في الأحْيانِ، وقال: في الشهْرِ مَرَّةً.
قال في «الفُروعِ»: كذا قال.
وَالْمُجْتَهِدُ مَنْ يَعْرِفُ مِنْ كِتَابِ الله تِعَالى وَسُنَّةِ رَسُولِهِ عَلَيهِ السَّلَامُ الْحَقِيقَةَ وَالْمَجَازَ، وَالأمْرَ وَالنَّهْيَ، وَالْمُجْمَلَ وَالْمُبَيَّنَ، وَالْمُحْكَمَ وَالْمُتَشَابِهَ، وَالْخَاصَّ وَالْعَامَّ، وَالْمُطْلَقَ وَالْمُقَيَّدَ، وَالنَّاسِخَ وَالْمَنْسُوخَ، وَالْمُسْتَثْنَى وَالْمُسْتَثْنَى مِنْهُ، وَيَعْرِفُ مِنَ السُّنَّةِ صَحِيحَهَا مِنْ سَقِيمِهَا، وَتَوَاتُرَهَا مِنْ آحَادِهَا، وَمُرْسَلَهَا وَمُتَّصِلَهَا، وَمُسْنَدَهَا وَمُنْقَطِعَهَا، مِمَّا لَهُ تَعَلُّقٌ بِالأحْكَامِ خَاصَّةً،
الثَّانيةُ، لو مَرِضَ مرَضا يَمْنَعُ القَضاءَ، تعيَّن عزْلُه.
قدَّمه في «الفُروعِ».
وقال المُصَنِّفُ، والشُّارِحُ: ينْعَزِلُ.
قوله: والمُجْتَهِدُ مَن يَعْرِفُ مِن كِتابِ اللهِ تَعالى وسُنَّةِ رَسُولِه عليه الصلاةُ
.................................. والسَّلامُ الْحَقِيقَةَ والْمَجازَ، والأَمْرَ والنَّهْيَ، والمُجْمَلَ والمُبَيَّنَ، والمُحْكَمَ والمُتَشابِهَ، والْخاصَّ والعامَّ، والمُطْلَقَ والمُقَيَّدَ، والنَّاسِخَ والمنْسُوخَ، والمُسْتَثْنَى والمسْتَثْنَى منه، ويَعْرِفُ مِن السُّنَّةِ صَحِيحَها مِن سَقِيمِها، وتَواتُرَها مِن آحادِها، ومُرْسَلَها ومُتَّصِلَها، ومُسْنَدَها ومُنْقَطِعَها، ممَّا له تَعَلُّقٌ بالأحْكامِ خاصَّةٌ، ويَعْرِفُ ما أُجْمِعَ عليه ممَّا اخْتُلِفَ فيه، والقِياسَ وحُدُودَه وشُرُوطَه
ويَعْرِفُ مَا أُجْمِعَ عَلَيهِ ممَّا اخْتُلِفَ فِيهِ، وَالْقِيَاسَ وَحُدُودَهُ وَشُرُوطَهُ وَكَيفِيَّةَ اسْتِنْبَاطِهِ، وَالْعَرَبِيَّةَ الْمُتَدَاوَلَةَ بِالْحِجَازِ وَالشَّامِ وَالْعِرَاقِ وَمَا يُوَالِيهِمْ.
وَكُلُّ ذَلِكَ مَذْكُورٌ في أُصُولِ الْفِقْهِ وَفُرُوعِهِ، فَمَنْ وَقَفَ عَلَيهِ وَرُزِقَ فَهْمَهُ، صَلُحَ لِلْقَضَاءِ، وَالْفُتْيَا، وَبِاللهِ التَّوْفِيقُ.
وكَيفِيَّةَ اسْتِنْباطِه، والْعَرَبِيَّةَ المُتَداوَلَةَ بالْحِجازِ والشَامِ والْعِراقِ وما يُوالِيهِمْ، وكُلُّ ذلك مَذْكُورٌ في أُصُولِ الفِقْهِ وفُرُوعِه، فمَن وَقَفَ عليه ورُزِقَ فهْمَه، صَلُحَ للْفُتْيا والْقَضاءِ، وباللهِ التَّوْفِيقُ.
وكذا قال كثير مِن الأصحابِ.
وقال في «الفُروعِ»:
..................................
فمَن عَرَفَ أكثره، صَلُحَ للفُتْيا والقَضاءِ.
وقال في «الوَجيزِ»: فمَن وَقَفَ على أكْثَرِ ذلك وفَهِمَه، صَلُحَ للفُتْيا والقَضاءِ.
وقال في «المُحَرَّرِ»: فمَن وَقَفَ عليه أو على أكْثَرِه، ورُزِقَ فهْمَه، صَلُحَ للفُتْيا والقَضاءِ.
انتهى.
وقيل: يُشْتَرَطُ أنْ يعْرِفَ أكْثَرَ الفِقْهِ.
وقال في «الواضِحِ»: يجِبُ معْرِفَةُ جميعِ أُصُولِ الفِقْهِ، وأدَلّةِ الأحْكامِ.
وقال أبو محمدٍ الجَوْزِيُّ: مَن حصَّلَ أُصُولَ الفِقْهِ وفرُوعَه، فمُجْتَهِدٌ.
انتهى.
وقال ابنُ مُفْلِح في «أُصُولِه»: والمُفْتِي؛ العالِمُ بأُصُولِ الفِقْهِ وما يُسْتَمَدُّ منه، والأدِلَّةِ السَّمْعِيَّةِ مُفَصَّلَةً، واخْتِلافِ مَراتِبِها غالِبًا، واعْتَبَرَ بعْضُ أصحابِنا معْرِفَةَ أكْثَرَ الفِقْهِ، والأشْهَرُ، لا.
انتهى.
وقال في «آدابِ المُفْتِي»: لا يضُرُّ جَهْلُه ببَعْضِ ذلك لشُبْهَةٍ أو إشْكالٍ، لكِنْ يكْفِيه معْرِفَةُ وُجوهِ دَلالةِ الأدِلَّةِ، ويكْفِيه أخْذُ الأحْكامِ مِن لَفْظِها ومَعْناها.
زادَ ابنُ عَقِيلٍ في «التّذْكِرَةِ»، ويعْرِفُ الاسْتِدْلال، واسْتِصْحابَ الحالِ، والقُدْرَةَ على إبْطالِ شُبْهَةِ المُخالِفِ، وإقامَةَ الدَّلائِلِ على مذهَبِه.
انتهى.
وقال في «آدابِ المُفْتِي» أيضًا: وهل يُشْتَرَطُ معْرِفَةُ الحِسابِ ونحوه مِن المَسائلِ المُتَوَقِّفَةِ عليه؟ فيه خِلافٌ.
ويأْتي -بعدَ فَراغِ الكتابِ- أقْسامُ المُجْتَهِدِين، وتقدَّم قريبًا عندَ قوْلِه: مُجْتَهِدًا.
أنَّه لا يُفْتِي إلَّا مُجْتَهِدٌ، على الصَّحيحِ.
..................................
فوائد؛ منها، لو أدَّاه اجْتِهادُه إلى حُكْم، لم يَجُزْ له تقْلِيدُ غيرِه إجْماعًا.
ويأْتي هذا في كلامِ المُصَنِّفِ في أوَّلِ الباب الذي يَلِيه، في قوْلِه: ولا يُقَلِّدُ غيرَه وإنْ كان أعْلَمَ منه.
وإنْ لم يَجْتَهِدْ، لم يَجُزْ.
أَنْ يُقَفد غيرَه أيضًا مُطْلَقًا.
على الصَّحيحِ مِن المذهبِ.
وعليه جماهيرُ الأصحابِ.
ونصَّ عليه في رِوايةِ الفَضْلِ بنِ زِيادٍ.
قال ابنُ مُفْلِحٍ في «أُصُولِه»: قاله أحمدُ وأكثرُ أصحابِه.
وقدَّمه في «الفُروعِ» وغيرِه.
وعنه، يجوزُ.
اخْتارَه الشِّيرَازِي فقال: مذهَبُنا جوازُ تقْليدِ العالِم للعالِمِ.
قال أبو الخَطَّابِ: وهذا لا نعْرِفُه 1 عن أصحابِنا.
نقَلَه في «الحاوي الكَبِيرِ» في الخُطْبَةِ.
وعنه، يجوزُ مع ضِيقِ الوَقْتِ.
وقيل: يجوزُ لأعلَمَ منه.
وذكَر أبو المَعالِي، عن الإِمامِ أحمدَ، رَحِمَه اللهُ: يُقَلِّدُ صحابِيًّا، ويُخَيَّرُ فيهم،
..................................
ومِن التَّابعِين عُمَرَ بنَ عَبْدِ العَزِيزِ فقطْ.
وفي هذه المَسْألَةِ للعُلَماءِ عِدَّةُ 1 أقْوالٍ غيرِ ذلك.
وتقدَّم نظِيرُها في بابِ اسْتِقْبالِ القِبْلَةِ.
وقال في «الرِّعايةِ»: يجوزُ له التقْلِيدُ؛ لخَوْفِه على خُصوم مُسافِرين فَوْتَ رُفْقَتِهم، في الأصحِّ.
ومنها، يتَحَرَّى الاجْتِهادَ.
على الصَّحيحِ مِن المذهبِ.
وعليه الأصحابُ.
وقال ابنُ مُفْلِحٍ في «أُصُولِه»: قاله أصحابُنا.
وصحَّحه في «الفُروعِ» وغيرِه.
وقطَع به المُصَنِّفُ في «الرَّوْضَةِ» وغيرُه.
وقيل: لا يتَحَرَّى.
وقيل: يتَحَرَّى في بابٍ، لا 2 في مسْألَةٍ.
ومنها، وتَشْتَمِلُ على مَسائِلَ كثيرةٍ في أحْكامِ المُفْتِي والمُسْتَفْتِي؛ تقدَّم قريبًا
..................................
تحْريمُ الحُكْمِ والفُتْيا بالهَوَى، وبقَوْلٍ أو وَجْهٍ مِن غيرِ نظَو في التَّرْجيحِ إجْماعًا.
واعلمْ أنَّ السَّلَف الصَّالِحَ، رَحِمَهُم اللهُ، كانُوا يَهابُون الفُتْيا، ويُشَدِّدُونَ فيها، ويتَدافَعُونَها، وأنْكَرَ الإِمامُ أحمدُ، رحِمَه اللهُ، وغيرُه على مَنْ تهَجَّمَ في الجَوابِ.
وقال: لا يَنْبَغِي أنْ يُجيبَ في كل ما يُسْتَفْتَى.
وقال: إذا هابَ الرَّجُلُ شيئًا، لا ينْبَغِي أنْ يُحْمَلَ على أَنْ يقولَ.
إذا عَلِمْتَ ذلك، ففي وُجوبِ تقْديمِ معْرِفَةِ الفِقْهِ 1 على أصُولِه وَجهان.
وأطْلَقهما في «الفُروعِ»؛ أحدُهما، يجِبُ تقْديمُ معْرِفَةِ 2 الفِقْهِ.
اخْتارَه القاضي وغيرُه.
قال في «آدابِ المُفْتِي»: وهو أوْلَى.
والثَّاني، يجِبُ تقْديمُ معْرِفَةِ أُصُولِ الفِقْهِ.
اخْتارَه ابنُ عَقِيلٍ وابنُ البَنَّا، وغيرُهما.
قال في «آدابِ المُفْتِي»: وقد أوْجَبَ ابنُ عَقِيلٍ وغيرُه، تقْدِيمَ معْرِفَةِ أُصُولِ الفِقْهِ على فُروعِه؛ ولهذا ذكَرَه أبو بَكْرٍ، وابنُ أبي مُوسى، والقاضي، وابنُ البَنَّا في أوَائلِ كُتُبِهم الفُرُوعِيَّةِ، وقال أبو البَقَاءِ العُكْبَرِيُّ: أبْلَغُ ما تُوُصِّلَ به إلى إحْكامِ الأحْكامِ، إتْقانُ أُصُولِ الفِقْهِ، وطَرَفٍ مِن أُصُولِ الدِّينِ.
انتهى.
وقال
..................................
ابنُ قاضِي الجَبَلِ في «أُصُولِه»، تبَعًا لـ «مُسَوَّدَةِ ابنِ 1 تَيمِيَّةَ»، و «الرِّعايةِ الكُبْرى»: تقْدِيمُ معْرِفَتِها أوْلَى مِن الفُروعِ عندَ ابنِ عَقِيلٍ وغيرِه.
قلتُ: في غيرِ فَرْضِ العَينِ.
وعندَ القاضي عكْسُه.
انتهى 2. فظاهِرُ كلامِهم، أنَّ الخِلافَ في الأوْلَويَّةِ، ولعَلَّه أولَى 3، وكلامُ غيرِهم في الوُجوبِ.
وتقدَّم: هل للمُفْتِي الأخْذُ مِن المُسْتَفْتِي إذا كان له كِفايَة، أمْ لا؟ ويأْتي: هل له أَخْذُ الهَدِيَّةِ، أمْ لا؟ عندَ أحْكام هَدِيَّةِ الحاكِمِ.
والمُفْتِي؛ مَن يُبَيِّنُ الحُكْمَ الشَّرْعِيَّ، ويُخْبِرُ به مِن غيرِ إلْزامٍ.
والحاكِمُ؛ مَن يُبَيِّنُه ويُلْزِمُ به.
قاله شيخُنا في «حَواشِي الفُروعِ».
ولا يُفْتِي في حالٍ لا يُحْكَمُ فيها، كغَضَبٍ ونحوه، على ما يأْتِي في كلامِ المُصَنِّفِ.
قال ابنُ مُفْلِحٍ في
..................................
«أُصُولِه»: فظاهِرُه، يَحْرُمُ كالحُكْمِ.
وقال في «الرِّعايةِ الكُبْرى»: لا يُفْتِي في هذه الحالِ، فإنْ أَفْتَى وأصابَ، صح وكُرِهَ.
وقيل: لا يصِحُّ.
ويأْتِي نظِيرُه في قَضاءِ الغَضْبانِ ونحوه.
وتصِحُّ فَتْوَى العَبْدِ والمَرْأةِ والقَريبِ ويأْتِي والأخْرَسِ المَفْهُومِ الإشارَةِ أو الكِتابَةِ، وتصِحُّ مع جَرِّ النفْعِ ودَفْعِ الضرَرِ، وتصِحُّ مِن العَدُوِّ.
على الصَّحيحِ مِن المذهبِ.
قدَّمه في «الرِّعايةِ»، و «آدابِ المُفْتِي»، و «الفُروعِ» في بابِ أدَبِ القاضي.
وقيل: لا تصِحُّ، كالحاكِمِ والشَاهِدِ.
ولا تصِحُّ مِن فاسِقٍ لغيرِه وإنْ كان مُجْتَهِدًا، لكِنْ يُفْتِي نفْسَه، ولا يسْألُ غيرَه.
وقال الطُّوفِيُّ في «مُخْتَصَرِه» وغيرُه: لا تُشْتَرَطُ عَدالته في اجْتِهادِه، بل في قَبُولِ فُتْياه وخَبَرِه.
وقال ابنُ القَيِّمِ، رحِمَه اللهُ في «إعْلامِ المُوَقعينَ»: قلتُ: الصَّوابُ جوازُ اسْتِفْتاءِ الفاسِقِ، إلا أنْ يكونَ مُعْلِنًا بفِسْقِه، داعِيًا إلى بدْعَتِه، فحُكْمُ اسْتِفْتائِه حكمُ إمامَتِه وشَهادَتِه.
ولا تصِحُّ مِن مَسْتُورِ الحالِ أيضًا.
على الصَّحيحِ مِن المذهبِ.
قدَّمه في «الفُروعِ»، وغيره مِن الأصُولِيِّينَ.
وقيل: تصِحُّ.
قدَّمه في «آدابِ المُفْتِي».
وعملُ النَّاسِ عليه.
وصححه في «الرِّعايَةِ الكُبْرى».
[واخْتارَه في «إعْلامِ المُوَقعينَ»] 1. وقيل: تصِحُّ إنِ اكْتَفَينا بالعَدالةِ الظاهِرَةِ، وإلَّا فلا.
والحاكِمُ كغيرِه في الفُتْيا.
على الصَّحيحِ مِن المذهبِ.
وقيل: تُكْرَهُ له 2 مُطْلَقًا.
وقيل: تُكْرَهُ في مَسائِلِ الأحْكامِ المُتَعَلِّقَةِ به، دُونَ الطَّهارَةِ والصَّلاةِ ونحوهما.
ويَحْرُمُ تَساهُلُ مُفْتٍ، وتَقْلِيدُ مَعْرُوفٍ به.
قال الشَّيخُ تَقِيُّ الدِّينِ، رَحِمَه اللهُ: لا يجوزُ اسْتِفْتاءُ إلا مَن يُفْتِي بعِلْم وعَدْلٍ.
ونقَل المَروذِيُّ، لا يَنْبَغِي أنْ يُجِيبَ في كُل ما يُسْتَفْتَى فيه.
ويأْتِي: هل له قَبُولُ الهَدِيَّةِ، أمْ لا؟
..................................
وليسَ لمَنِ انْتَسَبَ إلى مذهبِ إمام في مسْألَةٍ ذاتِ قوْلَين أو وَجْهَين أنْ يتَخَيَّرَ، فَيَعْمَلَ أو يُفتِيَ بأيِّهما شاءَ، بل إنْ عَلِمَ تارِيخَ القَوْلَين، عَمِلَ بالمُتَأَخِّرِ إنْ صرَّح برُجُوعِه عن الأوَّلِ، وكذا إنْ أطْلَقَ.
على الصَّحيحِ مِن المذهبِ فيهما.
وقيل 1: يجوزُ العَمَلُ بأحَدِهما إذا ترَجَّحَ أنَّه مذَهبٌ لقائِلِهما.
وقال في «آدابِ المُفْتِي»: إذا وَجَدَ مَن ليسَ أهْلًا للتَّخْريجِ والتَّرْجيحِ بالدَّليلِ، اخْتِلافًا بينَ أئمَّةِ المذاهبِ، في الأصحِّ مِن القَوْلَينِ أو الوَجْهَين، فيَنْبَغِي أنْ يرْجِعَ في التَّرْجيحِ إلى صِفَاتِهم المُوجِبَةِ لزِيادَةِ الثِّقَةِ بآرَائِهم، فيَعْمَلَ بقَوْلِ الأكثرِ، والأعْلَمِ، والأوْرَعِ، فإنِ اخْتُصَّ أحدُهما بصِفَةٍ منها، والآخَرُ بصِفَةٍ أُخْرَى، قدَّم الذي هو أحْرَى منهما بالصَّوابِ، فالأعْلَمُ الوَرِعُ 2، مُقَدَّئم على الأوْرَعِ العالِمِ.
وكذلك إذا وَجَد قوْلَين أو وَجْهَين.
لم يَبْلُغْه عن أحدٍ مِن أئمَّتِه بَيانُ الأصحِّ منهما، اعْتَبَرَ أوْصافَ [ناقِلِيهما وقابِلِيهما] 3، ويُرَجِّحُ ما وافَقَ منهما أئمَّةَ أكثرِ المذاهبِ المَتْبُوعَةِ، أو أكثر العُلَماءِ.
انتهى.
قلتُ: وفيما قاله نظر.
وتقدَّم في آخِرِ الخُطْبَةِ تحْريرُ ذلك.
وإذا اعْتَدَلَ عندَه قوْلان -وقُلْنا: يجوزُ- أفْتَى بأَيِّهما شاءَ.
قاله القاضي في «الكِفايةِ»، وابنُ حَمْدانَ، وصاحِبُ «الفُروعِ»، وغيرُهم.
كما يجوزُ للمُفْتِي أنْ يعْمَلَ بأيِّ القَوْلَين شاءَ.
وقيلَ: يُخَيَّرُ المُسْتَفْتِي، وإلَّا تعَيَّنَ الأحْوَطُ.
ويَلْزَمُ المُفْتِيَ تَكْرِيرُ النَّظرَ عندَ تكَرُّرِ 4 الواقِعَةِ مُطْلَقًا.
على الصَّحيحِ مِن المذهبِ.
جزَم به القاضي، وابنُ عَقِيلٍ، وقال: وإلَّا كان مُقَلِّدًا لنَفْسِه؛
..................................
لاحْتِمالِ تغَيُّرِ اجْتِهادِه.
وقدَّمه ابنُ مُفْلِح في «أُصُولِه».
وقيل: لا 1 يَلْزَمُه؛ لأنَّ الأصْلَ بَقاءُ ما اطَّلَعَ عليه وعدَمُ غيرِه.
ولُزومُ السُّؤالِ ثانيًا فيه الخِلافُ.
وعندَ أبي الخَطَّابِ، والآمِدِي، إنْ ذكَر المفْتِي طرِيقَ الاجْتِهادِ، لم يَلْزَمْه، وإلَّا لَزِمَه.
قلتُ: وهو الصَّوابُ.
وإنْ حَدَثَ ما لا قَوْلَ فيه، تكَلَّم فيه حاكِمٌ ومُجْتَهِدٌ ومُفْتٍ.
وقيل: لا يَجوزُ.
وقيل: لا يجوزُ في أُصُولِ الدِّينِ.
قال في «آدابِ المُفْتِي»: ليسَ له أنْ يُفْتِيَ في شيءٍ مِن مَسائلِ الكَلامِ مُفَصِّلًا، بل يَمْنَعُ السَّائِلَ وسائِرَ العامَّةِ مِن الخَوْضِ في ذلك أصْلًا.
وقدَّمه في «مُقْنِعِه».
[وجزَم به في «الرِّعايةِ الكُبْرى»] 2. وقدَّم 3 ابنُ مُفْلِح في «أُصُولِه»، أنَّ مَحَلَّ الخِلافِ في الأَفْضَلِيَّةِ، لا في الجوازِ وعدَمِه.
وأطْلَقَ الخِلافَ.
وقال في خُطْبَةِ «الإرْشادِ»: لابُدَّ مِن الجوابِ.
وقال في «إعْلامِ المُوَقعينَ»، بعدَ أنْ حكَى الأقْوال: والحقُّ التَّفْصِيلُ، وأنَّ ذلك يجوزُ بل يُسْتَحَبُّ، أو يجِبُ عندَ الحاجَةِ وأهْلِيَّةِ المُفْتِي والحاكمِ، فإنْ عُدِمَ الأمْران، لم يَجُزْ، وإنْ وُجِدَ أحدُهما، احْتَمَلَ الجوازَ والمَنْعَ، والجَوازُ عندَ الحاجَةِ دُونَ عدَمِها.
انتهى.
وله تخْيِيرُ مَنِ اسْتَفْتاه بينَ قوْلِه وقول مُخالِفِه.
رُوِيَ ذلك عن الإمام أحمدَ، رَحِمَه اللهُ.
وقيل: يأْخُذُ به إنْ لم يَجدْ غيرَه، [أو كان] 4 أرْجَحَ، وسأَلَه [أبو داودَ] 5، الرجُل يسْأَلُ عن المَسْأَلَةِ، أدُلُّه على إنْسانٍ يسْأَلُه؟ قال: إذا كان الذي أرْشَدَ إليه يتَّبعُ ويُفْتِي بالسُّنَّةِ.
فقيلَ له: إنَّه يريدُ الاتِّباعَ، وليسَ كل قوْلِه يُصِيبُ.
قال: ومَنْ يُصِيبُ في كل شيءٍ؟!
..................................
وتقدَّم في آخِرِ الخُلْعِ التنبِيهُ على ذلك.
ولا يَلْزَمُ جَوابُ ما لم يقَعْ، لكِنْ تُسْتَحبُّ إجابَتُه.
وقيل: تُكْرَهُ.
قلتُ: وهو ظاهرُ كلامِ الإمامِ أحمدَ، رَحِمَه الله.
ولا يجبُ جَوابُ ما لا يَحْتَمِلُه كلامُ 1 السَّائلِ، ولا ما لا نَفْعَ فيه.
ومَن عَدِمَ مُفْتِيًا في بَلَدِه وغيرِه، فحُكْمُه حُكْمُ ما قبلَ الشَّرْعِ.
على الصَّحيحِ مِن المذهبِ.
قدَّمه في «الفُروعِ».
وقال في «آدابِ المُفْتِي»: وهو أقْيَسُ.
وقيل: متى خَلَتِ البَلْدَةُ مِن مُفْتٍ، حَرُمَتِ 2 السكْنَى فيها.
ذكَرَه في «آدابِ المُفْتِي».
وله ردُّ الفُتْيا إنْ كان في البَلَدِ مَنْ يقُومُ مَقامَه، وإلَّا لم يَجُزْ.
ذكَرَه أبو الخَطَّابِ، وابنُ عَقِيل، وغيرُهما.
وقطَع به مَنْ بعدَهم.
وإنْ كان مَعْروفًا عندَ العامَّةِ بفُتْيا، وهو جاهِل، تعَين الجوابُ على العالمِ.
قال الشَّيخُ تَقِيُّ الدِّينِ، رحِمَه اللهُ: الأظْهَرُ، لا يجوزُ في التي قبلَها، كسُؤالِ عامِّيّ عمَّا لم يقَعْ.
قال، في «الفُروعِ»: ويتَوَجَّهُ مِثْلُه، حاكم في البَلَدِ غيرُه، لا يَلْزَمُه الحُكْمُ، وإلَّا لَزِمَه.
وقال في «عُيونِ المَسائلِ» في شَهادَةِ العَبْدِ: الحُكْمُ يتَعَينُ بولايته؛ حتى لا يُمْكِنَه ردُّ مُحْتَكِمَينِ إليه، ويُمْكِنَه ردُّ مَن يسْتَشْهِدُه، وإنْ كان مُتَحَمِّلًا لشَهادَةٍ، فنادِر أنْ لا يكونَ سِواه، وفي الحُكْمِ لا ينُوبُ البَعْضُ عنِ البَعْضِ، ولا يقولُ لمَنِ ارْتَفَعَ إليه: امْضِ إلى غيرِي مِن الحُكامِ.
انتهى.
قال في «الفُروعِ»: ويتَوَجَّهُ تخْرِيج مِن الوَجْهِ، في إثْمِ مَن دُعِيَ لشهادَةٍ، قالوا: لأنه تعَيَّنَ عليه بدُعائِه.
لكِنْ يَلْزَمُ عليه إثْمُ مَن عُينَ في كل فَرْضِ كِفايةٍ فامْتَنَعَ.
قال: وكلامُهم في الحاكمِ،
..................................
ودَعْوَةِ الوَلِيمَةِ، وصَلاةِ الجِنازَةِ، خِلافُه.
انتهى.
ومَن قَوِيَ عندَه مذهَبُ غيرِ إمامِه، أفْتَى به وأعْلَمَ السَّائِلَ.
ومَن أرادَ كتابَةً على فُتْيا أو شَهادَةٍ، لم يَجُزْ أنْ يُكَبِّرَ خَطَّه؛ لتَصرُّفِه في مِلْكِ غيرِه بلا إذْنِه ولا حاجَةَ، كما لو أباحَه قَمِيصَه، فاسْتَعْملَه فيما يُخْرِجُه عن العادَةِ بلا حاجَةٍ.
ذكَرَه ابنُ عَقِيل في «المَنْثُورِ» 1 وغيرِه.
وكذا قال في «عُيونِ المَسائلِ»: إذا أرادَ أنْ يُفْتِيَ أو يكْتُبَ شَهادةً، لم يَجُزْ أنْ يُوسِّعَ الأسْطُرَ، ولا يُكْثِرَ إذا أمْكَنَ الاخْتِصارُ؛ لأنه تَصَرُّف في مِلْكِ غيرِه بلا إذْنِه، ولم تَدْعُ الحاجَةُ إليه.
واقْتَصَرَ على ذلك في «الفُروعِ».
وقال في «أصُولِه»: ويتَوَجَّهُ مع قَرِينَةٍ خِلاف، ولا يجوزُ إطْلاقُه في الفُتْيا في اسْم مُشْتَرَكٍ إجْماعًا، بل عليه التَّفْصِيلُ؛ فلو سُئِلَ: هل له الأكْلُ بعدَ طُلوعِ الفَجْرِ؛ فلابُدَّ أنْ يقولَ: يجوزُ بعدَ الفَجْرِ الأوَّلِ، لا الثَّاني.
ومسْألةُ أبي حَنِيفَةَ مع أبي يُوسُفَ وأبي الطَّيِّبِ مع قَوْم معْلُومَة.
واعلمْ أنَّه قد تقدَّم، أنَّه لا يُفْتِي إلَّا مُجْتَهِد.
على الصَّحيحِ مِن المذهبِ.
وتقدَّم هناك قولٌ بالجَوازِ؛ فيُراعِي ألفاظَ إمامِه ومُتَأخِّرَها، ويُقَلِّدُ كِبارَ أئمَّةِ مذهَبِه.
والعامِّيُّ يُخْبِرُ 2 في فَتْواه فقطْ، فيقولُ: مذهَبُ فُلانٍ كذا.
ذكرَه ابنُ عَقِيل وغيرُه.
وكذا قال الشَّيخُ تَقِيُّ الدِّينِ، رَحِمَه اللهُ: النَّاظِرُ المُجَرَّدُ يكونُ حاكِيًا، لا مُفْتِيًا.
وقال في «آدابِ عُيونِ المسَائلِ»: إنْ كان الفَقِيهُ مُجْتَهِدًا، يعْرِفُ صِحةَ الدَّليلِ، كتَب الجوابَ عن نفْسِه، وإنْ كان ممَّن 3 لا يعْرِفُ الدليلَ، قال: مذهبُ أحمدَ كذا، مذهَبُ الشَّافِعِي كذا.
فيَكونُ
..................................
مُخْبِرًا 1، لا مُفْتِيًا.
ويُقَلِّدُ العامي مَن عرَفَه عالِمًا عدْلًا، أو رَآه مُنْتَصِبًا مُعَظَّمًا، ولا يُقَلِّدُ مَن عَرَفَه جاهِلًا عندَ العُلَماءِ.
قال المُصَنفُ في «الرَّوْضَةِ» وغيرِها: يكْفِيه قولُ عدْلٍ.
ومُرادُه خَبِيرٌ.
واعْتَبَرَ بعْضُ الأصحابِ الاسْتِفاضَةَ بكَوْنِه عالِمًا، لا مُجَرَّدَ اعْتِزائِه إلى العِلْمِ ولو بمَنْصِبِ تَدْرِيس.
قلتُ: وهو الصّوابُ.
وقال ابنُ عَقِيل: يجِبُ سُؤالُ أهْلِ الثقَةِ والخَيرِ.
قال الطُّوفِيُّ في «مخْتَصَرِه»: يُقَلِّدُ مَن عَلِمَه أو ظَنَّه أهْلًا بطرَيق ما اتِّفاقًا، فإنْ جَهِلَ عدالتَه، ففي جَوازِ تقْلِيدِه وَجْهان.
وأطْلَقهما في «الفُروعِ»؛ أحدُهما، عدَمُ الجوازِ.
وهو الصَّحيحُ مِن المذهبِ.
نَصَرَه المُصَنِّفُ في «الرَّوْضَةِ».
وقدَّمه ابنُ مُفْلِح في «أصُولِه»، والطُّوفِيُّ في «مُخْتَصَرِه»، وغيرُهما.
والثَّاني، الجوازُ.
قدَّمه في «آدابِ المُفْتِي».
وتقدَّم: هل تصِحُّ فُتْيا فاسِقٍ أو مَسْتُورِ الحال، أمْ لا؟ ويُقَلِّدُ مَيِّتًا.
على الصَّحيحِ مِن المذهبِ.
وعليه الأصحابُ.
وهو كالإجماعِ في هذه الأعْصارِ.
وقيل: لا يُقَلَّدُ مَيِّتٌ.
وهو ضعيفٌ.
واخْتارَه في «التَّمْهِيدِ»، في أن عُثْمانَ، رَضِيَ اللهُ عنه، لم يُشْتَرَطْ عليه 2 تقْلِيدُ أبي بَكْر وعمرَ، رَضِيَ اللهُ عنهما؛ لمَوْتِهما.
ويَنْبَغِي للمُسْتَفْتِي أنْ يحْفَظَ الأدبَ مع المُفْتِي ويُجِلَّه، فلا يقولُ أو يفْعَلُ ما جرَتْ عادَةُ العَوام به؛ كإيماء بيَدِه في وَجْهِه، أو: ما مذهَبُ إمامِكَ في كذا؛ أو: ما تحْفَظُ في كذا؛ أو: أفْتاني غيرُك -أو فلانٌ- بكذا أو كذا.
قلتُ أنا: أو: وَقِّعْ لي.
أو: إنْ كانَ جوابُك مُوافِقًا فاكْتُبْ.
لكِنْ إنْ عَلِمَ غرَضَ السَّائلِ في شيء، لم يَجُزْ أنْ يكْتُبَ بغيرِه، أو يسْألهُ [في حالِ] 3 ضَجَر، أو هَمٍّ، أو قِيامِه،
..................................
ونحوه، ولا يُطالِبُه بالحُجَّةِ.
ويجوزُ تقْلِيدُ المَفْضولِ مِن المُجْتَهِدينَ.
على الصحيحِ مِن المذهب.
قال ابنُ مُفْلِح في «أصُولِه»: قاله أكثرُ أصحابِنا؛ القاضي، وأبي الخَطَّابِ، وصاحِبِ «الرَّوْضَةِ»، وغيرِ هم 1. وقدَّمه هو وغيرُه.
قال في «فُروعِه»، في اسْتِقْبال القِبْلَةِ: لا يجِبُ تقْليدُ الأوْثَقِ، على الأصح.
قال في «الرعايةِ»: على الأقيَسِ.
وعنه، يجِبُ عليه.
قال ابنُ عَقِيل: يَلْزَمُه الاجْتِهادُ فيهما، فيُقَدمُ الأرْجَحَ.
ومَعْناه قولُ الْخِرَقِيِّ: كالقِبْلَةِ في الأعْمَى والعامِّيِّ.
قال ابنُ مُفْلِح في «أصُولِه»: أمَّا لو بانَ للعاميِّ الأرْجَحُ منهما، لَزِمَه تقْلِيدُه.
زادَ بعْضُ أصحابِنا، في الأظْهَرِ.
قلتُ: ظاهرُ كلامِ كثير مِن الأصحابِ مُخالفِ لذلك.
وقال في «التَّمْهِيدِ»: إنْ رجحَ دِينَ واحدٍ، قدمه في أحَدِ الوَجْهَين.
وفي الآخَرِ، لا؛ لأنَّ العُلَماءَ لا تُنْكِرُ على العامي ترْكَه.
وقال أيضًا: في تقْديمِ الأدينِ على الأعْلَمِ وعكْسِه وَجْهان.
قلتُ.: ظاهرُ كلامِ الإمامِ أحمدَ، رَحِمَه اللهُ، تقْدِيمُ الأدينِ؛ حيثُ قيلَ له: مَن نسْألُ بعدَك؟ قال: عَبْدَ الوَهَّابِ الوَرَّاقَ؛ فإنَّه صالِح، مِثْلُه يُوَفَّقُ للحَق.
قال في «الرعايةِ»: ولا يكْفِيهِ مَن لم تسْكُنْ نفْسُه إليه، وقدَّم الأعْلَمَ على الأوْرَعِ.
انتهى.
فإنِ اسْتَوَى مُجْتَهِدان، تَخَيَّرَ.
ذكَرَه أبو الخَطَّابِ وغيرُه مِن الأصحابِ.
وقال ابنُ مُفْلِح في «أصُولِه»: وقال بعْضُ الأصحابِ: هل يَلْزَمُ المُقَلِّدَ التَّمَذْهُبُ 2 بمَذهَبٍ، والأخْذُ برُخَصِه وعَزائمِه؟ فيه وَجْهان.
قلتُ: قال في «الفُروعِ»، في أثْناءِ بابِ شُروطِ من تُقْبَلُ شهادَتُه: وأمَّا لُزومُ التَّمَذْهُبِ بمَذْهَب، وامْتِناعُ الانْتِقالِ إلى غيرِه في مَسْألةٍ، ففيه وَجْهان، وِفاقًا لمالِكٍ، والشَّافِعِيِّ، رَحِمَهُما اللهُ، وعَدَمُه أشْهَرُ.
..................................
انتهى.
قال في «إعْلامِ المُوَقِّعِينَ»: وهو الصَّوابُ المَقْطُوعُ به.
وقال في «أصُولِه»: عدَمُ اللُّزومِ قولُ جُمْهورِ العُلَماءِ، فَيَتَخَيَّرُ.
وقال في «الرِّعايةِ الكبرى»: يَلْزَمُ كلَّ مُقَلِّدٍ أنْ يَلْتَزِمَ بمَذهَبٍ مُعَين في الأشْهَرِ، فلا يُقَلِّدُ غيرَ أهْلِه.
وقيلَ: بلَى.
وقيل: ضَرُورَةً.
فإنِ الْتَزَمَ فيما يُفْتِي به، أو عَمِلَ 1 به، أو ظَنَّه حقَّا، أو لم يجِدْ مُفْتِيًا آخَرَ، لَزِمَ قَبُولُه، وإلَّا فلا.
انتهى.
واخْتارَ الآمِدِي مَنْعَ الانْتِقالِ فيما عَمِلَ به.
وعندَ بعْضِ الأصحابِ، يَجْتَهِدُ في أصحِّ المذاهبِ فيَتَبِعُه.
وقال الشَّيخُ تَقِيُّ الذينِ، رَحِمَه اللهُ: في الأخْذِ برُخَصِه وعَزائِمِه طاعَةُ غيرِ الرَّسُولِ، عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ، في كلِّ أمْرِه ونَهْيِه، وهو خِلافُ الإجْماعِ.
وتوَقَّفَ أيضًا في جَوازِه، وقال أيضًا: إنْ خالفَه لقُوَّةِ دَليل، أو زِيادَةِ عِلْمٍ أو تَقْوَى، فقد أحْسَنَ، ولا يَقْدَحُ في عَدالتِه، بلا نِزاع.
وقال أيضًا: بل يجِبُ في هذه الحالِ، وأنَّه نصُّ الإمامِ أحمدَ، رَحِمَه اللهُ.
وهو ظاهرُ كلامِ ابنِ هُبَيرَةَ.
وقال في «آدابِ المُفْتِي»: هل للعاميِّ أنْ يتَخَيَّرَ ويُقَلِّدَ أيَّ مَذهبٍ شاءَ، أم لا؟ فإنْ كان مُنْتَسِبًا إلى مذهبٍ مُعَيَّن، بنَينَا ذلك على أنَّ العامِّيَّ هل له مذهب، أمْ لا؟ وفيه مذهَبان، أحدُهما، لا مذهبَ له، فله أنْ يسْتَفْتِيَ مَن شاءَ مِن أرْبابِ المذاهب، سِيَّما إنْ قُلْنا: كلُّ مُجْتَهِدٍ مُصِيبٌ.
والوَجْهُ الثَّاني، له مذَهب؛ لأنه اعْتَقَدَ أنَّ المذهبَ الذي انْتَسَبَ إليه هو الحقُّ، فعليه الوَفاءُ بمُوجَبِ اعْتِقادِه، فلا يسْتَفْتِي مَن يُخالِفُ مذهبَه.
وإنْ لم يكُن انْتَسَبَ إلى مذهبٍ مُعَيَّن، انْبَنَى على أنَّ العامِّيَّ، هل يَلْزَمُه أنْ يتَمَذْهَبَ بمَذْهَبٍ مُعَيَّن يأخُذُ برُخَصِه وعَزائمِه؟ وفيه مذهَبان؛ أحدُهما، لا يَلْزَمُه، كما لم يَلْزَمْ في عَصْرِ أوائلِ الأمَّةِ أنْ
..................................
يَخُصَّ العامِّي 1 عالِمًا مُعَيَّنًا يُقَلِّدُه، سِيَّما إنْ قُلْنا: كُلُّ مُجْتَهِدٍ مُصيبٌ.
فعلى هذا، هل له أنْ يسْتَفْتِيَ على أيِّ مذهَبٍ شاءَ، أم يَلْزَمُه أنْ يبْحَثَ حتى يعْلَمَ -عِلْمَ مِثْلِه- أسَدَّ المَذاهبِ، وأصَحَّها أصْلًا؟ فيه مَذهبان.
والثَّاني، يَلْزَمُه 2 ذلك، وهو جارٍ في كل مَن لم يبلُغ درَجَةَ الاجْتِهادِ مِنَ الفُقَهاءِ وأرْبابِ سائرِ العُلومِ.
فعلى هذا الوَجْهِ، يَلْزَمُه أنْ يَجْتَهِدَ في اخْتِيارِ مذهَبٍ يُقَلدُه على التَّعْيِينِ، وهذا أوْلَى بإلْحاقِ الاجْتِهادِ فيه على العامي ممَّا سَبَقَ في الاسْتِفْتاءِ.
انتهى.
ولا يجوزُ للعامِّي تَتَبُّعُ الرُّخَصِ.
ذكَرَه ابنُ عَبْدِ البَر إجْماعًا.
ويَفْسُقُ عندَ الإمامِ أحمدَ، رَحِمَه الله، وغيرِه.
وحَمَلَه القاضي على مُتَأوِّلٍ أو مقَلِّدٍ.
قال ابنُ مُفْلِح في «أصُولِه»: وفيه نظر.
قال: وذكَر بعْضُ أصحابِنا في فِسْقِ مَن أخَذَ بالرُّخَصِ رِوايتَين، وإنْ قَوِيَ دَليلٌ أو كان عاميًّا، فلا.
كذا قال.
انتهى.
وإذا اسْتَفْتَى واحِدًا أخَذ بقَوْلِه.
ذكَرَه ابنُ البَنَّا وغيرُه.
وقدَّمه ابنُ مُفْلِح في «أصُولِه».
وقال: والأشْهَرُ، يَلْزَمُه 3 بالْتِزامِه.
وقيل: وبظَنِّه حقا.
وقيل: وبعَمَل 4 به.
وقيل: يَلْزَمُه إنْ ظنَّه حقا.
وإنْ لم يجِدْ مُفْتِيًا آخَرَ، لَزِمَه، كما لو حكَمَ به حاكِم.
وقال بعْضهم: لا يَلْزَمُه مُطْلَقًا إلَّا مع عدَمِ غيرِه.
ولو سألَ مُفْتِيَين، واخْتَلفا عليه، تَخَيَّرَ.
على الصَّحيحِ مِن المذهبِ.
اخْتارَه القاضي، وأبو الخَطَّابِ، والمُصَنِّفُ، وغيرُهم.
قال أبو الخَطَّابِ: هو ظاهرُ كلامِ الإمامِ أحمدَ، رَحِمَه الله.
وذكَر 5 ابنُ البَنَّا وَجْهًا، أنَّه يأخُذُ بقَوْلِ الأرْجَحِ.
واخْتارَه بعْضُ الأصحابِ.
وقدَّم في «الرَّوْضَةِ»، أنه
فَصْل: وَإنْ تَحَاكَمَ رَجُلَانِ إِلَى رَجُل يَصْلُحُ للقَضَاءِ، فَحَكَّمَاهُ بَينَهُمَا، فَحَكَمَ، نَفَذَ حُكمُهُ في الْمَالِ.
يَلْزَمُه الأخْذُ بقوْلِ الأفْضَلِ في عِلْمِه ودِينه.
قال الطوفِيُّ في «مُخْتَصَرِه»: وهو الظاهِرُ 1. وذكَر [ابنُ البَنَّا أيضًا] 2 وَجْهًا آخَرَ، يأخُذُ بأغْلَظِهما.
وقيل: يأخُذ بالأخَفِّ.
وقيل: يسْألُ مُفْتِيًا آخَرَ.
وقيل: يأخُذُ بأرْجَحِهما دَلِيلًا.
وقال في «الفُروعِ»، في باب.
اسْتِقْبال القِبْلَةِ: ولو سألَ مُفْتِيَين، فاخْتَلَفا، فهل يأخُذُ بالأرْجَحِ، أو الأخَفِّ، أو الأشدّ، أو يُخيَّرُ؟ فيه أوْجُهٌ في المذهبِ، وأطْلَقَهُن.
وإنْ سألَ، فلم تسْكُنْ نفْسُه، ففي تَكْرارِه وَجْهان.
وأطْلَقهما في «الفُروعِ» في بابِ اسْتِقْبالِ القِبْلةِ.
وقال ابنُ نَصْرِ اللهِ في «حَواشِي الفُروعِ»: أظْهَرُهما، لا يَلْزَمُه.
فهذه جملة صالحة نافعةٌ إنْ شاءَ اللهُ تعالى.
قوله: وإنْ تَحاكَمَ رَجُلان إلى رَجُل يَصْلُحُ للْقَضاءِ، فحَكَّماه بينَهُما،
.................................. فحَكَمَ، نَفَذَ حُكْمُه في المالِ، ويَنْفُذُ في الْقِصاصِ والْحَدِّ، والنِّكاحِ، واللِّعانِ في
ويَنْفُذُ في الْقِصَاصِ، والْحَدِّ، وَالنِّكَاحِ، واللِّعَانِ في ظَاهِرِ كَلَامِهِ.
ذَكَرَهُ أبو الْخَطَّابِ.
وَقَال الْقَاضِي: لا يَنْفُذُ إلا في الاموالِ خَاصَّةً.
ظاهِرِ كلامِه، ذَكَرَه أبو الخَطَّابِ -في «الهِدايةِ».
وهو المذهبُ.
جزَم به في «الوَجيزِ» وغيرِه.
وقدَّمه في «الخُلاصةِ»، و «الرِّعايتَين»، و «الحاوي الصَّغِيرِ»، و «الفُروعِ» - وقال القاضي: لا ينْفُذُ إلَّا في الأمْوالِ خاصَّةً.
وقدَّمه في «النَّظْمِ».
وقال في «المُحَرَّرِ»، و «الفُروعِ»، وغيرِهما: وعنه، لا ينْفُذُ في قَوَدٍ، وحَدِّ قَذْفٍ، ولِعانٍ، ونِكاح.
وأطْلَقَ الرِّوايتَين في «المُحَرَّرِ».
..................................
وأطلَقَ الخِلافَ في «الكافِي».
وقال في «الفُروعِ»: وظاهرُ كلامِه، ينْفُذُ في غيرِ فَرْجٍ، كتَصَرُّفِه ضَرُورَةً في تَرِكَةِ مَيِّتٍ [في غيرِ فَرْجٍ] 1. ذكَرَه ابنُ عَقِيل في «عُمدِ الأدِلَّةِ».
واخْتارَ الشَّيخُ تَقِي الدِّينِ، رَحِمَه اللهُ، نُفُوذَ حُكْمِه بعدَ حُكْمِ حاكم، لا إمام.
وقال: إنْ حَكَّم أحدُهما خَصْمَه، أو حكَّما مُفْتِيًا في مسْألَةٍ اجْتِهادِيَّةٍ، جازَ.
وقال: يكْفِي وَصْفُ القِصَّةِ له.
قال في «الفُروعِ»: يُؤيِّدُه قولُ أبي طالِب: نازَعَنِي ابنُ عَمِّي الأذانَ، فتَحاكَمْنا إلى أبي عَبْدِ الله، قال: اقْتَرِعا.
وقال الشَّيخُ تَقِي الدِّينِ، رَحِمَه اللهُ: خَصُّوا اللِّعانَ؛ لأنَّ فيه دَعْوَى وإنْكارًا، وبَقِيَّةُ الفُسوخِ كإعْسارٍ قد يتَصادَقَان، فيَكونُ الحُكْمُ إنْشاءً لا إبْدَاءً 2، ونظيرُه، لو حكَّماه في التَّداعِي بدَين وأقَرَّ به الوَرَثَةُ.
انتهى.
فعلى المذهبِ، يَلْزَمُ مَنْ يكْتُبُ إليه بحُكْمِه القَبُولُ وتنْفِيذُه، كحاكِمِ الإمامِ، وليسَ له حَبْسٌ في عُقُوبَةٍ، ولا اسْتِيفاءُ قَوَدٍ، ولا ضَرْبُ دِيَةِ الخَطَأ على عاقِلَةِ مَنْ رَضِيَ 3 بحُكْمِه.
قاله في «الرعايتَين».
وزادَ في «الصُّغْرى»: وليسَ له أنْ يُحِدَّ.
فائدتان؛ إحْداهما، لو رجَعَ أحدُ الخَصْمَينِ قبلَ شُروعِه في الحُكْمِ، فله ذلك، وإنْ رجَعَ بعدَ شُروعِه، وقبلَ تَمامِه، ففيه وَجْهان.
وأطْلَقهما في
..................................
«المُغْنِي»، و «الكافِي»، و «الشَّرْحِ»، و «الرعايةِ الكُبْرى»؛ أحدُهما، له ذلك.
[الثاني، ليسَ له ذلك.
انتهى] 1. قلتُ: وهو الصوابُ.
وصحَّحه في «النَّظْمِ».
واخْتارَ في «الرِّعايةِ الكُبْرى»: إنْ أشْهَدا عليهما بالرضا بحُكْمِه قبلَ الدخولِ في الحُكْمِ، فليسَ لأحَدِهما الرجوعُ.
الثَّانيةُ، قال في «عُمدِ الأدِلَّةِ» -بعدَ ذِكْرِ التَّحْكيمِ-: وكذا يجوزُ أنْ يتَولَّى مُتَقَدِّمُو الأسْواقِ والمَساجدِ الوَساطاتِ، والصُّلْحَ عندَ الفَوْرَةِ والمُخاصَمَةِ، وصلاةَ الجِنازَةِ، وتفْويضَ الأمْوالِ إلى الأوْصِياءِ، وتفْرِقَةَ زَكاتِه بنَفْسه، وإقامَةَ الحُدودِ على رَقيقِه، وخُروجَ طائفَةٍ إلى الجِهادِ تَلَصُّصًا وبَياتًا، وعِمارَةَ المساجدِ، والأمْرَ بالمَعْروفِ والنَّهْيَ عن المُنْكَرِ، والتَّعْزِيرَ لعَبِيدٍ وإماءٍ، وأشْباهَ ذلك.
انتهى.
بَابُ أدبِ الْقَاضِي
يَنْبَغِي أن يَكُونَ قَويًّا مِنْ غَيرِ عُنْفٍ، صليَنا مِنْ غَيرِ ضَعْفٍ، حَلِيمًا، ذَا أنَاةٍ وَفِطْنَةٍ، بَصِيرًا بِأحْكَامِ الْحُكَّامِ قَبْلَهُ، وَرِعًا، عَفِيفًا.
بابُ أدَبِ القاضي
قوله: يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ قَويا مِن غَيرِ عُنْفٍ، ليِّنًا من غَيرِ ضَعْفٍ.
هذا المذهبُ.
وعليه الأصحابُ.
قال في «الفُروعِ»: وظاهرُ «الفُصولِ»، يجِبُ ذلك.
قوله: حَلِيمًا، ذا أناةٍ وفِطةٍ.
قد تقدَّم أنَّ القاضيَ قال في مَوْضِع مِن كلامِه: إنَّه يُشْترَطُ في الحاكمِ أنْ لا يَكونَ بَلِيدًا.
وهو الضوابُ.
قوله: بَصِيرًا بأحْكامِ الحُكَّامِ قَبْلَه.
بلا نِزاع.
وقوله: ورِعًا، عَفِيفًا.
هذا مِنه بِناءً على الصَّحيحِ مِن المذهبِ، مِن أنه لا يُشْتَرَطُ في القاضي أنْ يكونَ وَرِعًا، وإنما يُسْتَحَبُّ ذلك فيه 1. وتقدَّمَ أن
..................................
الخِرَقِيَّ وجماعَةً مِن الأصحابِ اشْتَرَطُوا ذلك فيه.
وهو الصوابُ.
فائدتان؛ إحْداهما، لو افْتاتَ عليه خَصْمٌ، فقال المُصَنِّفُ، والشَّارِحُ: له تأدِيبُه والعَفْوُ عنه.
وقال في «الفُصولِ»: يزبُرُه 1، فإنْ عادَ، عزَّرَه واعْتَبَرَه بدَفْعِ الصائلِ والنُّشوزِ.
وقال في «الرِّعايةِ»: ويَنْتَهِرُه، ويَصِيحُ عليه قبلَ
..................................
ذلك.
قال في «الفُروعِ»، بعدَ أنْ ذكَر ذلك: وظاهِرُه، ولو لم يثْبُتْ ببَينةٍ، لكِنْ هل 1 ظاهِرُه يخْتَصُّ بمَجْلِسِ الحُكْمِ؛ فيه نظَر، كالإقْرارِ فيه وفي غيرِه، أو لأنَّ الحاجَةَ داعِيَة إلى ذلك؛ لِكَثْرَةِ المُتَظَلِّمِين على الحُكامِ وأعْدائِهم، فجازَ فيه وفي غيرِه، ولهذا شَقَّ رَفْعُه 2 إلى غيرِه، فأدَّبه بنَفْسِه، حتى إنه حق له.
قلتُ: فيُعايَى بها.
وقد ذكر ابنُ عَقِيلٍ في «أغْصانِ الشَّجَرَةِ»، عن أصحابِنا: [إنَّ ما] 3 يشُقُّ رَفْعُه إلى الحاكمِ، لا يُرْفعُ.
الثَّانيةُ، قال المُصَنِّفُ، والشَّارِحُ، وغيرُهما: له أنْ ينْتَهِرَ الخَصْمَ إذا الْتَوَى، ويَصِيحَ عليه، وإنِ استَحَق التعْزِير، عزَّرَه بما يرَى.
وَإذَا وُلِّيَ فِي غَيرِ بَلَدِهِ، سَألَ عَمَّنْ فِيهِ مِنَ الْفُقَهَاءِ وَالْفُضَلَاءِ والْعُدُولِ.
وَيُنْفِذُ عِنْدَ مَسِيرِهِ مَنْ يُعْلِمُهُمْ يَوْمَ دُخُولِهِ لِيَتَلَقَّوْهُ.
وَيَدْخُلُ الْبَلَدَ يَوْمَ الْاثْنَينِ أو الْخَمِيسِ أو السَّبْتِ لَابِسًا أجْمَلَ ثِيَابِهِ،
قوله: ويُنْفِذُ عِنْدَ مَسِيرِه مَن يُعْلِمُهُم يَوْمَ دُخُولِه ليَتَلَقَّوْه.
هذا المذهبُ.
أعْنِي أنَّه يُرْسِلُ إليهم يُعْلِمُهم بدُخولِه مِن غيرِ أنْ يأمُرَهم بتَلَقيه.
وعليه أكثرُ الأصحابِ.
وجزَم به في «الوَجيزِ» وغيرِه.
وقدَّمه في «الفُروعِ» وغيرِه.
وقال جماعَة مِن الأصحابِ: يأمُرُهم بتَلَقِّيه.
قلتُ: منهم صاحِبُ «الهِدايةِ»، و «المُذْهَبِ»، و «الخُلاصَةِ».
قوله: ويَدْخُلُ البَلَدَ يَوْمَ الاثْنَين أو الخَمِيسِ أو السبْتِ.
وهو المذهبُ.
يعْنِي
فَيَأتِي الْجَامِعَ فَيُصَلِّي فِيهِ رَكْعَتَينِ، وَيَجْلِسُ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ.
أنَّه بالخِيَرَةِ في الدُّخولِ في هذه الأيَّامِ.
وجزَم به في «المُحَرُّرِ»، و «النظْمِ»، و «الرعايتَين»، و «الحاوي»، و «الوَجيزِ»، و «المُغْنِي»، و «الشَّرْحِ»، وغيرِهم.
وقدمه في «الفُروعِ» وغيرِه.
وذكَر جماعَةٌ مِن الأصحابِ، يدْخُلُ يَوْمَ الاثْنَينِ، فإنْ لم يقْدِرْ، فيَوْمَ الخميسِ، منهم صاحِبُ «المُذْهَبِ».
وقال في «الهِدايةِ»، و «المُسْتَوْعِبِ»، و «الخُلاصةِ»، وغيرِهم: فإنْ لم يقدرْ أنْ يدْخُلَ يَوْمَ الاثْنَينِ، فيَوْمَ الخميس أو السَّبْتِ.
قال في «التبصِرَةِ»: يدْخُلُ ضَحْوَة، لاسْتِقْبالِ الشهْرِ.
قال في «الفُروعِ»: وكانَ استِقْبالُ الشَّهْرِ تفَاؤلًا، كأوَّلِ النَّهارِ، ولم يَذْكُرْهما 1 الأصحابُ.
قوله: لابِسًا أجْمَلَ ثِيابِه.
قال في «التبصِرَةِ»: وكذا أصحابُه.
وقال أيضًا:
فَإِذَا اجْتَمَعَ النَّاسُ أمر بِعَهْدِهِ فَقُرِئَ عَلَيهِمْ، وَأمرَ مَنْ يُنَادِي: مَنْ لَهُ حَاجَة، فَلْيَحْضُرْ يَوْمَ كَذَا.
ثُمَّ يَمْضِي إِلَى مَنْزِلِهِ، ويُنْفِذ فَيَتَسَلَّمُ دِيوَانَ الحُكْمِ مِنَ الَّذِي كَانَ قَبْلَهُ.
تكونُ ثِيابُهم كلُّها سُودًا، وإلَّا فالعِمامَةُ.
وقال في «الفُروعِ»: وظاهرُ كلامِهم، غيرُ السوادِ أوْلَى؛ للأخْبارِ 1.
فوائد؛ الأولَى، لا يَتَطيَّرُ بشيء، وإنْ تَفَاءَلَ فحَسَنٌ.
الثانيةُ، قولُه: ويَجْلِسُ مُسْتَقْبِلَ القِبْلَةِ، فإذا اجْتَمَعَ الناسُ، أمَرَ بعَهْدِه فقُرِئ عليهم.
بلا نِزاعٍ.
قال في «التبصِرَةِ»: وَلْيُقِلَّ مِن كلامِه إلَّا لحاجَة.
الثَّالثةُ، قولُه: ويُنْفِذُ فيَتَسَلَّمُ دِيوانَ الحُكْمِ مِن الَّذِي كانَ قَبْلَه.
بلا نِزاع.
قال في «التبصِرَةِ»: وَلْيَأمُرْ كاتِبًا ثِقَة يُثْبِتُ ما تَسَلَّمَه بمَحْضَرِ عَدْلَين.