وَإِنْ أوْدَعَ الصَّبِيَّ وَدِيعَةً، فَتَلِفَتْ بِتَفْرِيطِهِ، لَمْ يَضْمَنْ.
وَإِنْ أتْلَفَهَا لَمْ يَضْمَنْ، وَقَال الْقَاضِي: يَضْمَنُ.
لصاحبِه.
وهو الأصحُّ: ويَحْتَمِلُ أن يَضْمَنَ؛ لأنَّه لا ولايةَ له عليه.
قال: وهكذا يُخَرَّجُ إذا أخَذ المال مِنَ الغاصِبِ تخْلِيصًا؛ ليَرُدَّه إلى مالِكِه.
انتهى.
واقْتَصَر الحارِثِيُّ على حِكايةِ كلامِه، وقدَّم ما صحَّحَه في «التَّلْخيصِ» في «الرِّعايَةِ»، [وقطَع به في «الكافِي»] 1.
قوله: وإنْ أوْدَعَ الصَّبِيَّ وَدِيعَةً، فتَلِفَتْ بتَفْرِيطِه، لم يَضْمَنْ.
وكذلك المَعْتُوهُ.
وهذا الصَّحيحُ مِنَ المذهبِ.
جزَم به في «المُغْنِي»، و «الشرْحِ»، و «التَّلْخيصِ»، و «الوَجيزِ»، و «الفائقِ»، و «شَرْحِ الحارثِيِّ»، وغيرِهم.
وفيه وَجْهٌ آخَرُ، أنَّه يَضْمَنُ.
وأطْلَقَهما في «الفُروعِ»، في أوَّلِ بابِ الحَجْرِ.
قوله: وإن أتْلَفَها، لم يَضْمَنْ.
هذا المذهبُ، وعليه أكثرُ الأصحابِ.
قال
..................................
في «الهِدايةِ»، و «المُسْتَوْعِبِ»، و «التَّلْخيصِ»: وقال غيرُ القاضي مِن أصحابِنا: لا يضْمَنُ.
انتهوا.
قال الحارِثِيُّ: قال ابنُ حامِدٍ: هذا قِياسُ المذهبِ.
وإليه صارَ القاضي آخِرًا، وذكَرَه ولَدُه أبو الحُسَينِ، ولم يَذْكُرِ القاضي في «رُءُوسِ المَسائلِ» سِواه.
وكذا القاضي أبو الحُسَينِ، وأبو الحَسَنِ بنُ بَكْروسٍ.
قال ابنُ عَقِيل: وهو أصحُّ عندِي.
وقامه في «الخُلاصَةِ».
وقال القاضي: يَضْمَنُ.
اخْتارَه المُصَنِّفُ، والشَّارِحُ.
قال الحارِثِيُّ: واخْتارَه أبو عليِّ بنُ شِهابٍ، ولم يُورِدِ الشَّرِيفان؛ أبو جَعْفَرٍ، والزَّيدِيُّ؛ وأبو المَواهِبِ الحُسَينُ بنُ محمدٍ العُكْبَرِيُّ، والقاسِمُ بنُ الحَسَنِ الحدَّادُ، سِواه.
انتهى وصحَّحه النَّاظِمُ.
وهذا المذهبُ، على ما اصْطَلَحْناه.
وأطْلَقَهما في «المُذْهَبِ»، و «مَسْبوكِ الذَّهَبِ»، و «الرِّعايتَين»، و «الحاوي الصغِيرِ»، و «المُحَرَّرِ»، و «الفُروعِ».
فائدة: المَجْنونُ كالصَّبِيِّ.
وكذا السَّفِيهُ عندَ المُصَنِّفِ، والشَّارِحَ، وجماعَةٍ، ففيه الخِلافُ.
وقيل: إتْلافُه مُوجِبٌ للضَّمانِ كالرَّشيدِ.
قطَع به القاضي في «المُجَرَّدِ»، وصاحِبُ «التَّلْخيصِ».
قال الحارِثِيُّ: وإلْحاقُه بالرَّشيدِ أقْرَبُ.
قلتُ: وهو الصَّوابُ.
وَإنْ أوْدَع عَبْدًا وَدِيعَةً فَأتْلَفَهَا، ضَمِنَهَا في رَقَبَتِهِ.
قوله: وإنْ أوْدَعَ عَبْدًا وَدِيعَةً، فأتْلَفَها، ضَمِنَها في رَقَبَتِه.
هذا المذهبُ.
جزَم به في «الهِدايَةِ»، و «المُذْهَبِ»، و «الخُلاصةِ»، و «شَرْحِ ابن مُنَجَّى».
وقدَّمه في «المُسْتَوْعِبِ»، و «التَّلْخيصِ».
قال الحارِثِيُّ: وبه قال الأكْثَرَون مِن الأصحابِ؛ أبو الخَطَّابِ، وابنُ عَقِيلٍ، وأبو الحُسَينِ، والشَّرِيفان؛ أبو جَعْفَرٍ، والزَّيدِيُّ، وابنُ بكْروسٍ، والسَّامَرِّيُّ، وصاحِبُ «التَّلْخيصِ».
انتهى.
والوَجْهُ الثَّاني، يَضْمَنُها في ذِمَّتِه.
وأطْلَقَهما في «المُغْنِي»، و «المُحَرَّرِ»، و «الشَّرْحِ»، و «الفُروعِ».
ولنا وَجْهٌ في المذهبِ، ذكَرَه القاضي في «المُجَرَّدِ» وغيرِه، بعدَمِ الضَّمانِ مُطْلَقًا، تخرِيجًا مِن مِثْلِه في الصَّبِيِّ، وردَّه الحارِثِيُّ.
تنبيه: قيلَ: إنَّ الوَجْهَين اللذين في العَبْدِ مَبْنِيَّان على الوَجْهَين في الصَّبِيِّ.
وهو قوْلُ المُصَنِّفِ، والشَّارِحِ، والقاضي، وصاحبِ «الفائقِ»، ورَدَّه الحارِثِيُّ.
وقال في «المُسْتَوْعِب»، و «التَّلْخيصِ»: ويَضْمَنُ، ويكونُ في رَقَبَتِه؛ سواءٌ كان مَحْجُورًا عليه، أوَ مأْذونًا له.
قال الحارِثِيُّ: صرح به غيرُ واحدٍ، وهو مُقْتَضَى إطْلاقِ المُصَنِّفِ، كما في الجِنايَةِ على النَّفْسِ.
انتهى.
وهي طريقَتُه في «الهِدايَةِ»، و «المُذْهَبِ»، و «الخُلاصَةِ»، وغيرِهم.
..................................
فائدة: المُدَبَّرُ، والمُكاتَبُ، والمُعَلُّقُ عِتْقُه على صِفَةٍ، وأُمُّ الوَلَدِ، كالقِنِّ فيما تقدَّم.
قاله الحارِثِيُّ وغيرُه.
فَصْلٌ: وَالْمُودَعُ أمِينٌ، وَالْقَوْلُ قَوْلُهُ فِيمَا يَدَّعِيهِ مِنْ رَدٍّ وَتَلَفٍ وَإذْنٍ في دَفْعِهَا إِلَى إِنْسَانٍ، وَيُدَّعَى عَلَيهِ مِنْ خِيَانَةٍ وَتَفْرِيطٍ.
قوله: والمُودَعُ أمِينٌ، والقَوْلُ قَوْلُه فيما يَدَّعيه مِن رَدٍّ وتَلَفٍ.
يعنِي، مع يَمِينِه.
هذا المذهبُ بلا رَيبٍ، وعليه جماهيرُ الأصحابِ، وقطَع به كثيرٌ منهم.
وجزَم به في «الوَجيزِ» وغيرِه.
وقدَّمه في «الفُروعِ».
قال في «التَّلْخيصِ» وغيرِه: هذا المذهبُ.
وعنه، إن دفَعَها المُودِعُ، بكَسْرِ الدَّالِ، إلى المُودَعِ ببَيِّنةٍ، لم تُقْبَلْ دَعْوَى الردِّ إلَّا ببيِّنةٍ.
نصَّ عليه في روايةِ أبِي طالبٍ، وابنِ مَنْصُورٍ.
قال الحارِثِيُّ: وهذا ما قاله ابنُ أبِي مُوسى في «الإرْشادِ».
وخرَّجها ابنُ عَقِيلٍ
..................................
على أنَّ الإشْهادَ على دفْعِ الحُقوقِ الثَّابتَةِ بالبَيِّنةِ واجِبٌ، فيَكونُ ترْكُه تفْرِيطًا، فيَجِبُ فيه الضَّمانُ.
وقيل؛ لا يَحْتاجُ إلى يَمِينٍ مع دَعْوَى التَّلَفِ قال الحَارِثِيُّ: المذهبُ لا يحْلِفُ مُدَّعِي الرَّدِّ والتَّلَفِ، إذا لم يُتَّهَمْ.
وتأْتِي المَسْأَلةُ قريبًا بأتَمَّ مِن هذا.
تنبيه: محَلُّ هذا إذا لم يتَعرَّضْ لذِكْرِ سبَبِ التَّلَفِ؛ فإنْ أَبْدَى 1 سبَبًا خَفِيًّا؛ مِن سَرِقَةٍ، أو ضياعٍ ونحوه، قُبِلَ أيضًا.
ذكَرَه الأصحابُ.
وإنْ أبْدَى (1) سبَبًا ظاهِرًا؛ مِن حريقِ منْزِلٍ أو غَرَقِه، أو هُجومِ غارَةٍ، ونحو ذلك، فالصَّحيحُ مِنَ المذهبِ، أنه لا يُقْبَلُ قوْلُه إلَّا ببَيِّنةٍ بوُجودِ ذلك السَّبَبِ في تلك النَّاحِيَةِ.
وعليه جماهيرُ الأصحابِ؛ منهم ابنُ أبِي مُوسى، والقاضي، وابنُ عَقِيل، والمُصَنِّفُ في «الكافِي»، وصاحِبُ «التَّلْخيصِ»، و «المُحَرَّرِ»، و «الرِّعايتَين»،
..................................
و «الحاوي الصَّغِيرِ»، وغيرُهم.
وفي كلام أحمدَ ما يُشْعِرُ به.
قال في «التَّلْخيصِ» وغيرِه: ويَكْفِي في ثُبوتِ السَّبَبِ الاسْتِفاضَةُ.
وقاله في «الرِّعايتَين»، و «الحاوي الصَّغِيرِ».
وقال في «المُغْنِي»، وجماعةٌ مِنَ الأصحابِ: يُقْبَلُ قوْلُه أيضًا.
وتقدَّم نَظِيرُ ذلك في الوَكالةِ.
فائدة: لو مَنع المُودَعُ -بفَتْحِ الدَّالِ- صاحِبَ الوَدِيعَةِ منها، أو مَطَلَه بلا عُذْرٍ، ثم ادَّعَى تلَفًا، لم يُقْبَلْ إلَّا ببَيِّنةٍ؛ لخُروجِه بذلك عن الأمانةِ.
قوله: وإذنٍ في دَفْعِها إلى إنْسانٍ.
يعْنِي، إذا قال المُودَعُ، بفَتْحِ الدَّالِ، للمُودِعِ: أذِنْتَ لي في دَفْعِها إلى فُلانٍ فدَفَعْتُها.
فأنْكَرَ الإذْنَ، فالقَوْلُ قوْلُ المُودَعِ، بفَتْحِ الدالِ، على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ.
كما قال المُصَنِّفُ، ونصَّ عليه في روايةِ ابنِ مَنْصُورٍ.
وقطَع به في «الهِدايَةِ»، و «المُذْهَبِ»، و «مَسْبوكِ الذهَبِ»، و «المُسْتَوْعِبِ»، و «الخُلاصةِ»، و «المُغْنِي»، و «التَّلْخيصِ»، و «الشرْحِ»، و «المُحَرَّرِ»، و «الفائقِ»، و «الوَجيزِ»،
..................................
وغيرِهم.
وقدَّمه في «الفُروعِ».
وهو مِن مُفْرَداتِ المذهبِ.
وقيل: لا يُقْبَلُ قوْلُه.
قال الحارِثِيُّ: وهو قَويٌّ وقيل: ذلك كوَكالةٍ في قَضاء دَينٍ.
ولا يلْزَمُ المُدَّعَى عليه للمالِكِ غيرُ اليَمِينِ، ما لم يُقِرَّ بالقَبْض.
وذكَر الأَزَّجِيُّ، إنِ ادَّعَى الرَّدَّ إلى رسولِ مُوَكَّلٍ 1 ومُودِعٍ، فأنْكَرَ المُوَكِّلُ، ضَمِنَ؛ لتعَلُّقِ الدَّفْعِ بثالثٍ، ويَحْتَمِلُ لا.
وإنْ أقَرَّ، وقال: قَصَّرتُ لتَرْكِ الإِشْهادِ.
احْتَمَلَ وَجْهَين.
قال: واتفَقَ الأصحابُ أنه لو وَكَّلَه بقَضاءِ دَينِه، فقَضاه في غَيبَتِه، وترَكَ الإشْهادَ، ضَمِنَ؛ لأن مَبْنَى الدَّينِ على الضَّمانِ، ويَحْتَمِلُ، إن أمْكَنَه الإشْهادَ فترَكَه، ضَمِنَ.
انتهى.
قال في «الفُروعِ»: كذا قال.
فائدتان؛ إحْداهما، لو ادَّعَى الأداءَ إلى وارثِ المالكِ، لم يُقْبَلْ إلَّا ببَيِّنةٍ.
قاله في «التَّلْخيصِ»، واقْتَصرَ عليه الحارِثِيُّ.
وكذا دَعْوَى الأداءِ إلى الحاكمِ.
الثَّانيةُ، لو ادَّعى الأداءَ على يَدِ عَبْدِه، أو زَوْجَتِه، أو خازِنِه، فكدَعْوَى الأداءِ بنَفْسِه.
وَإِنْ قَال: لَمْ تُودِعْنِي.
ثُمَّ أقَرَّ بِهَا، أوْ ثَبَتَتْ بِبَيِّنةٍ، فَادَّعَى الرَّدَّ أو التَّلَفَ، لَمْ يُقْبَلْ وَإِنْ أقَامَ بِهِ بَيِّنةً.
وَيَحْتَمِلُ أنْ تُقْبَلَ بَيِّنتُهُ.
قوله: وما يُدَّعَى علية مِن خِيانَةٍ أو تَفْرِيطٍ.
يعْنِي، القَوْلُ قوْلُه.
وهذا بلا نِزاعٍ.
فائدة: هل يَحْلِفُ مُدَّعِي الردِّ والتَّلَفِ والإذْنِ في الدَّفْعَ إلى الغيرِ، ومُنْكِرُ الجِنايَةِ والتَّفْرِيطِ، ونحوُ ذلك؟ قال الحارِثِيُّ: المذهبُ لا يَحْلِفُ إلَّا أن يكونَ مُتَّهَمًا.
نصَّ عليه مِن وُجوهٍ.
وكذا قال الخِرَقِيُّ، وابنُ أبِي مُوسى في الوَكِيلِ.
وأطْلَقَ المُصَنِّفُ في «كتابَيه»، وكثيرٌ مِنَ الأصحابِ، وُجوبَ التَّحْلِيفِ، قال: ولا أعْلَمُه عن أحمدَ نصًّا ولا إيماءٌ.
انتهى.
والمذهبُ عندَ أكثرِ الأصحابِ المُتأَخِّرِين، ما قاله المُصَنِّفُ وغيرُه.
وتقدَّم التَّنْبِيهُ على بعضِه قريبًا.
قوله: وإنْ قال: لم تُودِعْنِي.
ثم أقَرَّ بها، أو ثَبَتَتْ ببَيِّنَةٍ فادَّعَى الرَّدَّ، أو التَّلَفَ، لم يُقْبَلْ، وإنْ أقامَ بذلك بَيِّنةً.
نصَّ عليه.
مُرادُه، إذا ادَّعَى الرَّدَّ أو التَّلَفَ قبلَ جُحُودِه؛ بأنْ يدَّعِيَ عليه الوَدِيعَةَ يومَ الجُمُعَةِ فيُنْكِرَها، ثم يُقِرَّ، أو تقُومَ بَيِّنةٌ بها، فيقِيمَ بَيِّنةً بأنَّها تلِفتْ، أو ردِّها يومَ الخمِيسِ، أو قبله مثَلًا، فالمذهبُ في هذا، كما قال المُصَنِّفُ، مِن أنَّه لا يُقْبَلُ قوْلُه ولا بَيِّنتُه.
نصَّ عليه.
وجزَم به في «الوَجيزِ» وغيرِه، وقدَّمه في «المُحَرَّرِ»، و «الفُروعِ»، وغيرِهما.
ويحْتَمِلُ أنْ تُقْبَلَ بَيِّنتُه.
قال الحارِثِيُّ: وهو المنْصُوصُ مِن روايةِ أبِي طَالِبٍ، وهو الحقُّ.
وقال: هذا
..................................
المذهبُ عندِي.
وأطْلَقَهما في «المُغْنِي»، و «الشَّرْحِ».
وأما إنِ ادَّعَى الرَّدَّ أو التَّلَفَ بعدَ جُحُودِه بها؛ بأنْ يدَّعِيَ عليه يومَ الجُمُعَةِ فيُنْكِرَ ثم يُقرَّ، أو تقومَ البَيِّنةُ بها، فيُقِيمَ بَيِّنتَه بتَلَفِها أو رَدِّها يومَ السَّبْتِ، أو بعدَه مثلًا، فهذا تُقْبَلُ فيه البَيِّنةُ بالرَّدِّ، قوْلًا واحدًا.
وتُقْبَلُ في التَّلَفِ على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ.
جزَم به في «المُحَرَّرِ»، و «الوَجيزِ».
قال في «الفُروعِ»: والأصحُّ، وتُسْمَعُ بتَلَفٍ.
وقيل: لا تُقْبَلُ.
وهو ظاهِرُ كلامِ المُصَنِّفِ هنا، وأبِي الخَطَّابِ، والسَّامَرِّيِّ، وصاحِبِ «التَّلْخيصِ»، وجماعَةٍ؛ لأنَّهم أطْلَقوا.
قلتُ: وهو الصَّوابُ.
فائدتان؛ إحْداهما، لو شَهِدَتْ بَيِّنةٌ بالتَّلَفِ أو الردِّ، ولم تُعَيِّنْ؛ هل ذلك قبلَ جُحُودِه أو بعدَه؟ واحْتَملَ الأمْرَين، لم يَسْقُطِ الضَّمانُ.
قلتُ: ويَحْتَمِلُ السُّقوطَ؛ لأنه الأصْلُ.
الثَّانيةُ، لو قال: لك وَدِيعَةٌ.
ثم ادَّعى ظنَّ بَقائِها، ثم عَلِمَ تلَفَها، أو ادَّعَى الرَّدَّ إلى رَبِّها، فأنْكَرَه ورَثتُه، فهل يُقْبَلُ قوْلُه؟ فيه وَجْهان.
وأطْلَقَهما في «الفُروعِ»، وأطْلَقَهما في الأولَى في «الرِّعايةِ الكُبْرَى»؛ أحدُهما، لا يُقْبَلُ قَوْلُه في المسْأَلةِ الأُولَى.
قدَّمه في «المُغْنِي»، عندَ قوْلِ الخِرَقِيِّ: وإذا
وَإنْ قَال: مَالكَ عِنْدِى شَيْءٌ.
قُبِلَ قَوْلُهُ في الرَّدِّ والتَّلَفِ.
قال: عندِي عشَرَةُ دَراهِمَ.
ثم قال: وَدِيعَةً.
وقدَّمه الشَّارِحُ في بابِ ما إذا وصَلَ بإقْرارِه ما يُغَيِّرُه.
وهو ظاهِرُ كلامِ ابنِ رَزِين في «شَرْحِه».
وقال القاضي: يُقْبَلُ قوْلُه؛ لأنَّ أحمدَ قال، في رِوايةِ ابنِ مَنْصُورٍ: إذا قال: لك عندِي وَدِيعَةٌ دَفَعْتُها إليك.
صُدِّقَ.
انتهى.
قلتُ: وهذا الصَّوابُ.
وأمَّا إذا ادَّعَى الرَّدَّ إلى رَبِّها، وأنْكَرَه ورَثَتُه، فالصَّحيحُ أنَّه يُقْبَلُ قوْلُه، كما لو كان حَيًّا.
ثم وَجَدْتُه في «الرِّعايَةِ الكُبْرَى» قطَع بأنَّه لا يُقْبَلُ قولُه إلا ببَيِّنةٍ.
قوله: وإنْ قال: ما لك عندِي شيءٌ.
قُبِلَ قولُه في الرَّدِّ والتَّلَفِ.
بلا نِزاعٍ
..................................
لكِنْ إنْ وقَع التَّلَفُ بعدَ الجُحودِ، وجَبَ الضَّمانُ؛ لاسْتِقْرارِ حُكْمِه بالجُحودِ، فيُشْبِهُ الغاصِبَ.
ذكَرَه الشَّارِحُ، واقْتَصرَ عليه الحارِثيُّ، وقال: والإطلاقُ هنا محْمولٌ عليه.
وقال الزَّرْكَشيُّ: يُقْبَلُ قوْلُه في الرَّدِّ والتَّلَفِ.
ولا فَرْقَ بينَ قبلَ الجُحودِ وبعدَه، على ظاهِرِ إطْلاقِ جماعةٍ.
وقال القاضي في «المُجَرَّدِ»: وقد
وَإِنْ مَاتَ الْمُودَعُ، وَادَّعَى وَارِثُهُ الرَّدَّ، لَمْ يُقْبَلْ إلَّا بِبَيِّنةٍ.
وَإِنْ تَلِفَتْ عِنْدَهُ.
قَبْلَ إِمْكَانِ رَدِّهَا، لَمْ يَضْمَنْهَا، وَبَعْدَهُ يَضْمَنُهَا، في أحَدِ الْوَجْهَينِ.
قيل: إنْ شَهِدَتِ البَيِّنَةُ بالتَّلَفِ بعدَ الجُحودِ، فعليه الضَّمانُ، وإِنْ شَهِدَتْ بالتَّلَفِ قبلَه، فلا ضَمانَ.
قوله: فإنْ ماتَ المُودَعُ فادَّعَى وارِثُه الرَّدَّ، لم يُقْبَلْ إلَّا ببَيِّنةٍ.
بلا نِزاعٍ.
وكذا حُكْمُ دَعْوَى المُلْتَقِطِ، ومَن أطارَتِ الرِّيحُ إلى دارِه ثَوْبًا، الرَّدُّ إلى المالِكِ.
قال في «القَواعِدِ»: ويتَوَجَّهُ قبولُ دَعْواه في حالةٍ لا يضْمَنُ فيها بالتَّلفِ؛ لأنَّه مُؤْتَمَنٌ شَرعًا في هنه الحالةِ.
ولو ادَّعَى الوارِثُ أن مُوَرِّثَه.
ردَّها، لم يُقْبَلْ أيضًا إلَّا ببَيِّنةٍ عندَ الأصحابِ.
قال الحارِثِيُّ: وقد يتَخَرَّجُ لنا قولٌ بالقَبُولِ مِن أحَدِ الوَجْهَين، فيما إذا كان عندَه وَدِيعَة في حَياتِه، لم تُوجَدْ بعَينِها، ولا يُعْلَمُ بقاؤُها؛ لأنَّ الأصْلَ عدَمُ الحُصولِ في يَدِ الوارِثِ، وكذلك ما لو ادَّعَى التَّلَفَ في يَدِ مُوَرِّثه.
انتهى.
قال في «القاعِدَةِ الرَّابعَةِ والأرْبَعِين»: ولا حاجَةَ إلى التَّخْرِيجِ إِذَنْ؛ لأنَّ الضَّمانَ على هذا الوَجْهِ مُنْتَفٍ؛ سواءٌ ادَّعَى الوارِثُ الرَّدَّ أو التَّلَفَ، [أو لم يَدَّعِ شيئًا] 1.
قوله: وانْ تَلِفَتْ عندَ الوارِثِ قبلَ إمْكانِ رَدَّها، لم يَضْمَنْها -بلا نِزاعٍ-
..................................
وبعدَه يَضْمَنُها، في أحدِ الوَجْهَين.
وهو المذهبُ.
صحَّحه في «التصْحيحِ»، و «النَّظْمِ»، و «شَرْحِ الحارِثِيِّ».
قال في «القاعِدَةِ الثَّالثَةِ والأرْبَعِين»: والمَشْهورُ الضَّمانُ.
وجزَم به في «الهِدايةِ»، و «المُذْهَبِ»، و «المُسْتَوْعِب»، و «الخُلاصَةِ»، و «الهادِي»، و «الوَجيزِ» وغيرِهم.
وقدَّمه في «التَّلْخيصِ»، وقال: ذكَرَه أكثرُ الأصحابِ.
وقدَّمه في «الرِّعايَةِ الصُّغْرَى»، و «الحاوي الصَّغِيرِ».
والوَجْهُ الثَّاني، لا يَضْمَنُها.
قال الحارِثِيُّ: وهذا لا أعْلَمُ أحدًا ذكَرَه إلَّا المُصَنِّفَ.
قلتُ: قد أشارَ إليه في «التَّلْخيصِ» وغيرِه.
وأطْلَقَهما في «المُغْنِي»، و «الشَّرْحِ»، و «شَرْحِ الحارِثِيِّ»، و «ابنِ مُنَجَّى»، و «الرِّعايَةِ الكُبْرَىْ».
وقيل: يَضْمَنُها، إنْ لم يعْلَمْ بها صاحِبُها.
جزَم به في «المُحَرَّرِ»، و «تَذْكِرَةِ ابنِ عَبْدُوس».
قال في «الرِّعايَةِ الصُّغْرَى»: وهو أوْلَى.
وأطْلَقَهُنَّ في «الفُروعِ»، و «الفائقِ».
فائدة: إذا حصَل في يَدِه أمانَةٌ بدُونِ رِضَا صاحبِها، وجَبَتِ المُبادَرَةُ إلى رَدِّها، مع العِلْمِ بصاحبِها والتَّمَكُّنِ منه، ودخَلَ في ذلك اللُّقَطَةُ.
وكذا الوَدِيعَةُ، والمُضارَبَةُ، والرَّهْنُ، ونحوُها، إذا ماتَ المُؤْتَمَنُ وانْتَقَلَتْ إلى وارِثِه.
وكذا لو أطارَتِ الرِّيحُ ثَوْبًا إلى دارِه لغيرِه.
ثم إنَّ كثيرًا مِنَ الأصحابِ قالُوا هنا: الواجِبُ الرَّدُّ.
وصرَّح كثيرٌ منهم بأنَّ الواجِبَ أحدُ شَيئَين؛ إمَّا الرَّدُّ، أو الإعْلامُ، كما في «المُسْتَوْعِبِ»، و «المُغْنِي»، و «المُحَرَّرِ»، و «الشَّرْحِ»، وذكَر نحوَه
..................................
ابنُ عَقِيلٍ، وهو مُرادُ غيرِهم.
ثم إنَّ الثَّوْبَ؛ هل يحْصُلُ في يَدِه؛ لسُقُوطِه في دارِه مِن غيرِ إمْساكٍ له أمْ لا؟ قال القاضي: لا يحْصُلُ في يَدِه بذلك.
وخالفَ ابنُ عَقِيلٍ.
والخِلافُ هنا مُنَزَّلٌ على الخِلافِ فيما حصَل في أرْضِه مِنَ المُباحاتِ؛ هل يَمْلِكُها بذلك أمْ لا؟ على ما تقدَّم في كتابِ البَيعِ.
وكذا حُكْمُ الأماناتِ إذا فسَخَها المالِكُ؛ كالوَدِيعَةِ، والوَكالةِ، والشَّرِكَةِ، والمُضارَبَةِ، يجِبُ الردُّ على الفَوْرِ لزَوالِ الائْتِمانِ.
صرَّح به القاضي في «خِلافِه».
وسواءٌ كان الفَسْخُ في حَضْرَةِ الأمينِ، أو غَيبَتِه.
وظاهِرُ كلامِه، أنَّه يجِبُ فِعْلُ الرَّدِّ.
وعلى قِياسِ ذلك، الرَّهْنُ بعدَ اسْتِيفاءِ الدَّينِ، والعَينُ المُؤْجَرَةُ بعدَ انْقِضاءِ المُدَّةِ.
وذكَر طائفةٌ مِنَ الأصحابِ في العَينِ المُؤْجَرَةِ، لا يجِبُ على المُسْتَأْجِرِ فِعْلُ الرَّدِّ، ومنهم مَن ذكَر في الرَّهْنِ كذلك.
ذكَر مَعْنَى ذلك في «القاعِدَةِ الثَّانيةِ والأرْبَعِين».
وأمَّا إذا ماتَ المُودَعُ، ولم يُبَيِّنِ الوَدِيعَةَ، ولم تُعْلَمْ، فهي دَينٌ في تَرِكَتِه.
تقدَّم ذلك في كلامِ المُصَنِّفِ، في أواخِرِ المُضارَبَةِ.
..................................
فائدة جليلة: تَثْبُتُ الوَدِيعَةُ بإقْرارِ المَيِّتِ، أو ورَثَتِه، أو بَيِّنتِه.
وإنْ وجَدَ خطِّ مَوْرُوثِه: لفُلانٍ عندِي وَدِيعَةٌ.
أو على كِيسٍ: هذا لفُلانٍ.
عَمِلَ به وُجُوبًا.
على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ.
قال في «الفُروعِ»: ويُعْمَلُ به على الأصحِّ.
قال الحارِثِيُّ: هذا المذهبُ.
نصَّ عليه مِن رِوايَةِ إسْحاقَ بنِ إبْراهِيمَ، في الوَصِيَّةِ، ونصَرَه، وردَّ غيرَه.
وقال: قاله القاضي أبو الحُسَينِ، وأبو الحَسَنِ بنُ بَكْروسٍ.
وقدَّمه في «المُستَوْعِبِ»، و «التَّلْخيصِ».
وهو الذي ذكَرَه القاضي في «الخِلافِ».
وقيل: لا يُعْمَلُ به، ويكونُ تَرِكَةً.
اخْتارَه القاضي في «المُجَرَّدِ»، وابن عَقِيل، والمُصَنِّفُ.
وقدَّمه الشارِحُ، ونصَرَه، وجزَم به
وَإذَا ادَّعَى الْوَدِيِعَةَ اثْنَانِ، فَأقَرَّ بِهَا لِأحَدِهِمَا، فَهِيَ لَهُ مَعَ يَمِينِهِ، وَيَحْلفُ الْمُودَعُ أيضًا.
في «الحاوي الصَّغِيرِ»، و «النَّظْمِ».
وإنْ وجَد خطَّه بدَينٍ له على فُلانٍ، حلَفَ الوارِثُ، ودُفِعَ إليه.
قطَع به في «المُغْنِي»، و «الشَّرْحِ»، و «الفُروعِ»، و «شَرْحِ الحارِثِيِّ»، و «إعْلام المُوَقِّعِين».
وإنْ وجَد خطَّه بدَينٍ عليهم، فقيل: لا يُعْمَل به، [ويكونُ تَرِكًة مَقْسُومَةٌ.
اخْتارَه القاضي في «المُجَرَّدِ»، وجزَم به في «الفُصولِ»، و «المُذْهَبِ»، وقدَّمه في «المُغْنِي»، و «الشرْحِ».
وقيل: يعْمَلُ به] (2)، ويُدْفَعُ إلى مَن هو مكْتُوبٌ باسْمِه.
قال القاضي أبو الحُسَينِ: المذهبُ وُجوبُ الدَّفْعِ إلى مَن هو مكْتُوبٌ باسْمِه.
أوْمَأ إليه، وجزَم به في «المُسْتَوْعِبِ».
وهو الذي ذكَرَه القاضي في «الخِلافِ»، [وهو ظاهِرُ ما قطَع به في «إعْلامِ المُوَقِّعِين»] 1. وقدَّمه في «التَّلْخيصِ».
وصحَّحه في «النَّظْمِ»، وهو المذهبُ عندَ الحارِثِيِّ؛ فإنَّه قال: والكتابَةُ بالدُّيونِ عليه كالكِتابةِ بالوَدِيعَةِ، كما قدَّمْنا.
حَكاه غيرُ واحدٍ؛ منهم السَّامَرِّيُّ، وصاحبُ «التَّلْخيصِ».
انتهى.
وقد تقدَّم كلامُه في المَسْأَلةِ الأُولَى.
وأطْلَقهما في «الفُروعِ»، و «الرِّعايَةِ».
قوله: وإنِ ادَّعَى الوَدِيعَةَ اثْنان، فأقَرَّ بها لأحَدِهما، فهي له مع يَمِينِه.
بلا نِزاعٍ
..................................
أعْلَمُه.
لكِنْ قال الحارِثِيُّ: وهذا اللَّفْظُ ليس على ظاهِرِه؛ مِن جِهَةِ أنَّه مُشْعِرٌ بأنَّ كمال الاسْتِحْقاقِ يتَوَقَّفُ على اليَمِينِ، وهي إنَّما تُفِيدُ الاسْتِحْقاقَ حال ردِّها على المُدَّعِي عندَ مَن قال به، أو حال تعَذُّرِ كمالِ البَيِّنةِ.
وما نحنُ فيه ليس واحدًا مِنَ الأمْرَين.
لا يُقالُ: المُودَعُ شاهدٌ.
إذْ لو كان كذلك، لاعْتُبِرَ له العَدالةُ، وصِيغَةُ الشَّهادَةِ، والأمْرُ بخِلافِه، فتعَيَّنَ تأْويلُه على حَلِفِه للمُدَّعِي.
انتهى.
قوله: ويحْلِفُ المُودَعُ -بفَتْحِ الدَّالِ أيضًا- للمُدَّعِي الآخَرِ.
على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ.
جزَم به هنا في «المُغْنِي»، و «الشرْحِ»، و «شَرْحِ الحارِثِي»، و «الرِّعايَةِ»، و «الوَجيزِ»، و «الفائقِ»، وغيرِهم.
قال في «المُحَرَّرِ»، و «الفُروعِ»: حلَف في الأصح.
ذكَراه في بابِ الدَّعاوَى.
وقيل: لا يلْزَمُه يَمِينٌ.
فعلى المذهبِ، إنْ نكَل، فعليه البدَلُ للثَّاني، بلا نِزاعٍ.
فائدتان؛ إحْداهما، لو تبَيَّنَ للمُقِرِّ بعدَ الاقْتِرِاعِ أنَّها للمَقْروعِ، فقال الإمامُ أحمدُ: قد مضَى الحُكْمُ.
أي، لا تُنْزَعُ مِنَ القارِعِ، وعليه القِيمَةُ للمَقْروعِ.
الثَّانيةُ، لو دفَع الوَديعَةَ إلى مَن يظُنُّه صاحِبَها، ثم تبَيَنَ خطَؤُه، ضَمِنَها لتَفْريطِه.
صرَّح به القاضي.
وخرج في «القَواعِدِ» وَجْهًا بعدَمِ الضَّمانِ عليه، وإنَّما هو على المُتْلِفِ وحدَه.
وَإِنْ أَقَرَّ بهَا لَهُمَا، فَهِيَ لَهُمَا، وَيَحْلِفُ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، فَإِنْ قَال: لَا أَعْرِفُ صَاحِبَهَا.
حَلَفَ أَنَّهُ لَا يَعْلَمُ، وَيُقْرَعُ بَينَهُمَا، فَمَنْ قَرَعَ صَاحِبَهُ حَلَفَ وَأَخَذَهَا.
قوله: وإنْ أقَرَّ بها لهما، فهي لهما، ويَحْلِفُ لكُلِّ واحِدٍ منهما.
بلا نِزاعٍ أعْلَمُه.
فإنْ نكَل، فعليه بذْلُ نِصْفِها لكُلِّ واحدٍ مهما، ويلْزَمُ كل واحدٍ منهما الحَلِفُ لصاحبِه، كما تقدَّم.
ولم يذْكُرْه المُصَنِّفُ، وكأنَّه اكْتَفَى بالأوَّلِ.
قوله: فإنْ قال: لا أعْرِف صاحِبَها.
حلف أنه لا يَعْلمُ.
يعْني، يمينًا واحدةً.
..................................
إذا أقَرَّ بها لأحَدِهما، وقال: لا أعْرِفُ عينَه.
فلا يخْلُو؛ إمَّا أنْ يُصَدِّقاه، أوْ لا؛ فإنْ صدَّقاه، فلا يَمِينَ عليه؛ إذْ لا اخْتِلافَ، وعليه التَّسْلِيمُ لأحَدِهما بالقُرعَةِ مع يَمِينِه.
[ذكَرَه في «التَّلْخيصِ»، واقْتَصرَ عليه الحارِثِيُّ، وقال: هو المذهبُ، وفي نصُوصِ أحمدَ ما يقْتَضِيه.
وإنْ لم يُصَدِّقاه، فلا يَخْلُو؛ إمَّا أنْ يُكَذِّباه، أو يسْكُتا؛ فإنْ سكَتا، قُبِلَ قوْلُه بغيرِ يَمِينٍ] 1. ذكَرَه غيرُ واحدٍ؛ منهم أبو الخَطَّابِ، وأبو الحُسَينِ، والشرِيفُ أبو جَعْفَرٍ، واقْتَصَرَ عليه الحارِثِيُّ.
وذكَر عنِ الشَّافِعِيَّةِ وَجْهًا آخَرَ، وعلَّلَه.
قال الحارِثِي: وهذا بمُجَرَّدِه حقٌّ، إنْ لم يَقُمْ دليلٌ على اعْتِبارِ صَريحِ الدَّعْوَى لوُجوبِ اليَمِينِ.
انتهى.
ثم قال القاضي وغيرُه: يُقْرَعُ بينَ المُتَداعِيَين، فمَن أصابَتْه القُرْعَةُ، حلَف أنَّها له، وأُعْطِيَ.
وإنْ كذَّباه، حلَف أنَّه لا يَعْلَمُ، كما قال المُصَنِّفُ.
قال الحارِثِيُّ: وهو قولُ القاضي، ومَن بعدَه مِنَ الأصحابِ.
وتقدَّم أن المذهبَ لا يَمِينَ على مُدَّعِي التَّلَفِ ومُنْكِرِ الخِيانَةِ والتَّفْرِيطِ، ونحوه، إلَّا أنْ يكونَ مُتَّهَمًا.
وهذا كذلك، فلا يَمِينَ على المذهبِ؛ نظَرًا إلى أنَّ المالِكَ ائْتَمَنَه.
وعلى القولِ بالحَلِفِ، يحْلِفُ يمينًا واحدةً.
على الصَّحيحِ
..................................
مِنَ المذهبِ، وعليه الأصحابُ.
وقال الحارِثِيُّ، خِلافًا لأبِي حَنيفَةَ: لتَغايُرِ الحَقَّين، كما في إنْكارِ أصْلِ الإيداعِ.
قال: وهذا قَويٌّ.
انتهى.
وإذا تحَرَّرَ هذا، فيُقْرَعُ بينَهما، فمَن قرَع صاحِبَه، حلَف وأخَذ.
كما قال المُصَنِّفُ، ونصَّ عليه في أصْلِ المَسْأَلةِ مِن وُجوهٍ كثيرةٍ.
وإنْ نكَل المُودَعُ عنِ اليَمين،، فقال في «المُجَردِ»: يُقْضَى عليه بالنُّكولِ، فيُلْزِمُه الحاكمُ بالإقْرارِ لأحَدِهما، فإنْ أُبى، فقِياسُ المذهبِ، يُقْرَعُ بينَهما.
ولم يَذْكُرْ غُرْمًا.
وقال في «التَّلْخيصِ»: يقوَى عندِي أنَّ مِن جُمْلَةِ القَضايا لنُكولِ غُرْمِ القِيمَةِ، فيَغْرَمُ القِيمَةَ.
قال الحارِثِيُّ: وكذا قال غيرُه.
وجزَم به في «الفائقِ»، و «الزَّرْكَشِي».
فعلى هذا، يُؤْخَذُ بالقِيمَةِ مع العَينِ، فيَقْتَرِعان عليهما 1 أو يتَّفِقان.
هذه طَريقَةُ صاحبِ «المُحَرَّرِ»، [وجماعةٍ، وقدَّمها الحارِثِيُّ، وقال: وفي كلامِ غيرِ صاحبِ «المُحَررِ»] 2 ما يقْتَضِي الاقْتِراع على العَينِ، فمَن أخَذَها بالقِيمَةِ، تعَيَّنتِ القِيمَةُ للآخَرِ.
قال: وهو أوْلَى؛ لأنَّ كلًّا منهما يسْتَحِق ما يدَّعِيه في هذه الحالةِ، أو بدَلَه عندَ التَّعَذُّرِ، والتَّعَذُّرُ لا يتَحَققُ بدونِ الأخْذِ، فتَعَيَّنَ الاقْتِراعُ.
انتهى.
قال في «التَّلْخيصِ»: وكذلك إذا قال: أعْلَمُ المُسْتَحِقَّ، ولا أحْلِفُ.
ويأْتِي الكلامُ بأَتمَّ مِن هذا، في بابِ الدَّعاوَى والبَيِّناتِ، في القِسْمِ الثَّالثِ، إنْ شاءَ الله تعالى.
فائدة: إذا قامَتِ البَيِّنةُ بالعَينِ لأخْذِ القِيمَةِ، سُلِّمَتْ إليه، ورُدَّتِ القِيمَةُ إلى المُودَعِ، ولا شيءَ للقارِعِ.
وَإِنْ أوْدَعَهُ اثْنَانِ مَكِيلًا أوْ مَوْزُونًا، فَطَلَبَ أحَدُهُمَا نَصِيبَهُ، سَلَّمَهُ إلَيهِ.
وَإنْ غُصِبَتِ الْوَدِيعَةُ، فَهَلْ لِلْمُودِعِ الْمُطَالبَةُ بِهَا؟ عَلَى وَجْهَينِ.
قوله: وإنْ أوْدَعَه اثْنان مَكِيلًا، أو مَوْزُونًا، فطلَب أحَدُهما نَصِيبَه، سَلَّمَه إليه.
مُرادُه، إذا كان ينْقَسِمُ.
وهو معْنَى قولِ بعضِ الأصحابِ: لا ينْقُصُ بتَفَرُّقِه.
وهذا المذهبُ، وعليه جماهيرُ الأصحابِ.
وجزَم به في «الهِدايةِ»، و «المُذْهَبِ»، و «مَسْبُوكِ الذَّهَبِ»، و «المُسْتَوْعِبِ»، و «الخُلاصَةِ»، و «التَّلْخيصِ»، و «البُلْغَةِ»، و «الوَجيزِ»، وغيرِهم.
وقدَّمه في «الفُروعِ»، و «الرِّعايتَين»، و «الحاوي الصَّغِيرِ»، و «شَرْحِ الحارِثِيِّ»، وغيرِهم.
وقيل: لا يَلْزَمُه الدَّفْعُ إلَّا بإذْنِ شَرِيكِه أو الحاكِمِ.
اخْتارَه القاضي، والنَّاظِمُ.
وكذا الحُكْمُ لو كان الشَّرِيكُ حاضِرًا، وامْتنَعَ مِنَ المُطالبَةِ بنَصِيبِه، والإِذْنِ في التَّسْليمِ إلى صاحبِه.
قوله: وإنْ غُصبَتِ الوَدِيعَةُ، فهل للمُودِعِ المُطالبَةُ بها؟ على وَجْهَين.
وأطْلَقَهما في «المُذهَبِ»، و «المُغنِي»، و «الشَّرْحِ»، و «الفائقِ»، و «الحاوي الصَّغِيرِ»؛ أحدُهما، له المُطالبَةُ بها.
وهو المذهبُ.
اخْتارَه أبو
..................................
الخَطَّابِ في «الهِدايةِ».
وصحَّحه في «التَّصْحيحِ»، و «النَّظْمِ».
وجزَم به في «الوَجيزِ».
وقدَّمه في «الفُروعِ»، و «الرِّعايتَين».
والوَجْهُ الثَّاني، ليس له ذلك.
اخْتارَه القاضي.
وصحَّحه في «البُلْغةِ».
وقدَّمه في «المُسْتَوْعِبِ»، و «الخُلاصةِ»، و «التَّلْخيصِ».
ومال إليه الحارِثِيُّ.
فوائد؛ إِحْداها، حُكْمُ المُضارِبِ، والمُرْتَهِنْ، والمسْتَأْجِرِ في المُطالبَةِ، إذا غُصِبَ منهم ما بأيدِيهم، حُكْمُ المُودَعِ.
قالهَ أكثرُ الأصحابِ، وقدَّم في «الخُلاصَةِ» أنَّه ليس له بالمُطالبَةِ في «الوَديعَةِ».
وجزَم بالجَوازِ في المُرْتَهِنِ، والمُسْتَأْجِرِ.
ومال إليه الحارِثِيُّ.
وقال المُصَنِّفُ في المُضارِبِ: لا يلْزَمُه المُطالبَةُ مع حُضورِ رَبِّ المالِ.
الثَّانيةُ، لو أُكْرِهَ على دفْعِ الوَدِيعَةِ لغيرِ رَبِّها، لم يَضْمَنْ.
قَاله الأصحابُ.
ذكَره الحارِثِيُّ.
قلتُ: منهم القاضي في «المُجَرَّدِ»، وابنُ عَقِيلٍ في «الفُصولِ»، والمُصَنِّفُ في «المُغْنِي»، وصاحِبُ «التَّلْخيصِ»، والشَّارِحُ، وغيرُهم.
قال المَجْدُ في «شَرْحِه»: المذهبُ لا يضْمَنُ.
انتهى.
وفي «الفَتاوَى الرَّجَبِيَّاتِ»، عن أبِي الخَطَّابِ، وابنِ عَقِيلٍ، الضَّمانُ مُطْلَقًا؛ لأنَّه افْتَدَى به ضَرَرَه 1. وعنِ ابنِ الزَّاغُونِيِّ، إنْ أُكْرِهَ على
..................................
التسْلِيمِ بالتَّهْديدِ والوَعيدِ، فعليه الضَّمانُ، ولا إثْمَ، وإنْ ناله العَذابُ، فلا إثْمَ، ولا ضَمانَ.
[ذكَرَه في «القاعِدَةِ السَّابعَةِ والعِشْرِين بعدَ المائةِ».
وإنْ صادَرَه السُّلْطانُ، لم يَضْمَنْ، على الصحيحِ مِنَ المذهبِ] 1. اخْتارَه أبو الخَطَّابِ.
وقدَّمه في «الفُروعِ».
وقال أبو الوَفاءِ: يَضْمَن، إنْ فرَّط.
وإنْ أخَذَها منه قَهْرًا، لم يَضْمَنْ عندَ أبِي الخَطَّابِ.
وقطَع به في «التَّلْخيصِ»، و «الفائقِ».
وعندَ أبِي الوَفاءِ، إنْ ظنَّ أخْذَها منه بإقْرارِه، كان دالًا، ويَضْمَنُ.
وقال القاضي في «الخِلافِ»، وأبو الخَطَّاب في «الانْتِصارِ»: يَضْمَنُ المال بالدَّلالةِ.
وهو المُودَعُ.
وفي «فَتاوَى ابنِ الزَّاغُونِيِّ»، مَن صادرَه سُلْطانٌ، ونادَى بتَهْديدِ مَن عندَه وَدِيعَةٌ، فلم يحْمِلْها، إنْ لم يُعَيِّنْه، أو عيَّنه وتهَدَّدَه، ولم ينَلْه، أثِمَ وضَمِنَ، وإلَّا فلا.
انتهى.
قال الحارِثِيُّ: وإذا قيلَ: التوَعُّدُ ليس إكْراهًا.
فتوَعَّدَه السُّلْطانُ حتى سلَّمَ، فجوابُ أبِي الخَطَّابِ، وابنِ عَقِيلٍ، وابنِ الزَّاغُونِيِّ، وُجوبُ الضَّمانِ، ولا إثْمَ.
وفيه بَحْث.
وإذا قيلَ: إنه إكْراهٌ.
فنادَى السُّلْطانُ، مَن لم يحْمِلْ وَدِيعَةَ فُلانٍ، عُمِل به كذا وكذا.
فحمَلَها مِن غيرِ مُطالبَةٍ، أثِمَ وضَمِنَ.
وبه أجابَ أبو الخطَّابِ، وابنُ عَقِيلٍ في «فَتاويهما».
وإنْ آلَ الأمْرُ إلى اليَمينِ، ولا بُدَّ، حلَف مُتأوِّلًا.
وقال القاضي في «المُجَرَّدِ»: له جَحْدُها.
فعلى المذهبِ، إنْ لم يحْلِفْ حتى أُخِذَتْ منه، وجَب الضَّمانُ؛ للتَّفْريطِ، وإِنْ حلَف ولم يتَأوَّلْ، أثِمَ.
وفي وُجوبِ الكفَّارَةِ رِوايَتان.
حَكاهما أبو الخَطَّابِ في «الفَتاوَى».
قلتُ: الصَّوابُ وُجوبُ الكفَّارَةِ مع إِمْكانِ التَّأْويلِ وقُدْرَته عليه، وعِلْمِه بذلك، ولم
..................................
يَفْعَلْه.
[ثم وجَدْتُه في «الفُروعِ»، في بابِ جامعِ الأيمانِ، قال: ويُكَفِّرُ على الأصحِّ] 1. وإنْ أُكْرِهَ على اليَمينِ بالطلاقِ؟ فأجابَ أبو الخَطَّابِ، بأنَّها لا تنْعَقِدُ، كما لو أُكْرِهَ على إيقاعِ الطَّلاقِ.
قال الحارِثِيُّ: وفيه بحثٌ، وحاصِلُه؛ إنْ كان الضَّرَرُ الحاصِلُ بالتَّغْريمِ كثيرًا يُوازِي الضَّرَرَ في صُوَرِ الإِكْراهِ، فهو إكْراهٌ لا يقَعُ، وإلَّا وقَع على المذهبِ.
انتهى.
[وعندَ ابنِ عَقِيل، لا يسْقُطُ لخَوفِه مِن وُقوعِ الطَّلاقِ، بل يَضْمَنُ بدَفْعِها افْتِداءً عن يَمِينِه.
وفي «فَتاوَى ابنِ الزَّغُوانِيِّ»، إنْ أَبى اليَمِينَ بالطَّلاقِ، أو غيرِه، فصارَ ذَرِيعَةً إلى أخْذِها، وكإقْرارِه طائِعًا، وهو تفْرِيطٌ عندَ سُلْطانٍ جائرٍ.
نقَلَه في «الفُروعِ»، في جامعِ الأيمانِ] (1). الثَّالثةُ، لو أخَّر ردَّ الوَدِيعَةِ بعدَ طَلَبِها بلا عُذْرٍ، ضَمِنَ، وبعُذْرٍ، لا يَضْمَنُ؛ كالخَوْفِ في الطرِيقِ، والعَجْزِ عنِ الحَمْلِ، وعنِ الوُصولِ إليها؛ لسَيلٍ أو نارٍ، ونحو ذلك.
وفي معْنَى ذلك؛ إتْمامُ المَكْتُوبةِ، وقَضاءُ الحاجَةِ، ومُلازمَة الغَريم يُخافُ فَوْتُه، ويُمْهَلُ لأكْلٍ، ونَوْمٍ، وهَضْمِ طَعامٍ، والمطَرِ الكثيرِ، والوَحْلِ الغزيرِ، أو لكَوْنِه في حمَّامٍ حتى يخْرُجَ.
على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ.
قدَّمه في «الفُروعِ».
قال في «المُغْنِي» 2 وغيرِه: إنْ قال: أمْهِلُونِي حتى آكُلَ، فإنِّي جائعٌ.
أو: أنامَ، فإنِّي ناعِسٌ.
أو: ينْهَضِمَ الطعامُ عنِّي، فإنِّي مُمْتَلِئُ.
أُمْهِلَ بقَدْرِ ذلك.
قال الحارِثِيُّ: وهو الصَّحيحُ.
وقال: والظَّاهِرُ مِن كلامِ غيرِ واحدٍ، منْعُ التَّأْخيرِ اعْتِبارًا بإمْكانِ الدَّفْعِ.
قلتُ: وهو ظاهِرُ كلامِ الخِرَقِيِّ.
وقال في «التَّرْغيبِ»، و «التَّلْخيصِ»: إنْ أخَّرَ لكَوْنِه في حمَّامٍ، أو على طَعامٍ إلى قَضاءِ
..................................
غرَضِه، ضَمِنَ، وإنْ لم يأْثَمْ، على وَجْهٍ.
واختاره الأزَجِيُّ، فقال: يجِبُ الرَّدُّ بحسَبِ العادَةِ، إلَّا أنْ يكونَ تأْخِيرُه لعُذْرٍ، ويكونَ سبَبًا للتَّلَفِ، فلم أرَ نصًّا.
ويقْوَى عندِي أنه يضْمَنُ؛ لأنَّ التَّأْخِيرَ إنَّما جازَ بشَرْطِ سلامَةِ العاقِبَةِ.
انتهى.
الرَّابعةُ، لو أمرَه بالرَّدِّ إلى وَكِيلِه فتمكَّنَ وأبَى، ضَمِنَ.
والصَّحيحُ مِنَ المذهبِ، ولو لم يَطْلُبْها وَكِيلُه.
قاله في «التَّلْخيصِ»، و «الفُروعِ».
وقيل: لا يَضْمَنُ إلَّا إذا طلَبَها وَكِيلُه، وأبَى الرَّدَّ.
وإذا دفَعَها إلى الوَكِيلِ، ولم يُشْهِدْ، ثم جحَد الوَكِيلُ، لم يَضْمَنْ بتَرْكِ الإِشْهادِ، [بخِلافِ الوَكِيلِ في قَضاءِ الدَّينِ، فإنَّه يَضْمَنُ بتَرْكِ الإشْهادِ] 1؛ لأنَّ شأْنَ الوَدِيعَةِ الإخْفاءُ.
قاله في «التَّلْخيصِ» وغيرِه.
وتقدَّم إذا ادَّعَى الإذْنَ في دفْعِها إلى إنْسانٍ، في كلامِ المُصَنِّفِ، وهناك ما يتعَلَّقُ بهذا.
الخامسةُ، لو أخَّرَ دفْعَ مالٍ أُمِرَ بدَفْعِه بلا عُذْرٍ، ضَمِنَ، كما تقدَّم نَظِيرُه في الوَدِيعَةِ.
وهذا الصَّحيحُ مِنَ المذهبِ، وعليه جماهيرُ الأصحابِ.
وقيل: لا يَضْمَنُ.
واخْتارَه أبو المَعالِي، بِناءً على اخْتِصاصِ الوُجوبِ بأمْرِ الشَّرْعِ.
قلتُ: الأمْرُ المُجَرَّدُ عنِ القَرينَةِ، هل يَقْتَضِي الوُجوبَ، أمْ لا؟ فيه خَمْسَةَ عَشَرَ قوْلًا للعُلَماءِ؛ مِن جُمْلَتِها، أنَّ أمْرَ الشَّارِعِ للوُجوبِ دُونَ غيرِه، كما اخْتارَه أبو المَعالِي.
والصَّحيحُ مِنَ المذهبِ، أنه للوُجوبِ مُطْلَقًا.
ذكَر الأَقْوال، ومَن قال بكُلِّ قوْلٍ في «القَواعِدِ الأُصُولِيَّةِ»، في «القاعِدَةِ الثالِثَةِ والأرْبَعِين».
السَّادِسَةُ، لو قال: خُذْ هذا وَدِيعَةً اليومَ لا غدًا، وبعدَه يعودُ وَدِيعَةً.
فقيل: لا تَصِحُّ الوَدِيعَةُ مِن أصْلِها.
وقيل: تصِحُّ في اليومِ الأوَّلِ دُونَ غيرِه.
وقيل: تصِحُّ في اليومِ الأوَّلِ،
..................................
وفي بعدِ الغدِ.
قال القاضي في «التَّعْليقِ»: هي وَدِيعَةٌ على الدَّوامِ.
ذكَرَه عنه الحارثِيُّ.
وأطْلَقَهُنَّ في «الفُروعِ».
وإنْ أمَرَه برَدِّه في غَدٍ، وبعدَه يعُودُ وَدِيعَةً، تعَيَّنَ رَدُّه.
السَّابعةُ، لو قال له: كلَّما خُنْتَ، ثم عُدْتَ إلى الأمانةِ، فأنْتَ أمِينٌ.
صحّ؛ لصِحَّةِ تعْليقِ الإيداعِ على الشرْطِ، كالوَكالةِ.
صرَّح به القاضي.
قاله في «القاعِدَةِ الخامِسَةِ والأرْبَعِين».
بَابُ إِحْيَاءِ الْمَوَاتِ
وَهِيَ الْأرْضُ الدَّاثِرَةُ الَّتِي لَا يُعْلَمُ أَنَّهَا مُلِكَتْ.
بابُ إحْياءِ المَواتِ
قوله: وهي الأرْضُ الدَّاثِرَةُ التي لا يُعْلَمُ أنَّها مُلِكَتْ.
قال أهْلُ اللُّغَةِ: المَواتُ مِنَ الأرْضِ؛ هي التي لم تُسْتَخْرَجْ ولم تُعَمَّرْ.
قال الحارِثِيُّ: وظاهِرُ إيرادِ
..................................
المُصَنِّفِ، تعْرِيفُ المَواتِ بمَجْموعِ أمْرَين؛ الانْدِراسُ، وانْتِفاءُ العِلْمِ، تحْصِيلًا للمَعْنَى المُتَقَدِّمِ عن أهْلِ اللغَةِ؛ أنَّه الذي لم يُسْتَخْرَجْ، ولم يُعَمَّرْ.
وعليه نصَّ أحمدُ، وذكَرَه.
قال: ولو اقْتَصَر المُصَنِّفُ على ما قالُوا، لكانَ أوْلَى وأبْيَنَ، فإنَّ الدُّثورَ يقْتَضِي حُدوثَ العُطْلِ بعدَ أنْ لم يكُنْ؛ حيثُ قالوا: قَدُمَ ودرَسَ.
وذلك يسْتَلْزِمُ تقَدُّمَ عِمارَةٍ، وهو مُنافٍ لانْتِفاءِ العِلْمِ بالمِلْكِ.
قال: ويَحْتَمِلُ أنْ يُريدَ بالدَّاثِرَةِ، التي لم تُسْتَخْرَجْ، ولم تُعَمَّرْ.
وهو الأظْهَرُ مِن إيرادِه؛ لقَوْلِه بعدَه: فإنْ كان فيها آثارُ المِلْكِ.
فعلى هذا يكونُ وَصْفُ انْتِفاءِ العِلْمِ بالمِلْكِ تعْرِيفًا لِما يُمْلَكُ بالإحْياءِ مِنَ المَواتِ، لا لماهِيَّةِ المواتِ.
وذلك حُكْمٌ مِنَ الأحْكامِ.
ثم ما يُمْلَكُ بالإِحْياءِ، لا يكْفِي فيه ما قال، فإنَّ حَرِيمَ العامِرِ، وما كان حِمًى أو مُصَلَّى، لا يُمْلَكُ، مع أنَّه غيرُ مَمْلُوكٍ.
ويرِدُ أيضًا على ما قال، ما عُلِمَ مِلْكُه لغير
فَإنْ كَانَ فِيِهَا آثارُ الْمِلْكِ وَلَا يُعْلَمُ لَهَا مَالِكٌ، فَعَلَى رِوَايَتَينِ.
مَعْصُومٍ، فإنَّه جائزُ الإحْياءِ.
قال: والأضْبَطُ في هذا ما قيلَ: الأرْضُ المُنْفَكَّةُ عن الاخْتِصاصاتِ، ومِلْكِ المَعْصومِ.
فيَدْخُلُ كلُّ ما يُمْلَكُ بالإحْياءِ.
ويخرُجُ كلُّ ما لا يُمْلَكُ به.
انتهى.
قوله: فإنْ كان فيها آثارُ المِلْكِ، ولا يُعْلَمُ لها مالِكٌ، فعلى رِوايتَين.
إنْ كان المَواتُ لم يَجْرِ عليه مِلْكٌ لأحَدٍ، ولم يُوجَدْ فيه أثَرُ عِمارَةٍ، مُلِكَ بالإحْياءِ، بلا خِلافٍ، ونصَّ عليه مِرارًا.
وإنْ عُلِمَ له مالِكٌ بشِراءٍ أو عَطِيَّةٍ، والمالِكُ مَوْجودٌ، هو أو أحَدٌ مِن ورَثَتِه، لم يُمْلَكْ بالإحْياءِ، بلا خِلافٍ، بل هو إجْماعٌ.
حَكاه ابنُ عبدِ البَرِّ وغيرُه.
وإنْ كان قد مُلِكَ بالإحْياءِ، ثم تُرِكَ حتى دَثَر وعادَ مَواتًا، فهذا أيضًا لا يُمْلَكُ بالإحْياءِ كذلك، إذا كان لمَعْصُومٍ.
وإنْ عُلِمَ مِلْكُه لمُعَيَّنٍ غيرِ مَعْصومٍ، فإذا أحْياه بدارِ الحَرْبِ وانْدَرَسَ، كان كمَواتٍ أصْلِيٍّ، يمْلِكُه المُسْلِمُ بالإِحْياءِ.
قاله في «المُحَرَّرِ».
وقدَّمه الحارِثِيُّ.
وقال القاضي، وابنُ
..................................
عَقِيلٍ، وأبو الفَرَجِ الشِّيرازِيُّ: لا يُمْلَكُ بالإحْياءِ.
قال الحارِثِيُّ: ويقْتَضِيه مُطْلَقُ نُصوصِه.
وإنْ كان لا يُعْلَمُ له مالِكٌ، فهو أرْبعَةُ أقْسام؛ أحدُها، ما أثَرُ المِلْكِ فيه غيرُ جاهِلِيٍّ كالقُرَى الخَرِبَةِ، التي ذهَبَتْ أنْهارُها، ودرَسَتْ آثارُها، وقد شَمِلَها كلامُ المُصنِّفِ، ففي مِلْكِها بالإحْياءِ رِوايَتان، وأطْلَقَهما الحارِثِيُّ وغيرُه؛ إحْداهما، لا تُمْلَكُ بالإحْياءِ.
والرِّوايةُ الثَّانيةُ، تُمْلَكُ بالإحْياءِ.
وصحَّحه في «الحاوي الصَّغِيرِ»، و «الفائقِ»، و «النَّظْم»، وأطْلَقُوا.
والصَّحيحُ مِنَ المذهبِ التَّفْرِقَةُ بينَ دارِ الحَرْبِ والإسْلامِ، كما يَأْتِي قريبًا.
..................................
تنبيه: لفْظُ المُصَنِّفِ وغيرِه، يقْتَضِي تعْمِيمَ الخِلافِ في المُنْدَرِسِ بدارِ الإسْلامِ وبدارِ الحَرْبِ، وقد صرح به في كلٌّ منهما؛ القاضي، وابنُ عَقِيلٍ، والقاضي أبو الحُسَينِ، وأبو الفَرَجِ الشِّيرازِيُّ، والمُصَنِّفُ في «المُغْنِي»، والشَّارِحُ، وغيرُهم.
قال الحارِثِيُّ: وبالجُمْلَةِ، فالصَّحيحُ المَنْعُ في دارِ الإسْلامِ.
وكذا قال الأصحابُ.
بخِلافِ دارِ الحَرْبِ، فإن الأصحَّ فيه الجَوازُ.
ولم يذْكُرِ ابنُ عَقِيلٍ في «التَّذْكِرَةِ» سِواه.
قال في «الرِّعايتَين»: وتُمْلَكُ بالإحْياءِ، على
..................................
الأصحِّ، قَريَةٌ خَرابٌ، لم يمْلِكْها معْصومٌ.
وإذا قيلَ بالمَنْعِ في دارِ الإسْلامِ، كان للإِمامِ إقْطاعُه.
قاله الأصحابُ؛ القاضي في «الأحْكامِ السُّلْطانِيَّةِ»، وصاحِبُ «المُسْتَوْعِبِ»، و «التَّلْخيصِ»، وغيرُهم.
القِسْمُ الثَّاني، ما أثَرُ المِلْكِ فيه جاهِلِيٌّ قديمٌ؛ كدِيارِ عادٍ، ومَسكِنِ ثَمودَ، وآثارِ الرُّومِ، وقد شَمِلَها أيضًا كلامُ المُصَنِّفِ، وكذا كلامُ القاضي، وابنِ عَقِيلٍ، وغيرِهم مِنَ الأصحابِ.
ولم يذْكُرِ القاضي في «الأحْكامِ السُّلْطانِيَّةِ» خلافًا في جَوازِ إحْيائِه، وكذلك المُصَنِّفُ في «المُغنِي».
وهو الصَّحيحُ مِنَ المذهبِ، وهي طريقة صاحِبِ «المُحَرَّرِ»، و «الوَجيزِ»، وغيرِهما.
قال الحارِثِيُّ: وهو الحقُّ، والصَّحيحُ
..................................
مِنَ المذهبِ؛ فإنَّ أحمدَ وأصحابَه لا يخْتَلِفُ قوْلُهم في البِئْرِ العادِيَةِ، وهو نصٌّ منه في خُصوصِ النَّوْعِ.
وصحَّح المِلْكَ فيه بالإحْياءِ صاحِبُ «التَّلْخيصِ»، و «الفائقِ»، و «الشَّرْحِ»، و «الفُروعِ»، و «التَّصْحيح»، وغيرُهم.
القِسْمُ الثَّالثُ، ما لا أثرَ فيه، جاهِلِيٌّ قريبٌ، وقد شَمِلَه كلامُ المُصَنِّفِ، والصَّحيحُ مِنَ المذهبِ، أنَّه يُمْلَكُ بالإحْياءِ.
قاله الحارِثِيُّ وغيرُه.
والرِّوايَةُ الثَّانيةُ، لا يُمْلَكُ.
القِسْمُ الرَّابعُ، ما ترَدد في جَرَيانِ المِلْكِ عليه، وفيه رِوايَتان، ذكَرَهما ابنُ عَقِيلٍ في «التَّذْكِرَةِ»، والسَّامَرِّيُّ، وصاحِبُ «التَّلْخيصِ»، وغيرُهم.
وقالوا: الأصحُّ الجَوازُ.
والرِّوايةُ الثانيةُ، عدَمُ الجَوازِ.
فائدتان؛ إحْداهما، لو مَلَكَها مَن له حُرْمَةٌ، أو مَن يُشَكُّ فيه ولم يُعْلَمْ، لم يَمْلِكْ بالإحْياءِ.
على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ؛ لأنَّها فَىْءٌ.
قال الزَّرْكَشِيُّ: وهو المَشْهورُ عنه، وهو مُقْتَضَى كلامِ الخِرَقِيِّ، واخْتِيارُ أبي بَكْرٍ، والقاضي، وعامَّةِ أصْحابِه؛ كالشَّرِيفِ، وأبي الخَطَّابِ، والشِّيرازِيِّ.
انتهى.
وصحَّحه في «التَّصْحيح» وغيرِه.
وقدَّمه في «الفُروعِ» وغيرِه.
وعنه، تُمْلَكُ بالإحْياءِ.
وَمَنْ أحْيَا أَرْضًا مَيتَةً فَهِيَ لَهُ، مُسْلِمًا كَانَ أو كَافِرًا، في دَارِ الإسْلَامِ وَغَيرِهَا.
قال في «الفائقِ»: ملَكَ في أظْهَرِ الرِّواياتِ.
وعنه، تُمْلَكُ مع الشَّكِّ في سابقِ العِصْمَةِ.
اخْتارَه جماعَةٌ.
قاله في «الفُروعِ»، منهم؛ صاحِبُ «التَّلْخيصِ».
وأطْلَقهُنَّ في «الرِّعايتَين»، و «الحاوي الصغِيرِ»، و «النَّظْمِ».
الثَّانيةُ، لو عُلِم مالِكُها، ولكِنه ماتَ ولم يُعْقِبْ، فالصَّحيحُ مِنَ المذهبِ، أنَّها لا تُمْلَكُ بالإِحْياءِ.
[وعنه، تُمْلَكُ بالإِحْياءِ] 1. وأطلَقَهما في «الهِدايَةِ»، و «المُذْهَبِ»، و «الخُلاصَةِ».
فعلى المذهبِ، للإِمامِ إقْطاعُه مَن شاءَ.
قوله: ومَن أحْيا أرْضًا مَيتَةً، فهي له، مُسْلِمًا كان أو كافِرًا، بإذْنِ الإمام أو غيرِ إذْنِه، في دارِ الإِسْلامِ وغيرِها، إلَّا ما أحْياه مُسْلِمٌ في أرْضِ الكُفارِ التي صُولِحُوا عليها، وما قَرُبَ مِنَ العامِرِ، وتَعَلَّقَ بمَصالِحِه، لم يُمْلَكْ بالإحْياء.
ذكَر المُصَنِّفُ هنا مَسائلَ؛ إحْداها، ما أحْياه المُسْلِمُ مِنَ الأرْضِ المَيتَةِ، فلا خِلافَ في أنَّه يَمْلِكُه
..................................
بشُروطِه الآتيةِ.
الثَّانيةُ، ما أحْياه الكُفَّارُ، وهم صِنْفان؛ صِنْفٌ أهْلُ ذِمَّةٍ، فيَمْلِكُون ما أحْيَوْه.
على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ، نصَّ عليه.
وجزَم به في «الوَجيزِ» وغيرِه.
وصحَّحَه في «الخُلاصَةِ» وغيرِها.
قال الزَّرْكَشِيُّ: هو المَنْصوصُ، وعليه الجُمهورُ.
وقدَّمه في «الهِدايَةِ»، و «المُذْهَبِ»، و «المُسْتَوْعِبِ»، و «المُغْنِي»، و «المُحَرَّرِ»، و «الرِّعايتَين»، و «الحاوي الصغِيرِ»، و «الشَّرْحِ»، و «الفُروعِ»، و «الفائقِ»، و «شَرْح الحَارِثِيِّ»، وغيرِهم.
وقيل: لا يَمْلِكُه.
وهو ظاهِرُ قولِ ابنِ حامِدٍ، لكِنْ حَمل أبو الخَطَّابِ في «الهِدايَةِ»، ومَن تَبِعَه، ذلك على دارِ الإسْلام.
قال الحارِثِيُّ: وذهَب فريقٌ مِنَ الأصحابِ إلى المَنْعِ، منهم ابنُ حامِدٍ، [أَخْذًا مِنِ امْتِناعِ شُفْعَتِه على المُسْلِمِ، ورُدَّ، وفرَّقَ الأصحابُ بينَهما.
وقيل: لا يمْلِكُه بالإحْياءِ في دارِ الإسْلامِ.
قال القاضي: هو مذهبُ جماعَةٍ مِنَ الأصحابِ، منهم ابنُ حامِدٍ] 1. قال في «المُذْهَبِ»، و «مَسْبوكِ الذَّهبِ»: يَمْلِكُه الذِّمِّيُّ في دارِ الشِّرْكِ، وفي دارِ الإسْلامِ وَجْهان.
فعلى المذهبِ المنْصوصِ، إنْ أحْيا عَنْوةً، لَزِمَه عنه الخَراجُ، وإنْ أحْيا غيرَه، فلا شيءَ عليه.
على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ.
قال الزَّرْكَشِيُّ: هذا
..................................
أشْهَرُ الرِّوايتَين.
وعنه، عليه عُشْرُ ثَمَرِه وزَرْعِه.
والصِّنْفُ الثَّاني، أهْلُ حَرْبٍ، فظاهِرُ كلامِ المُصَنِّفِ، أنَّهم كأَهْلِ الذِّمَّةِ في ذلك.
وهو ظاهرُ كلامِ جماعَةٍ، مِنهم صاحِبُ «الوَجيزِ»، وهو أحدُ الوَجْهَين.
والصَّحيحُ مِنَ المذهبِ، أنَّه لا يَمْلِكُه بالإحْياءِ، وهو ظاهرُ كلامِه في «المُغْنِي»، و «الشَّرْحِ»، و «الرِّعايتَين»، وغيرهم.
وقدَّمه في «الفُروعِ».
قلتُ 1: ويُمْكِنُ حَمْلُ كلامِ مَن أطْلَقَ على أهْلِ الذِّمَّةِ، وأن الألِفَ واللَّامَ للعَهْدِ؛ لأنَّ الأحْكامَ جارِيَةٌ عليهم.
لكِنْ يرَدُ على ذلك، كَوْنُ المَسْأَلةِ ذاتَ خِلافٍ، فيكونُ الظَّاهِرُ مُوافِقًا لأحَدِ القَوْلَين.
ويَرُدُّه كَوْنُ المُصَنِّفِ لم يَحْكِ في كُتُبِه خِلافًا.
قال الحارِثِيُّ: والكافِرُ، على إطْلاقِه، صحيحٌ في أراضِي الكُفَّارِ؛ لعُمومِ الأدِلَّةِ.
وهذا
..................................
الصَّوابُ.
الثَّالثةُ، إنْ كان الإحْياءُ بإذْنِ الإمامِ، فلا خِلافَ أنَّه يَمْلِكُه بذلك، وإنْ كان بغيرِ إذْنِه، ملَكَه أيضًا.
على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ.
كما جزَم به المُصَنِّفُ هنا، فلا يُشْتَرطُ إذْنُه في ذلك، وعليه جماهيرُ الأصحابِ.
قال الزَّرْكَشِيُّ: عليه الأصحابُ.
ونصَّ عليه، وجزَم به في «الوَجيزِ» وغيرِه، وقدَّمه في «الفُروعِ» وغيرِه.
وقيل: لا يَمْلِكُه إلَّا بإذْنِه.
وهو وَجْهٌ في «المُبْهِجِ»، وروايَةً في «الإقْناعِ»، و «الواضِحِ».
الرَّابعةُ، ما أحْياه المُسْلِمُ مِن أرْضِ الكُفَّارِ التي صُولِحُوا عليها على أنَّها لهم، فهذه لا تُمْلَكُ بالإحْياءِ.
على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ، كما قطَع به المُصَنِّفُ هنا، وعليه الأصحابُ.
وفيه احْتِمالٌ، أنَّها تُمْلَكُ بالإحْياءِ كغيرِها.
الخامسةُ، ما قَرُبَ مِنَ العامِرِ، وتعَلَّقَ بمَصالحِه، كطُرُتِه وفِنائِه، ومَسِيلِ مائِه، ومَطْرَحِ قِمامَتِه، ومَلْقَى تُرابِه، وآلاتِه، ومَرْعاه، ومُحْتَطَبِه، وحَرِيمِ البِئْرِ والنَّهْرِ، ومُرْتَكضِ الخَيلِ، ومَدْفَنِ الأمْواتِ، ومُناخِ الإبلِ، ونحوها، فهذا لا يُمْلَكُ بالإحْياء.
وعليه الأصحابُ، ونصَّ عليه مِن روايةِ غيرِ واحدٍ، ولا يُقْطِعُه الإمامُ؛ لتعَلُّقِ حقِّه به.
وقيل: لمِلْكِه له.
تنبيه: ظاهِرُ قَوْلِ المُصَنِّفِ: في دارِ الإسْلامِ وغيرِها.
أنَّ مَواتَ أرْضِ العَنْوَةِ كغيرِه.
وهو صحيحٌ، وهو المذهبُ.
جزَم به في «المُسْتَوْعِبِ».
وقدَّمه في
..................................
«المُغْنِي»، و «المُحَرَّرِ» 1، و «الشرْحِ»، و «الفُروعِ»، و «الرِّعايتَين»، و «الحاوي الصَّغِيرِ»، وغيرِهم.
واخْتارَه ابنُ عَبْدُوسٍ في «تَذْكِرَتِه».
قال الحارِثِيُّ: وهو أَقْوَى.
وعنه، لا تُمْلَكُ بالإحْياءِ، لكِنْ تُقَرُّ بيَدِه بخَراجِه 2، كما لو أحْياه 3 ذِمِّيٌّ.
قال الحارِثِيُّ: وهو المذهبُ عندَ ابنِ أبِي مُوسى، وأبي الفَرَجِ الشِّيرازِيِّ.
قال أبو بَكْرٍ في «زادِ المُسافِرِ»: وبه أقولُ.
انتهى.
وعنه، إنْ أحْياه مُسْلِمٌ، فعليه عُشْرُ ثَمَرِه وزَرْعِه.
وعنه، على ذِمِّيٍّ أحْيَا غيرَ عَنْوَةٍ عُشْرُ ثَمَرهِ وزَرْعِه.
وقيل: لا مَواتَ في أرْضِ السَّوادِ.
وحمَلَه القاضي على عامِرِه.
قال في «الرِّعايَةِ الكُبْرَى»: وقيل: لا مَواتَ في عامِرِ السَّوادِ.
وقيل: ولا غامِرِه.
فائدة: هل يَمْلِكُ المُسْلِمُ مَواتَ الحَرَمِ وعَرَفاتٍ بإحْيائِه؟ يَحْتَمِلُ وَجْهَين.
وأطْلَقَهما في «التَّلْخيصِ»، و «الرِّعايَةِ»، و «الفُروعِ».
قلتُ: الأوْلَى أنَّه لا يَمْلِكُ ذلك بالإِحْياءِ، ثم وَجَدْتُ الحارِثِيَّ قال: هذا الحقُّ.
بإِذْنِ الإِمَام أوْ غَيرِ إذْنِهِ إلا مَا أحْيَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ أرْضِ الْكُفَّارِ الَّتِي صُولِحُوا عَلَيهَا.
..................................