..................................
جَوانِبِ الطُّرُقِ الواسِعَةِ؛ كبَيعِ مأْكُولٍ، ونحوه، لامْتِناعِ الخِلافِ فيه؛ لأنَّه جلَس فيما يسْتَحِقُّه بالاخْتِصاصِ، فهو كالجُلُوسِ في مِلْكِه، مِن غيرِ فَرْقٍ.
وقد حكَى القاضي الجَزْمَ بنَفْي الضَّمانِ في المَسأَلَةِ، في الطَّريقِ الواسِعِ.
وهذا التَّقْيِيدُ حَكاه بعضُ شُيوخِنا في كُتُبِه عن بعضِ الأصحابِ، ولا بُدَّ منه، لكِنَّه يقْتَضِي اخْتصِاصَ الخِلافِ بالمَسْجِدِ دُونَ الطَّريقِ؛ لأنَّ الجُلُوسَ بالطَّريقِ الواسِعَةِ؛ إمَّا مُباحٌ, كما ذكَرْنا، فلا ضَمانَ بحالٍ.
وإمَّا غيرُ مُباحٍ، كالجُلُوسِ وَسْطَ الجادَّةِ، فالضَّمانُ واجِبٌ، ولابُدَّ.
انتهى كلامُ الحارِثِيِّ.
فائدة: حُكْمُ الاضْطِجاعِ في المَسْجِدِ، والطَّريقِ الواسِعَةِ، حُكْمُ الجُلُوسِ فيهما، على ما تقدَّم.
وأمَّا القِيامُ، فلا ضمانَ به بحالٍ؛ لأنَّه مِن مَرافِقِ الطُّرُقِ، كالمُرورِ.
تنبيه: مَفْهومُ كلامِه، أنَّه لو جلَس في طَريقٍ ضَيِّقَةٍ، أنَّه يضْمَنُ.
وهو كذلك، ويأْتِي في كلامِ المُصَنِّفِ، في أوائلِ كتابِ الدِّياتِ، في مَسْألَةِ الاصْطِدامَ.
وَإِنْ أَخْرَجَ جَنَاحًا أَوْ مِيزَابًا إِلَى الطَّرِيقِ، فَسَقَطَ عَلَى شَيْءٍ أَتْلَفَهُ، ضَمِنَ.
قوله: وإنْ أَخْرَجَ جَناحًا، أو مِيزابًا إلى الطَّرِيقِ -قال في «الرِّعايةِ»: نافِذًا أو غيرَ نافِذٍ، يعْنِي، بغيرِ إذْنِ أهْلِه- فسَقَط على شَيءٍ فأتْلَفَه، ضَمِنَ.
وهذا قاله أكثرُ الأصحابِ.
وتقدَّم الكلامُ في ذلك مُحَرَّرًا، في بابِ الصُّلْحِ، عندَ قوْلِه: ولا يَجُوزُ أنْ يشْرَعَ إلى طَريقٍ نافِذ جَناحًا.
قال في «الفُروعِ»: ولو بعدَ بَيعٍ، وقد طُولِبَ بنَقْضِه، لحُصُولِه 1 بفِعْلِه.
انتهى.
..................................
وقاله القاضي وغيرُه.
وقال في «الرِّعايةِ»، بعدَ أنْ ذكَر الأوَّلَ: ولا يضمَنُ ما تَلِفَ بما يُباحُ؛ مِن جَناحٍ، وساباطٍ، ومِيزاب.
فعُلِمَ من ذلك، أنَّ مُرادَ المُصَنِّفِ وغيرِه ممَّن أطْلَقَ، إذا كان ذلك لا يُباحُ فِعْلُه.
وقد صرَّح بذلك المُصَنِّفُ، والشَّارِحُ، في إخْراجِ الجَناحِ في غيرِ الدَّرْبِ النَّافِذِ بإذْنِ أهْلِه، أنَّه لا يضْمَنُ.
قال الحارِثِيُّ: ومَبْنَى هذا الأصْلِ، أنَّ الإِخْراجَ؛ هل يُباحُ، أم لا؟
وَإِنْ مَال حَائِطُهُ، فَلَمْ يَهْدِمْهُ حَتَّى أَتْلَفَ شَيئًا، لَمْ يَضْمَنْهُ، نَصَّ عَلَيهِ.
وَأَوْمَأَ في مَوْضِعٍ، أَنَّهُ إِنْ تُقُدِّمَ إِلَيهِ بِنَقْضِهِ وَأُشْهِدَ عَلَيهِ، فَلَمْ يَفْعَلْ، ضَمِنَ.
قوله: وإن مال حائطُه فلم يَهْدِمْه حتى أَتْلَفَ شيئًا، لم يَضْمَنْه، نصَّ عليه.
وهو المذهبُ.
قال الحارِثِيُّ في «شَرْحِه»: والذي عليه مُتَأَخِّرُو الأصحابِ؛ القاضي ومَن بعدَه، أنَّ الأصحَّ مِنَ المذهبِ عدَمُ الضَّمانِ.
قال: وأصْلُ ذلك قوْلُ القاضي في «المُجَرَّدِ»: المَنْصوصُ عنه في رِوايَةِ ابنِ مَنْصُورٍ، لا ضَمانَ عليه؛ سواءٌ طُولِبَ بنَقْضِه، أو لم يُطالبْ.
انتهى.
وجزَم به في «الوَجيزِ»، و «المُنَوِّرِ».
وصحَّحه النَّاظِمُ.
وقدَّمه في «المُحَرَّرِ»، و «المُغْنِي»، و «الشَّرْحِ»، و «الفُروعِ»، و «شَرْحِ ابنِ مُنَجَّى»، و «الرِّعايةِ الصُّغْرى»، و «الحاوي الصَّغِيرِ».
وأوْمَأَ في مَوْضِعٍ، أنَّه إنْ تُقُدِّمَ إليه بنَقْصه، وأُشْهِدَ عليه، فلم يَفْعَلْ، ضَمِنَ.
وهذا الإِيماءُ ذكَرَه ابنُ بخْتانَ، وابنُ هانِئٍ، ونصَّ على
..................................
ذلك، في رِوايَةِ إسْحاقَ بنِ مَنْصُورٍ.
ذكَرَه أبو بَكْرٍ في «زادِ المُسافِرِ».
قال الحارِثِيُّ: وهذه الرِّوايَةُ هي المذهبُ.
ولم يُورِدِ ابنُ أبِي مُوسى سِواها، وكذلك قال في «رُءوسِ المَسائلِ»، وهو مِن كُتُبِه القَديمَةِ.
وذكَر أبو الخَطَّابِ، والقاضي أبو الحُسَينِ، وابنُ بَكْروسٍ، وغيرُهم، أنَّه اخْتِيارُ طائفَةٍ مِنَ الأصحابِ.
قال في «الفُروعِ»: وعنه، إنْ طالبَه مُسْتَحِقٌّ بنَقْضِه، فأبَى مع إمْكانِه، ضَمِنَه.
اخْتارَه جماعَةٌ.
وقدَّمه في «النَّظْمِ».
قال المُصَنِّفُ، والشَّارِحُ: وأمَّا إنْ طُولِبَ بنَقْضه، فلم يَفْعَلْ، فقد توَقَّفَ أحمدُ عنِ الجَوابِ فيها.
وقال أصحابُنا: يضْمَنُ.
وقد أوْمَأَ إليه أحمدُ، والتَّفْرِيعُ عليه.
وأطْلَقَهما في «الرِّعايةِ الكُبْرى».
وقيل: يضْمَنُ مُطْلَقًا.
وخرَّجه أبو الخَطَّابِ، والمَجْدُ،
..................................
وَجْهًا.
قال الشَّارِحُ: ذكَر بعضُ أصحابِنا وَجْهًا بالضَّمانِ مُطْلَقًا.
انتهى.
وهذا اخْتارَه ابنُ عَقِيلٍ.
قال الحارِثِيُّ: وهو الأقْوَى.
وتقدَّم التَّنْبِيهُ على بعضِ ذلك، في أواخِرِ بابِ الصُّلْحَ.
تنبيه: محَلُّ الخِلافِ، إذا عَلِمَ بمَيَلانِه، على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ.
قدَّمه في «الفُروعِ».
ولم يذْكُرْ في «التَّرْغِيب» العِلْمَ بمَيَلانِه.
وهو ظاهرُ كلامِ المُصَنِّفِ هنا، وجماعَةٍ.
فوائد؛ إحْداها، كيفِيَّةُ الإِشْهادِ: اشْهَدُوا أَنِّي طالبْتُه بنَقضِه.
أو: تقَدَّمتُ إليه بنَقْضِه.
ذكَرَه ابنُ عَقِيلٍ، وذكَر القاضي بعضَه، وكذلك كلُّ لَفْظٍ أدَّى
..................................
إليه.
ثم المَيلُ إلى السَّابلَةِ فيَسْتَقِلُّ بها الإِمامُ، ومَن قامَ مَقامَه، وكذا الواحِدُ مِنَ الرعِيَّةِ؛ مُسْلِمًا كان أوَ ذِمِّيًّا.
ولو كان إلى دَرْبٍ مُشْتَركٍ، فكذلك يسْتَقِلُّ به الواحِدُ مِن أهْلِه.
ذكَرَه القاضي، وابنُ عَقِيلٍ، والمُصَنِّفُ، وغيرُهم.
وإنْ كانَ إلى دارِ مالكٍ مُعَيَّنٍ، اسْتَقَلَّ به.
وإنْ كانَ ساكِنُها الغيرَ، فكالمالِكِ.
وإنْ كانَ السَّاكِنُ جماعَةً، اسْتَقَلَّ به أحدُهم.
وإنْ كانَ غاصِبًا، لم يَمْلِكْه، وما تَلِفَ له، فغيرُ مَضْمُونٍ.
الثَّانيةُ، لو سقَطَ الجِدارُ مِن غيرِ مَيَلانٍ، لم يضْمَنْ ما توَلَّدَ منه، بلا خِلافٍ.
وإنْ بَناه مائِلًا إلى مِلْكِ الغيرِ بإذْنِه، أو إلى مِلْكِ نَفْسِه، أو مال إليه بعدَ البِناءِ، لم يضْمَنْ.
وإنْ بَناه مائِلًا إلى الطرَّيقِ، أو إلى مِلْكِ الغيرِ بغيرِ إذْنِه، ضَمِنَ.
قال المُصَنِّفُ: لا أعْلَمُ فيه خِلافًا.
ومَسْألَةُ المُصَنِّفِ، بَناه مُسْتَويًا، ثم مال.
..................................
الثَّالثةُ، لا أثَرَ لمُطالبَةِ مُسْتَأْجِرِ الدَّارِ، ومُسْتَعِيرِها، ومُسْتَوْدِعِها، ومُرْتَهِنِها، ولا ضَمانَ عليهم، فلو طُولِبَ المالِكُ في هذه الحالِ؛ فإنْ لم يُمْكِنْه اسْتِرْجاعُها، أو نَقْضُ الحائطِ، فلا ضَمانَ، وإنْ أمْكَنَه؛ كالمُعيرِ، والمُودِعِ، والرَّاهِنِ، إذا أمْكَنَه فِكاكُ الرَّهْنِ، ولم يَفْعَلْ، ضَمِنَ.
ذكَرَه القاضي، وابنُ عَقِيلٍ، والمُصَنِّفُ، وغيرُهم.
وإنْ حُجِرَ على المالِكِ؛ لسَفَهٍ، أو صِغَرٍ، أو جُنونٍ، فطُولِبَ، لم يضْمَنْ، وإنْ طولِبَ وَلِيُّه، أو وَصِيُّه، فلم يَنْقُضْه، ضَمِنَ المالِكُ.
قاله القاضي في «المُجَرَّدِ»، والمُصَنِّف في «المُغْنِي»، والشَّارِحُ، والحارِثِيُّ، وغيرُهم.
قال في «الفُروعِ»: ولا يضْمَنُ وَلِيٌّ فَرَّطَ، بل مُوَلِّيه، ذكَرَه في «المُنْتَخَبِ»، ويتَوجَّهُ عكْسُه.
وكأنَّه لم يطَّلِعْ على كلامِ المُصَنِّفِ، والشَّارِحِ، والحارِثِيِّ.
[وقال ابنُ عَقِيل: الضَّمان على الوَلِيِّ.
قال الحارِثِيُّ] 1: وهو الحَقُّ؛ لوُجودِ التَّفْريطِ، وهو التَّوجِيهُ الذي ذكَرَه في «الفُروعِ».
الرَّابعةُ، لو كان المَيَلانُ إلى مِلْكِ مالِكٍ مُعَيَّنٍ؛ إمَّا واحدٍ أو
..................................
جماعةٍ، فأمْهَلَه المالِكُ، أو أبْرَأَه، جازَ، ولا ضَمانَ.
وإنْ أمْهَلَه ساكِنُ المِلْكِ، أو أبْرَأَه، فكذلك.
ذكَرَه القاضي، والمُصَنِّفُ، والشَّارِحُ.
وقدَّمه الحارِثِيُّ.
وقال ابنُ عَقِيلٍ: لا يسْقُطُ، ولا يتَأَجَّلُ، إلَّا أنْ يجْتَمِعا، أعْنِي السَّاكِنَ والمالِكَ.
قال الحارِثِيُّ: والذي قاله: أنَّه لا يَبْرَأُ بالنِّسْبَةِ إلى المُبْرِئ.
فليس كما قال؛ لأنَّ مَن
..................................
ملَكَ حَقًّا، ملك إسْقاطَه، وإنْ كان بالنِّسْبَةِ إلى مَن لم يَبرَأْ، فنَعم، وذلك على سَبيلِ التَّفْصِيلِ لا يقْبَلُ خِلافًا.
وإنْ كان المَيَلانُ إلى دَرْبٍ لا ينْفُذُ، أو إلى سابِلَةٍ، فأبْرأه البعضُ، أو أمْهَلَه، بَرِئ، بالنِّسْبَةِ إلى المُبْرِيء، أو المُمْهِلِ.
الخامسةُ، لو كان المِلْكُ مُشْتَرَكًا، فطُولِبَ أحدُهم بنَقْضِه، فقال المُصنِّفُ، والشَّارِحُ: احْتَمَلَ وَجْهَين.
وأطْلَقهما في «الفُروعِ»؛ أحدُهما، لا يَلْزَمُه شيءٌ.
والثَّاني، يَلْزَمُه بحِصَّتِه.
وهو ظاهرُ ما جزَم به النَّاظِمُ.
السَّادسةُ، لو باعَ الجِدارَ مائِلًا بعدَ التَّقَدُّمِ إليه، فقال القاضي في «المُجَرَّدِ»، والمُصَنِّفُ، والشَّارِحُ، والسَّامَرِّيُّ في «فُروقِه»: لا ضَمانَ عليه؛ لزوالِ التَّمَكنِ مِنَ الهَدْمِ حالةَ السُّقُوطِ.
قال المُصَنِّفُ: ولا على المُشْتَرِي؛ لانْتِفاءِ التَّقَدُّمِ إليه.
وكذا الحُكْمُ لو وهَبَه وأقْبضَه.
وإنْ قُلْنا بلُزومِ الهِبَةِ، زال الضَّمانُ عنه بمُجَرَّدِ العَقْدِ.
انتهى.
وقال ابنُ
..................................
عَقِيلٍ في «الفُصولِ»: إنْ باعَه فِرارًا، لم يسْقُطِ الضَمانُ؛ لأنَّ الحِيَلَ لا تُسْقِطُ الحُقوقَ بعدَ وُجوبِها.
انتهى.
وقال الحارِثِيُّ: والأوْلَى، إنْ شاءَ الله، وجُوبُ الضَّمانِ عليه مُطْلَقًا.
وقال ابنُ عَقِيلٍ، بعدَ كلامِه المُتَقدِّمِ: وكذا لو باعَ فَخًّا أو شبَكَةً مَنْصُوبَين، فوَقَعَ فيهما صَيدٌ في الحَرَمِ، أو مَمْلُوكٌ للغيرِ، لم يسْقُطْ عنه ضَمانُه.
قال ابنُ رَجَبٍ: والظَّاهِرُ أنَّ القاضيَ لا يُخالِفُ في هذه الصُّورَةِ.
قاله في «القاعِدَةِ الرَّابِعَةِ والعِشْرِين».
وقال في «القاعِدَةِ التَّاسِعَةِ والثَّمانِين»: وهل يجِبُ الضَّمانُ على مَنِ انْتَقَلَ المِلْكُ إليه إذا اسْتَدامَه، أم لا؟ الأَظهَرُ وُجوبُه عليه، كمَنِ اشْتَرَى حائِطًا مائِلًا، فإنَّه يقُومُ مَقامَ البائعِ فيه، فإذا طُولِبَ بإزالتِه، فلم يفْعَلْ، ضَمِنَ على رِوايَةٍ.
انتهى.
السَّابعةُ، إذا تشَقَّقَ الحائِطُ طُولًا،، لم يُوجِبْ
وَمَا أَتْلَفَتِ الْبَهِيمَةُ، فَلَا ضَمَانَ عَلَى صَاحِبِهَا، إلا أنْ تَكُونَ فِي يَدِ إِنْسَانٍ؛ كَالرَّاكِبِ وَالسَّائِقِ وَالْقَائِدِ، فَيَضْمَنُ مَا جَنَت يَدُهَا أوْ فَمُهَا دُونَ مَا جَنتْ رِجْلُهَا.
نقْضَه، وحُكْمُه حُكْمُ الصَّحيحِ، وإنْ تشَقَّقَ عَرْضًا، فحُكْمُه حُكْمُ المائلِ، على ما تقدَّم.
قاله المُصَنِّفُ، والشَّارِحُ، والحارِثِيُّ، وصاحِبُ «الفُروعِ»، و «الفائقِ»، وغيرُهم.
قوله: وما أَتْلَفَتِ البَهِيمَةُ، فلا ضَمانَ على صاحِبِها.
وهذا المذهبُ بشَرْطِه الآتِي، وعليه الأصحابُ.
وجزَم به في «المُغْنِي»، و «الشَّرْحِ»، و «الفائقِ»، وغيرُهم مِنَ الأصحابِ، وسواءٌ كان التَّالِفُ صَيدَ حَرَم أو غيرَه.
قال في «الفُروعِ»: أطْلَقَه الأصحابُ.
قال: ويتَوَجَّهُ، إلَّا الضَّارِيَةَ، ولعَلَّه مُرادُهم.
وقد قال الشَّيخُ تَقِيُّ الدِّينِ، في مَن أمَرَ رَجُلًا بإمْساكِها: ضَمِنَه، إنْ لم يُعْلِمْه بها.
وقال في «الفُصولِ»: مَن أطْلَقَ كَلْبًا عَقُورًا، أو دابَّةً رَفُوسًا، أو
..................................
عَضُوضًا على النَّاسِ، وخَلَّاه في طُرُقِهم ومَصاطبِهم ورِحابِهم، فأَتْلَفَ مالًا، أو نَفَسًا، ضَمِنَ؛ لتَفْرِيطِه.
وكذا إنْ كانَ له طائرٌ جارِحٌ؛ كالصَّقْرِ والبازِيِّ، فأَفْسَدَ طُيورَ النَّاسِ وحَيواناتِهم.
انتهى.
قلتُ: وهو الصَّوابُ.
فائدة: قال في «الانْتِصارِ»: البَهِيمَةُ الصَّائِلَةُ يَلْزَمُ مالِكَها وغيرَه إتْلافُها.
وكذا قال في «عُيونِ المَسائلِ»: إذا عُرِفَتِ البهِيمَةُ بالصَّوْلِ، يجِبُ على مالِكِها قَتْلُها، وعلى الإِمامِ وغيرِه، إذا صالتْ على وَجْهِ المَعْروفِ، ومَن وجَب قَتْلُه على وَجْهِ المَعْروفِ، لم يُضْمَنْ، كمُرْتَدٍّ.
وتقدَّم إذا كانتِ البَهِيمَةُ مغْصُوبَةً، وأتْلَفَتْ، عندَ قوْلِه: وإنْ جنَى المَغْصُوبُ، فعليه أَرشُ جِنايَتِه.
قوله: إلَّا أنْ تَكُونَ في يَدِ إنْسانٍ؛ كالرَّاكِبِ، والسَّائِقِ، والقائدِ -يعْنِي، إذا كان قادِرًا على التَّصَرُّفِ فيها- فيَضْمَنَ ما جنَتْ يدُها أو فَمُها دُونَ ما جَنَتْ
..................................
رِجْلُها.
وهذا المذهبُ.
قال الحارِثِيُّ: هذا الصَّحيحُ مِنَ المذهبِ.
جزَم به في «الهِدايَةِ»، و «خِلافِه الصَّغِيرِ»، والشَّرِيفُ أبو جَعْفَر، وابنُ عَقِيلٍ في «التَّذْكِرَةِ»، و «المُذْهَبِ»، و «مَسْبوكِ الذَّهبِ»، و «المُسْتَوْعِبِ»، و «الخُلاصَةِ»، و «الوَجيزِ»، وغيرِهم.
وقدَّمه في «المُغْنِي»، و «الشَّرْحِ»، و «شَرْحِ الحارِثِيِّ»، و «الفُروعِ»، و «الفائقِ»، وغيرِهم، وعليه جماهيرُ الأصحابِ.
وعنه، يضْمَنُ السَّائقُ جِنايَةَ رِجْلِها.
قال القاضي، وابنُ عَقِيلٍ: وهي أصحُّ؛ لتَمَكُّنِ السَّائقِ مِن مُراعاةِ الرِّجْلِ، بخِلافِ الرَّاكِبِ والقائدِ.
وعنه، يضْمَنُ ما جنَت برِجْلِها؛ سواءٌ كان سائِقًا أو قائدًا، أو راكِبًا.
ذكَرَها في «المُغْنِي» وغيرِه.
قال الحارِثِيُّ: وأوْرَدَ في «المُغْنِي» هذا الخِلافَ مُطْلَقًا في القائدِ والسَّائقِ والرَّاكِبِ، والصَّوابُ ما حَكاه في «الكافِي» وغيرِه مِنَ التَّقْيِيدِ بالسَّائقِ؛ فإنَّه مأُخُوذ مِنَ القاضي، والقاضي إنَّما
..................................
ذكَرَه في السَّائقِ فقط.
انتهى.
قلتُ: هذا غيرُ مُؤثِّر فيما أوْرَدَه المُصَنِّفُ مِنَ الإِطْلاقِ؛ لأنَّ جماعَةً مِنَ الأصحابِ حَكَوا الرِّواياتِ الثَّلاثَ، والنَّاقِلُ مُقَدَّمٌ على النَّافِي.
وقال في «المُحَرَّرِ»: يضْمَنُ إذا كان معها راكِبٌ أو قائدٌ أو سائقٌ ما جنَتْ بيَدِها وفَمِها ووَطْءِ رِجْلِها، دُونَ نَفْحِها ابْتِداءً.
انتهى.
واخْتارَه ابنُ عَبْدُوس في «تَذْكِرَتِه».
وقال ابنُ البَنَّا: إنْ نفَحَتْ برِجْلِها، وهو يَسِيرُ عليها، فلا ضَمانَ، وإنْ كان سائقًا، ضَمِنَ ما جنَتْ برِجْلِها.
فوائد؛ منها، لو كبَحَها باللِّجامِ زِيادَةً على المُعْتادِ، أو ضرَبَها في الوَجْهِ، ضَمِنَ ما جنَتْ برِجْلِها أيضًا، ولو لمَصْلَحَةٍ.
قال الحارِثِيُّ: لا يخْتَلِفُ الأصحابُ في وُجوبِ الضَّمانِ وَطْئًا ونَفْحًا.
وظاهِرُ نَقْلِ ابنِ هانِئٍ في الوَطْءِ؛ لا يضْمَنُ.
[ونقَل أبو طالِبٍ، لا يضْمَنُ] 1 ما أصابَتْ برِجْلِها، أو نفَحَت بها؛ لأنَّه لا يَقْدِرُ على حَبْسِها.
وهو ظاهرُ كلامِ جماعَةٍ.
قاله في «الفُروعِ».
..................................
ومنها، لا يضْمَنُ ما جنَتْ بذَنَبِها.
على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ، كرِجْلِها.
قال في «الفُروعِ»: ولا ضَمانَ بذَنَبِها في الأصحَّ.
جزَم به في «التَّرْغِيبِ» وغيرِه، وجزَم به أيضًا في «الرعايتَين»، و «الحاوي الصَّغِيرِ»، و «الفائقِ»، وغيرِهم، مع ذِكْرِهم الخِلافَ في الرِّجْلِ.
وقيل: يضْمَنُ.
قال الحارِثِيُّ: والذَنَبُ كالرِّجْلِ، يَجْرِي فيه الخِلافُ في السَّائقِ، ولا يضْمَنُ به الرَّاكِبُ والقائدُ، كما لا يضْمَنُ بالرِّجْلِ، وجْهًا واحِدًا.
كذا أوْرَدَه في «الكافِي».
انتهى.
ومنها، لو كان السَّبَبُ مِن غيرِ السَّائقِ والقائدِ والرَّاكِبِ؛ مثْلَ أنْ نخَسَها أو نفَّرَها غيرُه، فالضَّمانُ على مَن فعَل ذلك.
جزَم به في «المُغْنِي»، و «الشَّرْحِ»، و «شَرْحِ الحارِثِيِّ»، و «الفُروعِ»، وغيرِهم.
ومنها، لو جنَى وَلَدُ الدَّابَّةِ، ضَمِنَ.
على الصَّحيحِ مِنَ المذهب، نصَ عليه.
واخْتارَه ابنُ أبِي مُوسى، والسَّامَرِّيُّ، وقطَعا به.
وقدَّمه في «الفُروعِ»، و «شَرْحِ الحارثِيِّ».
وقال الشَّيخُ تَقِيُّ الدِّينِ: يَضْمَنُ إنْ فرَّطَ؛ نحوَ أنْ يَعْرِفَه شَمُوصًا، وإلَّا فلا.
وقيل: لا يَضْمَنُ مُطْلَقًا.
واخْتارهَ المُصنِّفُ، والشَّارِحُ.
وقدَّمه في «الفائقِ»، ومنها، لو كان الرَّاكِبُ اثْنان، فالضَمانُ على الأوَّلِ، إلَّا أنْ يكونَ صَغِيرًا أو
..................................
مَرِيضًا، ونحوَهما، وكان الثَّانِي مُتَوَلِّيًا تَدْبِيرَها، فيَكونَ الضَّمانُ عليه.
وقال الحارثِيُّ: وإنِ اشْتَركا في [التَّصَرُّفِ، اشْتَرَكا في] 1 الضَّمانِ.
وإنْ كان مع الدَّابَّةِ سائق وقائدٌ، فالضَّمانُ عليهما، على المذهبِ، وعليه الأصحابُ.
قال الحارِثِيُّ: وعن بعضِ المالِكِيَّةِ، الضَّمانُ على القائدِ وحدَه.
قال: وهذا قَوْلٌ حَسَنٌ.
وإنْ كان معهما، أو مع أحَدِهما راكِبٌ، اشْتَرَكُوا في الضَّمانِ، على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ.
قدَّمه في «الفُروعِ».
وفيه وَجْهٌ آخَرُ، الضَّمانُ على الراكِبِ فقط.
وأطْلَقهما في «المُغْنِي»، و «الشَّرْحِ»، و «شَرْحِ الحارِثِيِّ»، و «الفائقِ».
وقيل: يضْمَنُ القائدُ فقط.
وهو احْتِمالٌ في «المُغْنِي».
ومنها، الإبِلُ والبِغالُ المُقْطَرَةُ كالبَهِيمَةِ الواحِدَةِ، على قائدِها الضَّمانُ، وإنْ كان معه سائقٌ، شارَكَه في ضَمانِ الأخِير منها دُونَ ما قبلَه.
هذا إذا كان في آخِرِها.
فإنْ كان في أوَّلِها، شارَكَ في الكُلِّ، وإنْ كان فيما عَدا الأوَّلَ، شارَكَ في ضَمانِ ما باشَرَ سَوْقَه، دُونَ ما قبلَه، وشارَكَ فيما بعدَه.
وإنِ انْفَرَدَ راكِبٌ بالقِطار، وكان على أوَّلِه، ضَمِنَ جِنايَةَ الجَميعِ.
قاله الحارِثِيُّ.
وقال المُصَنِّفُ في «المُغْنِي» 2، ومَن تَبعَه: المَقْطورُ على الجَمَلِ المَرْكوبِ، يضْمَنُ جِنايَتَه؛ لانَّه في حُكْمِ القائدِ له، فأَمَّا المَقْطورُ على الجَمَلِ الثَّانِي، فيَنْبَغِي أنْ لا تُضْمَنَ جِنايَتُه؛ لأنَّ الرَّاكِبَ الأوَّلَ لا يُمْكِنُه حِفْظُه عنِ الجِنايَةِ.
انتهى.
قال الحارِثِيُّ: وليس بالقَويِّ؛ فإنَّ ما بعدَ الراكبِ إنَّما يَسِيرُ بسَيرِه، ويَطَأُ بوَطْئِه، فأمْكَنَ حِفْظُه عنِ الجِنايَةِ، فضَمِنَ، كالمَقْطُورِ على ما تحتَه.
انتهى.
ومنها، لو انْفَلَتَتِ الدَّابةُ ممَّن هي في يَدِه، وأفْسدَتْ، فلا ضمانَ.
نصَّ عليه، فلو اسْتَقْبَلَها إنْسانٌ فرَدَّها، فقِياسُ قوْلِ
وَمَا أفْسَدَتْ مِنَ الزَّرْعِ وَالشَّجَرِ لَيلًا، وَلَا يَضْمَنُ مَا أفْسَدَتْ مِنْ ذَلِكَ نَهَارًا.
الأصحابِ الضمانُ.
قاله الحارثِي.
ومنها، لا فَرْقَ في الرِّاكبِ والسَّائقِ والقائدِ، بينَ المالِكِ، والأجِيرِ، والمُسْتَأجِرِ، والمُسْتَعيرِ، والمُوصَى إليه بالمَنْفَعةِ.
وعُمومُ نُصوصِ أحمدَ تقْتَضِيه.
قوله: وما أفْسَدَتْ مِنَ الزَّرْعِ والشجَرِ لَيلًا.
يعْنِي، يَضْمَنُه رَبُّها.
وهذا بلا نِزاعٍ.
لكِن ظاهِرَ كلامِ المُصَنفِ الضَّمانُ؛ سواءٌ انْفلَتَتْ باخْتِيارِه، أو بغيرِ اخْتِيارِه.
وهو رِوايَةٌ عن أحمدَ.
نقَلَها جماعَةٌ؛ منهم ابنُ مَنْصُورٍ، وابنُ هانِئ.
وقطَع به المُصَنِّفُ.
قال ابنُ مُنَجَّى في «شَرْحِه»: صرَّح به المُصَنِّفُ في «المُغْنِي»، وغيرُه مِنَ الأصحابِ.
انتهى.
وقدَّمه في «الفائقِ».
قال الزَّرْكَشِي: كذا قال جماعَةٌ مِنَ الأصحابِ؛ منهم القاضي في «الجامِعِ الصَّغِيرِ»، والشَّرِيفُ، وأبو الخَطَّابِ في «خِلافَيهما»، والشيرازِيُّ، وابنُ البَنَّا، وابنُ عَقِيلٍ في «التَّذْكِرَةِ»، وغيرُهم.
انتهى.
..................................
والصَّحيحُ مِنَ المذهبِ، أنَّه لا يَضْمَن إذا لم يُفَرِّطْ.
قدَّمه في «المُحَرَّرِ»، و «الفُروعِ»، وقال: جزَم به جماعَةٌ.
قال ابنُ مُنَجَّى: وكلامُه هنا مُشْعِرٌ به؛ لأنَّه عطَفَه على ضَمان ما جَنَتْ يَدُها أو فَمُها، بعدَ اشْتِراطِ كوْنِها في يَدِ إنْسانٍ مَوصوفٍ بما ذكَر.
انتهى.
قال الحارِثِي: إنَّما يَضْمَنُ إذا فرَّط، أمَّا إذا لمُ يُفَرِّطْ، فإنه لا يَضْمَنُ.
قاله القاضِيان؛ أبو يَعْلَى، وابنُه أبو الحُسَينِ، وابنُ عَقِيلٍ، والقاضي يَعْقُوبُ، والسَّامَرِّيُّ، والمُصَنِّفُ في «الكافِي»، وغيرُهم.
انتهى.
..................................
قال في «الفائقِ»: ولو كَسَرتِ البابَ، أو فتَحَتْه، فهَدَرٌ، ولو فتَحَه آدَمِيُّ، ضَمِنَ.
تنبيه: قوْلُه: وما أَفْسَدَتْ مِنَ الزَّرْعِ والشَّجَرِ ليلًا، يضمَنُه رْبُّها.
خصَّصَ الضَّمانَ بالأمْرَين.
وهكذا قال في «الشَّرْحِ»، و «النَّظْمِ»، وجماعَةٌ.
قال في «الفُروعِ»: جزَم به المُصَنِّفُ.
ولعَلَّه أرادَ في هذا الكِتابِ.
وذكَرَه أيضًا رِوايَةً عن أحمدَ.
وجزَم في «المُغْنِي»، و «الوَجيزِ»، أنَّه لا يضْمَنُ سِوَى الزَّرْعِ.
فقال في «المُغْنِي» 1: إنْ أتْلَفَتْ غيرَ الزَّرْعِ، لم يضْمَنْ مالِكُها؛ نَهارًا كان أو لَيلًا.
قال الحارِثِيُّ، وابنُ مُنَجَّى: ولم أجِدْه لأحَدٍ غيرَه.
انتهيا.
قلتُ: هو ظاهرُ كلامِ الخِرَقِيِّ؛ لاقْتِصارِه عليه.
والصَّحيحُ مِنَ المذهبِ، أنَّه يَضْمَنُ جميعَ
..................................
ما أتْلَفَتْه مُطْلَقًا.
قال الحارِثِيُّ: وكافةُ الأصحابِ على التَّعْميمِ لكُلِّ مالٍ، بل منهم مَن صرَّح بالتَّسْويَةِ بينَ الزَّرْعِ وغيرِه؛ منهم القاضي في «المُجَرَّدِ»، والسَّامَرِّيُّ في «المُسْتَوْعِبِ».
قال ابنُ مُنَجَّى في «شَرْحِه»: خصَّ المُصَنِّفُ الحُكْمَ بالزَّرْعِ والشَّجَرِ، وليس كذلك عندَ الأصحابِ.
انتهى.
وقدَّمه في «الفُروعِ»، وقال: نصَّ عليه، وجزَم به جماعةٌ.
انتهى.
وقدَّمه في «الفائقِ» أيضًا.
وقال في «الواضِحِ»: يضْمَنُ ما أتْلَفَتْ لَيلًا مِن سائرِ المالِ، بحيثُ لا يُنْسَبُ واضِعُه إلى تَفْرِيطٍ.
فائدة: لو ادَّعَى صاحِبُ الزَّرْعِ، أنَّ غَنَمَ فُلانٍ نفَشَتْ ليلًا، ووُجِدَ في الزَّرعِ أَثرُ غَنَمٍ، قُضِيَ بالضَّمانِ على صاحِبِ الغَنَمِ.
نصَّ عليه في رِوايَةِ ابنِ مَنْصُورٍ.
..................................
وجعَل الشَّيخُ تَقِي الدِّينِ هذا مِنَ القِيافَةِ في الأمْوالِ، وجعَلَها مُعْتَبرَةً كالقِيافَةِ في الأنْسابِ.
قاله في «القاعِدَةِ الثَّالِثَةَ عَشْرَةَ».
ويتَخَرَّجُ وَجْهٌ، لا يُكْتَفَى بذلك.
قلتُ: ومحَلُّ الخِلافِ إذا لم يكُنْ هناك غَنَمٌ لغيرِه.
قوله: ولا يَضْمَنُ ما أَفْسَدَتْ مِن ذلك نَهارًا.
ظاهِرُه؛ سواءٌ أرْسَلَها بقُرْبِ ما تُفْسِدُه عادَةً، أو لا.
وهو أحَدُ القَوْلَين، وهو ظاهرُ كلامِه في «الهِدايَةِ»، و «المُذْهَبِ»، و «الخُلاصَةِ»، وجماعةٍ.
وقدَّمه في «الفرُوعِ».
قال الحارِثِيُّ: وهو الحَقُّ، وهو ظاهرُ كلامِ الأكْثَرِين مِن أهْلِ المذهبِ، وصرَّح به المُصَنِّفُ في «المُغْنِي».
وقال القاضي، وجماعةٌ مِنَ الأصحابِ: لا يَضْمَنُ إلَّا أنْ يُرْسِلَها بقُرْبِ ما تُتْلِفُه عادَةً، فيَضْمَنَ.
وذكَرَه الحارِثِيُّ وغيرُه رِوايَةً.
وجزَم به في «المُحَرَّرِ»، و «النَّظْمِ»، و «الوَجيزِ»، و «الفائقِ»، و «الرِّعايتَين»، و «الحاوي الصَّغِيرِ»، و «الزَّرْكَشِيِّ».
قلتُ: وهو الصَّوابُ.
وقاله القاضي في مَوْضِعٍ.
نقَلَه الزَّرْكَشِيُّ.
..................................
فوائد؛ الأُولَى، قال الحارِثِي: لو جرَتْ عادَةُ بعضِ النَّواحِي برَبْطِها نَهارًا، وبإرْسالِها وحِفْظِ الزَّرْعِ لَيلًا، فالحُكْمُ كذلك؛ لأنَّ هذا نادِرٌ، فلا يُعْتَبَرُ به في التَّخْصيصِ.
الثَّانيةُ، إرْسالُ الغاصِبِ، ونحوه، مُوجبْ للضَّمانِ؛ نَهارًا كان أو لَيلًا، وإرْسالُ المُودَعِ كإرْسالِ المالِكِ في انْتِفاءِ الضَّمانِ.
قاله الحارِثِيُّ أيضًا، والمُسْتَعِيرُ، والمُسْتَأْجِرُ 1 كذلك.
ولو اسْتَأْجرَ أجِيرًا لحِفْظِ دَوابِّه، فأرْسَلَها نَهارًا، فكذلك، اللَّهُمَّ إلَّا أنْ يَشْتَرِطَ الكَفَّ عنِ الزَّرْعِ، فيَضْمَنَ، فهو كاشْتِراطِ المالِكِ على المُودَعِ ضبْطَها نَهارًا.
الثَّالثةُ، لو طردَ دابَّةً مِن مَزْرَعَتِه، لم يَضْمَنْ ما جنَتْ، إلَّا أنْ يُدْخِلَها مَزْرَعَةَ غيرِه، فيَضْمَنَ.
وإنِ اتَّصَلَتِ المَزارِعُ، صَبَرَ؛ ليَرْجِعَ على صاحِبِها.
ولو قَدَرَ أنْ يُخْرِجَها، ولهُ منْصَرَفٌ غيرَ المَزارِعِ فتَرَكَها، فهَدَرٌ.
الرَّابِعَةُ، الحَطَبُ الذي على الدَّابَّةِ، إذا خرَقَ ثَوْبَ آدَمِيٍّ بَصِير عاقل، يَجِدُ مُنْحَرَفًا، فهو هَدَرٌ.
كذا لو كانَ مُسْتَدْبِرًا، وصاحَ به مُنَبِّهًا له، وإلَّا ضَمِنَه فيهما.
ذكَرَه في «التَّرْغِيب»، واقْتَصرَ عليه في «الفُروعِ».
الخامسةُ، لو أرْسَلَ طائِرًا فأفْسَدَ، أو لقَط حَبًّا، فلا ضَمانَ.
قاله الحارِثِيُّ.
[وقيل: يضْمَنُ مُطْلَقًا.
وهو الصَّحيحُ.
صحَّحَه ابنُ مُفْلِح في «الآدابِ»، وضعَّف الأوَّلَ، وكذلك صحَّحه ابنُ القَيِّمِ في «الطُرُقِ الحُكْمِيَّةِ»، ولم يذْكُرْها في «الفُروعِ»] 2.
وَمَنْ صَال عَلَيهِ آدَمِيٌّ أَوْ غَيرُهُ، فَقَتَلَهُ دَفْعًا عَنْ نَفْسِهِ، لَمْ يَضْمَنْهُ.
قوله: ومَن صال عليه آدَمِي أو غيرُه، فقتَله دَفْعًا عن نَفْسِه، لم يَضْمَنْه.
هذا الصَّحيحُ مِنَ المذهبِ، وعليه الأصحابُ.
وقال في «القاعِدَةِ السَّابِعَةِ والعِشْرِين»: لو دفَع صائلًا عليه بالقَتْلِ، لم يَضْمَنْه، ولو دَفَعَه عن غيرِه بالقَتْلِ، ضَمِنَه.
ذكَرَه القاضي.
وفي «الفَتاوَى الرَّجَبِيَّاتِ» عن ابن عَقيلٍ، وابنِ الرَّاغُونِيِّ، لا ضَمانَ عليه أيضًا.
قال الحارِثِيُّ: وعن أحمدَ رِوايَةٌ بالمَنْعِ مِن قِتالِ اللصوصِ في الفِتْنَةِ، فيتَرتَّبُ عليه وُجوبُ الضَّمانِ بالقَتْلِ؛ لأنَّه مَمْنوعٌ منه إذَنْ، وهذا لا عَملَ عليه.
انتهى.
قلتُ: أمَّا وُرودُ الرِّوايَةِ بذلك،
..................................
فَمُسَلَّمٌ، وأمَّا وُجوبُ الضَّمانِ بالقَتْلِ، ففي النَّفْسِ مِن هذا شيءٌ.
وخرَّج الحارِثِيُّ وغيرُه قَوْلًا بالضَّمانِ بقَتْلِ البَهيمِ الصَّائلِ؛ [بِناءً على ما قاله أبو بَكْر في الصَّيدِ الصَّائلِ] 1 على المُحْرِمِ.
ويأْتِي ذلك في كلامِ المُصَنِّفِ أيضًا، في آخِرِ بابِ المُحارِبِين، بأَتَمَّ مِن هذا، ومَسائلُ أُخَرُ.
إنْ شاءَ الله تعالى.
فائدة: لو حالتْ بَهِيمَة بينَه وبينَ مالِه، ولم يَصِلْ إليه إلَّا بقَتْلِها، فقَتَلَها، فيَحْتَمِلُ أنْ يَضْمَنَ، ويَحْتَمِلُ أنْ لا يَضْمَنَ.
قلتُ: وهو الصَّوابُ.
وأطْلَقهما الحارِثِيُّ.
قلتُ: قد يقْرُبُ مِن ذلك ما لو انْفَرَشَ الجَرادُ في طَريقِ المُحْرِمِ، بحيثُ إنَّه لا يقْدِرُ على المُرورِ إلَّا بقَتْلِه، هل يَضْمَنُه، أم لا؟ على ما تقدَّم.
ويأْتِي نَظيرُها في آخِرِ كِتابِ الدِّياتِ.
وَإِنِ اصْطَدَمَتْ سَفِينَتَانِ فَغَرِقَتَا، ضَمِنَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا سَفِينَةَ الْآخَرِ وَمَا فِيهَا.
قوله: وإنِ اصْطَدَمَه سَفِينَتان، فغَرِقَتا، ضَمِنَ كل واحِدٍ منهما سَفينَة الآخَرِ وما فيها.
[هكذا أطْلَقَ كثير مِنَ الأصحابِ.
قال المُصَنِّفُ وغيرُه: محَلُّه إذا فرَّط.
قال الحارِثِي: إنْ فرَّط، ضَمِنَ كل واحدٍ سَفِينَةَ الآخَرِ وما فيها] 1، وإنْ لم يُفَرِّطْ، فلا ضَنمانَ على واحدٍ منهما.
حَكاه المُصَنِّفُ في «كِتابَيه»، ومَن عَداه مِنَ الأصحابِ.
ونصَّ أحمدُ على نحوه مِن رِوايَةِ أبِي طالِبٍ.
مع أنَّ إطْلاقَ المَتْنِ لا يَقْتَضِيه، غيرَ أنَّ الإطْلاقَ مُقَيَّدٌ بحالةِ التَّفْريطِ التي قدَّمْناها، على ما ذهَب إليه الأصحابُ مِن غيرِ خِلافٍ عَلِمْتُه بينَهم.
انتهى.
وقال في «الفُروعِ»: وإنِ
..................................
اصْطَدَمَتْ سَفِينَتان فغَرِقَتا، ضَمِنَ كلُّ واخدٍ منهما مُتْلَفَ الآخَرِ.
وفي «المُغْنِي»، إنْ فرَّطا.
وقاله في «المُنْتَخَبِ»، وأنَّه ظاهِرُ كلامِه.
انتهى.
وجزَم بما قاله الحارِثِيُّ في «الرِّعايَةِ» وغيرِها.
تنبيه: حيثُ قُلْنا بالضَّمانِ، فيَضمَنُ كلُّ واحدٍ منهما سَفِينَةَ الآخَرِ وما فيها، كما قال المُصَنفُ.
وهو المذهبُ، وعليه الأصحابُ.
وقال الحارِثِيُّ: قال الشَّافِعِيُّ: على كلِّ واحدٍ منهما نِصْفُ الضَّمانِ؛ لاشْتِراكِهما في السَّبَبِ؛ فإنه حصَل مِن كل واحِدٍ بفِعْلِه وفِعْلِ صاحبِه، فكان مُهْدَرًا في حقِّ نَفْسِه، مضمُونًا في حق الآخَرِ، كما في التَّلَفِ مِن جِراحَةِ نَفْسِه وجِراحَةِ غيرِه.
قال الحارِثِيُّ: وهذا له قُوَّةٌ.
فَإِنْ كَانَتْ إِحْدَاهُمَا مُنْحَدِرَةً، فَعَلَى صَاحِبِهَا ضَمَانُ الْمُصْعِدَةِ، إلَّا أَنْ يَكُونَ غَلَبَهُ رِيحٌ، فَلَمْ يَقْدِرْ عَلَى ضَبْطِهَا.
قوله: وإنْ كانَتْ إحْداهما مُنْحَدِرَةً، فعلى صاحِبِها ضَمانُ المُصْعِدَةِ، إلَّا أنْ يكونَ غلَبَه رِيحٌ، فلم يَقْدِرْ على ضَبْطِها.
وهذا المذهبُ، نصَّ عليه، وعليه جماهيرُ الأصحابِ.
وقطَع به في «المُغْنِي»، و «الشَّرْحِ»، و «الفائقِ»، و «الحارِثِي»، وغيرُهم مِنَ الأصحابِ.
وفي «الواضِحِ» وَجْهٌ، لا تُضْمَنُ مُنْحدِرَة.
وقال في «التَّرْغِيبِ»: السَّفِينَةُ كدابَّةٍ، والمَلَّاحُ كراكِبٍ.
تنبيه: قال الحارِثِيُّ: وسواءٌ فرطَ المُصْعِدُ في هذه الحالةِ أو لا، على ما صرَّح به في «الكافِي».
وأطْلَقه الأصحابُ، وأحمدُ.
وقال في «المُغْنِي» 1: إن فرَّط المُصْعِدُ؛ بأنْ أمْكَنَه العُدولُ بسَفِينَتِه، والمُنْحَدِرُ غيرُ قادِرٍ ولا مُفَرِّطٍ، فالضَّمانُ على المُصْعِدِ؛ لأنَّه المُفَرِّطُ.
قال الحارِثِيُّ: وهذا صَريحٌ في أنَّ المُصْعِدَ يُؤاخَذُ بتَفْريطِه.
..................................
فائدتان؛ إحْداهما، يُقْبَلُ قَوْلُ المَلَّاحِ: إنَّ تلَفَ المالِ بغَلَبَةِ رِيحٍ.
ولو تعَمَّدا الصَّدْمَ، فشَرِيكان في إتْلافِ كلَّ منهما، ومَن فيهما.
فإنْ قُتِلَ في الغالِبِ، فالقَوَدُ، وإلَّا شِبْهُ عَمْدٍ، ولا يسقُطُ فِعْلُ المُصادِمِ في حقِّ نَفْسِه مع عَمْدٍ.
ولو حرَقَها عَمْدًا أو شِبْهَه، أو خَطَأ، عُمِلَ على ذلك.
قاله في «الفُروعِ».
وقال الحارِثِي: إنْ عمَد ما لا يُهلِكُ غالِبًا، فشِبْهُ عَمْدٍ.
وكذا ما لو قصَد إصْلاحَها، فقلَع لَوْحًا، أو أصْلَحَ مِسْمارًا، فخَرَقَ مَوْضِعًا.
حَكاه القاضي وغيرُه.
وقال المُصَنِّفُ في «المُغْنِي» 1: والصَّحيحُ أنَّه خطَأٌ محْضٌ؛ لأنَّه قصَدَ فِعْلًا مُباحًا.
وهل يَضْمَنُ مَن ألْقَى عِدْلًا مَمْلُوءًا بسَفِينَةٍ، فغَرَّقَها، ما فيها، أو نِصْفَه، أو بحِصَّتِه؟ قال في «الفُروعِ»: يَحْتَمِلُ أوْجُهًا.
قلتُ: هي شَبيهَةٌ بما إذا جاوَزَ بالدَّابَّةِ مَكانَ الإجارةِ، أو حمَلَها زِيادَةً على المأْجُورِ، فتَلِفَتْ، أَو زادَ على الحَدِّ
..................................
سَوْطًا، فقتَلَه.
والصَّحيحُ مِنَ المذهب، هناك، أنَّه يضْمَنُه جميعَه على ما تقدَّمَ.
ويأتِي في كلام المُصَنِّفِ، في كتابِ الحُدودِ، فكذلك هنا.
وجزَم في «الفُصولِ»، أنَّه يَضْمَنُ جميعَ ما فيها.
ذكَرَه في أثْناءِ الإِجارَةِ، وجعَلَه أصْلًا لما إذا زادَ على الحدِّ سَوْطًا، في وُجوبِ الدِّيِة كامِلَةً.
وكذلك المُصَنِّفُ في «المُغْنِي» جعَلَها أصْلًا في وُجوبِ ضَمانِ الدَّابَّةِ كامِلَةً، إذا جاوَزَ بها مَكانَ الإجارَةِ، أو زادَ على الحدِّ سَوْطًا.
ولو أشْرَفَتْ على الغَرَق، فعلى الرُّكْبانِ إلْقاءُ بعضِ الأمْتِعَةِ حسَبَ الحاجَةِ، ويَحْرُمُ إلْقاءُ الدَّوابِّ، حيث أمْكَنَ التَّخْفيفُ بالأمْتِعَةِ، وإنْ ألْجَأت ضَرُورَةٌ إلى إلْقائِها، جازَ؛ صَوْنًا للآدَميِّين.
والعَبِيدُ كالأحْرارِ.
وإنْ تقاعَدُوا عنِ الإلْقاءِ مع الإِمْكانِ، أثِمُوا.
وهل يجبُ الضَّمانُ؟ فيه وَجْهان، اخْتارَ المُصَنِّفُ
..................................
وغيرُه عدَمَه.
والثَّاني، يضمَنُ.
وأطْلَقهما الحارِثِيُّ.
ولو ألْقَى مَتاعَه، ومَتاعَ غيرِه، فلا ضَمانَ على أحدٍ.
ذكَرَه الأصحابُ.
قاله الحارِثِيُّ.
وإنِ امْتَنَع مِن إلْقاءِ مَتاعِه، فللغيرِ إلْقاؤْه مِن غير رِضاه، دَفْعًا للمَفْسَدَةِ، لكنْ يضْمَنُه.
قاله القاضي في «المُجَرَّدِ»، وابنُ عَقِيلٍ في «الفُصولِ»، والمُصَنِّفُ في «المُغْنِي»، وغيرُهم.
قال الحارِثِي: وعن مالِكٍ، لا يَضْمَنُ؛ اعْتِبارًا بدَفْعِ الصَّائلِ.
قال: ويتَخَرَّجُ لنا مِثْلُه، بِناءً على انْتِفاءِ الضَّمانِ بما لو أرْسَلَ صَيدًا مِن يَدِ مُحْرِم.
قلتُ: وهذا الصَّوابُ.
وتقدَّمَ في آخِرِ الضَّمانِ بعضُ ذلك، ومَسائِلُ أُخَرُ تَتعَلَّقُ بهذا، فليُعاوَدْ.
الثَّانيةُ، لو كانتْ إحْداهما واقِفَةً، والأخْرَى سائِرَةً،
وَمَنْ أَتْلفَ مِزْمَارًا، أوْ طُنْبُورًا، أَوْ صَلِيبًا،
فعلى قَيِّمِ السَّائِرَةِ ضَمانُ الواقِفَةِ، إنْ فرَّط، وإلَّا فلا.
ذكَرَه المُصَنِّفُ، والقاضي، والشَّارِحُ، وصاحِبُ «الفُروعِ»، وغيرُهم.
ويأْتِي في كلامِ المُصَنِّفِ، في أوائلِ كتابِ الدِّيات، إذا اصْطَدَمَ نَفْسان، أو أرْكَبَ صَبِبَّيْن فاصْطَدَما، ونحوُهما.
قوله: ومَنِ أتْلَفَ مِزْمارًا، أو طُنْبُورًا، أو صَلِيبًا، أو كسَر إناءَ فِضَّةٍ، أو ذَهَب، أو إِناءَ خمْرٍ، لم يَضْمَنْه.
وكذا العُودُ، والطَّبلُ، والنَّرْدُ، وآلةُ السِّحْرِ، والتَّعْزيمِ، والتَّنْجيمِ، وصُوَرُ خَيالٍ، والأوْثانُ، والأصْنامُ، وكُتُبُ المُبْتَدِعَةِ المُضِلَّةُ، وكتُبُ الكُفْرِ، ونحوُ ذلك.
وهذا المذهبُ في ذلك كلِّه.
وجزَم به في «المُغْنِي»، و «الشَّرْحِ»، و «الفائقِ»، وغيرُهم مِنَ الأصحابِ، في الثَّلاثَةِ الأوَلِ، وقدَّمُوه في الباقي مِن كلامِ المُصَنِّفِ، وصحَّحُوه.
وجزَم به في «الوَجيزِ» وغيرِه، في الجميعِ.
قال ناظِمُ «المُفْرَداتِ»: لا ضَمانَ في
أَوْ كسَرَ إِناءَ فِضَّةٍ أَوْ ذهَبٍ،
المَشْهُورِ.
وهو منها.
وقدَّمه في «الفُروعِ» وغيرِه.
وعنه، يضْمَنُ غيرَ الصَّلِيبِ ممَّا ذكَرَه المُصَنِّفُ.
وأطْلَقَ في «المُحَرَّرِ»، في ضَمانِ كَسْرِ آنِيَةِ الذَّهَبِ والفِضَّةِ والخَمْرِ، رِوايتَين.
وأطْلَقَ في «التَّلْخيصِ»، في ضَمانِ كَسْرِ أوانِي الِخَمْرِ وشق ظُروفِه، رِوايتَين.
قال في «المُغْنِي» 1: حكَى أبو الخَطَّابِ رِوايَةً بأنَّه يضْمَنُ، إذا كسَر أوانِيَ الذَّهَبِ والفِضَّةِ.
قال الحارِثِيُّ: وحَكاها القاضي يَعْقُوبُ في «تَعْليقِه»، وأبو الحُسَينِ في «التَّمامِ»، وأبو يَعْلَى الصَّغيرُ في «المُفْرَداتِ»، وغيرُهم.
قال الحارِثِيُّ: إنْ أْرِيدَ ضَمانُ الإجْزاءِ، وهو ظاهرُ إيرادِهم؛ فإنَّ بعضَهم علَّلَه بجَوازِ المُعاوَضَةِ عليها، والقَطْعِ بسَرِقَتِها، فمُسَلَّم، ولكِنْ ليس محَلَّ النِّزاعِ؛ لأنَّه لا خِلافَ فيه.
وإنْ أرِيدَ ضَمانُ الأرْشِ، وهو فَرْضُ
..................................
المَسْألةِ، فلا أعْلَمُ له وَجْهًا.
وذكَر مأْخذَهم مِنَ الرِّوايَةِ، ورَدَّه.
وعنه، يضْمَنُ آنِيَةَ الخَمْرِ، إنْ كان يُنْتَفَعَ بها في غيرِه.
وعنه، يضْمَنُ غيرَ آلةِ اللَّهْو ممَّا ذكَرَه المُصَنِّفُ.
وعنه، لا يضْمَنُ غيرَ الدُّفِ.
وأطْلَقَ في «الرِّعايةِ»، في ضمانِ دُفِّ الصُّنوجِ رِوايتَين.
وعنه، لا يضْمَنُ دُفَّ العُرْسِ، أعْنِي، التي ليس فيها صُنُوجٌ، ذكَرَها الحارِثِيُّ.
وحكَى القاضي في كتابِ «الروايتَين» رِوايَةً بجَوازِ إتْلافِه في اللَّعبِ بما عَدا النِّكاحِ.
ورَدَّه الحارِثِيُّ.
وقال في «الفُنونِ»: يَحْتَمِلُ أنْ يَضمَنَ آلةَ اللَّهْو، إذا كان يُرْغبُ في مادَّتِها؛ كعُودٍ، وداقورَةٍ.
أوْ إِنَاءَ خَمْرٍ، لَمْ يَضْمَنْهُ.
وَعَنْهُ، يَضْمَنُ آنِيَةَ الْخَمْرِ أنْ كَانَ يُنْتَفَعُ بِهَا فِي غَيرِهِ.
تنبيه: مَحلُّ الخِلافِ في آنِيَةِ الخَمْرِ، إذا كانَ مَأمُورًا بإراقَتِها.
واعلمْ أنَّ ظاهِرَ كلامِ المُصَنِّف في آنِيَةِ الخَمْرِ، أنَّه سواءٌ قدَر على إراقَتِها بدُونِ تَلَفِ الإِناءِ، أو لا.
وهو صحيحٌ، وهو المذهبُ.
نقلَه المَرُّوذِيُّ.
وقدَّمه في «الفُروعِ».
ونقَل الأَثْرَمُ وغيرُه: إنْ لم يَقْدرْ على إراقَتِها إلَّا بتَلَفِها، لم يضمَنْ، وإلَّا ضَمِنَ.
فوائد؛ منها، لا يَضمَنُ مَخْزنَ الخَمْرِ إذا أحْرَقَه.
على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ.
نقَلَه ابنُ مَنْصورٍ، واخْتارهَ ابنُ بَطَّةَ وغيرُه.
وقدَّمه في «الفُروعِ».
ونقَل حنْبَلٌ، يَضْمَنُه.
وجزَم به المُصَنِّفُ.
وقال في «الهَدْي»: يجوزُ تَحْرِيقُ أماكِنِ المَعاصِي وهَدْمُها، كما حرَّقَ رسُولُ اللهِ، عليه أفْضَلُ الصَّلاةِ والسَّلامِ، مَسْجِدَ الضِّرارِ، وأمرَ بهَدْمِه.
ومنها، لا يضْمَنُ كِتابًا فيه أحاديثُ رَدِيئَةٌ حرَّقه.
على الصَّحيحِ مِنَ المذهب.
نقَلَه المَرُّوذِيُّ.
وقدَّمه في «الفُروعِ».
قال في «الانتِصارِ»: فجعَلَه كآلَةِ لَهْوٍ ثم سلَّمَه، على نَصِّه في رِوايَةِ المَرُّوذِيِ، في سِتْرٍ فيه تَصاويرُ.
..................................
ونصَّ على تَخْرِيقِ الثِّيابِ السُّودِ.
قال في «الفُروعِ»: فيَتَوجَّهُ فيهما رِوايَتان.
ومنها، لا يضْمَنُ حَلْيًا مُحَرَّمًا علي الرِّجالِ لم يَسْتَعْمِلُوه، يصْلُحُ للنِّساءِ.
قاله في «الفُروعِ».
ومنها، قال صاحِبُ «الفُروعِ»: ظاهرُ كلامِ الأصحابِ، أنَّ الشِّطْرَنجَ مِن آلةِ اللَّهْو.
قلتُ: بل هي مِن أعْظَمِها، وقد عَمَّ البَلاءُ بها.
ونقَل أبو داودَ، لا شيءَ عليه فيه.
بَابُ الشُّفْعَةِ
وَهِيَ اسْتِحْقَاقُ الْإِنْسَانِ انْتِزَاعَ حِصَّةِ شَرِيكِهِ مِنْ يَدِ مُشْتَرِيهَا.
كِتابُ الشُّفْعَةِ
قوله: وهي اسْتِحْقاقُ الإِنْسانِ انتِزاعَ حِصَّةِ شَرِيكِه مِن يَدِ مُشْتَرِيها.
وكذا قال في «الهِدايَةِ»، و «المُذْاهَبِ»، و «مَسْبوكِ الذهبِ»،
..................................
و «المُسْتَوْعِبِ»، وغيرِهم، و «الخُلاصَةِ»، وزادَ، قَهْرًا.
قال الزَّرْكَشِيُّ: وهو غيرُ جامِعٍ؛ لخُروجِ الصُّلْحِ بمَعْنَى البَيعِ، والهِبَةِ بشَرْطِ الثَّوابِ، ونحو ذلك منه.
قلتُ: ويُمْكِنُ الجوابُ عن ذلك بأن الهِبَةَ بشَرْطِ الثَّوابِ، بَيعٌ على الصَّحيح منَ المذهبِ، على ما يأْتِي، فالمَوْهوبُ له مُشْتَر.
وكذلك الصُّلْحُ يُسَمَّى فيه بائعًا ومُشْتَرِيًا؛ لأنَّ الأصحابَ قالوا فيهما: هو بَيعٌ.
فهو إذَنْ جامِعٌ.
وقال في «المُغْنِي» 1: هي اسْتِحْقاقُ الشَّريكِ انْتِزاعَ حِصَّةِ شَرِيكِه المُنْتَقِلَةِ عنه مِن
وَلَا يَحِلُّ الاحْتِيَال لإسْقَاطِهَا.
يَدِ مَنِ انْتَقَلتْ إليه.
قال الزَّرْكَشِيُّ: وهو غيرُ مانِعٍ؛ لدُخُولِ ما انْتقَلَ بغيرِ عِوَض؛ كالأَرْش، والوَصِيَّةِ، والهِبَةِ بغيرِ ثَوابٍ، أو بغيرِ عِوَض مالِيٍّ، على المَشْهورِ، كالخُلْعِ ونحوه.
قال: فالأجْوَدُ إذَنْ أنْ يُقال: مِن يَدِ مَنِ انْتقَلَتْ إليه بعِوَض مالِيٍّ، أو مُطْلَقًا.
انتهى.
فائدتان؛ إحْداهما، قال الحارِثِيُّ: ولا خَفاءَ بالقُيودِ في حدِّ المُصَنِّف؛ فقَيدُ الشَّرِكَةِ مُخْرِج للجِوارِ، والخُلْطَةِ بالطَّريقِ، وقَيدُ الشِّراءِ مُخْرِج للمَوْهوبِ، والمُوصَى به، والمَوْروثِ، والمَمْهورِ، والعِوَضِ في الخُلْعِ، والصُّلْحِ عن دَمِ العَمْدِ.
وفي بعضِه خِلافٌ.
قال: وأوْرَدَ على قَيدِ الشَّرِكَةِ، أنْ لو كان مِن تَمامِ الماهِيَّةِ، لما حَسُن أنْ يُقاقَ: هل تثْبتُ الشُّفْعَةُ للجارِ، أم لا؟ انتهى.
الثَّانيةُ، قولُه: ولا يحِلُّ الاحْتِيالُ لإِسْقاطِها.
بلا نِزاعٍ في المذهبِ، نصَّ عليه.
..................................
ولا تسْقُطُ بالتَّحَيُّلِ أَيضًا.
نصَّ عليه.
وقد ذكَر الأصحابُ للحِيلَةِ في إسْقاطِها صُوَرًا، الأُولَى، أنْ تكونَ قِيمَةُ الشِّقْصِ مِائَةً، وللمُشْتَرِي عَرْضٌ قِيمَتُه مِائَة، فيَبِيعَه العَرْضَ بمِائَتَين، ثم يشْتَرِيَ الشقْصَ منه بمِائَتَين، ويَتقاصَّان، أو يتَواطَآن على أنْ يدْفَعَ إليه عَشَرَةَ دَنانِيرَ عنِ المِائَتَين، وهي أقَلُّ مِنَ المِائَتَين، فلا يُقْدِمُ الشَّفِيعُ عليه؛ لنُقْصانِ قِيمَتِه عنِ المِائتَيْن.
الثَّانيةُ، إظْهارُ كَوْنِ الثَّمَنِ مِائَةً، ويكون