الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف ت التركيصفحات 111-155

وَهُوَ الاسْتِيلَاءُ عَلَى مَالِ الْغَيرِ قَهْرًا بِغَيرِ حَقٍّ.
كِتابُ الغصْبِ قوله: وهو الاسْتِيلاءُ على مالِ الغَيرِ قَهْرًا بغَيرِ حَقٍّ.
وكذا قال في «الهِدايَةِ»، و «المُذْهَبِ»، و «مَسْبُوكِ الذَّهَبِ»، و «المُسْتَوْعِبِ»، و «الخُلاصَةِ»، و «المَذْهَبِ الأحْمَدِ»، و «الحاوي الصَّغِيرِ»، وغيرِهم.
وليس بجامِع؛ لعدَمِ دُخُولِ غَصْبِ الكَلْبِ، وخَمْرِ الذِّمِّيِّ، والمَنافِعِ، والحُقوقِ، والاخْتِصاصِ.
قال الحارِثِيُّ: وحُقوقِ الولاياتِ؛ كمَنْصِبِ

..................................  الإمارَةِ، والقَضاءِ.
قال الزَّرْكَشِيُّ: الاسْتِيلاءُ يَسْتَدْعِي القَهْرَ والغَلَبَةَ، فإذَنْ قَوْلُه: قَهْرًا.
زِيادَةٌ في الحَدِّ، ولهذا أسْقَطَه في «المُغْنِي».
انتهى.
قلتُ: الذي يَظْهَرُ، أنَّ الاسْتِيلاءَ يشْمَلُ القَهْرَ والغَلَبَةَ وغيرَهما، فلو اقْتَصَر على الاسْتِيلاءِ، لوَرَدَ عليه المَسْروقُ، والمُنْتَهَبُ، والمُخْتَلَسُ؛ فإنَّ ذلك لا يُسَمَّى غَصْبًا، ويقالُ: اسْتُوْلِيَ عليه.
وقال في «المُطْلِعِ»: فلو قال: الاسْتِيلاءُ على حقِّ غيرِه.
لصَحَّ لفْظًا، وعمَّ مَعْنًى.
انتهى.
وقوْلُه: لصَحَّ لَفْظًا.
لكَوْنِ المُصَنِّفِ أدْخَلَ «الألِفَ واللَّامَ» على «غيرِ».
قال: والمَعْروفُ، عندَ أهْل اللُّغَةِ، عدَمُ دُخُولِهما عليها.
قلتُ: قد حكَى النَّوَوي رَحِمَهُ الله، في «تَهْذيبِ الأسْماءِ واللغَاتِ» 1، عن غيرِ واحدٍ مِن أهْلِ العَرَبِيَّةِ، أنَّهم جوَّزُوا دُخُولَهما على «غيرِ».
وممَّن أدْخَلَ الألِفَ واللَّامَ على «غيرِ» مِنَ الأصحابِ؛ مَن تقدَّم ذِكْرُه، وصاحِبُ «المُحَرَّرِ»، و «الرِّعايتَين»، والحارِثِيُّ.
وقال في «الرِّعايتين»: هو الاسْتِيلاءُ على مالِ الغَيرِ قَهْرًا ظُلْمًا.
ويَرِدُ عليه ما تقدَّم.
وقال في «الفُروعِ»،

..................................  تَبَعًا للحارِثِيِّ: هو الاسْتِيلاءُ على حقِّ غيرِه قَهْرًا ظُلْمًا.
قال الحارِثِيُّ: هذا أسَدُّ الحُدودِ.
قلتُ: فهو أوْلَى مِن حدِّ صاحِبِ «المُطْلِعِ» وأمْنَعُ؛ فإنه يَرِدُ على حَدِّ صاحبِ «المطْلِعِ»، لو اسْتَوْلَى على حقِّ غيرِه، مِن غيرِ ظُلْمٍ ولا قَهْرٍ، أنَّه يُسَمَّى غَصْبًا.
وليس كذلك، اللَّهُمَّ إلَّا أنْ يكونَ مُرادُه ذلك مع بَقِيَّةِ حدِّ المُصَنِّفِ.
وهو الظَّاهِرُ.
وقال في «الوَجيزِ»: هو الاسْتِيلاءُ على حقِّ غيرِه ظُلْمًا.
ويَرِدُ عليه ما أُخِذَ مِن غيرِ قَهْرٍ.
وقال في «تجْريدِ العِنايةِ»: هو اسْتِيلاءُ غيرِ حَرْبِيٍّ على حقِّ غيرِه قَهْرًا بغيرِ حقٍّ.
قلتُ: هو أصحُّ الحُدودِ وأسْلَمُها.
ويَرِدُ على حَدِّ غيرِه، اسْتِيلاءُ الحَرْبِيِّ، فإنَّه اسْتِيلاءٌ على حقِّ غيرِه قَهْرًا بغيرِ حَقٍّ، وليس بغَصْبٍ.
على ما يأْتِي قرِيبًا في كلامِ الشَّيخِ تَقِيِّ الدِّينِ.
وقال في «المُحَرَّرِ»: هو الاسْتِيلاءُ على مالِ الغيرِ ظُلْمًا.
وتابعَه في «الفائقِ»، و «إدْراكِ الغايةِ»، ومَعْناه في «الكافِي»، و «العُمْدَةِ»، و «المُغْنِي».
قال الشَّيخُ تَقِيُّ الدِّينِ: وقوْلُه: على مالِ الغَيرِ ظُلْمًا.
يدْخُلُ فيه مالُ المُسْلِمِ، والمُعاهَدِ، وهو المالُ المَعْصومُ، ويَخْرُجُ منه اسْتِيلاءُ المُسْلمِين على أمْوالِ أهْلِ الحَرْبِ، فإنَّه ليس بظُلْمٍ.
ويدْخُلُ فيه اسْتِيلاءُ أهْلِ الحَرْبِ على مالِ المُسْلِمِين، وليس بجَيِّدٍ؛ فإنَّه ليس مِنَ الغَصْبِ المَذْكورِ حُكْمُه.
هذا بإِجْماعِ المُسْلِمِين؛ إذْ لا خِلافَ أنَّه لا يُضْمَنُ بالإِتْلافِ، ولا بالتَّلَفِ، وإنَّما الخِلافُ في وُجوبِ رَدِّ عَينِه، إذا قَدَرْنا على أخْذِه.
وأمَّا أمْوالُ أهْلِ البَغْي، وأهْلِ العَدْلِ، فقد لا تَرِدُ؛ لأنَّه هناك لا يجوزُ

وَتُضْمَنُ أمُّ الْوَلَدِ وَالْعَقَارُ بِالْغَصْبِ.
الاسْتِيلاءُ على عَينِها، ومتى أُتلِفَتْ بعدَ الاسْتِيلاءِ على عَينِها، ضُمِنَتْ، وإنَّما الخِلافُ في ضَمانِها بالإِتْلافِ وَقْتَ الحَرْبِ.
ويدْخُلُ فيه ما أخَذَه المُلوكُ والقُطَّاعُ مِن أمْوالِ النَّاسِ بغيرِ حقٍّ؛ مِنَ المُكُوسِ 1 وغيرِها.
فأمَّا اسْتِيلاءُ أهْلِ الحَرْبِ بعضِهم على بعض، فيَدْخُلُ فيه، وليس بجَيِّدٍ؛ لأنَّه ظُلْمٌ، فيَحْرُمُ عليهم قَتْلُ النُّفوسِ، وأخْذُ الأمْوالِ إلَّا بأمْرِ اللهِ، لكِنْ يُقالُ: لمَّا كان المَأْخُوذُ مُباحًا بالنِّسْبَةِ إلينا، لم يَصِرْ ظُلْمًا في حقِّنا، ولا في حقِّ مَن أسْلَمَ منهم.
فأمَّا ما أُخِذَ مِنَ الأمْوالِ والنُّفوسِ، أَوْ أُتلِف منهما في حالِ الجاهِلِيَّةِ، فقد أُقِرَّ قرارُه؛ لأنَّه كان مُباحًا؛ لأنَّ الإِسْلامَ عَفا عنه، فهو عَفْوٌ بشَرْطِ الإسْلامِ، وكذلك بشَرْطِ الأمانِ، فلو تَحاكَمَ إلينا مُسْتَأْمَنان، حكَمْنا بالاسْتِقْرارِ.
انتهى.
قلتُ: ويَرِدُ عليه ما ورَدَ على المُصَنِّفِ وغيرِه ممَّا تقدَّم ذِكْرُه.
ويَرِدُ عليه أيضًا المَسْروقُ، والمُخْتَلَسُ، ونحوُهما.
قوله: ويُضْمَنُ العَقارُ بالغَصْبِ -هذا المذهبُ، وعليه الأصحابُ، حتى أنَّ

وَعَنْهُ، مَا يَدُلُّ عَلَى أنَّ الْعَقَارَ لَا يُضْمَنُ بِالْغَصْبِ.
القاضِيَ وأكثرَ أصحابِه لم يذْكُروا فيه خِلافًا- وعنه، ما يدُلُّ على أنَّ العَقارَ لا يُضْمَنُ بالغَصْبِ.
نقَلَه ابنُ مَنْصُورٍ.
فائدتان؛ إحْداهما، يحْصُلُ الغَصْبُ بمُجَرَّدِ الاسْتِيلاءِ قَهْرًا ظُلْمًا، كما تقدَّم.
على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ، وعليه أكثرُ الأصحابِ.
وقيل: يُعْتَبرُ في غَصْبِ ما يُنْقَلُ نَقْلُه.
وجزَم به في «التَّلْخيصِ»، إلَّا ما اسْتَثْناه فيه، وفي «التَّرغِيبِ»، فقال: إلَّا في رُكُوبِه دابَّةً، وجُلُوسِه على فِراش، فإنه غاصِبٌ.
وأطْلَق الوَجْهَين في «الرعايَةِ»، وقال: ومَن رَكِبَ دابَّتَه، أو جلَس على فِراشِه، أو سَرِيرِه قَهْرًا،

..................................  فهو غاصِبٌ.
الثَّانيةُ، قال في «القاعِدَةِ الحادِيَةِ والتِّسْعِين»: مِنَ الأصحابِ مَن قال: مَنْفَعَةُ البُضْعِ لا تدْخُلُ تحتَ اليَدِ.
وبه جزَم القاضي في «خِلافِه»، وابنُ عَقِيلٍ في «تَذْكِرَتِه»، وغيرُهما، وفرَّعُوا عليه صِحَّةَ تَزْويجِ الأمَةِ المَغْصُوبَةِ، وأنَّ الغاصِبَ لا يضْمَنُ مَهْرَها، ولو حبَسَها عنِ النِّكاحِ حتى فاتَ بالكِبَرِ، وخالفَ ابنُ المَنِّيِّ، وجزَم في «تَعْليقِه» بضَمانِ مَهْرِ الأمَةِ بتَفْويتِ النِّكاحِ، وذكَر في الحُرَّةِ ترَددًا؛ لامْتِناعِ ثُبوتِ اليَدِ عليها.

وَإنْ غَصَبَ كَلْبًا فِيهِ نَفْعٌ، أوْ خَمْرَ ذِمِّيٍّ، لَزِمَهُ رَدُّهُ.
وَإنْ أَتْلَفَهُ لَمْ تَلْزَمْهُ قِيمَتُهُ.
قوله: وإنْ غَصَبَ كَلْبًا فيه نَفْعٌ، أو خَمْرَ ذِمِّيٍّ، لَزِمَه رَدُّه.
هذا المذهبُ، وعليه جماهيرُ الأصحابِ، وقطَع به كثيرٌ منهم.
وقدَّمه في «الفُروعِ» وغيرِه.
وذكَر في «الانْتِصارِ»: لا يُرَدُّ الخَمْرُ، وتَلْزَمُ إراقَتُها إنْ حُدَّ، وإلَّا لَزِمَه تَرْكُه، وعليهما يُخَرَّجُ تَعْذِيرُ مُرِيقِه.
وقال في «القواعِدِ الأصُولِيَّةِ»: لو غصَبَ مُسْلِمْ

..................................  خَمْرَةَ ذِمِّيٍّ، انْبَنَى وُجوبُ رَدِّها على مِلْكِها لهم، وفيه رِوايَتان.
حَكاهما القاضي يَعْقُوبُ وغيرُه؛ إحْداهما، يَمْلِكُونها، فَيجِبُ الرَّدُّ.
هذا قَوْلُ جُمْهورِ أصحابِنا.
والثَّانيةُ، لا يَمْلِكُونها، فَينْبَغِي وُجوبُ الرَّدِّ، وقد يُقالُ: لا يجِبُ.
واتَّفَقَ الأصحابُ على إراقَتِها، إذا أَظهَرَها، ولو أتْلفَها، لم يَضمَنْها، عندَ الجُمْهورِ.
وخرَّج أبو الخَطَّابِ وَجْهًا بضَمانِ قِيمَتِها، إذا قلْنا: إنَّها مالٌ لهم.
وأبَاه الأكْثَرون.
وحُكِيَ لنا قَوْلٌ: يَضمَنُها الذِّمِّي للذِّمِّيِّ.
وقال في «التَّرْغيبِ»، و «عُيونِ المَسائلِ»، وغيرِهما: يَرُدُّ الخَمْرَ المُحْترَمَةَ، ويَرُد ما تَخلَّلَ بيَدِه، إلَّا

..................................  ما أُرِيقَ، فجمَعَه آخَرُ فتَخَلَّلَ؛ لزَوالِ يَدِه هنا.
وتقدَّم في أوَّلِ بابِ إزالةِ النَّجاسَةِ أنَّ الصَّحيحَ أنَّ لنا خَمْرًا مُحْترَمَةً؛ وهي خَمْرَةُ الخُلالِ.
ويأْتِي في حدِّ المُسْكِرِ، هل يُحَدُّ الذِّمِّيُّ بشُرْبِها؟ في كلامِ المُصَنِّفِ.

..................................  تنبيهان؛ أحدُهما، محَلُّ الخِلافِ إذا كانتْ مَسْتُورَةً، فأمَّا إذا لم تكُنْ مَسْتُورَةً، فلا يَلْزَمُه رَدُّها، قوْلًا واحدًا.
الثَّاني، ظاهرُ كلام المُصَنِّفِ، أنَّه لو غصب خَمْرَ مُسْلِمٍ، لا يَلْزَمُه رَدُّه.
وهو صحيح، لكِنْ لو تخَلَلَتْ في يَدِ الغاصِبِ، وجَب ردُّها.
ذكَرَه القاضي، وابنُ عَقِيلٍ، والأصحابُ؛ لأنَّ يَدَ الأوَّلِ لم تَزُلْ عنها بالغصْبِ، فكأَنَّما تخَللَتْ في يَدِه.
قاله في «القاعِدَةِ الخامِسَةِ والثَّمانِين»، وقال: واخْتَلَفَتْ عِباراتُ الأصحابِ في زَوالِ المِلْكِ بمُجَرَّدِ التَّخْمِيرِ، فأَطْلَقَ الأكْثَرون، الزَّوال؛ منهم القاضي، وابنُ عَقِيلٍ.
وظاهرُ كلامِ بعضِهم، أنَّ المِلْكَ لم يَزُلْ؛ منهم صاحِبُ «المُغْنِي»، في كتابِ الحَجِّ، وفي كلامِ القاضي ما يدُلُّ عليه.
وبكُلِّ حالٍ لو عادَ خَلًّا، عادَ المِلْكُ الأوَّلُ بحُقوقِه، مِن ثُبوتِ الرَّهْنِيَّةِ وغيرِها، حتى لو خلَّفَ خَمْرًا ودَينًا، فتخَلَّلَتْ، قُضِيَ منه دَينُه.
ذكَرَه القاضي في «المُجَردِ»، في الرَّهْنِ.
انتهى.
قوله: وإنْ أتْلَفَه، لم يَلْزَمْه قِيمَتُه.
هذا المذهبُ، وعليه جماهيرُ الأصحابِ.
وجزَم به في «الوَجيزِ» وغيرِه.
وقدَّمه في «الفُروعِ» وغيرِه.
وعنه، يَلْزَمُه قِيمَةُ الخَمْرِ.
وخُرِّجَ، يضْمَنُها الذِّمِّيُّ يمِثْلِها.
قال في «الفُروعِ»: وعنه، يَرُدُّ

وَإِنْ غَصَبَ جِلْدَ مَيتَةٍ، فَهَلْ يَلْزَمُهُ رَدُّهُ؟ عَلَى وَجْهَينِ.
قِيمَتَها.
وقيل: ذِمِّيٌّ.
وقال في «الإِيضاحِ»: يَضْمَنُ الكَلْبَ.
ويأْتِي قرِيبًا إذا صادَ بالكَلْبِ، وغيرِه مِنَ الجَوارِحِ، هل يَرُدُّ الصَّيدَ، وتَلْزَمُه الأجْرَةُ أيضًا، أم لا؟ في كلامِ المُصَنِّفِ.
وتقدَّم أوَّلَ الضَّمانِ، إذا أسْلَمَ المَضْمُونُ له، أو المَضْمُونُ عنه، هل يسْقُطُ الدَّينُ إذا كان خَمْرًا؟ قوله: وإنْ غصَب جِلْدَ مَيتَةٍ، فهل يَلْزَمُه رَدُّه؟ على وَجْهَين.
وأطْلَقهما في «الهِدايَةِ»، و «المُذْهَبِ»، و «المُسْتَوْعِبِ»، و «الخُلاصَةِ»،

فَإِنْ دَبَغَهُ، وَقُلْنَا بِطَهَارَتِهِ، لَزِمَهُ رَدُّهُ.
و «الهادِي»، و «الرعايَةِ الصُّغْرى»، و «الحاوي»، و «الفائقِ»، وغيرِهم، وهما مَبْنِيَّان على طَهارَته بالدَّبْغِ وعَدَمِها؛ فإنْ قُلْنا: يَطْهُرُ بالدَّبْغِ.
وجَب رَدُّه.
وإنْ قُلْنا: لا يَطْهُرُ بالدَّبْغِ.
لم يجِبْ رَدُّه.
وقد عَلِمْتَ أنَّ المذهبَ، لا يَطْهُرُ بدَبْغِه، فلا يجبُ رَدُّه هنا.
هذا هو الصَّحيحُ مِنَ المذهبِ.
وجزَم به في «المُغْنِي»، و «الشَّرْحِ»، و «شَرْحِ الحَارِثِيِّ»، و «ابنِ مُنَجَّى»، وغيرِهم.
وقدَّم هذه الطَّريقةَ في «الكافِي»، و «شَرْحِ ابنِ رَزِين»، وغيرِهما.
وقيل: لا يجِبُ ردُّه 1، ولو قُلْنا: يَطْهُرُ بالدَّبْغِ.
وقال في «الفُروعِ»: وفي رَدِّ جِلْدِ مَيتَةٍ وَجْهانِ، وقيل: ولو طَهُرَ.
فظاهِرُه، أنَّ المُقَدَّمَ عندَه، أنَّ الخِلافَ على القَوْلِ بعدَمِ الطهارَةِ.
قوله: فإنْ دبَغَه، وقُلْنا بطَهارَتِه، لَزِمَه رَدُّه.
هذا الصَّحيحُ مِنَ المذهبِ.
قدَّمه في «المُغْنِي»، و «الشرحِ»، و «شَرْحِ الحارِثِيِّ»، و «الفُروعِ»،

وَإِنِ اسْتَوْلَى عَلَى حُرٍّ، لَمْ يَضْمَنْهُ بِذَلِكَ،  و «الفائقِ»، وغيرِهم.
وجزَم به ابنُ مُنَجَّى، و «الرِّعايةِ الصُّغْرى»، و «الحاوي الصَّغِيرِ»، وغيرُهم.
وقيل: لا يَلْزَمُه رَدُّه؛ لصَيرُورَتِه مالًا بفِعْلِه، بخِلافِ الخَمْرَةِ المُتَخَلِّلَةِ.
وهو احْتِمالٌ للمُصَنِّفِ، والشَّارِحِ.
قال الحارِثِيُّ: وفي هذا الفَرْق بَحْثٌ.
وأطْلَقَ في «الفُروعِ»، في لُزومِ ردِّه، إذا دبَغَه الغاصِبُ وَجْهَين.
قال الحارِثِيُّ: وإنْ كان الغاصِبُ دبَغَه، ففي رَدِّة الوَجْهان المَبْنِيَّان.
وإنْ قُلْنا: لا يَطْهُرُ.
لم يجِبْ ردُّه، على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ.
قدَّمه في «المُغْنِي»، و «الكافِي»، و «الشَّرْحِ»، و «الفائقِ»، وغيرِهم.
وقيل: يجِبُ ردُّه، إذا قُلْنا: يُباحُ الانْتِفاعُ به في اليابِساتِ.
وكذلك قبلَ الدَّبْغِ.
وجزَم به الحارِثِيُّ في «شَرْحِه».
وظاهرُ «الفُروعِ» إطْلاقُ الخِلافِ، كما تقدَّم.
وقال في «الرِّعايَةِ الكُبْرَى»: وإنْ غصَب جِلْدَ مَيتَةٍ، فأَوْجُهْ؛ الرَّدُّ، وعدَمُه، والثَّالثُ، إنْ قلْنا: يَطْهُرُ بدَبْغِه، أو يُنْتفَعُ به في يابِسٍ.
ردَّة، وإلَّا فلا، وإنْ أتْلَفَه، فهَدَرٌ، وإنْ دَبَغَه، وقُلْنا: يَطْهُرُ.
ردَّه.
انتهى.
قوله: وإنِ اسْتَوْلَى على حُرٍّ، لم يَضْمَنْه بذلك.
هذا المذهبُ، وعليه جماهيرُ الأصحابِ، وقطَع به كثيرٌ منهم.
قال في «الفُروعِ»، و «الرِّعايتَين»، و «الحاوي الصَّغِيرِ»: ولا يُضْمَنُ حُرٌّ بغَصْبِه في الأصحِّ.
قال الحارِثِيُّ: هذا

إلا أَنْ يَكُونَ صَغِيرًا، فَفِيهِ وَجْهَانِ؛ فَإِنْ قُلْنَا: لَا يَضْمَنُهُ.
فَهَلْ يَضْمَنُ ثِيَابَهُ وَحَلْيَهُ؟ عَلَى وَجْهَينِ.
المذهبُ، وعليه جمهورُ الأصحابِ؛ لأنَّ اليَدَ لا يَثْبُتُ حُكْمُها على الحُرِّ.
وفي «التَّلْخيصِ» وَجْهٌ بثُبوتِ اليَدِ عليه.
وبنى على هذا، هل لمُسْتَأْجِرِ الحُرِّ إيجارُه مِن آخَرَ؟ إنْ قيلَ بعَدَمِ الثُّبوتِ، امْتنَعَ الإِيجارُ، وإنَما هو يُسْلِمُ نفْسَه، وإلَّا فلا يَمْتَنِعُ.
فعلى المذهبِ، لو غصَبَ دابَّةً عليها مالِكُها ومَتاعُه، لم يَضمَنْ ذلك الغاصِبُ.
قاله القاضي في «الخِلافِ الكَبيرِ».
واقْتَصرَ عليه في «القاعِدَةِ الثَّانِيَةِ والتسْعِين».
قوله: إلا أنْ يَكونَ صَغِيرًا، ففيه وَجْهان.
وأطْلَقهما في «المُغْنِي»،

وَإِنِ اسْتَعْمَلَ الْحُرَّ كَرْهًا، فَعَلَيهِ أُجْرَتُهُ،  و «الرِّعايَةِ الكُبْرَى»، و «القَواعِدِ الفِقْهِيَّةِ»، و «الشَّرْحِ»، و «الفائقِ»، و «الحارِثِيِّ»؛ أحدُهما، لا يَضْمَنُه.
وهو المذهبُ.
صحَّحه في «التصْحِيحِ».
وجزَم به في «الوَجيزِ»، و «شَرْحِ ابنِ رَزينٍ»، وغيرِهما.
وقدَّمه في «الفُروعِ» وغيرِه.
وهو ظاهرُ ما قطَع به في «الهِدايَةِ»، و «المُذْهَب»، و «الخُلاصَةِ»، وغيرِهم.
والوَجْهُ الثَّاني، يَضْمَنُه.
قدَّمه في «الرِّعايَةِ الصُّغْرى»، و «الحاوي الصَّغِيرِ»، وقدَّم في «النَّظْمِ»، أنَّ الصَّغِيرَ لو لُدِغَ أو صُعِقَ، وُجوبَ الدِّيَةِ.
وقال ابنُ عَقِيلٍ: لا تجِبُ، كما لو مَرِضَ، على الصَّحيحِ.
ويأْتِي هذا في أوائلِ كِتابِ الدِّياتِ، في كلامِ المُصَنِّفِ.
فعلى المذهبِ، هل يَضْمَنُ ثِيابَه وحِلْيَتَه؟ على الوَجْهَين.
وأطْلَقهما في «الشَّرْحِ»، و «النَّظْمِ»، و «الفُروعِ»، و «شَرْحِ ابنِ مُنَجَّى»، و «الحاوي الصَّغِيرِ»، و «الرِّعايتَين»؛ أحدُهما، يَضْمَنُها.
صحَّحه في «التَّصحيحِ»، و «الفائقِ».
قال الحارِثِيُّ: وهو أصحُّ.
والوَجْهُ الثَّاني، لا يضْمَنُها.
جزَم به في «المُغْنِي»، و «الوَجيزِ».
فائدة: وكذا الحُكْمُ والخِلافُ في أُجْرَتِه مُدَّةَ حَبْسِه، على ما يأْتِي، وإيجارِ المُسْتَأْجِرِ له.
قاله في «الفُروعَ».
[وجزَم في «الوَجيزِ» هنا بوُجُوبِ الأُجْرَةِ] 1. قوله: وإنِ اسْتَعْمَلَ الحُرَّ كَرْهًا، فعليه أُجرَتُه.
هذا المذهبُ، وعليه الأصحابُ، وقطَعُوا به.
ولو منَعَه العمَلَ مِن غيرِ حَبْسٍ، ولو عَبْدًا، لم يَلْزَمْه أُجْرَتُه.
جزَم به

وَإِنْ حَبَسَهُ مُدَّةً، فَهَلْ تَلْزَمُهُ أُجْرَتُهُ؟ عَلَى وَجْهَينِ.
في «المُغْنِي»، و «الشَّرْحِ»، و «شَرْحِ ابنِ مُنَجَّى»، و «الفائقِ»، وغيرِهم.
قال في «الفُروعِ»: ويتَوَجَّهُ، بلَى فيهما.
قلتُ: وهو الصَّوابُ، وهو في العَبْدِ آكَدُ.
وقال في «التَّرْغيبِ»: في مَنْفَعَةِ حُرٍّ وَجْهان.
وقال في «الانْتِصارِ»: لا يَلْزَمُه بإمْساكِه، لأنَّ الحُرَّ في يَدِ نَفْسِه، ومَنافِعُه تَلِفَتْ معه، كما لا يضْمَنُ نفسَه وثَوْبَه الذي عليه، بخِلافِ العَبْدِ.
وكذا قال في «عُيونِ المَسائلِ»: لا يَضْمَنُه إذا أمْسَكَه، لأنَّ الحُرَّ في يَدِ نَفْسِه، ومَنافِعُه تَلِفَتْ معه، كما لا يَضْمَنُ نفْسَه وثَوْبَه الذي عليه، بخِلافِ العَبْدِ؛ فإنَّ يَدَ الغاصِبِ ثابِتَةٌ عليه، ومَنْفَعَتُه بمَنْزِلَتِه.
قوله: وإنْ حبَسَه مُدَّةً، فهل تَلْزَمُه أُجْرَتُه؟ على وَجْهَين.
وهما احْتِمالان في «الهِدايةِ»، وأطْلَقهما فيها، وفي «المُذْهبِ»، و «مَسْبوكِ الذَّهبِ»، و «المُسْتوْعِبِ»، و «الخُلاصَةِ»، و «المُغْنِي»، و «الكافِي»، و «الهادِي»، و «الشَّرْحِ»، و «المُحَرَّرِ»، و «الفائقِ»، و «الرِّعايتَين»، و «الحاوي الصَّغِيرِ»، و «الفُروعِ»؛ أحدُهما، تَلْزَمُه.
وهو الصَّحيحُ، صحَّحه في «التَّصْحيحِ».
وجزَم به في «الوَجيزِ» وغيرِه.
وقدَّمه ابنُ رَزِينٍ في «شَرْحِه».
والوَجْهُ الثَّاني، لا تَلْزَمُه.
صحَّحه النَّاظِمُ.
قال الحارِثِيُّ: وهو الأصحُّ، وعليه دَلَّ نصُّه.
وتقدَّم في التي قبلَها ما يسْتَأْنَسُ به في هذه المَسْألةِ.

فَصْلٌ: وَيَلْزَمُهُ رَدُّ الْمَغْصُوبِ إِنْ قَدَرَ عَلَى رَدِّهِ، وَإنْ غَرِمَ عَلَيهِ أَضْعَافَ قِيمَتِهِ.
..................................

وَإِنْ خَلَطَهُ بِمَا يَتَمَيَّزُ مِنْهُ، لَزِمَهُ تَخْلِيصُهُ وَرَدُّهُ.
وَإِنْ بَنَى عَلَيهِ، لَزِمَهُ رَدُّهُ، إلا أَنْ يَكُونَ قَدْ بَلِيَ.
قوله: وإنْ خلَطَه بما يتَمَيَّزُ مِنه، لَزِمَه تَخْليصُه.
إنْ أمْكَنَ.
وكذا إنْ أمْكَنَ تَخْليصُ بعضِه، وإنْ لم يُمْكِنْ تَخْلِيصُه منه، فسَيَأتِي في أوَّلِ الفَصْلِ الرَّابعِ مِنَ البابِ.

وَإنْ سَمَّرَ بِالْمَسَامِيرِ بَابًا، لَزِمَهُ قَلْعُهَا وَرَدُّهَا.
..................................

وَإِنْ زَرَعَ الْأَرْضَ وَرَدَّهَا بَعْدَ أَخْذِ الزَّرْعِ، فَعَلَيهِ أَجْرَتُهَا.
قوله: وإنْ زرَع الأَرْضَ، وَرَدَّها بعدَ أَخْذِ الزَّرْعِ، فعليه أُجْرَتُها.
هذا المذهبُ، وعليه الأصحابُ.
ونقَل حَرْبٌ، حُكْمُها حُكْمُ الزَّرْعِ الذي لم يُحْصَدْ.
قال في «الفائقِ»: قلتُ: وجنَح ابنُ عَقِيلٍ إلى مُساواةِ الحُكْمَين.
واخْتارَه صاحِبُ «الفائقِ»، في غيرِ «الفائقِ»، ورَدَّ كلامَ الأصحابِ.
قال في «القاعِدَةِ التَّاسِعَةِ والسَّبْعِين»: ووَهَّمَ أبو حَفْص ناقِلَها، على أنَّ مِنَ الأصحابِ مَن رجَّحَها؛ بِناءً على أنَّ الزَّرْعَ نبَت على مِلْكَ مالِكِ الأرْضِ ابْتِداءً، والمَعْروفُ في المذهبِ خِلافُه.
انتهى.
قال الحارِثِيُّ: هذا المَعْروفُ عندَ الأصحابِ.
قال: وعنه، يحْدُثُ على مِلْكِ ربِّ الأرْضِ.
ذكَرَه القاضي يَعْقُوبُ، ومنَع في «تَعْليقِه» مِن كَوْنِه مِلْكًا للغاصِبِ، وقال: لا فَرْقَ بينَ ما قبلَ الحَصادِ وبعدَه؛ على ما نقَلَه حَرْبٌ.
قال الحارِثِيُّ: وكذا أوْرَدَه القاضي في «تَعْليقِه الكَبِيرِ»، فيما أظُنُّ، أو أجْزِمُ، وأوْرَدَه شيخُنا أبو بَكْرِ 1 ابنُ الصَّيرَفِي في كتابِ «نَوادِرِ المذْهبِ».
انتهى.
قال في «الفائقِ»: وقال القاضي يَعْقُوبُ: لا فَرْقَ بينَ ما قبلَ الحَصادِ وبعدَه، في إحْدَى الرِّوايتَين.
وبَناه على أنَّ زَرْعَ الغاصِبِ، هل يَحْدُث

وَإنْ أَدْرَكَهَا رَبُّهَا والزَّرْعُ قَائِمٌ، خُيِّرَ بَينَ تَرْكِهِ إِلَي الْحَصَادِ  على مِلْكِ صاحِب البَذْرِ، أو صاحِبِ الأرْضِ؟ على رِوايتَين، والحُدوثُ على مِلكِ صاحبِ الأرضِ هو المُخْتارُ.
انتهى.
وقال أيضًا: وهلِ القِياسُ كَوْن الزَّرْعِ لرَبِّ البَذْرِ، أو الأرْضِ؟ المَنْصُوصُ، الأوَّلُ.
وقال ابنُ عَقِيلٍ، والشيخُ تقِيُّ الدِّينِ: الثَّاني.
وقال الشَّيخُ تقِيُّ الدِّينِ أيضًا: يَنْبَنِي هذا على المَدْفُوعِ، إن كان النَّفَقَةَ، فلِرَبِّ الأرْضِ مُطْلَقًا، والمَنْصُوصُ، التَّفْرِقَةُ.
فعلى المذهبِ، على الغاصِبِ أُجْرَةُ المِثْلِ.
وعلى الرِّوايةِ الثَّانيةِ، للغاصِبِ نَفَقَةُ الزَّرْعِ، وأمَّا مُؤْنَة الحَصادِ، فَيَحْتَمِلُ أنْ تكونَ كذلك، وَيحْتَمِلُ أنْ لا تجِبَ.
قال الحارِثيُّ: وهو الأَقْوَى.
تنبيه: قولُه: ورَدَّها بعدَ أَخْذِ الزَّرْعِ.
هذا المذهبُ.
أعْنِي، أنَّه يُشْتَرطُ أنْ يكونَ قد حصَدَه، وعليه أكثرُ الأصحابِ.
وقال في «الرِّعايةِ»: وقيل: أو استَحْصَدَ قبلَه ولم يحْصُدْ.
قوله: وإنْ أَدْرَكهَا رَبُّها، والزَّرْعُ قائِمٌ، خُيِّرَ بينَ تَرْكِه إلى الحَصادِ بأْجْرَتِه، وبينَ أَخْذِه بعِوَضِه.
هذا الصَّحيحُ مِنَ المذهبِ، نصَّ عليه.
قال الحارِثِيُّ: تَواتَرَ النَّصُّ عن أحمدَ، أنَّ الزَّرْعَ للمالِكِ، وعليه جماهيرُ الأصحابِ.
وجزَم به في

بِأُجْرَتِهِ، وَبَينَ أخْذِهِ بِعِوَضِهِ.
وَهَلْ ذَلِكَ قيمَتُهُ أوْ نَفَقَتُهُ؟ عَلَى رِوَايَتَين.
«الوَجيزِ» وغيرِه.
وقدَّمه في «الفُروعِ» وغيرهِ.
قال الزَّرْكَشِيُّ: هو قَوْلُ القاضي، وعامَّةِ أصحابهِ، والشَّيخَين.
انتهى.
قال الحارِثيُّ: وهو قَوْلُ القاضي، وجُمْهورِ أصحابهِ، ومَن تَلاهم، والمُصَنِّفِ، في سائرِ كُتُبِه.
وهو مِنْ مُفْرَداتِ المذهبِ، قال ناظِمُها: بالاحْتِرامِ احْكُمْ لزَرْعِ الغاصِبِ … وليس كالبانِي أو كالنَّاصِبِ إنْ شاءَ ربُّ الأرْضِ ترْكَ الزَّرْعِ … بأْجْرَةِ المِثْلِ فَوَجْهٌ مرْعِى أو مِلْكَه إنْ شاءَ بالإنْفاقِ … أو قِيمَةً للزَّرْعِ بالوفاقِ

وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الزَّرْعُ لِلْغَاصِبِ، وَعَلَيهِ الأجْرَةُ.
ويَحْتَمِلُ أنْ يكونَ الزَّرْعُ للغاصِبِ، وعليه الأُجْرَةُ.
وهذا الاحْتِمالُ لأبِي

..................................  الخَطَّابِ.
وقيل: له قَلْعُه، إنْ ضَمِنَه.
واخْتارَ ابنُ عَقِيلٍ وغيرُه، أنَّ الزَّرْعَ لرَبِّ الأَرْضِ، كالوَلَدِ، فإنَّه لسَيِّدِ الأُمِّ، لَكِنِ المَنِيُّ لا قِيمَةَ له، بخِلافِ البَذْرِ.
ذكَرَه الشَّيخُ تقِي الدِّينِ.
قال الزَّرْكَشِي: وهذا القَوْلُ ظاهِرُ كلامِ الإِمامِ أحمدَ في عامَّةِ نُصُوصِه، والخِرَقِيِّ، والشِّيرازِيِّ، وابنِ أبِي مُوسى، فيما أظُنُّ، وعليه اعْتَمَدَ الإِمامُ أحمدُ.
وكذا قال الحارِثِيُّ: ظاهرُ كلامِ مَن تقدَّم مِنَ الأصحابِ؛ كالخِرَقِيِّ، وابنِ أبِي مُوسى، عدَمُ التَّخْيِيرِ، فإنَّ كُلًّا منهم قال: الزَّرْعُ لمالِكِ الأرْضِ، وعليه النَّفَقَةُ.
وهذا بعَينِه هو المُتَواتِرُ عن أحمدَ، ولم يذْكُرْ أحدٌ عنه تَخْيِيرًا، وهو الصَّوابُ، وعلَّلَه.
انتهى.
وقال الشَّيخُ تَقِيُّ الدِّينِ، في مَن زرَعَ بلا إذْنِ شَرِيكهِ، والعادَةُ بأنَّ مَن زرَعَ فيها له نَصِيبٌ مَعْلومٌ، ولرَبِّها نَصِيبٌ: قسِمَ ما زَرَعَه في نَصِيبِ شَرِيكهِ كذلك.
قال: ولو طَلَبَ أحدُهما مِنَ الآخَرِ أنْ يزْرَعَ معه أو يُهايِئَه فيها، فأبَى، فللأوَّلِ الزَّرْعُ في قَدْرِ حَقِّه بلا أُجْرَةٍ، كدارٍ بينَهما فيها

..................................  بَيْتان، سكَنَ أحدَهما عندَ امْتِناعِه مما يَلْزَمُه.
انتهى.
قلتُ: وهذا الصَّوابُ، ولا يسَعُ النَّاسَ غيرُه.
قوله: وهل ذلك قِيمَتُه، أو نَفَقَتُه؟ على وَجْهَين.
وهما وَجْهان في نُسْخَةٍ مَقْروءَةٍ على المُصَنِّفِ، وفي نُسْخَةٍ رِوايَتان، وعليها شرَح الشَّارِحُ، وابنُ مُنَجَّى.
قال الحارِثيُّ: حَكاهُما مُتَأخِّرُو الأصحابِ، والمُصَنِّف في «كتابهِ الكَبِيرِ» رِوايَتين، وأوْرَدَهما هنا وَجْهَين.
قال: والصَّوابُ أنَّهما رِوايَتان.
قال هو، والشَّارِحُ: والمَنْقُولُ عن أحمدَ في ذلك رِوايَتان.
وأطْلَقهما في «الهِدايَةِ»، و «تَذْكِرَةِ ابنِ عَقِيلٍ»، و «المُذْهَبِ»، و «مَسْبُوكِ الذَّهَبِ»، و «المُسْتَوْعِبِ»، و «المُغْنِي»، و «الكافِي»، و «الهادِي»، و «التَّلْخيصِ»، و «البُلْغةِ»، و «الشَّرْحِ»، و «الزّرْكَشِيِّ»؛ إحْداهما، يأْخُذُه بنَفَقَتِه؛ وهي ما أنْفَقَ مِنَ البَذْرِ ومُؤْنَةِ الزَّرْعِ؛ مِنَ الحَرْثِ والسَّقْي، وغيرِهما.
وهو المذهبُ، وهو ظاهِرُ كلامِ الخِرَقِيِّ، والشِّيرازِيِّ.
واخْتارَه القاضي في «رُءوسِ المَسائلِ»،

..................................  وابنُ عَقِيلٍ.
قال الحارِثِيُّ: وهو المذهبُ، وعليه مُتَقَدِّمُو الأصحابِ؛ كالخِرَقِيِّ، وأبِي بَكْرٍ، ثم ابنِ أبِي مُوسى، والقاضي في كِتابَيْ «المُجَرَّدِ»، و «رءُوسِ المَسائلِ»، وابنِ عَقِيلٍ؛ لصَرِيحِ الأخْبارِ المُتقَدِّمَةِ فيه.
انتهى.
وصحَّحه في «التصْحيحِ».
وجزَم به في «الطَّرِيقِ الأقرَبِ»، و «الوَجيزِ»، وقدَّمه في «الخُلاصَةِ»، و «الفُروعِ»، و «الفائقِ».
والرِّوايةُ الثَّانيةُ، يأْخُذُه بقِيمَتِه زَرْعًا الآنَ.
صحَّحه القاضي في «التَّعْليقِ».
وجزَم به في «العُمْدَةِ»، و «المُنَوِّرِ»، و «مُنْتَخَبِ الأزَجِيِّ».
وقدَّمه في «المُحَرَّرِ»، و «النَّظْمِ»، و «الرِّعايتَين»، و «الحاوي الصَّغِيرِ»، و «تجريدِ العِنَايةِ»، و «إدْراكِ الغايَةِ».
واخْتارَه ابنُ عَبْدُوس في «تَذْكِرَتِه».
قلتُ: والنَّفْسُ تَمِيلُ إليه.
قال ابنُ الزَّاغُونِيِّ: أصْلُهما، هل يُضْمَنُ وَلَدُ المَغْرُورِ بمِثْلهِ، أو قِيمَتِه؟ وعنه رِوايَةٌ ثالثَةٌ، يأْخُذُه بأيِّهما شاءَ، نقَلَها مُهَنَّا.
قاله في «الفُروعِ».
قال الحارِثيُّ:

..................................  وحكَى القاضي [أبو حُسَينٍ] 1 في كتابِ «التَّمامِ»، عن أخِيه أبِي القاسِمِ 2، رِوايَةً بالتَّخْيِيرِ، وهو الظَّاهِرُ مِن إيرادِ القاضي يَعْقُوبَ في «التَّعْليقِ».
وذكَر نصَّ مُهَنَّا.
وقال في «الفائقِ»: وخرَّج أبو القاسِمِ ابنُ القاضي رِوايَةً بالخِيَرَةِ، فكأَنَّه ما اطَّلَعَ على كلامِ الحارِثِيِّ، أو لأبِي القاسِمِ تَخْرِيجُ رِوايَةٍ، ثم اطَّلَعَ، فوافَقَ التَّخْرِيجَ لها.
فعلى الرِّوايةِ الثَّانيةِ، واحْتِمالِ أبي الخَطَّابِ، لرَبِّ الأرْضِ أُجْرَتُها إلى حينِ تَسْلِيمِ الزَّرْعِ.
على الصَّحيحِ مِنَ المَذهبِ.
جزَم به في «المُغنِي»، و «الشَّرْحِ»، و «الحارِثِيِّ»، وغيرِهم.
وقدَّمه في «الفُروعِ»، وذكَر

..................................  أبو يَعْلَى الصغِيرُ، أنَّه لا أُجْرَةَ له.
ونقَلَه إبْراهِيمُ بنُ الحارِثِ.
وعلى المذهبِ، أعْنِي إذا أوْجَبْنا ردَّ النفَقَةِ، فقال في «المُغْنِي»، و «الشَّرْحِ»: يَرُدُّ مِثْلَ البَذْرِ.
وبه قال ابنُ الزَّاغُونِيِّ؛ لأن البَذْرَ مِثْليٌّ.
ونصَرَه الحارِثِيُّ.
وقال القاضي في «المُجَرَّدِ»: يجِبُ ثَمَنُ البَذْرِ.
تنبيه: قال الحارِثِيُّ: عَمر المُصَنِّفُ بالنَّفَقَةِ عن عِوَضِ الزَّرْعِ، وكذلك عبَّر أبو الخَطَّاب، والسَّامَرِّيُّ، وصاحِبُ «التلخيصِ»، وغيرُهم، وليس بالجَيِّدِ؛ لوَجْهَين؛ أَحدُهما، أنَّ المُعاوَضَةَ تَسْتَلْزِمُ مِلْكَ المُعَوِّضِ، ودُخُولُ الزَّرْعِ في مِلْكِ الغاصِبِ باطِلٌ بالنَّصِّ.
كما تقدَّم، فبَطَلَ كوْنُها عِوَضًا عنه.
الثَّاني، الأصْلُ في المُعاوَضَةِ تَفاوُتُهما وتَباعُدُهما، فدلَّ على انْتِفاءِ المُعاوَضَةِ، والصَّوابُ، أنَّها عِوَضُ البَذْرِ ولوَاحِقِه.
انتهى.
فائدة: يُزَكِّيه ربُّ الأرْضِ، إنْ أخَذَه قبلَ وُجوبِ الزَّكاةِ، وإنْ أخَذَه بعدَ الوُجوبِ، ففي وُجوبِ الزَّكاةِ عليه وَجْهان.
وأطْلَقهما في «الفُروعِ»، و «القَواعدِ الفِقْهِيَّةِ».
قلتُ: الصَّحيحُ أنَّه لا يُزَكِّيه، بل تَجِبُ الزَّكاة على الغاصِبِ، لأنَّه ملَكَه إلى حينِ أَخْذِه، على الصَّحيحِ، كما تقدَّم.
وعلى مُقْتَضَى النُّصوصِ، واخْتِيارِ الخِرَقِيِّ، وأبِي بَكْر، وابنِ أبِي مُوسى، والحارِثِيِّ، وغيرِهم، يُزَكِّيه ربُّ الأرْضِ؛ لأنَّهم حكَمُوا أنَّ الزَّرْعَ مِن أصْلِه لرَبِّ الأرْضِ [وعلى هذا يكونُ هذا المذهبَ] 1.

وَإِنْ غَرَسَهَا أَوْ بَنَى فِيهَا، أُخِذَ بِقَلْعِ غَرْسِهِ وَبِنَائِهِ، وَتَسْويَةِ الأرْضَ وَأَرْشَ نَقْصِهَا وَأُجْرَتِهَا.
قوله: وإنْ غَرَسَها، أو بَنَى فيها، أُخِذَ بقَلْعِ غَرْسِه وبِنائِه وتَسْويَةِ الأرْضِ، وأرْشِ نَقْصِها وأُجْرَتِها.
وهذا مَقْطوعٌ به عندَ جُمْهورِ الأصحابِ، إلَّا أنَّ صاحِبَ «الرِّعايةِ» قال: لَزِمَه القَلْعُ في الأصحِّ.
قال في «القاعِدَةِ السَّابِعَةِ والسَّبْعِين»: والمَشْهورُ عن أحمدَ، للمالِكِ قَلْعُه مجَّانًا، وعليه الأصحابُ.
وعنه، لا يَقْلَعُ، بل يَتَملَّكُه بالقِيمَةِ.
وعليها، لا يَقْلَعُ إلَّا مَضْمُونًا، كغَرْسِ المُسْتَعِيرِ.
كذلك حَكاهما القاضي، وابنُ عَقِيلٍ.

..................................  [تنبيه: شَمِلَ كلامُ المُصَنِّفِ، ما لو كانَ الغارِسُ أو البانِي أحَدَ الشرِيكَين.
وهو كذلك، حتى ولو لم يَغْصِبْه، لكِنْ غرَسَ أو بنَى مِن غيرِ إذْنٍ.
وهو صحيحٌ.
نصَّ عليه في رِوَايةِ جَعْفَرِ بنِ محمدٍ، أنَّه سُئِلَ عن رَجُل غرَسَ نَخْلًا، في أرْضٍ بينَه وبينَ قَوْم، مُشاعًا؟ قال: إنْ كان بغيرِ إذْنِهم، قلَع نَخْلَه.
ويأْتِي هذا أيضًا في الشُّفْعَةِ] 1. فوائد؛ منها، لو زرَع فيها شَجَرًا بنَواه، فالمَنْصوصُ عن أحمدَ، وعليه الأصحابُ، أنَّه له، كما في الغِراسِ.
ويَحْتَمِلُ كوْنُه لرَبِّ الأرْضِ؛ لدُخُولِه في عُمومِ أخْبَارِ الزَّرْعِ.
قاله الحارِثِيُّ.
ومنها، لو أثْمَرَ ما غَرَسَ الغاصِبُ، فقال في «المُجَرَّدِ»، و «الفُصولِ»، وصاحِبُ «المُسْتَوْعِبِ»، و «نَوادِرِ المذْهبِ»: الثَّمَرُ لمالِكِ الأرْضِ، كالزَّرْعِ؛ إنْ أدْرَكَه أخَذَه، ورَد النَّفَقَةَ، والَّا فهو للغاصِبِ.
واخْتارَه القاضي.
ونصَّ عليه، في رِوايَةِ عليِّ بنِ سَعِيدٍ.
قال في «الفُروعِ»: ونَصُّه في مَن غَرَسَ أرْضًا، الثمرَةُ لرَبِّ الأرْضِ، وعليه النفَقَةُ.
وقال المُصَنِّفُ في «المغْنِي»، والشَّارِحُ، وصاحِبُ «الفائقِ»، وابنُ رَزِين: لو أثْمَرَ ما غرَسَه الغاصِبُ؛ فإنْ أدْرَكَه صاحِبُ الأرْضِ بعدَ الجَذاذِ، فَللغاصِبِ، وكذلك قبلَه.
وعنه، لمالِك الأَرْضِ، وعليه النَّفَقَةُ.
انتهوا.
قال ابن رَزينٍ، عن القَوْلِ بأنَّه لصاحِبِ الأرْضِ: ليس بشيءٍ.
قال الحَارِثيُّ: وفيه

..................................  وَجْهٌ، أنَّه للغاصِبِ بكُلِّ حالٍ.
وحَكاه ابنُ الزَّاغُونِيِّ في كتابِ الشُّروطِ، رِوايَةً عن أحمدَ، قال: وهذا أصحُّ؛ اعتِبارًا بأصْلِه.
قال: والقِياسُ على الزَّرْعِ ضعيفٌ.
واخْتارَ الحَارِثِيُّ ما قدَّمه المُصَنِّفُ.
وقدَّمه في «الرِّعايَتين»، و «الحاوي الصَّغِيرِ».
ومنها، لو جَصَّصَ الدَّارَ وزَوَّقَها، فحُكْمُها كالبِناءِ.
قاله

..................................  في «الكافِي».
ولو وهَبَ ذلك لمالِكِها، ففي إجْبارِه على قَبُولِه وَجْهان، كالصَّبْغِ في الثوْبِ، على ما يأتِي.
ومنها، لو غصَبَ أرْضًا، فبَناها دارًا بتُرابٍ منها

..................................  وآلاتٍ مِنَ المَغْصُوبِ منه، فعليه أُجْرَتُها مَبْنِيَّة، وإنْ كانتْ آلاتُها مِن مالِ الغاصِبِ، فعليه أُجْرَةُ الأرْضِ دُونَ بِنائِها؛ لأنَّه إنَّما غصَب الأَرْضَ، والبِناءُ له، فلم يَلْزَمْه أُجْرَةُ مالِه، فلو أجَرَهَا، فالأجْرَةُ لهما بقَدْرِ قِيمَتِهما.
نقَل ابنُ مَنْصُورٍ، في مَن بَنَى فيها ويُؤْجِرُها، الغَلَّةُ على النَّصيبِ.
ونقَل ابنُ مَنْصُورٍ أيضًا، ويكونُ شَرِيكًا بزِيادَةِ بِناءٍ.
ومنها، لو طَلَبَ أخْذَ البِناءِ أو الغِراسِ بقِيمَتِه، وأبَى مالِكُه إلَّا القَلْعَ، فله ذلك، ولا يُجْبَرُ على أخْذِ القِيمَةِ.
وفي البِناءِ تخْريجٌ، إذا بَذَلَ صاحِبُ الأرْضِ لصاحِبِ القِيمَةِ، أنَّه يُجْبَرُ على قَبُولِها، إذا لم يَكُنْ في النَّقْضِ غرَضٌ صحيحٌ.
وهو للمُصَنِّفِ.
والمذهبُ، الأوَّلُ.
وذكَرَ ابنُ عَقِيلٍ رِوايةً فيه، لا

..................................  يَلْزَمُه، ويُعْطِيه قِيمَتَه.
ونقلَه ابنُ الحَكَمِ.
وَرَوَى الخَلَّالُ فيه، عن عائِشَةَ، رَضِيَ اللهُ عنها، مَرْفُوعًا: «له ما نقَصَ».
قال أبو يَعْلَى الصَّغِيرُ: هذا مَنَعنا مِنَ القِياسِ.
ونقَل جَعْفَرٌ فيها، لرَبِّ الأرْضِ أخْذُه.
وجزَم به ابنُ رَزِينٍ، وزادَ، وترْكُه بأُجْرَةٍ.
انتهى.
ومنها، إنِ اتَّفَقا على القِيمَةِ، فالواجبُ قِيمَةُ الغِراسِ مَقْلُوعًا.
حَكاه ابنُ أبِي مُوسى وغيرُه.
وإنْ وَهَبَهما الغاصِبُ لرَبِّ الأرْضِ؛ ليَدْفعَ عن نَفْسِه كُلْفَةَ القَلْعِ، فقَبِلَه، جازَ.
وإنْ أبَى إلَّا القَلْعَ، وكان في قَلْعِه غرَضٌ صحيحٌ، لم يُجْبَرْ على القَبُولِ.
وإنْ لم يكُنْ له في القَلْعِ غرَضٌ صحيحٌ، ففي إجْبارِه على القَبُولِ احْتِمالان.
وأطْلقَهما في «المُغْنِي»، و «الشَّرْحِ»، و «الحارِثِيِّ»، و «الفُروعِ».
قال في «الرّعايةِ»: وإنْ وهَبَها لرَبِّ الأَرْضِ، لم يَلْزَمْه القَبُولُ، إنْ أرادَ القَلْعَ، وإلَّا احْتَمَلَ وَجْهَينِ.
انتهى.
قلتُ: الأَوْلَى أنَّه لا يُجْبَرُ.
ومنها، لو غَصَبَ أرْضًا و 1 غِراسًا مِن شَخْصٍ واحدٍ،

..................................  فغَرَسَه فيها، فالكُلُّ لمالِك الأرْضِ، فإنْ طالبَه رَبُّ الأرْضِ بقَلْعِه، وله في قَلْعِه غَرَضٌ صحيحٌ، أُجْبِرَ عليه، وعليه تَسْويَةُ الأرْضِ ونَقْصُها ونَقْصُ الغِراسِ.
وإنْ

..................................  لم يكُنْ في قَلْعِه غرَضٌ صحيحٌ، لم يُجْبَرْ، على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ.
قدَّمه في «المُغْنِي»، و «الشَّرْحِ»، و «الحَارِثِيِّ»، و «الفرُوعِ»، وغيرِهم.
وقيل: يُجْبَرُ.
وهو احْتِمالٌ للمُصَنِّفِ.
وإنْ أرادَ الغاصِبُ قَلْعَه ابْتدِاءً، فله مَنْعُه.
قاله الحارِثِيُّ، وصاحِبُ «الرِّعايةِ»، وغيرُهما، ويَلْزَمُه أُجْرَتُه مَبْنِيًّا، كما تقدَّم.
فائدتان؛ إحْداهما، لو غرَسَ المُشْتَرِي مِنَ الغاصِبِ، ولم يَعْلَمْ بالحالِ، فقال ابنُ أبِي مُوسى، والقاضي في «المُجَرَّدِ»، وتَبِعَه عليه المُتَأَخِّرون: للمالِكِ قَلْعُه مجَّانًا، ويَرْجِعُ المُشْتَرِي بالنَّقْصِ على مَن غَرَّه.
قال الحَارِثِيُّ: الحُكْمُ كما تقدَّم.
قاله أصحابُنا.
وقدَّمه في «المُحَرَّرِ»، و «الرِّعايتَين»، و «الحاوي الصَّغِيرِ»، وغيرِهم.
وقال في «القاعِدَةِ السَّابِعَةِ والسَّبْعِين»: المَنْصُوصُ أنَّه يَتمَلَّكُه بالقِيمَةِ، ولا يقْلَعُ مجَّانًا، نقَلَه حَرْبٌ، ويَعْقُوبُ بنُ بَخْتانَ.
قال: ولا يَثْبُتُ عن أحمدَ سِوَاه، وهو الصَّحيحُ.
انتهى.
ويأْتِي في كلامِ المُصنِّفِ ما هو أعَمُّ مِن ذلك، في البابِ في قوْلِه: وإنِ اشْتَرى أرْضًا فَغَرَسَها، أو بَنَى فيها، فخَرجَتْ مُسْتَحَقَّةً.
الثَّانيةُ، الرَّطْبَةُ ونحوُها، هل هي كالزَّرْعِ في الأحْكامِ المُتَقَدِّمةِ، أو كالغِراسِ؟ فيه احْتِمالان.
وأطْلَقهما في «المُغْنِي»، و «الشَّرْحِ»، و «الفُروعِ»، و «الفائقِ»، و «قواعدِ ابنِ رَجَبٍ»، و «الزَّرْكَشِيِّ»؛ أحدُهما، أنَّه كالزَّرْعِ.
قدَّمه ابنُ رَزِينٍ في «شَرْحِه»، وقال: لأنَّه زَرْعٌ ليس له

..................................  فَرْعٌ قَويٌّ، فأَشْبَهَ الحِنْطَةَ.
قال الزَّرْكَشِيُّ: ويدْخُلُ في عُمومِ كلامِ الخِرَقِيِّ.
قلتُ: وكذا غيرُه.
والوَجْهُ الثَّاني، هو كالغِراسِ قال النَّاظِمُ: وكالغَرْسِ في الأَقْوَى، المُكَرَّرُ جَذُّه.

وَإِنْ غَصَبَ لَوْحًا، فَرَقَّعَ بِهِ سَفِينَةً، لَمْ يُقْلَعْ حَتَّى تَرْسُوَ.
ويأْتِي قرِيبًا: لو حفَرَ في الأرْضَ بِئْرًا.
قوله: وإنْ غصَب لَوْحًا فرَقَعَ به سَفينَةً، لم يُقْلَعْ حتى تَرْسَى.
يعنِي، إذا كان يُخافُ مِن قَلْعهِ.
وهذا المذهبُ مُطْلقًا، وعليه جماهيرُ الأصحابِ.
وجزَم به في «الوَجيزِ» وغيرِه.
وقدَّمه في «الفُروعِ» وغيرِه.
قال في «القَواعِدِ الأصُولِيَّةِ»: هو المذهبُ عندَ الأصحابِ.
وقيل: يُقْلَعُ، إلَّا أنْ يكونَ فيه حَيوانٌ مُحْتَرمٌ، أو مالٌ للغَيرِ.
جزَم به في «عُيونِ المَسائلِ»، وهو احْتِمالٌ لأبِي الخَطَّابِ في «الهِدايَةِ».
قال الحارِثِيُّ: ومُطْلَقُ كلام ابنِ أبِي مُوسى يَقْتَضِيه؛ فإنَّه قال: مَنِ اغْتَصَبَ ساجَةً، فَبَنَى عليها حائِطًا، أوَ جعَلها في سَفِينَةٍ، قُلِعَتْ مِنَ الحائطِ أو السَّفِينَةِ، وإنِ اسْتُهْدِما بالقَلْعِ.
انتهى.

وَإِنْ غَصَبَ خَيطًا، فَخَاطَ بهِ جُرْحَ حَيَوَانٍ، وَخِيفَ عَلَيهِ مِنْ قَلْعِهِ، فَعَلَيهِ قِيمَتُهُ، إلا أنْ يَكُونَ الحَيَوَانُ مَأْكُولًا لِلْغَاصِبِ، فَهَلْ يَلْزَمُهُ رَدُّهُ وَيُذْبَحُ الْحَيَوَانُ؟ عَلَى وَجْهَينِ.
فائدة: حيث يَتَأَخَّرُ القَلْعُ، فلِلمالِكِ القِيمَةُ، ثم إذا أمْكَنَ الرَّدُّ، أخَذَه مع الأَرْشِ، إنْ نقَصَ، واسْتَرَدَّ الغاصِبُ القِيمَةَ كما لو أبَقَ المَغْصُوبُ.
قاله الحارِثِيُّ.
قلتُ: وقد شَمِلَه كلامُ المُصَنِّفِ الآتِي؛ حيثُ قال: وإنْ غَصَبَ عَبْدًا، فأَبَقَ، أو فَرَسًا، فشَرَدَ، أو شَيئًا تعَذَّرَ ردُّه مع بَقائِه، ضَمِنَ قِيمَتَه.
ولو قيلَ بأنَّه تَتعَيَّنُ له الأُجْرَةُ إلى أنْ يَقْلَعَ، لكانَ مُتَّجِهًا.
قوله: وإنْ غصَب خَيْطًا، فخاطَ به جُرْحَ حَيَوانٍ، وخِيفَ عليه مِن قَلْعِه،

..................................  فعليه قِيمَتُه، إلَّا أنْ يَكونَ الحَيَوانُ مَأْكَولًا للغاصِبِ، فهل يَلْزَمُه رَدُّه، ويُذْبَحُ الحَيَوانُ؟ على وجهَين.
إذا غَصَبَ خَيطًا وخاطَ به جُرْحَ حَيوانٍ، فلا يَخْلُو؛ إمَّا أنْ يُخافَ على الْحَيوانِ بقَلْعِه، أوْ لا، فإنْ لم يُخَفْ عليه بقَلْعِه، قُلِعَ.
وإنْ خِيفَ عليه، فلا يَخْلُو؛ إمَّا أنْ يكونَ مأْكُولًا أوْ لا، فإنْ لم يكُنْ مأْكولًا، فلا يَخْلُو؛ إمَّا أنْ يكونَ مُحْتَرمًا، أوْ لا، فإنْ كان غيرَ مُحْتَرَمٍ؛ كالمُرْتَدِّ، والكَلْبِ العَقُورِ، والخِنْزِيرِ، ونحوها، فله قَلْعُه منه، بلا نِزاعٍ.
وإنْ كان مُحْتَرَمًا، فلا يَخْلُو؛ إمَّا

جارٍ التحميل