وَهُوَ عَلَى ضَرْبَينِ؛ حَجْرٌ لِحَقِّ الْغَيرِ، نَذْكُرُ.
مِنْهُ
كِتابُ الحَجْرِ
فائدتان؛ إحْداهما، الحَجْرُ عِبارَة عن مَنْعِ الحاكِمِ مَن عليه دَينٌ حالٌّ يعْجِزُ عنه مالُه المَوْجودُ مُدَّةَ الحَجْرِ مِنَ التَّصَرُّفِ فيه.
الثَّانيةُ، قوْلُه: وهو على ضَربَين، حَجْرٌ لحَقِّ الغيرِ.
وحَجْرٌ لحَقِّ نَفْسِه.
هَهُنَا الْحَجْرَ عَلَى الْمُفْلِسِ.
فالحَجْرُ لحَقِّ الغَيرِ؛ كالحَجْرِ على المُفْلِسِ، والمَريضِ بما زادَ على الثُّلُثِ، والعَبْدِ، والمُكاتَبِ، والمُشْتَرِي إذا كانَ الثَّمَنُ في البَلَدِ، على ما تقدَّم في كلامِ المُصَنِّفِ، في آخرِ فَصْلِ خِيارِ التَّوْلِيَةِ والرهْنِ 1، والزَّوْجَةِ بما زادَ على الثُّلُثِ في التَّبَرُّعِ، على ما يأْتِي في البابِ.
والحَجْرُ لحَظِّ نَفْسِه؛ كالحَجْرِ على الصَّغِيرِ والمَجْنُونِ، والسَّفِيهِ.
فهذه عَشَرَةُ أسْبابٍ للحَجْرِ.
وقال في «الفُروعِ»: ولا يَحْجُرُ الحاكِمُ على مُقَتِّرٍ على نَفْسِه وعِيالِه.
واخْتارَ الأزَجِيُّ، بلَى.
فيكونُ هذا سَبَبًا آخَرَ، على قوْلِه.
وَمَنْ لَزِمَهُ دَينٌ مُؤجَّلٌ، لَمْ يُطَالبْ بِهِ قَبْلَ أجَلِهِ، وَلَمْ يُحْجَرْ عَلَيهِ مِنْ أجْلِهِ.
فَإِنْ أرَادَ سَفَرًا يَحِلُّ الدَّينُ قَبْلَ مُدَّتِهِ، فَلِغَرِيمِهِ مَنْعُهُ، إلا أَنْ يُوَثِّقَهُ بِرَهْنٍ أوْ كَفِيلٍ.
تنبيه: قوْلُه: فإنْ أرادَ سَفَرًا يَحِلُّ الدَّينُ قبلَ مُدَّتِه، فلغَريمِه مَنْعُهْ، إلا أنْ يُوَثِّقَه برَهْنٍ، أو كَفِيلٍ.
بلا نِزاعٍ.
لكِنْ مِن شَرْطِ الكَفِيلِ، أنْ يكونَ مَلِيئًا.
ذكَرَه الأصحابُ.
وهو واضحٌ.
وَإِنْ كَانَ لَا يَحِلُّ قَبْلَهُ، فَفِي مَنْعِهِ رِوَايَتَانِ.
قوله: وإنْ كان لا يَحِلُّ قبلَه، ففي مَنْعِه رِوايَتان.
وأطْلَقَهما في «المُغْنِي»، و «خِصالِ ابنِ البَنَّا»، و «الشرْحِ»، و «الفاسِّ»، و «الحاوي»، و «الزَّرْكَشِيِّ»، وغيرِهم؛ إحْداهما، له مَنْعُه.
وهو الصَّحيحُ مِنَ المذهبِ.
قال في «الفُروعِ»: فله مَنْعُه على الأصَحِّ.
وصحَّحَه في «التَّصْحيحِ».
وجزَم به في «البُلْغَةِ»، و «الوَجيزِ»، و «المُنَوِّرِ».
واخْتارَه ابنُ عَبْدُوسٍ في «تَذْكِرَتِه».
وقدَّمه في «المُحَرَّرِ».
قال في «المُذْهَبِ»: مُنِعَ في ظاهرِ
..................................
المذهبِ.
والثَّانيةُ، ليس له مَنْعُه.
وهو ظاهرُ كلامِ الخِرَقِيِّ، و «العُدَّةِ».
واخْتارَه القاضي.
وقدَّمه في «الخُلاصَةِ»، و «الهِدايَةِ»، و «التَّلْخيصِ»، و «الرِّعايتَين»، و «النَّظْمِ»، و «الحاوي الصَّغِيرِ».
تنبيه: ظاهرُ كلامِ المُصَنِّفِ، أنَّ الرِّوايَتَين في السَّفَرِ، سواءٌ كان مَخُوفًا أو غيرَ مَخُوفٍ.
وهو ظاهرُ كلامِه في «لهِدايَةِ»، و «الكافِي»، و «المُذْهَبِ»، و «الخُلاصَةِ»، وغيرِهم.
ولعَلَّه الصَّوابُ.
ومحَلُّهما عندَ صاحِبِ «الفُروعِ»، إذا كان السَّفَرُ مَخُوفًا، كالجِهادِ ونحوه.
وحكَى في السَّفَرِ غيرِ المَخُوفِ وَجْهَين.
قال في «الرِّعايَةِ الصُّغْرَى»، و «الحاوي الصَّغِيرِ»: فإنْ أرادَ سفَرًا مُدَّةً قبلَ أجَلِ الدَّينِ، جازَ كالجِهادِ.
وأدْخَلَ صاحِبُ «الواضِحِ» في السَّفَرِ المَخُوفِ، الحَجَّ.
ومحَلُّهما عندَ المُصَنِّفِ و «المُغْنِي»، وابنِ البَنَّا، وصاحِبِ «التَّلْخيصِ»، و «البُلْغَةِ»، و «المُحَرَّرِ»، و «النَّظْمِ»، و «الشَّرْحِ»، و «الحاوي الكَبِيرِ»، و «الفائقِ»، و «الزَّرْكَشِيِّ»، في غيرِ الجِهادِ، [فأمَّا في الجِهادِ] 1، فيُمْنَعُ، حتى يُوَثِّقَه برَهْنٍ أو ضَمِينٍ، على رِوايَةٍ واحِدَةٍ.
وظاهرُ كلامِه في «الرِّعايَةِ الكُبْرَى»، أنَّ محَلَّ الخِلافِ في غيرِ الجِهَادِ، وأنَّ الجِهادَ لا يُمْنَعُ منه، قوْلًا واحِدًا؛ لأنَّه قال: ومَن عليه دَينٌ مُوجَّلٌ، فله السَّفَرُ دُونَ أجَلِه.
وعنه، لا يُسافِرُ غيرُ مُجاهِدٍ، حتى يأْتِيَ برَهْنٍ أو ضَمِينٍ.
..................................
وتقدَّم كلامُه في «الرِّعايَةِ الصُّغْرَى»، و «الحاوي الصَّغِيرِ»، فإنَّ ظاهِرَه كذلك.
فلَعلَّهما أرادا إذا تعَيَّنَ عليه، وإلَّا فبَعِيدٌ.
وقد تقدَّم في أوَّلِ كتابِ الجِهادِ، أنَّه لا يُجاهِدُ مَن عليه دَينٌ لا وَفاءَ له، إلَّا بإذْنِ غَرِيمِه.
على الصَّحيحِ.
وذكَرْنا هناك الخِلافَ، وأنَّ لنا قوْلًا: لا يَسْتَأْذِنُه في الجِهادِ إذا كان الدَّينُ مُؤجَّلًا.
وقَوْلًا: إذا كان المَدْيُونُ جُنْدِيًّا مَوْثُوقًا به، لا يَسْتَأذِنُه، ويَسْتَأذِنُه غيرُه.
ومَحَلُّهما عندَ المُصَنِّفِ أيضًا، والشَّارِحِ، وجماعَةٍ، إذا كانَ السَّفَرُ طَويلًا؛ لأنَّهم علَّلُوا رِوايَةَ عدَمِ المَنْعِ، فقالُوا: لأنَّ هذا السَّفَرَ ليس بأمارَةٍ على مَنْعِ الحَقِّ في محِلِّه، فلم يَمْلِكْ مَنْعَه منه، كالسَّفَرِ القَصِيرِ.
ولعَلَّه أوْلَى.
فهذه سِتُّ طُرُقٍ في محَلِّ الخِلافِ.
فائدتان؛ إحْداهما، اخْتارَ الشَّيخُ تَقِيُّ الدِّينِ، أنَّ مَن أرادَ سفَرًا، وهو عاجِزٌ عن وَفاءِ دَينِه، أنَّ لغَرِيمِه مَنْعَه حتى يُقِيمَ كَفِيلًا ببَدَنِه.
قال في «الفُروعِ»: وهو مُتَّجِهٌ.
قلتُ: مِن قَواعِدِ المذهبِ، أنَّ العاجِزَ عن وَفاءِ دَينِه، إذا كان له حِرْفةٌ، يُلْزَمُ بإيجارِ نَفْسِه لقَضاءِ الدَّيْنِ.
فلا يبْعُدُ أنْ يُمْنَعَ، ليَعْمَلَ.
الثَّانيةُ، لو طُلِبَ منه دَينٌ حالٌّ يقْدِرُ على وَفائِه، فسافَرَ قبلَ وَفائِه، لم يَجُزْ له أنْ يَترَخَّصَ.
على الصَّحيحِ
وَإنْ كَانَ حَالًّا، وَلَهُ مَالٌ يَفِي بِهِ، لَمْ يُحْجَرْ عَلَيهِ، وَيَأْمُرُهُ الْحَاكِمُ بِوَفَائِهِ، فَإِنْ أَبَى حَبَسَهُ.
مِنَ المذهبِ.
وقيل: يجوزُ.
وإنْ لم يُطْلَبْ منه الدَّينُ الحالُّ، أو يحِلَّ في سفَرِه.
فقيلَ: له القَصْرُ والتَّرَخُّصُ، لِئَلَّا يُحْبَسَ قبلَ ظُلْمِه، كحَبْسِ الحاكمِ.
وقيل: لا يجوزُ له ذلك إلَّا أنْ يُوَكِّلَ في قَضائِه، لِئَلَّا يَمْنَعَ به واجِبًا.
ذكَر هذَين الوَجْهَين ابنُ عَقِيل.
وأطْلَقَهما في «القاعِدَةِ الثالِثَةِ والخَمْسِين»، وأطْلَقَهما ابنُ تَمِيمٍ في بابِ قَصْرِ الصَّلاةِ، وكذا ابنُ حَمْدانَ.
وقيل: إنْ سافَرَ وَكِيلٌ في القَضاءِ، لم يتَرَخَّصْ.
قلتُ: يحْتَمِلُ أنْ يُبْنَى الخِلافُ هنا على الخِلافِ في وُجوبِ الدَّفْعِ قبلَ الطَّلَبِ وعدَمِه، على ما تقدَّم في آخِرِ باب القَرْضِ.
والمذهبُ، لا يجِبُ قبلَ الطلَبِ، فله القَصْرُ.
وأطْلَقَهُنَّ في «الفُروعِ».
قوله: وإنْ كان حَالًّا، وله مَالٌ يَفِي به، لم يُحْجَرْ عليه، ويَأْمُرُه الحاكِمُ بوَفائِه،
فَإِنْ أَصَرَّ، بَاعَ مَالهُ، وَقَضَى دَينَهُ.
فإنْ أبى، حبَسَه.
القَوْلُ بالحَبْسِ، اخْتارَه جماهيرُ الأصحابِ، وقطَع به أكثرُهم، وعليه العَمَلُ.
وهو الصَّوابُ.
ولا تخْلُصُ الحُقوقُ في هذه الأزْمِنَةِ غالِبًا إلَّا به، وبما هو أشَدُّ منه.
وقال ابنُ هُبَيرَةَ في «الإفْصاحِ»: أوَّلُ مَن حبَس على الدَّينِ، شُرَيحٌ القاضي، ومضَتِ السُّنَّةُ في عَهْدِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم -، وأبِى بَكْرٍ، وعمرَ، وعثمانَ، وعليٍّ، أنَّه لا يُحْبَسُ على الدُّيونِ، لكِنْ يتَلازَمُ 1 الخَصْمان.
وأمَّا الحَبْسُ الآنَ كل الدَّينِ، فلا أعْلَمُ أنَّه يجوزُ عندَ أحَدٍ مِنَ المُسْلِمِين.
وتكَلَّمَ على ذلك وأطال.
ذكَرَه في «الفُروعَ»، و «الطَّبَقَاتِ».
فائدة: إذا حُبِسَ، فليس للحاكِمِ إخْراجُه حتى يَتَبَيَّنَ له أمْرُه، أو يُبَرِّئَه غَرِيمُه، أو يَرْضَى بإخْراجِه.
فإذا تبَيَّنَ أمْرُه، لم يسَعِ الحاكِمَ حَبْسُه، ولو لم يَرْضَ غَرِيمُه؛ لأنَّه ظُلْمٌ محْضٌ.
قوله: فإنْ أصَرَّ، باعَ ما لَه، وقضَى دَينَه.
إذا أصَرَّ على الحَبْسِ، فقال المُصَنِّفُ هنا: يَبِيعُ الحاكِمُ ماله، ويقْضِي دَينَه، مِن غيرِ ضَرْبٍ 2. قال في «الفائقِ»:
..................................
أبَى الضَّرْبَ الأكْثَرُون.
وقال جماعةٌ مِنَ الأصحابِ: إذا أصَرّ على الحَبْسِ، وصبَر عليه، ضرَبَه الحاكِمُ.
نقَلَه حَنْبَلٌ.
ذكَرَه عنه في «المُنْتَخَبِ» وغيرِه.
قال في «الفُصولِ» وغيرِه: يَحْبِسُه، فإنْ أبَى، عزَّرَه.
قال: ويُكَرِّرُ حَبْسَه وتَعْزِيرَه حتى يَقْضِيَه.
قال الشَّيخُ تَقِيُّ الدِّينِ: نصَّ عليه الأئمَّةُ مِن أصحابِ أحمدَ وغيرِهم، ولا أعْلَمُ فيه نِزاعًا، لكِنْ لا يُزادُ في كل يَوْم على أكثرِ التَّعْزيرِ، إنْ قِيلَ بتَقْديرِه.
انتهى.
فائدتان؛ إحْداهما، متى باعَ الحاكِمُ عليه، فقال في «الفُروعِ»: ذكَر جماعَةٌ أنَّه يُحْبَسُ، فإنْ لم يَقْضِه، باعَ الحاكِمُ وقَضاه.
فظاهِرُه، يجِبُ على الحاكِمِ بَيعُه.
نقَل حَنْبَلٌ، إذا تَقاعَدَ بحُقوقِ النَّاسِ، يُباعُ عليه، ويُقْضَى.
وقال الشَّيخُ تَقِيُّ الدِّينِ: لا يَلزَمُه أنْ يَبِيعَ عليه.
وقال أيضًا: مَن طُولِبَ بأداءِ حقٍّ عليه، فطَلَب
..................................
إمْهالًا، أُمْهِلَ بقَدْرِ ذلك اتِّفاقًا، لكِنْ إذا خافَ غَرِيمُه منه، احْتاطَ عليه بمُلازَمَةٍ، أو كَفِيلٍ، أو تَرْسيمٍ عليه.
الثَّانيةُ، لو مطَل غَرِيمَه حتى أحْوَجَه إلى الشِّكايَةِ، فما غَرِمَه بسَبَبِ ذلك يَلزَمُ 1 المُماطِلَ.
جزَم به في «الفُروعِ».
قاله الشَّيخُ تَقِيُّ الدِّينِ أيضًا.
قلتُ: ونَظِيرُ ذلك ما ذكَرَه المُصَنِّفُ، والأصحابُ، في بابِ اسْتِيفاءِ القِصاصِ، في أثْناءِ فَصْلِ، ولا يُسْتَوْفَى القِصاصُ إلَّا بحَضْرَةِ السُّلْطانِ.
ثم قال: [وإلَّا أمَرَه] 2 بالتَّوْكِيلِ، وإنِ احْتاجَ إلى أُجْرَةٍ، فمِن مالِ الجانِي.
وكذا أُجْرَةُ القَطْعِ في السَّرِقَةِ على السَّارِقِ.
وقال في «الرِّعايَةِ الكُبْرَى»، في بابٍ مِنَ الدَّعاوَى: وإنْ أحْضَرَ المُدَّعَى به، ولم يَثْبُتْ للمُدَّعِي، لَزِمَه مُؤْنَةُ إحْضارِه ورَدِّه، وإلَّا لَزِما المُنْكِرَ.
وتقدَّم كلامُ الشَّيخِ تَقِيِّ الدِّينِ في الضَّمانِ، إذا تَغَيَّبَ المَضْمونُ عنه حتى غَرِمَ الضَّامِنُ شيئًا بسَبَبِه، أو أنْفَقَه في الحَبْسِ، أنَّه يَرْجِعُ به على المَضْمونِ عنه.
وقال أيضًا: لو غَرِمَ بسَبَبِ كَذِبٍ عليه عندَ وَلِيِّ الأمْرِ، رجَع به على الكاذِبِ.
ذكَرَه عنه في «الفُروعِ»، في أوائلِ الفَصْلِ الأوَّلِ، مِن كتابِ الغَصْبِ.
وَإنِ ادَّعَى الإِعْسَارَ، وَكَانَ دَينهُ عَنْ عِوَضٍ، كَالْبَيعِ وَالْقَرْضِ، أَوْ عُرِفَ لَهُ مَالٌ سَابِقٌ، حُبِسَ، إلا أَنْ يُقِيمَ الْبَيِّنَةَ عَلَى نَفَادِ مَالِهِ وَإِعْسارِهِ.
وَهَلْ يَحْلِفُ مَعَهَا؟ عَلَى وَجْهَينِ.
وَإنْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ، حَلَفَ وَخُلِّيَ سَبِيلُهُ.
قوله: وإنِ ادَّعَى الإِعْسارَ، وكان دَينُه عن عِوَضٍ، كالبَيعِ والقَرْضِ، أو عُرِفَ له مَالٌ سابِقٌ، حُبِسَ، إلَّا أنْ يُقِيمَ البَيَّنَةَ على نَفادِ مَالِه، أو إعْسَارِه، وهل يَحْلِفُ معها؟ على وَجْهَين.
إذا ادَّعَى الإعْسارَ، فلا يَخْلُو؛ إمَّا أنْ يكونَ دَينُه عن عِوَضٍ، أو يُعْرَفَ له مالٌ سابِقٌ، أو غيرَ ذلك.
فإنْ كان دَينُه عن عِوَضٍ؛ كالبَيعِ، والقَرْضِ، ونحوهما، والغالِبُ بَقاؤُه، أو عن غيرِ مالٍ، كالضَّمانِ، ونحوه، وأقَرَّ أنَّه مَلِئٌ، أو عُرِفَ له مالٌ سابِقٌ، لم يُقْبَلْ قوْلُه إلا ببَيِّنَةٍ.
ثم إن البَيِّنَةَ.
لا تَخْلُو؛ إمَّا أنْ تَشْهَدَ بنَفادِ مالِه، أو إعْسارِه.
فإنْ شَهِدَتْ بنَفادِ مالِه أو تنفِه، حلف معها، على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ، أنْ لا مال له في الباطِنِ.
قال في «الفُروعِ»، و «الرِّعايَةِ الكُبْرَى»: ويَحْلِفُ معها على الأصحِّ.
قال في «الفائقِ»: حلَف معها في أصحِّ الوَجْهَين.
وجزَم به في «الكافِي»، و «التَّلْخيصِ»،
..................................
و «المُحَرَّرِ»، و «الشَّرْحِ»، و «الوَجيزِ»، و «المُنَوِّرِ».
وقدَّمه في «الرِّعايَةِ الصغْرَى»، و «الحاويَيْن».
والوَجْهُ الثَّانِي، لا يَحْلِفُ مع بَيِّنَةٍ هنا.
وإنْ شَهِدَتْ بإعْسارِه، فلا بُدَّ أنْ تكونَ البَيِّنَةُ ممَّن يُخْبِرُ باطِنَ حالِه؛ لأنَّها شَهادَةٌ
..................................
على نَفْي، قُبِلَتْ للحاجَةِ، ولا حَلِفَ معها.
على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ، وهو ظاهرُ كلامِ الإِمامِ أحمدَ.
قال في «الرِّعايَةِ الكُبْرَى»، و «الفُروعِ»: ولم يَحْلِفْ معها، على الأصحِّ؛ لئَلَّا يكونَ مُكَذِّبًا لبَيِّنَتِه.
وجزَم به في «الكافِي»، و «المُحَرَّرِ»، و «الرِّعايَةِ الصُّغْرَى»، و «الحاويَيْن».
وقدَّمه
..................................
في «التَّلْخيصِ»، و «الشَّرْحِ».
والوَجْهُ الثَّانِي، يحَلِفُ معها.
وذكَر ابنُ أبِي مُوسى، عن بعضِ الأصحاب، أنَّه يَحْلِفُ مع بَيِّنَتِه أنَّه مُعْسِرٌ؛ لأنَّها تَشْهَدُ بالظَّاهرِ.
فوائد؛ إحْداها، يُكْتَفَى في البَيِّنةِ أنْ تَشْهَدَ بالتَّلَفِ، أو بالإِعْسارِ.
على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ.
قال الزَّرْكَشِيُّ: هذا المُحَقَّقُ؛ وفاقًا للمَجْدِ وغيرِه.
قلتُ: وجزَم به المُصَنِّفُ، وصاحِبُ «الفُروعِ»، وجزَم به في «التَّلْخيصِ»، أنه لا يُكْتَفَى في الشَّهادَةِ بالإِعْسارِ، بل لا بدَّ مِنَ الشهادَةِ بالتَّلَفِ والإِعْسارِ معًا.
وكذا قال في «الرِّعايتَين»، و «الحاويَيْن»، و «الفائقِ»، فإنَّهم قالُوا: تَشْهَدُ بذَهابِه وإعْسارِه، لا أنَّه لا يَمْلِكُ شيئًا.
الثَّانيةُ، تُسْمَعُ بَينةُ إعْسارِه ونحوُها قبلَ حَبْسِه وبعدَه، ولو بيَوْمٍ.
قاله الأصحابُ.
الثَّالِثَةُ، إذا لم يَكُنْ لمُدَّعِي الإِعْسارِ
..................................
بَيِّنَةٌ، والحالةُ ما تقدَّم، كان القَوْلُ قَوْلَ غَرِيمِه مع يَمِينِه؛ أنَّه لا يَعْلَمُ عُسْرَتَه بدَينِه، وكان له حَبْسُه، ومُلازَمتُه.
قاله في «الكافِي»، و «التَّلْخيصِ»، و «الزَّرْكَشِيِّ»، وغيرِهم.
وقال في «التَّرْغِيبِ»: إنْ حلَف أنه قادِرٌ، حبَسَه، وإلَّا حلَف المُنْكِرُ عليهما، وخُلِّيَ.
ونقَل حَنْبَلٌ، يُحْبَسُ إنْ عُلِمَ له ما يَقْضِي.
وفي «المُسْتَوْعِبِ»، إنْ عُرِفَ بمالٍ، أو أقَرَّ أنَّه 1 مَلِئٌ به، وحلَف غَرِيمُه أنَّه لا يعْلَمُ عُسْرَتَه، حُبِسَ.
وفي «الرِّعايَةِ»: يَحْلِفُ أنَّه مُوسِرٌ بدَينِه، ولا يعْلَمُ إعْسارَه به.
وفي «المُغْنِي»، و «الشرْحِ»، إذا حلَف أنه ذو مالٍ، حُبِسَ.
وقال في
..................................
«الفُروعِ»: وظاهِرُ كلامِ جماعَةٍ، أنَّه لا يَحْلِفُ إلَّا أنْ يَدَّعِيَ المَدْيونُ تَلَفًا أو إعْسارًا، أو يَسْأَلَ سُؤاله، فتَكُونُ دَعْوَى مُسْتَقِلَّةً.
فإنْ كان له ببَقاءِ مالِه أو قُدْرَتِه بَيِّنَةٌ 1، فلا كَلامَ، وإلَّا فيَمِينُ صاحِبِ الحقِّ بحَسَبِ جَواب المَدْيونِ كسائرِ الدَّعاوَى.
قال في «الفُروعِ»: وهذا أظْهَرُ، وهو مُرادُهم، لأنَّه ادَّعَى الإعْسارَ، وأنَّه يعْلَمُ ذِلك، وأنْكَرَه.
انتهى.
وحيثُ قُلْنا: يَحْلِفُ صاحِبُ الحقِّ.
وأبَى، حلَف الآخرُ، وخُلِّيَ سَبِيلُه.
الرَّابعَةُ، يُكْتَفَى في البَيِّنَةِ هنا باثْنَين.
على الصَّحيحِ
..................................
مِنَ المذهبِ، وعليه الأصحابُ.
وعنه، لا يَكْفِي أقَلُّ مِن ثَلاثةٍ، كمَن يُرِيدُ أخْذَ الزَّكاةِ، وكان مَعْروفًا بغِنًى، وادَّعَى الفَقْرَ.
على ما تقدَّم في أواخِرِ باب ذِكْرِ أهْلِ الزَّكاةِ.
قوله: وإنْ لم يَكُنْ كذلك، حلَف وخُلِّيَ سَبِيلُه.
أي، وإنِ ادَّعَى الإعْسارَ، ولم يُعْرَفْ له مالٌ سابِقٌ، ودَينُه عن غيرِ عِوَضٍ، ولم يُقَرَّ بالمَلاءَةِ به، أو عُرِفَ له مالٌ سابِقٌ والغالِبُ ذَهابُه.
وهذا الصَّحيحُ مِنَ المذهبِ، وعليه حماهيرُ
..................................
الأصحابِ.
قال الزَّرْكَشِيُّ: هذا المَعْروفُ في المذهبِ.
وجزَم به في «الهِدايَةِ»، و «المُذْهَبِ»، و «الخُلاصَةِ»، و «التَّلْخيصِ»، و «المُحَرَّرِ»، و «النَّظْمِ»، و «الوَجيزِ»، وغيرِهم.
وقدَّمه في «الفُروعِ» وغيرِه.
وقال في «التَّرْغِيبِ»: يُحْبَسُ إلى ظُهورِ إعْسارِه.
وقال في «البُلْغَةِ»: إلى أنْ يَثْبُتَ إعْسارُه.
وظاهرُ كلامِ الخِرَقِيِّ، أنَّ حُكْمَه حُكْمُ مَن عُرِفَ بمالٍ، أو كان دَينُه عن عِوَض.
على ما تقدَّم.
فائدتان؛ إحْداهما، لو قامَتْ بَيِّنَةٌ للمُفْلِسِ بمالٍ مُعَيَّنٍ، فأنْكَرَ، ولم يُقِرَّ به لأحَدٍ، وقال: هو لزَيدٍ فكَذَّبَه زَيدٍ، قُضِيَ دَينُ المُفْلِسِ منه.
وإنْ صدَّقَه زَيدٌ، فهل يُقْضَى دَينُ المُفْلِسِ منه؟ على وَجْهَين.
وأطْلَقَهما في «الفُروعِ»؛ أحدُهما، لا يُقْضَى منه، ويكونُ لزَيدٍ مع يَمِينِه؛ لاحْتِمالِ التَّواطُؤ.
جزَم به في «المُغْنِي»، و «الشَّرْحِ»، و «ابنِ رَزِينٍ»، و «النَّظْمِ».
قال في «الرِّعايَةِ الكُبْرَى»:
..................................
فإنْ أقَرَّ أنَّه لزَيدٍ مُضارَبَةً، قُبِلَ قوْلُه مع يَمِينِه، إنْ صدَّقَه زَيدٌ، أو كان غائبًا.
والثَّاني، يُقْضَى منه دَينُه.
وعلى الوَجْهَين، لا يَثْبُتُ المِلْكُ للمَدِينِ؛ لأنَّه لا يدَّعِيه.
قال في «الفُروعِ»: فظاهِرُ هذا، أن البَيِّنَةَ هنا لا يُعْتَبرُ لها تقدُّمُ دَعْوَى، وإنْ كانَ للمُقَر له المُصَدِّقِ بَيِّنَة، قُدِّمَتْ؛ لإقْرارِ رَبِّ اليَدِ.
وفي «المُنْتَخَبِ»، بَيِّنَةُ المُدَّعِي؛ لأنَّها خارِجَةٌ.
الثَّانيةُ، يَحْرُمُ على المُفْلِسِ أنْ يَحْلِفَ أنَّه لا حَقَّ عليه، ويَتأوَّلَ.
جزَم به في «الفُروعِ» وغيرِه.
قلتُ: لو قِيلَ بجَوازِه -إذا تحَقَّقَ ظُلْمُ رَبِّ الحقِّ له، وحَبْسُه، ومَنْعُه مِنَ القِيامِ على عِيالِه- لكان له وَجْهٌ.
وَإنْ كَانَ لَهُ مَالٌ لَا يَفِي بِدَينِهِ، فَسَألَ غُرَمَاؤُهُ الْحَاكِمَ الْحَجْرَ عَلَيهِ، لَزِمَتْهُ إِجَابَتُهُمْ.
قوله: وإنْ كان له مالٌ لا يَفِي بدَينِه، وسأَل غُرَماؤُه الحَاكِمَ الحَجْرَ عليه، لَزِمَه إجابَتُهم.
هذا المذهبُ، وعليه الأصحابُ.
واخْتارَ الشَّيخُ تَقِيُّ الدِّينِ، إنْ ضاقَ مالُه عن دُيونِه، صارَ مَحْجُورًا عليه بغيرِ حُكْمِ حاكِمٍ.
وهو رِوايَةٌ عن أحمدَ.
ويأْتِي مَعْنَى ذلك قَرِيبًا.
تنبيهات؛ أحدُها، قوْلُه: وإنْ كان له مالٌ لا يَفِي بدَينِه.
هكذا عِبارَةُ أكثرِ الأصحابِ.
وقال في «الرِّعايَةِ الكُبْرَى»: ومَن له دُونَ ما عليه مِن دَينٍ حالٍّ، أو قَدْرُه، ولا كَسْبَ له، ولا ما يُنْفِقُ منه غيرَه، أو خِيفَ تَصَرُّفُه فيه.
الثَّاني، ظاهرُ قوْلِه: فسألَ غُرَماؤُه الحَجْرَ.
أنَّه لو سَألَه البعضُ الحَجْرَ عليه، لم يَلْزَمْه
وَيُسْتَحَبُّ إِظْهَارُهُ وَالإِشْهَادُ عَلَيهِ.
إجابَتُهم.
وهو ظاهِرُ «المُغْنِي»، و «المُسْتَوْعِبِ»، و «الشَّرْحِ»، و «المُحَرَّرِ»، و «النَّظْمِ»، و «الحاوي»، وجماعَةٍ.
وهو أحَدُ الوَجْهَين.
وقدَّمه في «الرِّعايتَين»، و «الفائقِ»، و «الزَّرْكَشِيِّ».
والوَجْهُ الثَّانِي، يَلْزَمُه إجابَتُهم أيضًا.
وهو الصَّحيحُ مِنَ المذهبِ.
قال في «الفُروعِ»: لَزِمَ الحَجْرُ عليه بطَلَبِ غُرَمائِه.
والأصحُّ، أو بعضِهم.
قال في «تَجْريدِ العِنايَةِ»: هذا الأظْهَرُ.
اخْتارَه ابنُ عَبْدُوسٍ في «تَذكِرَتِه».
وجزَم به في «الوَجيزِ»، و «التَّلْخيصِ»، و «البُلْغَةِ».
وهو الصَّوابُ.
الثَّالثُ، ظاهِرُ كلامِه أيضًا،
أنَّ المُعْسِرَ لو طلَب الحَجْرَ على نَفْسِه مِنَ الحاكِمِ، لا يَلْزَمُه إجابَتُه إلى ذلك.
وهو
فَصْل: وَيَتَعَلَّقُ بِالْحَجْرِ عَلَيهِ أرْبَعَةُ أَحْكَامٍ، أَحَدُهَا، تَعَلُّقُ حَقِّ الْغُرَمَاءِ بِمَالِهِ، فَلَا يُقْبَلُ إقْرَارُهُ عَلَيهِ، وَلَا يَصِحُّ تَصَرُّفُهُ فِيهِ، إلا الْعِتْقَ عَلَى إِحْدَى الرِّوَايَتَينِ.
ظاهِرُ كلامِ أكثرِ الأصحابِ.
وقال في «المُسْتَوْعِبِ»: إنْ زادَ دَينُه على المالِ، وقيل: أو طلَب المُفْلِسُ الحَجْرَ مِنَ الحاكِمِ.
لَزِمَه.
وقال في «الرِّعايَةِ الكُبْرَى»: وإنْ طلَبَه المُفْلِسُ وحْدَه، احْتَمَلَ وَجْهَين.
قال في «تَجْرِيدِ العِنايَةِ»: وبسُؤالِه في وَجْهٍ.
قوله: ويَتَعَلَّقُ بالحَجْرِ عليه أرْبَعَةُ أحْكامٍ؛ أحَدُها، تَعَلُّقُ حَقِّ الغُرَماءِ بمالِه، فلا يُقْبَلُ إقْرَارُه عليه، ولا يَصِح تَصَرُّفُه فيه، إلَّا بالعِتْقِ على إحْدَى الرِّوايتَين.
اعْلمْ
..................................
أنَّه إذا كان عليه دَينٌ أكثرُ مِن مالِه، وتَصَرَّفَ، فلا يَخْلُو؛ إمَّا أنْ يكونَ تصَرُّفُه قبلَ الحَجْرِ عليه، أو بعدَه؛ فإنْ كان قبلَ الحَجْرِ عليه، صحَّ تصَرُّفُه، على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ، نصَّ عليه، وعليه جماهيرُ الأصحابِ، وقطَع به كثيرٌ منهم، ولو اسْتَغْرَقَ جميعَ مالِه، حتى قال في «المُسْتَوْعِبِ» وغيرِه: لا يَخْتَلِفُ المذهبُ في ذلك.
وقيل: لا يَنْفُذُ تصَرُّفُه.
ذكَرَه الشيخُ تَقِي الدِّينِ، وحَكاه رِوايةً، واخْتارَه.
وسألَه جَعْفَر: مَن عليه دَين، يتَصَدَّقُ بشيءٍ؛ قال: الشَّيء اليَسِيرُ، وقَضاءُ دَينهِ أوْجَبُ عليه.
قلتُ: وهذا القَوْلُ هو الصَّوابُ، خُصوصًا وقد كَثُرَتْ حِيَلُ النَّاسِ.
وجزَم به في «القاعِدَةِ الثَّالِثَةِ والخَمْسِين»، وقال: المُفْلِسُ إذا طلَب البائعُ منه سِلْعَتَه التي يَرْجِعُ بها قبلَ الحَجْرِ، لم يَنْفُذْ تَصرُّفُه.
نصَّ عليه.
وذكَر في ذلك ثَلاثَةَ نُصُوصٍ، لكِنَّ ذلك مَخْصوصٌ بمُطالبَةِ البائعِ.
وعنه، له مَنْعُ ابنِه مِن التَّصَرُّفِ في مالِه بما يَضُرُّه.
ونقَل حَنْبَلٌ في مَن تصَدَّقَ وأبَواه فَقِيران، رُدَّ عليهما، لا لمَن دُونَهما.
ونصَّ في رِوايَةٍ، على أن مَن أوْصَى لأجانِبَ، وله أقارِبٌ مُحْتاجُونَ، أنَّ الوَصِيَّةَ تُرَدُّ عليهم.
قال في «القاعِدَةِ الحادِيَةَ عَشَرَ»: فيُخَرَّجُ مِن
..................................
ذلك، أن مَن تبَرَّعَ وعليه نفَقَةٌ واجِبَةٌ لوارِثٍ، أو دَينٌ، وليس له وَفاءٌ، أنَّه يُرَدُّ.
ولهذا يُباعُ المُدَبَّرُ في الدَّينِ خاصَّةً، على رِوايَةٍ.
ونقَل ابنُ مَنْصُورٍ، في مَن تصَدَّقَ عندَ مَوْتِه بمالِه كلِّه، قال: هذا مَرْدُودٌ، ولو كان في حَياتِه، لم أُجَوِّزْ إذا كان له وَلَدٌ.
فعلى المذهبِ، يَحْرُمُ عليه التَّصَرُّف إنْ أضَرَّ بغَرِيمِه.
ذكَرَه الآدَمِيُّ البَغْدادِيُّ، واقْتصَرَ عليه في «الفُروعِ»، وهو حَسَنٌ.
وإنْ تصَرَّفَ بعدَ الحَجْرِ عليه، فلا يَخْلُو؛ إمَّا أنْ يتَصَرَّفَ بالعِتْقِ أو بغيرِه، فإنْ تصَرَّفَ بالعِتْقِ، فأطْلقَ المُصَنِّفُ في صِحَّةِ عِتْقِه رِوايتَين.
وأطْلَقَهما في «الهِدايةِ»، و «المُذْهَبِ»، و «المُسْتَوْعِبِ»، و «الخُلاصَةِ»، و «الكافِي»، و «الهادِي»، و «التَّلْخيصِ»، و «البُلْغةِ»، وغيرِهم؛ إحْداهما، لا يصِحُّ.
وهو المذهبُ.
قال المُصَنِّفُ، والشَّارِحُ، والزَّرْكَشِيُّ، في كتابِ العِتْقِ: هذا أصحُّ.
واخْتارَه أبو الخَطَّابِ في «رُءُوسِ المَسائلِ»، وابنُ عَبْدُوسٍ في «تَذْكِرَتِه».
وجزَم به في «الوَجيزِ»، و «والمُنَوِّرِ»، و «مُنْتَخَبِ الأزَجِيِّ»، وغيرِهم.
وصحَّحه في «التَّصْحيحِ» وغيرِه.
وقدَّمه في «المُحَرَّرِ»، و «الفُروعِ»، و «الرِّعايَةِ
..................................
الصُّغْرَى»، و «الحاويَيْن»، و «الفائقِ»، و «إدْراكِ الغايَةِ».
والرِّوايَةُ الثَّانيَةُ، يصِحُّ.
اخْتارَه أبو بَكْرٍ، والقاضي، والشَّرِيفُ.
قاله الزَّرْكَشِيُّ.
قال في «الرِّعايَةِ الكُبْرَى»: يصِحُّ عِتْقُه على الأقْيَسِ.
وإنْ تصرَّفَ بغيرِ العِتْقِ، فلا يَخْلُو؛ إمَّا أنْ يكونَ بتَدْبِيرِ رَقيقِه أو غيرِه؛ فإنْ كان بالتَّدْبيرِ، صحَّ، بلا نِزاع أعْلَمُه.
وإنْ كان بغيرِه، فلا يَخْلُو؛ إمَّا أنْ يكونَ بالشَّيءِ اليَسِيرِ، أو غيرِه؛ فإنْ كان بالشَّيءِ اليَسِيرِ، لم يَنْفُذْ تصرُّفُه.
على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ، نصَّ عليه، وعليه الأصحابُ.
وفي «المُسْتَوْعِبِ»، و «الرِّعايَةِ»، يصِحُّ تصرُّفُه بالصَّدقَةِ في الشَّيءِ اليَسِيرِ.
زادَ في «الرِّعايَةِ»، بشَرْطِ أنْ لا يَضُرَّ.
قلتُ: إذا كانتِ العادَةُ ممَّا جرَتْ به، وسامَحَ بمِثْلِه، فيَنْبَغِي أنْ يصِحَّ تصرُّفُه بلا خِلافٍ.
وفي «الرِّعايَةِ» وغيرِها: تصِحُّ وَصِيَّتُه، بشَرْطِ أنْ لا يَضرَّ بمالِه.
انتهى.
وإنْ كان تصرُّفُه بغيرِ اليَسِيرِ، لم يصِحَّ تصَرفُه.
على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ، وعليه الأصحابُ، ونصَّ
وَإنْ تَصَرَّفَ فِي ذِمَّتِهِ بِشِرَاءٍ، أَوْ ضَمَانٍ، أو إِقْرَارٍ، صَحَّ.
وَيُتْبَعُ بِهِ بَعْدَ فَكِّ الْحَجْرِ عَنْهُ.
عليه.
ونقَل مُوسى بنُ سَعِيدٍ، إنْ تصَرَّفَ قبلَ طَلَبِ رَبِّ العَينِ لها، جازَ، لا بعدَه.
فائدتان؛ إحْداهما، لو باعَ ماله لغَرِيمٍ بكُلِّ الدَّينِ الذي عليه، ففي صِحَّتِه وَجْهان.
وأطْلَقهما في «الفُروعِ».
قال في «الرِّعايَةِ»: يَحْتَمِلُ وَجْهَين؛ أحدُهما، يصِحُّ لرِضاهما به.
وهو ظاهِرُ كلامِ الإِمامِ أحمدَ، رَحِمَه الله.
والوَجْهُ الثَّانِي، لا يصِحُّ؛ لاحْتِمالِ ظُهورِ غَرِيمٍ آخَرَ.
قلتُ: وهو الصَّوابُ.
الثَّانيةُ، يَمْلِكُ رَدَّ مَعِيبٍ اشْتَراه قبلَ الحَجْم، ويَمْلِكُ الرَّدَّ بخِيارٍ، غيرَ مُتَقَيِّدٍ بالأحَظِّ.
على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ.
قال في «التَّلْخيصِ»: ولا يتَقَيَّدُ بالأحَظِّ على الأظْهَرِ.
قال في «الفائقِ»: هذا أصحُّ الوَجْهَين وهو ظاهِرُ ما جزَم به في «الحاويَيْن»، و «الرِّعايَةِ الصُّغْرَى»؛ فإنَّهما قالا: وله رَدُّ ما اشْتَراه قبلَ الحَجْرِ بعَيبٍ أو خِيارٍ.
وقدَّمه في «الفُروعِ»، و «الرِّعايَةِ الكُبْرَى».
قال الزَّرْكَشِيُّ: وهو المَشْهورُ.
وجزَم به في «المُغْنِي»، و «الشرْحِ»، في الثَّانيةِ.
وقيل: إنْ كان فيه حَظٌّ نفَذ تصَرُّفُه، وإلَّا فلا.
قال في «التَّلْخيصِ»: وهو قِياسُ المذهبِ.
قلتُ: وهو الصَّوابُ.
قوله: وإنْ تَصَرَّفَ في ذِمَّتِه بشِراء أو ضَمانٍ، أو إقْرَارٍ، صَحَّ، ويُتْبَعُ به بعدَ فَكِّ الحَجْرِ عنه.
هذا المذهبُ، وعليه الأصحابُ.
فلا يُشارِكُون مَن كان دَينُه
وَإنْ جَنَى، شَارَكَ الْمَجْنِيُّ عَلَيهِ الْغُرَمَاءَ، وَإنْ جَنَى عَبْدُهُ، قُدِّمَ الْمَجْنِيُّ عَلَيهِ بِثَمَنِهِ.
قبلَ الحَجْرِ.
وفي «المُبْهِجِ»، في جاهِلٍ به وَجْهان.
وعنه، يصِحُّ إقْرارُه إنْ أضافَه إلى ما قبلَ الحَجْرِ، أو ادَّانَه عامِلٌ قبلَ قِراضِه.
قاله الشَّيخُ تَقِيُّ الدِّينِ.
وقال في «الرِّعايَةِ»: ويَحْتَمِلُ أنْ يُشارِكَهم مَن أقرَّ له بدَينٍ لَزِمَه قبلَ الحَجْرِ.
وقال أيضًا: وإنْ أقَرَّ بمالٍ مُعَيَّن، أو عَين، احْتَمَلَ وَجْهَين.
وتقدَّم نَقْلُ مُوسى بن سَعِيدٍ.
وتقدَّم في بابِ الضَّمانِ، أنَّ صاحِبَ «التَّبْصِرَةِ» حكَى رِوايَةً بعَدَمِ صِحَّةِ ضَمانِه.
قال في «الفُروعِ»: ويتَوَجَّهُ عليها عدَمُ صِحَّةِ تصَرُّفِه في ذِمَّتِه.
انتهى.
تنبيه: ظاهرُ كلامِه، أنَّ مَن عامَلَه بعدَ الحَجْرِ، لا يَرْجِعُ بعَينِ مالِه.
وهو أحَدُ الوُجوهِ، وهو ظاهرُ كلامِ كثيرٍ مِنَ الأصحابِ.
وقدَّمه في «الرِّعايَةِ الكُبْرَى».
وقيل: يَرْجِعُ أيضًا.
وأطْلَقَهما في «الفائقِ».
وقيل: يَرْجِعُ مع جَهْلِه الحَجْرَ.
قاله الزَّرْكَشِيُّ.
وهو حَسَنٌ.
وهذا الأخِيرُ المذهبُ.
وقدَّمه في «الفُروعِ» وغيرِه.
فَصْلٌ: الثَّانِي، أَنْ مَنْ وَجَدَ عِنْدَهُ عَينًا بَاعَهَا إِيَّاهُ، فَهُوَ أحَقُّ
قوله: الثَّاني، أن مَن وجَد عندَه عَينًا باعَها إيَّاه، فهو أحَقُّ بها، بشَرْطِ أنْ يكونَ المُفْلِسُ حَيًّا، ولم يَنْقُدْ مِن ثمَنِها شَيئًا، والسِّلْعَةُ بحالِها، لم يَتْلَفْ بعضُها، ولم تَتَغَيَّرْ صِفَتُها بما يُزِيلُ اسْمَها، كنَسْجِ الغَزْلِ، وخَبْزِ الدَّقِيقِ، ولم يَتَعَلَّقْ بها حَقٌّ، مِن شُفْعَةٍ، أو جِنايَةٍ، أو رَهْنٍ، ونحوه، ولم تَزِدْ زِيادَةً مُتَّصِلَةً، كالسِّمَنِ، وتَعَلُّمِ صَنْعَةٍ.
ذكَر المُصَنِّفُ، لاخْتِصاصِ رَبِّ العَينِ المُباعَةِ المَوْجودَةِ بعدَ الحَجْرِ في المَحْجُورِ عليه شُروطًا؛ منها، أنْ يكونَ المُفْلِسُ حيًّا.
فلو ماتَ كان صاحِبُها أُسْوَةَ الغُرَماءِ مُطْلَقًا.
على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ، وعليه الأصحابُ.
وجزَم به في «المُغْنِي»، و «الشَّرْحِ»، و «الفُروعِ»، وغيرِهم.
وقيل: ذلك إذا مات قبلَ الحَجْرِ.
بِهَا، بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ الْمُفْلِسُ حَيًّا، وَلَمْ يَنْقُدْ مِنْ ثَمَنِهَا شَيئًا، وَالسِّلْعَةُ بِحَالِهَا لَمْ يَتْلَفْ بَعْضُهَا، وَلَمْ تتَغَيَّرْ صِفَتُهَا بِمَا يُزِيلُ اسْمَهَا، كَنَسْجِ الْغَزْلِ وَخَبْزِ الدَّقِيقِ.
تنبيه: ظاهرُ كلامِ المُصَنِّفِ، أنَّ رَبَّ العَينِ لو ماتَ، كان لوَرَثَتِه أخْذُ السِّلْعَةِ، كما لو كان صاحِبُها حيًّا.
وهو صحيح، وهو ظاهِرُ ما قدَّمه في «الفروعِ»، وظاهِرُ كلامِ أكثرِ الأصحابِ، منهم صاحِبُ «الحاويَيْن».
قال الزَّرْكَشِيُّ: وهو ظاهرُ كلامِ الشَّيخَين؛ المُصَنِّفِ والمَجْدِ؛ لعَدَمِ اشْتِراطِهم ذلك.
وقال في «التَّرْغِيبِ»، و «الرِّعايَةِ الكُبْرَى»: فلرَبِّه دُونَ ورَثَتِه، على الأصحِّ، أخْذُه.
وقدَّمه في «الرِّعايَةِ الصُّغْرَى»، و «الفائقِ»، و «الزَّرْكَشِيِّ».
وقال في «التَّلْخيصِ»: مِنَ الشُّروطِ، أنْ يكونَ البائعُ حيًّا؛ إذْ لا رُجوعَ للوَرَثَةِ؛ للحَدِيثِ.
وحكَى أبو الحَسَنِ الآمِدِيُّ رِوايَةً أُخْرَى، أنَّهم
..................................
يَرْجِعُون.
انتهى.
ومنها، أنْ لا يكونَ نقَد مِن ثَمَنِها شيئًا، فإنْ كان نقَد منه شيئًا، كان أُسْوَةَ الغُرَماءِ، لا أعْلَمُ فيه خِلافًا.
ومنها، أنْ تكونَ السِّلْعَةُ بحالِها، لم يَتْلَفْ بعضُها، وكذا لم يزُلْ مِلْكُه عن بعضِها ببَيعٍ أو هِبَةٍ أو وَقْفٍ، أو غيرِ ذلك، إنْ
..................................
كان عَيْنًا واحِدَةً.
وإنْ كان المَبِيعُ عَينَين؛ كعَبْدَين، أو ثَوْبَين ونحوهما، فتَلِفَ أحدُهما، أو نقَص ونحوُه، رجَع في العَينِ الأُخْرَى.
على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ.
جزَم به في «المُنَوِّرِ».
و «مُنْتَخَبِ الآدَمِيِّ».
وقدَّمه في «المُحَرَّرِ»، و «الفُروعِ»، و «الرِّعايتَين»، و «الحاويَيْن».
وعنه، له أُسْوَةُ الغُرَماءِ.
وهو ظاهِرُ كلامِ المُصَنفِ هنا، وجماعَةٍ.
وقدَّمه ابنُ رَزِينٍ في «شَرْحِه».
وأطْلَقَهما في «المُغْنِي»، و «الكافِي»، و «التَّلْخيصِ»، و «المُسْتَوْعِبِ»، و «الشَّرْحِ»، و «الفائقِ»، و «الزَّرْكَشِيِّ».
وقال: ولعلَّ مَبْناهما أنَّ العَقْدَ، هل يَتَعَدَّدُ بتَعَدُّدِ المَبِيعِ أم لا؟ وحُكْمُ انْتِقالِ البعضِ ببَيع ونحوه، حُكْمُ التَّلَفِ.
انتهى.
قلتُ: تقدَّم في كتابِ البَيعِ، بعدَ قوْلِه: إذا جمَع
..................................
بينَ كِتابَةٍ وبَيعٍ.
أن الصَّفْقَةَ تتَعدَّدُ بتَعَدُّدِ المَبِيعِ.
على الصحيحِ.
..................................
تنبيه: مِن صُورِ تَلَفِ البَعْضِ، إذا اسْتَأْجَرَ أرْضًا للزَّرْعِ، فأفْلَسَ بعدَ مُضِيِّ مُدَّةٍ لمِثْلِها 1 أُجْرَةٌ، تَنْزِيلًا للمُدَّةِ مَنْزِلَةَ المَبِيعِ، ومُضِيِّ بعضِها بمَنْزِلَةِ تَلَفِ بعضِها.
وهذا المذهبُ.
اخْتارَه المُصَنِّفُ، والشَّارِحُ، وابنُ رَزِينِ، وغيرُهم.
وقال القاضي، وصاحِبُ «التَّلْخِيصِ»: له الرُّجوعُ.
[وهل يَلْزَمُه تَبْقِيَةُ] 2 زَرْعِ المُفْلِسِ؟ فيه وَجْهان، وأطْلَقَهما الزَّرْكَشِيُّ بأُجْرَةِ المِثْلِ.
ثم هل يُضْرَبُ 3 له مع الغُرَماءِ، اخْتارَه القاضي، أو يُقَدَّمُ بها عليهم؟ قاله في «التَّلْخيص».
فوائد؛ إحْداها، لو وَطِئَ البِكْرَ، امْتَنَعَ الرُّجوعُ.
على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ.
اخْتارَه أبو بَكْرٍ، وغيرُه.
وجزَم به في «التَّلْخيصِ»، و «المُسْتَوْعِبِ»، وغيرِهما.
وقدَّمه في «الفُروعِ»، و «الرِّعايتَين»، و «الحاويَيْن».
وقيل:
..................................
لا يمْتَنِعُ.
اخْتارَه القاضي، وأطْلَقَهما في «الفائقِ».
وكذا الحُكْمُ إذا جُرِحَ العَبْدُ.
فعلى المذهبِ، لا يَرْجِعُ.
وعلى قَوْلِ القاضي، يَرْجِعُ.
فإنْ كان ممَّا لا أرْشَ له؛ كالحاصِلِ بفِعْلِ اللهِ تعالى، أو فِعْلِ بَهِيمَةٍ، أو جِنايَةِ المُفْلِسِ، أو عَبْدِه، أو جِنايَةِ العَبْدِ على نَفْسِه، فلا أرْشَ له مع الرُّجوعِ.
وإنْ كان الجِراحُ مُوجِبًا للأرْشِ، كجِنايَةِ الأجْنَبِيِّ، فللبائعِ إذا رجَع أنْ يَضْرِبَ مع الغُرَماءِ بحِصَّةِ
..................................
ما نقَص مِنَ الثَّمَنِ.
وعلى المذهبِ أيضًا، لو وَطِئ الثَّيِّبَ، كان له الرُّجوعُ.
على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ، وعليه أكثرُ الأصحّابِ.
وجزَم به في «المُغْنِي»، و «الشَّرْحِ»، و «الفائقِ»، و «شَرْحِ ابنِ رَزِينٍ»، وغيرِهم.
وقدَّمه في «الفُروعِ» وغيرِه.
قال في «الرِّعايَةِ الكُبْرَى»: فله الرُّجوعُ في الأصحِّ، إذا لم تَحْمِلْ.
وفيه وَجْهٌ آخَرُ، يَمْتَنِعُ الرُّجوعُ.
ذكَرَه ابنُ أبي مُوسى.
وأطْلَقهما في «التَّلْخيصِ»، و «المُسْتَوعِبِ»، و «الرِّعايَةِ الصُّغْرَى»، و «الحاويَيْن».
الثَّانيةُ، لا يَمْنَعُ الأخْذُ تَزْويجَ الأمَةِ، فإذا أخَذَها البائعُ، بطَل النِّكَاحُ في الأقْيَسِ.
قاله في «الرِّعايَةِ الكُبْرَى».
قلتُ: الصَّوابُ عدَمُ البُطْلانِ.
الثَّالثةُ، لو خرَجَتِ
..................................
السِّلْعَةُ عن مِلْكِه قبلَ الحَجْرِ، ورجَعَتْ بعدَ الحَجْرِ، فقيلَ: له الرُّجوعُ.
قال النَّاظِمُ: عادَ الرُّجوعُ على القَويِّ.
قال في «التَّلْخيصِ»: هو كعَوْدِ المَوْهُوبِ إلى الابنِ بعدَ زَوالِه؛ هل للأبِ الرُّجوعُ، أم لا؟ قلتُ: الصَّحيحُ مِنَ المذهبِ، أنَّ له الرُّجوعَ.
على ما يَأْتِي.
وقدَّمه ابنُ رَزِينٍ في «شَرْحِه».
وقيل: ليس له الرُّجوعُ مُطْلَقًا.
وقيل: إنْ عادَتْ إليه بسَبَبٍ جديدٍ؛ كبَيع، وهِبَةٍ، وإرْثٍ، ووَصِيَّةٍ، لم يَرْجِعْ.
وإنْ عادَتْ إليه بفَسْخ؛ كالإِقالةِ، والرَّدِّ بالعَيبِ، والخِيارِ، ونحوه، فله الرُّجوعُ.
ويأْتِي في الهِبَةِ نَطرُ ذلك في رُجوعِ الأبِ إذا رجَع إلى الابنِ بعدَ وَفاتِه، والصَّحيحُ مِن ذلك.
وأطْلَقهُنَّ في «المُغْني»، و «الشَّرْحِ»، و «الزَّرْكَشِيِّ»، و «القَواعِدِ الفِقْهِيَّةِ»، وأطْلَقَ الوَجْهَين الأوَّلَين في «الكافِي»، و «التَّلْخيصِ»، و «الرِّعايتَين»، و «الحاويَيْن»، و «الفائقِ».
وحيثُ قُلْنا: له الرُّجوعُ.
لو اشْتَراها، ثم باعَها، ثم اشْتَراها، فقيلَ: يخْتَصُّ بها البائعُ الأوَّلُ؛ لسَبْقِه.
وقيل: يُقْرَعُ بينَه وبينَ البائعِ الثَّانِي.
وأطْلَقهما في «الفُروعِ».
ومنها، بَقاءُ صِفَةِ السِّلْعَةِ.
فلو تغَيَّرَتْ بما يُزِيلُ اسْمَها؛ كنَسْجِ الغَزْلِ، وخَبْزِ الدَّقيقِ، وطَحْنِ الحِنْطَةِ، وعمَلِ الزَّيتِ صابُونًا، أو قَطْعِ
..................................
الثَّوْبِ قَميصًا، أو نَجْرِ الخَشَبِ أَبْوابًا، أو عَمَلِ الشَّريطِ إبَرًا، أو نحو ذلك، امْتَنَع الرُّجوعُ.
على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ، وعليه جماهِيرُ الأصحّابِ.
وجزَم به في «المُغْنِي»، و «الكافِي»، و «الشَّرْحِ»، و «الرِّعايَةِ الصُّغْرَى»، و «الحاويَيْن»، و «الوَجيزِ»، وغيرِهم.
وقدَّمه في «الفُروعِ»، و «الرِّعايَةِ الكُبْرَى».
وقال في «المُوجَزِ»: إنْ أحْدَثَ صَنْعَةً؛ كنَسْجِ غَزْلٍ، وعَمَلِ
..................................
الدُّهْنِ صابُونًا، فرِوايَتان.
وقال في «التَّبْصِرَةِ»: لا يأْخُذُه.
وعنه، بلَى، ويُشارِكُه المُفْلِسُ في الزِّيادَةِ.
وقال في «الرِّعايَةِ الكُبْرَى»، مِن عندِه: إنْ لم تَزِدْ قِيمَةُ الحَبِّ بطَحْنِه، والدَّقيقِ بخَبْزِه، والغَزْلِ بنَسْجِه، رجَع، وإلَّا فلا.
فائدتان؛ إحْداهما، لو كان حبًّا، فصارَ زَرْعًا، أو بالعَكْسِ، أو نَوًى، فنبَت شَجَرًا، أو بَيضًا، فصارَ فَرْخًا، سقَط الرُّجوعُ.
على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ.
وقال القاضي: لا يَمْنَعُ ذلك الرُّجوعَ.
واخْتارَه في «التَّلْخيصِ»، ورَدَّه في «المُغْنِي»، و «الشَّرْحِ».
الثَّانيةُ، لو خلَط المَبِيعَ أو بعضَه بما لا يتَمَيَّزُ منه، فقال المُصَنِّفُ، والشارِحُ، وغيرُهما: سقَط حقُّه مِنَ الرُّجوعِ؛ لأَنَّه لم يَجِدْ عَينَ 1 مالِه.
وقال الزَّرْكَشِي: وقد يُقالُ: يَنْبَنِي على الوَجْهَين في أنَّ الخَلْطَ، هل
..................................
هو بمَنْزِلَةِ الإِتْلافِ أم لا؟ ولا نُسَلِّمُ أنَّه لم يَجِدْ عَينَ مالِه، بل وجَدَه حُكْمًا.
انتهى.
قلتُ: الصَّحيحُ مِنَ المذهبِ، أنَّ الخَلْطَ ليس بإتْلافٍ، وإنَّما هو اشْتِراكٌ، على ما يَأْتِي في كلامِ المُصَنِّفِ، في بابِ الغَصْبِ، في قوْلِه: وإنْ خلَط المَغْصُوبَ بمالِه على وَجْهٍ لا يتَمَيَّزُ.
ومنها، أنْ لا يتَعلَّقَ بها حقُّ شُفْعَةٍ.
فإنْ تعَلَّقَ بها حقُّ شُفْعَةٍ، امْتَنَع الرُّجوعُ.
على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ، وعليه أكثرُ الأصحابِ.
وجزَم به في «الهِدايَةِ»، و «المُذْهَبِ»، و «المُسْتَوْعِب»، و «الخُلاصَةِ»،
..................................
و «التَّلْخيصِ»، و «المُحَرَّرِ»، و «الحاويَيْن»، و «الوَجيزِ»، و «الرِّعايتَين»، في مَوْضِعٍ، وغيرِهم.
وقدَّمه في «الفائقِ».
قال في «الفُروعِ»: فله أُسْوَةُ الغُرَماءِ في الأصحِّ.
وقيل: لا يَمْتَنِعُ الرُّجوعُ.