وَإِنْ جَرَحَهُ أحَدُهُمَا جُرْحًا وَالْآخَرُ مِائَةً، فَهُمَا سَوَاءٌ فِى الْقِصَاصَ وَالدِّيَةِ.
وغيرِه.
وقدَّمه فى «الرِّعايتَيْن»، و «الحاوِى الصَّغيرِ»، و «الفُروعِ».
وعنه، يَلْزَمُهم دِياتٌ.
نقَل ابنُ هانِئٍ، يَلْزَمُهم دِياتٌ.
واخْتارَها أبو بَكْرٍ.
وصحَّحها الشِّيرَازِىُّ.
وأَطْلَقهما فى «المُحَرَّرِ»، و «النَّظْمِ».
وتقدَّم رِوايَةُ ابنِ مَنْصُورٍ والفَضْلِ.
وأمَّا على الرِّوايةِ الثَّانيةِ، فلا يَلْزَمُ إلَّا دِيَةٌ واحدَةٌ، قوْلًا واحدًا.
قالَه الأصحابُ.
فائدة: مِثْلُ ذلك فى الحُكْمِ، لو فَعَلوا ما يُوجِبُ قِصاصًا فيما دُونَ النَّفْسِ، كالقَطْعِ ونحوِه.
قالَه الأصحابُ.
ويأْتِى هذا فى كلامِ المُصَنِّفِ، فى آخرِ بابِ ما يُوجِبُ القِصاصَ فيما دُونَ النَّفْسِ.
قوله: وإِنْ جرَحَه أحَدُهما جُرْحًا والآخَرُ مِائةً، فهما سَوَاءٌ فى القِصاصِ
..................................
والدِّيَةِ.
وهذا بلا نِزاعٍ بشَرْطِه المُتَقَدِّمِ.
وَإِنْ قَطَعَ أحَدُهُمَا مِنَ الْكُوعِ، ثُمَّ قَطَعَهُ الْآخَرُ مِنَ الْمِرْفَقِ، فَهُمَا قَاتِلَانِ.
قوله: وإنْ قطَع أحَدُهما مِنَ الكُوعِ، ثم قطَعَه الآخَرُ مِنَ المِرْفَقِ -يعْنِى، وماتَ- فهما قاتِلان.
هذا المذهبُ.
جزَم به فى «الهِدايَةِ»، و «المُذْهَبِ»، و «الخُلاصَةِ»، و «المُغْنِى»، و «الشَّرْحِ»، و «المُحَرَّرِ»،
..................................
و «النَّظْمِ»، و «الحاوِى الصَّغِيرِ»، و «الوَجيزِ»، وغيرِهم.
وقدَّمه فى «الرِّعايتَيْن»، و «الفُروعِ».
وقيل: القاتِلُ هو الثَّانى.
فيُقْتَلُ به، ويُقادُ مِنَ الأَوَّلِ، بأنْ تُقْطَعَ يَدُه مِن الكُوعِ، كقَطْعِه.
تنبيه: محَلُّ الخِلافِ، إذا كان قَطْعُ الثَّانى قبلَ بُرْءِ القَطْعِ الأَوَّلِ.
أمَّا إنْ كانَ بعدَ بُرْئِه، فالقاتِلُ هو الثَّانى، قوْلًا واحدًا.
قالَه الأصحابُ.
وهو واضِحٌ 1.
وَإِنْ فَعَلَ أَحَدُهُمَا فِعْلًا لَا تَبْقَى الْحَيَاةُ مَعَهُ، كَقَطْعِ حُشْوَتِهِ، أَوْ مَرِيئِهِ، أَوْ وَدَجَيْهِ، ثُمَّ ضَرَبَ عُنُقَهُ آخَرُ، فَالْقَاتِلُ هُوَ الْأَوَّلُ،
[فوائد؛ إحْداها] 1، لوِ ادَّعَى الأَوَّلُ أنَّ جُرْحَه انْدَمَلَ، فصَدَّقَه الوَلِىُّ، سقَط عنه القَتْلُ، ولَزِمَه القِصاصُ فى اليَدِ، أو نِصْفُ الدِّيَةِ، وإنْ كذَّبَه شَرِيكُه، واخْتارَ الوَلِىُّ القِصاصَ، فلا فائدَةَ له فى تكْذيبه؛ لأَنَّ قَتْلَه واجِبٌ.
وإنْ عفَا عنه إلى الدِّيَةِ، فالقولُ قولُه معِ يَمِينِه، ولا يَلْزَمُه أكثرُ مِن نِصْفِ الدِّيَةِ، وإنْ كذب الوَلِىُّ الأوَّلَ، حلَف، وكان له قَتْلُه، وإنِ ادَّعَى الثَّانى انْدِمالَ جُرْحِه، فالحُكْمُ فيه كالحُكْمِ فى الأَوَّلِ إذا ادَّعَى ذلك.
الثَّانيةُ، لوِ انْدمَلَ القَطْعان، أُقِيدَ الأَوَّلُ، بأَنْ يُقْطَعَ مِن الكُوعِ.
قال فى «الفُروعِ»: وكذا مِنَ الثَّانى المَقْطُوعِ يدُه مِن كُوعٍ، وإلَّا فحُكُومَةٌ، أو ثلُثُ ديَةٍ، فيه الرِّوايَتان.
وقال فى «الرِّعايتَيْن»، و «الحاوِى الصَّغِيرِ»: وإنِ انْدَمَلا، فعلى الأَوَّلِ القَوَدُ مِن الكُوعِ، وعلى الثَّانى حُكُومَةٌ.
وعنه، ثُلُثُ دِيَةِ اليَدِ، ولا قَوَدَ عليه مع كَمالِ يَدِه.
[الثَّالثةُ، لو قَتَلُوه بأَفْعالٍ لا يصْلُحُ واحدٌ منها لقَتْلِه، نحوَ أَنْ يضْرِبَه كلُّ واحدٍ سَوْطًا فى حالَةٍ، أو مُتَوالِيًا، فلا قَوَدَ.
وفيه -عن تَواطُؤٍ- وَجْهان فى «التَّرْغيبِ»، واقْتَصَرَ عليه فى «الفُروعِ».
قلتُ: الصَّوابُ القَوَدُ] 2.
قوله: وإِنْ فعَل أحَدُهما فِعْلًا لا تَبْقَى الحَياةُ معه، كقَطْعِ حُشْوَتِه، أو مَرِيِئِه،
وَيُعَزَّرُ الثَّانِى، وَإِنْ شَقَّ الْأَوَّلُ بَطْنَهُ، أَوْ قَطَعَ يَدَهُ، ثُمَّ ضَرَبَ الثَّانِى عُنُقَهُ، فَالثَّانِى هُوَ الْقَاتِلُ، وَعَلَى الأَوَّلِ ضَمَانُ مَا أَتْلَفَ بِالْقِصَاصِ أَوِ الدِّيَةِ.
أو وَدَجَيْه، ثم ضرَب عُنُقَه آخَرُ، فالقاتِلُ هو الأَوَّلُ، ويُعَزرُ الثَّانِى.
هذا المذهبُ.
جزَم به فى «المُغْنِى»، و «المُحَرَّرِ»، و «الشَّرْحِ»، و «النَّظْمِ»، و «شَرْحِ ابنِ مُنَجَّى»، و «الوَجيزِ»، وغيرِهم.
قال فى «الفُروعِ»: قُتِل الأوَّلُ، وعُزِّرَ الثَّانى.
وهو مَعْنَى كلامِه فى «التَّبْصِرَةِ»، كما لو جَنَى على مَيِّتٍ، فلهذا لا يضْمَنُه.
قال فى «الفُروعِ»: ودَلَّ هذا على أنَّ التَّصَرُّفَ فيه كمَيِّتٍ، كما 1 لو كان عَبْدًا؛ فلا يصِحُّ بَيْعُه.
قال: كذا جعَلُوا الضَّابِطَ؛ يعِيشُ مِثْلُه أو لا يَعيشُ.
وكذا علَّلَ الخِرَقِىُّ المسْألتَيْن، مع أنَّه قال فى الذى لا يَعِيشُ: خرَق
..................................
بطْنَه، وأَخْرَجَ حُشْوَتَه فَقَطَعَها، فأبانَها منه.
قال: وهذا يقْتَضِى أنَّه لو لم يُبِنْها، لم يكُنْ حُكْمُه كذلك، مع أنَّه بقَطْعِها لا يعيشُ.
فاعْتَبَرَ الخِرَقِىُّ كوْنَه لا يعيشُ فى مَوْضِعٍ خاصٍّ، فتَعْميمُ الأصحابِ -لاسِيَّما وقد احْتَجَّ غيرُ واحدٍ منهم بكَلامِ الخِرَقِىِّ- فيه نظَرٌ.
قال: وهذا مَعْنَى اخْتِيارِ الشَّيْخِ وغيرِه فى كلامِ الخِرَقِىِّ؛ ولهذا احْتَجَّ بوَصِيَّةِ عُمَرَ، رَضِىَ اللَّهُ عنه 1، ووُجوبِ العِبادَةِ عليه فى مَسْأَلَةِ
..................................
الذَّكاةِ، كما احْتَج هنا.
ولا فَرْقَ.
وقد قال ابنُ أبى مُوسى وغيرُه فى الذَّكاةِ، كالقَوْلِ.
هنا، فى أنَّه يعيشُ أو لا يعيشُ.
ونصَّ عليه أحمدُ أيضًا.
قال: فهؤلاءِ أيضًا سَوَّوا بينَهما، وكلامُ الأكْثرِ على التَّفْرِقَةِ.
وفيه نظَرٌ.
انتهى.
فائدة: قال المُصَنِّفُ فى «المُغْنِى»، والشَّارِحُ: إنْ فعَل ما يموتُ به يقِينًا، وبَقِيتْ معه حياةٌ مُسْتَقِرةٌ، كما لو خرَق حُشْوَتَه ولم يُبنْها، ثم ضرَب آخَرُ عُنُقَه، كان القاتِل هو الثَّانى؛ لأنَّه فى حُكمِ الحياةِ، لصِحَّةِ وَصِيَّةِ عُمَرَ.
قال فى «الفُروعِ»: ويتَوجَّهُ تَخْرِيجُ رِوايةٍ مِن مسْألَةِ الذَّكاةِ؛ أنَّهما قاتِلان.
قلتُ: وهو الصَّوابُ.
قال فى «الفُروعِ»: ولهذا اعْتَبرُوا إحْداهما بالأُخْرَى.
قال: ولو كان فِعْلُ الثَّانى كَلَا فِعْلٍ، لم يُوثِّرْ غرَقُ حَيوانٍ فى ماءٍ يقْتُلُه مِثْلُه بعدَ ذَبْحِه، على إحْدَى الرِّوايتَيْن، ولَما صحَّ القولُ بأنَّ نفْسَه زَهَقَتْ بهما كالمُقارِنِ، ولا يَقَعُ كوْنُ الأَصْلِ الحَظْرَ، ثم الأَصْلُ هنا بَقاءُ عِصْمَةِ الإنْسانِ على ما كان.
فإن قيل: زالَ الأصْلُ بالسَّبَبِ.
قيل: وفى مَسْأَلَةِ الذَّكاةِ.
وقد ظهَر أنَّ الفِعْلَ الطارِئَ له تأْثيرٌ فى التَّحْريمِ فى المَسْألَةِ المذْكورَةِ، وتأْثيرٌ فى الحلِّ 1، فى مسْألَةِ المُنْخَنِقَةِ وأخَواتِها، على ما فيها مِن الخِلافِ.
ولم أجِدْ فى كلامِهم دليلًا هنا إلَّا مُجَرَّدَ دَعْوَى أنَّه كَمَيِّتٍ، ولا فَرْقًا مُؤثِّرًا بينَه وبينَ الذَّكاةِ.
واللَّهُ أعلمُ.
انتهى.
وَإِنْ رَمَاهُ مِنْ شَاهِقٍ، فَتَلَقَّاهُ آخَرُ بِسَيْفٍ فَقَدَّهُ، فَالْقَاتِلُ هُوَ الثَّانِى.
وَإِنْ رَمَاهُ فِى لُجَّةٍ، فَتَلَقَّاهُ حُوتٌ فَابْتَلَعَهُ، فَالْقَوَدُ عَلَى الرَّامِى فِى أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ.
قوله: وإِنْ رَماه فى لُجَّةٍ، فتَلَقَّاه حُوتٌ فابْتَلَعَه، فالقَوَدُ على الرَّامى، فى أحْدِ الوَجْهَيْن.
وهو المذهبُ.
جزَم به فى «الوَجيزِ» وغيرِه.
وقدَّمه فى «الخُلاصَةِ»، و «المُغنِى»، و «المُحَرَّرِ»، و «الشَّرْحِ»، و «النَّظْمِ»،
وَإِنْ أَكْرَهَ إنْسَانًا عَلَى الْقَتْلِ فَقَتَلَ، فَالْقِصَاصُ عَلَيْهِمَا.
و «الرِّعايتَيْن»، و «الحاوِى الصَّغِيرِ»، و «الفُروعِ»، وغيرِهم.
والوَجْهُ الآخَرُ، لا قَوَدَ عليه، بل يكونُ شِبْهَ عَمْدٍ.
وأطْلَقَهما فى «الهِدايَةِ».
وقيل: عليه القَوَدُ إنِ الْتَقَمَه الحُوتُ بعدَ حُصُولِه فيه قبلَ غَرَقِه.
فائدة: لو أَلْقاه فى ماءٍ يسيرٍ، فإنْ عَلِمَ به الحُوتَ والْتَقَمَه، فعليه القَوَدُ، وإنْ لم يعْلَمْ به، فعليه الدِّيَةُ.
قوله: وإِنْ أَكْرَهَ إنْسانًا على القَتْلِ، فقَتَلَ، فالقِصاصُ عليهما.
هذا المذهبُ.
..................................
جزَم به فى «الهِدايَةِ»، و «المُذْهَبِ»، و «مَسْبوكِ الذَّهَبِ»، و «الخُلاصَةِ»، و «المُغْنِى»، و «الكافِى»، و «الهادِى»، و «المُحَرَّرِ»، و «النَّظْمِ»، و «الشَّرْحِ»، و «الرِّعايتَيْن»، و «الحاوِى»، و «الوَجيزِ»، وغيرِهم.
قال فى «القاعِدَةِ السَّابِعَةِ والعِشْرِين بعدَ المِائَةِ»: المذهبُ، اشْتِراكُ المُكرِهِ والمُكْرَهِ فى القَوَدِ والضَّمانِ.
وكذا قال القاضى، وابنُ عَقِيلٍ.
وقدَّمه فى «الفُروعِ»، وقال: قال فى «المُوجَزِ»: هذا إنْ قُلْنا بقَتْلِ الجماعَةِ بالواحدِ.
وَإِنْ أَمَرَ مَنْ لَا يُمَيِّزُ، أَوْ مَجْنُونًا، أَوْ عَبْدَهُ الَّذِى لَا يَعْلَمُ أَنَّ الْقَتْلَ مُحَرَّمٌ، بِالقَتْلِ، فَقَتَلَ، فَالْقِصَاصُ عَلَى الْآمِرِ.
وقال الطُّوفِىُّ فى شَرْحِ «مُخْتَصَرِه» فى الأُصولِ: مذهبُ أحمدَ، يجِبُ القِصاصُ على المُكْرَهِ -بفَتْحِ الرَّاءِ- دُونَ المُكْرِهِ -بكَسْرِها- ولعَلَّه مُرادُ صاحبِ «الفُروعِ» بقوْلِه: وخصَّه بعضُهم بمُكْرَهٍ.
قال فى «القَواعِدِ»، وكذا القاضى فى «المُجَردِ»، وابنُ عَقِيلٍ فى بابِ الرَّهْنِ: إنَّ أبا بَكْرٍ ذكَر أنَّ القَوَدَ على المُكْرَهِ المُباشِرِ، ولم يذْكُرْ على المُكْرِهِ قَوَدًا.
قالَا: والمذهبُ وُجوبُه عليهما.
وذكَر ابنُ الصَّيْرَفِىِّ، أنَّ أبا بَكْرٍ السَّمَرْقَنْدِى 1 -مِن أصحابِنا- خرَّج وَجْهًا؛ أنَّه لا قَوَدَ على واحدٍ منهما، مِن امْتِناعِ 2 قَتْلِ الجماعَةِ بالواحدِ، وأَوْلَى.
قال فى «الفُروعِ»: ويتَوَجَّهُ عكْسُه.
يعْنِى أنَّ القَوَدَ يخْتَصُّ المُكْرِهَ -بكَسْرِ الرَّاءِ.
وقال فى «الانْتِصارِ»: لو أُكْرِهَ على القَتْلِ بأَخْذِ المالِ، فالقَوَدُ، ولو أُكْرِهَ بقَتْلِ النَّفْسِ، فلا.
فائدة: قولُه: وإنْ أَمَر مَن لا يُميِّزُ، أو مَجْنُونًا، أو عَبْدَه الذى لا يَعْلَمُ أَنَّ القَتْلَ مُحَرَّمٌ، بالقَتْل، فقَتَلَ، فالقِصاصُ على الآمِرِ.
وكذا الحُكْمُ لو أمَرَ كبيرًا
..................................
يجْهَلُ تحْرِيمَه.
وهذا المذهبُ فى ذلك كلِّه، وعليه الأصحابُ، إلَّا أنَّ أبا الخَطَّابِ قال فى «الانْتِصارِ»: لو أمَرَ صَبِيًّا بالقَتْلِ، فَقَتل هو وآخَرُ، وجَب القِصاصُ على آمِرِه وشَرِيكِه فى رِوايةٍ، وإنْ سَلِمَ، فلعَجْزِه غالِبًا.
تنبيه: مفْهومُ قولِه: وإنْ أمَرَ مَن لا يُمَيِّزُ بالقَتْلِ، فقَتَلَ، [فالقِصاصُ على الآمِرِ.
أنَّه لو أمَرَ مَن يُمَيِّزُ بالقَتْلِ، فقَتَل] 1، أنَّ القِصاصَ على القاتلِ.
ومفْهومُ قولِه: وإِنْ أَمَرَ كَبِيرًا عاقِلًا عالمًا بتَحْرِيمِ القَتْلِ به، فقَتَل، فالقِصاصُ على القاتِلِ.
أنَّه لا قِصاصَ على غيرِ الكَبيرِ العاقلِ.
فشَمِلَ مَن يُمَيِّزُ.
فقال ابنُ مُنَجَّى فى «شَرْحِه»: لا قِصاصَ عليه، ولا على الآمِرِ؛ أمَّا الأَوَّلُ، فلأنَّه غيرُ مُكَلَّفٍ،
..................................
وأمَّا الثَّانى، فلأَنَّ تَمْيِيزَه يَمْنَعُ أَنْ يكونَ كالآلةِ، فلا قَوَدَ كل واحدٍ منهما.
وقال فى «الفُروعِ»: ومَن أمَرَ صَبِيًّا بالقَتْلِ فقَتَلَ، لَزِمَ الآمِرَ.
فظاهِرُه إدْخالُ المُمَيِّزِ
وَإِنْ أَمَرَ كَبِيرًا عَاقِلًا عَالِمًا بِتَحْرِيمِ الْقَتْلِ بِهِ، فَقَتَلَ، فَالْقِصَاصُ عَلَى الْقَاتِلِ.
وَإِنْ أَمَرَ السُّلْطَانُ بِقَتْلِ إِنْسَانٍ بِغَيْرِ حَقٍّ مَنْ يَعْلَمُ ذَلِكَ، فَالْقِصَاصُ عَلَى الْقَاتِلِ، وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ فَعَلَى الْآمِرِ.
فى ذلك، ويُؤَيِّدُه أنَّه بعدَ ذلك حكَى ما قالَه ابنُ مُنَجَّى فى «شَرْحِه».
قوله: وإنْ أَمَرَ كَبِيرًا عَاقِلًا عَالِمًا بتَحْرِيمِ القَتْلِ بِهِ، فَقَتَلَ، فالقِصاصُ على القاتِلِ.
وهذا المذهبُ.
نصَّ عليه.
وعليه الأصحابُ.
وأما الآمِرُ، فالصَّحيحُ مِنَ المذهبِ، أنَّه يُعَزَّرُ لا غيرُ.
نصَّ عليه.
وقدَّمه فى «الفُروعِ»، و «الرِّعايتَيْن»، و «الحاوِى»، وغيرِهم.
وعنه، يُحْبَسُ كمُمْسِكِه.
وفى «المُبْهِجِ» رِوايةٌ، يُقْتَلُ أيضًا.
وعنه، يُقْتَلُ بأمْرِه عَبْدَه، ولو كان كبيرًا عاقِلًا عالمًا بتَحْريمِ القَتْلِ.
نقَل أبو طالِب، مَن أَمَرَ عبْدَه أَنْ يقْتُلَ رجُلًا فقَتَلَه، قتِلَ المَوْلَى، وحُبِسَ العَبْدُ حتى يموتَ؛ لأنَّه سَوْطُ المَوْلَى وسيْفُه.
كذا قال علىُّ بنُ أبى طالِبٍ، وأبو هُرَيْرَةَ.
وأنه لو جَنَى بإذْنِه، لَزِمَ موْلَاه، وإنْ كانتِ الجِنايَةُ أكثرَ مِن ثَمَنِه؛ وحَمَلَها أبو بَكْرٍ على جَهالَةِ العَبْدِ.
ونَقَل ابنُ مَنْصُورٍ، إنْ أَمَرَ عَبْدًا بقَتْلِ سيِّدِه فقَتَل، أثِمَ، وأن فى ضَمانِ قِيمَتِه رِوايتَيْن، ويَحْتَمِلُ إنْ خافَ السُّلْطانَ
..................................
قُتِلَا.
فوائد؛ لو قال لغيرِه: اقْتُلْنِى.
أوِ: اجْرَحْنِى.
ففَعَل، فدَمُه وجُرْحُه هَدَرٌ.
..................................
على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ.
نصَّ عليه.
وعنه، عليه الدِّيَةُ.
وقيل: عليه دِيَتُهما.
ذكَرَه فى «الرِّعايَةِ».
وعنه، عليه الدِّيَةَ للنَّفْسِ دُونَ الجُرْحِ.
ويَحْتَمِلُ القَوَدَ فيهما.
وهو لصاحِبِ «الرِّعايَةِ».
ولو قالَه عَبْدٌ، ضَمِنَ الفاعِلُ لسيِّدِه بمالٍ فقط.
نصَّ عليه.
ولو قال: اقْتُلْنِى، وإلَّا قَتَلْتُكَ.
قال فى «الفُروعِ»: فخِلافٌ، كإذْنِه.
وقال فى «الانْتِصارِ»: لا إِثْمَ ولا كفَّارَةَ.
وقال فى «الرِّعايَةِ الكُبرى»: وإنْ قال: اقْتُلْنِى، وإلَّا قتَلْتُكَ.
فإكْراهٌ، ولا قَوَدَ إذَنْ.
وعنه، ولا دِيَةَ.
ويَحْتَمِلُ أَنْ يُقْتَلَ، أو يَغْرَمَ الدَيةَ، إنْ قُلْنا: هى للوَرَثَةِ.
وإنْ قال له القادِرُ عليه: اقْتُلْ نفْسَكَ، وإلَّا قتَلْتُكَ.
أو: اقْطَعْ يَدَكَ، وإلَّا قطَعْتُها.
فليس إكْراهًا، وفِعْلُه حرامٌ.
واخْتارَ فى «الرِّعَايَةِ الكُبْرى»، أنَّه إكْراهٌ.
وَإِنْ أَمْسَكَ إِنْسَانًا لِآخَرَ لِيَقْتُلَهُ، فَقَتَلَهُ، قُتِلَ الْقَاتِلُ، وَحُبِسَ الْمُمْسِكُ حَتَّى يَمُوتَ، فِى إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ.
وَالأُخْرَى، يُقْتَلُ
أَيْضًا.
وإنْ قال: اقْتُلْ زَيْدًا أو عَمْرًا.
فليس إكْراهًا، فإنْ قتَل أحدَهما، قُتِلَ به.
على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ.
قال فى «الرِّعايَةِ»: قلتُ: ويَحْتَمِلُ الإِكْراهَ.
وإن أكْرَهَ سعْدٌ زيْدًا على أَنْ يُكْرِهَ عَمْرًا على قَتْلِ بَكْرٍ، فقَتَلَه، قُتِلَ الثَّلاثَةُ.
جزَم به فى «الرِّعَايَةِ الكُبْرى».
قوله: وإنْ أَمْسَكَ إنْسانًا لآخَرَ ليَقْتُلَه، فقَتَلَه، قُتِلَ القاتِلُ، وحُبِسَ المُمْسِكُ حتى يَمُوتَ، فى إحْدَى الرِّوايتَيْن.
وهو المذهبُ.
جزَم به الخِرَقِىُّ، و «الوَجيزِ»، و «المُنَوِّرِ»، و «مُنْتَخَبِ الأدَمِىِّ»، وغيرُهم.
وقدَّمه فى
..................................
«المُحَرَّرِ»، و «النَّظْمِ»، و «الفُروعِ»، وغيرِهم.
قال الزَّرْكَشِىُّ: هذا أشْهَرُ الرِّوايتَيْن.
واخْتِيارُ القاضى، والشَّرِيفِ، وأبى الخَطَّابِ فى «خِلافَاتِهم»، والشِّيرَازِىِّ.
وهو مِنَ المُفْرَداتِ.
والأُخْرَى، يُقْتَلُ أيضًا المُمْسِكُ.
اخْتارَه أبو محمدٍ الجَوْزِىُّ وقدَّمه فى «الرِّعايتَيْن»، و «الحاوِى الصَّغِيرِ».
وقال ابنُ الصَّيْرَفِىِّ فى عُقوبَةِ أصحابِ الجرائمِ، فى المُمْسِكِ للقَتْلِ 1: ذهَب بعضُ أصحابنا المُتأَخِّرِين إلى أنَّه تُغَلُّ يَدُ المُمْسِكِ إلى عُنُقِه حتى يموتَ.
وهذا لا بَأْسَ به.
وأَطْلَقَهما فى «الهِدايَةِ»، و «المُذْهَبِ»، و «المُسْتَوْعِبِ»، و «الخُلاصَةِ»، و «المُغْنِى»، و «الشَّرْحِ»، و «شَرْحِ ابنِ مُنَجَّى».
فعلى المذهبِ، لو قَتَل الوَلِىُّ المُمْسِكَ، فقال القاضى: يجِبُ عليه القِصاصُ، مع أنَّه فعلٌ مُخْتَلِفٌ.
قال المَجْدُ 2: وهذا إنْ أرادَ به فى مَن فعَل ذلك مُعْتَقِدًا لجَوازِه ووُجوبِ القِصاصِ له، فليس بصَحيح قَطْعًا، وإنْ أرادَ مُعْتَقِدًا للتَّحْريمِ، فيجبُ أَنْ يكونَ على وَجْهَيْنِ؛ أصَحُّهما، سُقوطُ القِصاصِ بشُبْهَةِ الخِلافِ، كما فى الحُدودِ.
تنبيه: شرَطَ فى «المُغْنِى» فى المُمْسِكِ، أَنْ يعْلَمَ أنَّه يقْتُلُه.
وتابعَه الشَّارِحُ.
قلتُ: وهو ظاهرُ كلامِ المُصَنِّفِ هنا.
قال القاضى: إذا أمْسَكَه للَّعِبِ أوِ
..................................
الضَّرْبِ، وقتَله القاتِلُ، فلا قَوَدَ على الماسِكِ.
وذكَرَه محَلَّ وِفاقٍ.
وقال فى «مُنْتَخَبِ الشِّيرَازِىِّ»: لا مازِحًا مُتَلاعِبًا.
انتهى.
وظاهرُ كلامِ جماعَةٍ الإِطْلاقُ.
فائدة: مِثْلُ هذه المسْأَلَةِ فى الحُكْمِ، لو أمْسَكَه ليَقْطَعَ طَرَفَه.
ذكَرَه فى
وَإِنْ كَتَّفَ إِنْسَانًا، وَطَرَحَهُ فِى أَرْضٍ مَسْبَعَةٍ، أَوْ ذَاتِ
«الانْتِصارِ».
وكذا إنْ فتَح فَمَه، وسقَاه آخَرُ سُمًّا.
وكذا لوِ اتَبَعَ رجُلًا ليَقْتُلَه فهَرَبَ، فأدْرَكَه آخَرُ، فقَطَعَ رِجْلَه، ثم أدْرَكَه الثَّانى فقَتَلَه، فإنْ كان الأَوَّلُ حَبَسَه بالقَطْعِ، فعليه القِصاصُ فى القَطْعِ، وحُكْمُه فى القِصاصِ فى النَّفْسِ حُكْمُ المُمْسِكِ.
على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ.
قدَّمه فى «المُغْنِى»، و «الشَّرْحِ»، و «الفُروعِ»، وغيرِهم.
وفيه وَجْهٌ، ليس عليه إلَّا القَطْعُ بكُلِّ حالٍ.
قوله: وإِنْ كَتَّفَ إنْسانًا وطَرَحَه فى أَرْضٍ مَسْبَعَةٍ، أَو ذاتِ حَيَّاتٍ فقَتَلَتْه،
حَيَّاتٍ فَقَتَلَتْهُ، فَحُكْمُهُ حُكْمُ الْمُمْسِكِ.
فَصْلٌ:
وَإِنِ اشْتَرَكَ فِى الْقَتْلِ اثْنَانِ لَا يَجِبُ الْقِصَاصُ عَلَى أَحَدِهِمَا، كَالْأَبِ وَأَجْنَبِىٍّ فِى قَتْلِ الْوَلَدِ، وَالْحُرِّ وَالْعَبْدِ فِى قَتْلِ
فحُكْمُه خُكْمُ المُمْسِكِ.
ذكَرَه القاضى.
وهذا إحْدَى الرِّواياتِ.
وجزَم به فى «الهِدايَةِ»، و «المُذْهَبِ»، «المُسْتَوْعِبِ»، و «الخُلاصَةِ»، و «مُنْتَخَبِ الأدَمِىِّ».
وعنه، يَلْزَمُه القَوَدُ.
وهو المذهبُ.
جزَم به فى «الوَجيزِ» وغيرِه.
وقدَّمه فى «المُحَرَّرِ»، و «النَّظْمِ»، و «الرِّعايتَيْن»، و «الحاوِى الصَّغِيرِ»، و «الفُروعِ».
وعنه، يَلْزَمُه الدِّيَةُ، كغيرِ الأَرْضِ المَسْبَعَةِ.
اخْتارَه المُصَنِّفُ.
وتقدَّم التَّنْبِيهُ على ذلك، عندَ قولِه: الثَّالِثُ، إلْقاؤُه فى زُبْيَةِ أسَدٍ.
قوله: وإذا اشْتَرَكَ فى القَتْلِ اثْنان، لا يَجِبُ القِصاصُ على أحَدِهما، كالْأَبِ والأَجْنَبِىِّ فى قَتْلِ الوَلَدِ، والحُرِّ والعَبْدِ فى قَتْلِ العَبْدِ، والخاطِئ والعامدِ، ففى
الْعَبْدِ، وَالْخَاطِئِ وَالْعَامِدِ، فَفِى وُجُوبِ الْقِصَاصِ عَلَى الشَّرِيكِ رِوَايَتَانِ؛ أَظْهَرُهُمَا، وُجُوبُهُ عَلَى شَرِيكِ الْأَب وَالْعَبْدِ، وَسُقُوطُهُ عَنْ شَرِيكِ الْخَاطِئِ.
وُجُوبِ القِصاصِ على الشَّرِيكِ رِوايتَان؛ أَظْهَرُهما، وُجُوبُه على شرِيكِ الأبِ والعَبْدِ، وسُقُوطُه عن شَرِيكِ الخاطِئ.
وهو المذهبُ.
قالَه فى «الفُروعِ» وغيرِه.
قال فى «المُغْنِى»، و «الشَّرْحِ»: هذا ظاهرُ المذهبِ.
قال فى «الكافِى»: هذا الأظْهَرُ.
وصحَّحه فى «الهِدايَةِ»، و «المُذْهَبِ»، و «المُسْتَوْعِبِ»، و «الخُلاصَةِ»، و «الهادِى».
قال الزَّرْكَشِىُّ: المَشْهورُ مِنَ الرِّوايتَيْن، والمَقْطوعُ به عندَ عامةِ الأصحابِ، قَتْلُ شَرِيكِ الأبِ.
وقال فى الخاطِئ: لا قِصاصَ، على المَشْهورِ والمُخْتارِ لجُمْهورِ الأصحابِ.
وجزَم به فى «المُنَوِّرِ».
وعنه، يُقْتَصُّ مِنَ الشَّريكِ مُطْلَقًا.
اخْتارَه أبو محمدٍ
..................................
الجَوْزِىُّ.
وجزَم به فى «الوَجيزِ»، و «مُنتخَبِ الأدَمِىِّ».
وقدَّمه فى «المُحَرَّرِ»، و «النَّظْمِ»، و «الرِّعايتَيْن»، و «الحاوِى الصَّغِيرِ».
وعنه، لا يُقْتَصُّ مِنَ الشَّريكِ مُطْلَقًا.
قال فى «الفُنونِ»: انا أخْتارُ رِوايةً عن أحمدَ، أنَّ شَرِكَةَ الأجانبِ تَمْنَعُ القَوَدَ؛ لأنَّه لا اطِّلاعَ لنا بظَنٍّ -فضْلًا عن عِلْمٍ- جراحَةِ أيِّهما ماتَ؟ به، أو بهما.
..................................
تنبيه: قولُه: أظْهَرُهما، وُجوبُه على شَريكِ الأبِ والعَبْدِ.
تقْدِرُه، أظْهَرُهما وُجوبُه على شَرِيكِ الأبِ، ووُجوبُه على العَبْدِ.
فالعَبْدُ معْطُوفٌ على لفْظَةِ شَريكٍ،
..................................
ولا يجوزُ عطْفُه على لفْظَةِ الأبِ؛ لفَسادِ المَعْنَى.
وهو واضِحٌ.
..................................
فائدة: دِيَةُ الشَّرِيكِ المُخْطِئ فى مالِه دُونَ عاقِلَتِه.
على الصَّحيحِ.
قال فى «الفُروعِ»: قالَه القاضى.
وعنه، على عاقِلَتِه.
وَفِى شَرِيكِ السَّبُعِ وَشَرِيكِ نَفْسِهِ وَجْهَانِ.
قوله: وفى شَرِيكِ السَّبُعِ وشَرِيكِ نَفْسِه وَجْهان.
ذكَرَهما ابنُ حامِدٍ.
وأَطْلَقهما فى «الهِدايَةِ»، و «المُسْتَوْعِبِ»، و «الخُلاصَةِ»، و «الكافِى»، و «الشَّرْحِ»، و «النَّظْمِ»، و «المُحَرَّرِ»، و «الرِّعايتَيْن»، و «الحاوِى الصَّغِيرِ»، وغيرِهم؛ أحدُهما، يجبُ القَوَدُ.
اخْتارَه أبو بَكْرٍ.
وصحَّحه فى «المُذْهَبِ»، و «التَّصْحيحِ».
وجزَم به فى «الوَجيزِ».
والوَجْهُ الثَّانى، لا قَوَدَ.
وهو المذهبُ.
قالَه فى «الفُروعِ».
وجزَم به فى «المُنَوِّرِ».
قال المُصَنِّفُ، والشَّارِحُ: ورُوِىَ عن أحمدَ، أنَّه قال: إذا جَرَحَه رجُل، ثم جرَح الرَّجُلُ نفْسَه، فماتَ، فعلى شَرِيكِه القِصاصُ.
ثم قالَا: فأمَّا إنْ جرَح الرجُلُ نفْسَه خطَأً، مثْلَ إنْ أرادَ ضَرْبَ غيرِه، فأَصابَ نفْسَه، فلا قِصاصَ على شَرِيكِه، فى
..................................
أصحِّ الوَجْهَيْن.
وفيه وجْهٌ آخَرُ، عليه القِصاصُ؛ بِناءً على الرِّوايتَيْن فى شَرِيكِ الخاطِئِ.
انتهيا.
فائدة: حيثُ سقَط القِصاصُ عنِ الشَّريكِ، وجَب نِصْفُ الدِّيَةِ.
على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ.
جزَم به فى «الوَجيزِ» وغيرِه.
وقدَّمه فى «المُحَرَّرِ»، و «النَّظْمِ»، و «الرِّعايتَيْن»، و «الحاوِى الصَّغِيرِ»، و «الفُروعِ»، وغيرِهم.
وقيل: تجِبُ دِيَةٌ كامِلَةٌ على شَرِيكِ السَّبُعِ.
وقيل: تجبُ دِيَةٌ كامِلَةٌ فى شَرِيكِ المُقْتَصِّ.
قلتُ: يتَخَرَّجُ وُجوبُ الدِّيَةِ كامِلَة على شَرِيكِ النَّفْسِ، مِن مسْألَةِ المَنْجَنِيقِ إذا قُتِل أحَدُ الرُّماةِ به، أنَّ دِيَتَه على أصحابِه كامِلَةً.
على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ، على ما يأْتِى فى كتابِ الدِّيَاتِ.
فعلى هذا، يكونُ هذا هو الصَّوابُ، إلَّا أَنْ يكونَ بينَهما فَرْقٌ مُؤثِّرٌ.
وَلَوْ جَرَحَهُ إِنْسَانٌ عَمْدًا، فَدَاوَى جُرْحَهُ بِسُمٍّ، أو خَاطَهُ فِى اللَّحْمِ، أَوْ فَعَلَ ذَلِكَ وَلِيُّهُ، أَوِ الإِمَامُ، فَمَاتَ، فَفِى وُجُوبِ الْقِصَاصِ عَلَى الْجَارِحِ رِوَايَتَانِ.
قوله: ولو جَرَحَه إنْسَانٌ عَمْدًا، فداوَى جُرْحَه بسُمٍّ، ففى وُجوبِ القِصاصِ على الجارِحِ وَجْهان.
وأطْلَقَهما فى «الرِّعايَةِ»، و «شَرْحِ ابنِ مُنَجِّى»، و «الهِدايَةِ»، و «المُذْهَبِ»، و «المُسْتَوْعِبِ»، و «الخُلاصَةِ»، و «النَّظْمِ»، و «الهادِى»؛ أحدُهما، يجبُ القِصاصُ على الجارِحِ.
صحَّحه فى «التَّصْحيحِ».
وجزَم به فى «الوَجيزِ».
والوَجْهُ الئافى، لا قِصاصَ عليه.
وهو المذهبُ.
قالَه فى «الفُروعِ».
وجزَم به فى «المُنَوِّرِ»، و «مُنْتَخَبِ الأدَمِىِّ».
قال المُصَنِّفُ، وتَبِعَه الشَّارِحُ: لو جَرَحَه إنْسانٌ، فتَداوَى بسُمٍّ، وكان سُمَّ ساعَةٍ، يقْتُلُ فى الحالِ، فقد قتَل نفْسَه، وقطَع سِرايَةَ الجُرْحِ، وجَرَى
..................................
مَجْرَى مَن ذبَح نفْسَه بعدَ أَنْ جُرِحَ، ويُنْظَرُ فى الجُرْحِ، فإنْ كان مُوجِبًا للقِصاصِ، فلوَلِيِّه اسْتِيفاؤه، وإلَّا فلوَلِيِّه الأَرْشُ.
[وإنْ كانَ السُّمُّ لا يقْتُلُ غالبًا -وقد يقْتُلُ- ففِعْلُ الرَّجُلِ فى نفْسِه عَمْدُ خَطَأ.
والحُكْمُ فى شَرِيكِه كالحُكْمِ فى شرِيكِ الخاطِئِ، فإذا لم يجبِ القِصاصُ، فعلى الجارِحِ نِصْفُ الدِّيَةِ] 1. وإنْ كان السُّمُّ يقْتُلُ غالبًا بعدَ مُدَّةٍ، احْتَمَلَ أَنْ يكونَ عَمْدَ الخَطَأِ أيضًا، واحْتَمَلَ أَنْ يكونَ فى حُكْمِ العَمْدِ، فيَكونَ فى شَرِيكِه الوَجْهان المذْكُوران فى المسْألَةِ التى قبلَها.
انتهيا.
قلتُ: قال فى «الهِدايَةِ» وغيرِها: أو داوَاهُ بسُمٍّ يقْتُلُ غالبًا.
قوله: أَو خاطَه فى اللَّحْمِ، أو فعَل ذلك وَلِيُّه، أَوِ الإِمامُ، فماتَ، ففى وُجُوبِ القِصاصِ على الجارِحِ وَجْهان.
وأطْلَقَهما فى «الهِدايَةِ»، و «المُذْهَبِ»، و «المُسْتَوْعِبِ»، و «الخُلاصَةِ»، و «الهادِى»، و «الكافِى»، و «المُغْنِى»، و «المُحَرَّرِ»، و «الرِّعايتَيْن»، و «الحاوِى الصَّغِيرِ»، و «الشَّرْحِ»،
..................................
و «النَّظْمِ»، و «شَرْحِ ابنِ مُنَجَّى»، و «تَجْريدِ العِنايةِ»، وغيرِهم؛ أحدُهما، يجبُ القِصاصُ.
صحَّحه فى «التَّصْحيحِ».
وجزَم به فى «الوَجيزِ».
والوَجْهُ الثَّانى، لا قِصاصَ عليه.
وهو المذهبُ.
قالَه فى «الفُروعِ».
وجزَم به فى «المُنَوِّرِ»، و «مُنْتَخَبِ الأدَمِىِّ».
بَابُ شرُوطِ الْقِصَاصِ
وَهِىَ أرْبَعَةٌ؛ أحَدُهَا، أَنْ يَكُونَ الْجَانِى مُكَلَّفًا، فَأَمَّا الصَّبِىُّ وَالْمَجْنُونُ، فَلَا قِصَاصَ عَلَيْهِمَا.
بابُ شُرُوطِ القِصاصِ
قوله: وهى أرْبَعَةٌ؛ أحَدُها، أَنْ يكونَ الجَانِى مُكَلَّفًا، فأَمَّا الصَّبِىُّ
وَفِى السَّكْرَانِ وَشِبْهِهِ رِوَايَتَانِ؛ أَصَحُّهُمَا، وُجُوبُهُ عَلَيْهِ.
والمَجْنُونُ، فلا قِصَاصَ عليهما.
بلا نِزاعٍ.
قوله: وفى السَّكْرَانِ وشِبْهِه رِوايتان؛ أصَحُّهما، وُجُوبُه عليه.
وكذا قال فى
..................................
«الهِدايَةِ»، و «المُذْهَبِ»، و «المُسْتَوْعِبِ»، و «الخُلاصَةِ».
وهو المذهبُ.
صحَّحه فى «النَّظْمِ» وغيرِه.
وقطَع به القاضى وغيرُه.
وجزَم به فى «الوَجيزِ» وغيرِه.
وقدَّمه فى «الفُروعِ» وغيرِه.
والثَّانيةُ، لا يجِبُ عليه.
وقدَّمه فى «الرِّعايتَيْن» هنا.
واخْتارَه النَّاظِمُ فى كتابِ الطَّلاقِ.
وذكَر أبو الخَطَّابِ، أنَّ وُجوبَ القِصاصِ عليه مَبْنِىٌّ على طَلاقِه.
وقد تقدَّم ذلك مُحَرَّرًا فى
فَصْلٌ:
الثَّانِى، أَنْ يَكُونَ الْمَقْتُولُ مَعْصُومًا، فَلَا يَجِبُ الْقِصَاصُ بِقَتْلِ حَرْبِىٍّ، وَلَا مُرْتَدٍّ، وَلَا زَانٍ مُحْصَنٍ، وَإِنْ كَانَ الْقاتِلُ ذِمِّيًّا.
أوَّلِ كتابِ الطَّلاقِ، فَلْيُعاوَدْ.
قوله: الثَّانِى، أَنْ يَكونَ المَقْتُولُ مَعْصُومًا؛ فلا يَجِبُ القِصاصُ بقَتْلِ حَرْبىٍّ، ولا مُرْتَدٍّ، ولا زانٍ مُحْصَنٍ، وإِنْ كانَ القاتِلُ ذِمِّيًّا.
وهو المذهبُ مُطْلَقًا.
وعليه الأصحابُ.
وقال فى «الرِّعايَةِ»، وتَبِعَه فى «الفُروعِ»: ويَحْتَمِلُ قتْلَ ذِمِّىٍّ، وأشارَ بعضُ أصحابِنا إليه.
قالَه فى «التَّرْغيبِ»؛ لأَنَّ الحَدَّ لنا والإِمامَ نائِبٌ.
نقلَه فى «الفُروعِ».
فعلى المذهبِ، لا دِيَةَ عليه أيضًا.
جزَم به فى «المُحَرَّرِ»،
..................................
و «الوَجيزِ»، و «الفُروعِ»، وغيرِهم.
وعلى المذهبِ، يُعَزَّرُ فاعِلُ ذلك، للافْتِياتِ على وَلِىِّ الأمْرِ، كمَن قتَلَ حَرْبِيًّا.
وفى «عُيونِ المَسائلِ»، له تعْزِيرُه.
فائدة: قال فى «الفُروعِ»: فكلُّ مَن قتَل مُرْتَدًّا أو زانِيًا مُحْصَنًا، ولو قبْلَ ثُبُوتِه 1 عندَ حاكمٍ، والمُرادُ، قبلَ التَّوْبَةِ -وقالَه صاحِبُ «الرِّعايةِ» -
وَلَوْ قَطَعَ مُسْلِمٌ أَوْ ذمِّىٌّ يَدَ مُرْتَدٍّ أَوْ حَرْبِىٍّ، فَأَسْلَمَ، ثُمَّ مَاتَ، أَوْ رَمَى حَرْبِيًّا، فَأَسْلَمَ قَبْلَ أَنْ يَقَعَ بِهِ السَّهْمُ، فَلَا شَىْءَ عَلَيْهِ،
فهَدَرٌ.
وإنْ كان بعدَ التَّوْبَةِ، إنْ قُبِلَتْ ظاهِرًا، فكَإسْلامٍ طارِئٍ.
فدَلَّ أنَّ طَرَفَ زانٍ مُحْصَنٍ كمُرْتَدٍّ، لاسِيَّما وقوْلُهم: عُضْوٌ مِن نَفْسٍ وجَب قتْلُها، فهَدَرٌ.
وقال فى «الرَّوْضَةِ»: إنْ أسْرَعَ وَلِىُّ قَتِيلٍ، أو أَجْنَبِىٌّ، فقَتل قاطِعَ طَريقٍ قبلَ وُصولِه الإِمامَ، فلا قَوَدَ؛ لأنَّه انْهَدَرَ دمُه.
قال فى «الفُروعِ»: وظاهرُه، ولا دِيَةَ.
وليس كذلك.
وسيأْتِى فى بابِ قُطَّاعِ الطَّريقِ.
قوله: أو قطَع مُسْلِمٌ أو ذِمِّىٌّ يَدَ مُرْتَدٍّ أو حَرْبِىٍّ، فأَسْلَمَ، ثم ماتَ، فلا شئَ عليه.
هذا المذهبُ مُطْلَقًا.
وعليه جماهيرُ الأصحابِ.
وقطَعوا به؛ منهم صاحِبُ «الوَجيزِ» وغيرُه.
وقدَّمه فى «الفُروعِ»؛ لأَنَّ الاعْتِبارَ فى التَّضْمِينِ بحال ابْتِداءِ الجِنايَةِ، ولأنَّه لم يَجْنِ على معْصوم.
وجعَله فى «التَّرْغيبِ» كمَن أسْلَمَ قبلَ أَنْ يقَعَ به السَّهْمُ، على الآتِى بعدَه قريبًا.
قوله: أَو رَمَى حَرْبِيًّا، فأسْلَمَ قبلَ أَنْ يَقَعَ به السَّهْمُ، فلا شئَ عليه.
وهو المذهبُ.
وعليه أكثرُ الأصحابِ.
وجزَم به فى «المُغْنِى»، و «الشَّرْحِ»، و «الوَجيزِ»، وغيرِهم.
وقدَّمه فى «المُحَرَّرِ»، و «النَّظْمِ»، و «الرِّعايتَيْن»، و «الحاوِى الصَّغِيرِ»، و «الفُروعِ»، وغيرِهم.
قال فى «القَواعِدِ»: هذا أشْهَرُ.
وقيل: تجِبُ الدِّيَةُ.
اخْتارَه القاضى فى «خِلافِه»،
وَإِنْ رَمَى مُرْتَدًّا، فَأَسْلَمَ قَبْلَ وُقُوعِ السَّهْمِ بِهِ، فَلَا قِصَاصَ، وَفِى الدِّيَةِ وَجْهَانِ.
والآمِدِىُّ، وأبو الخَطَّابِ فى مَوْضِع مِن «الهِدايَةِ».
قاله فى «القَواعِدِ».
قوله: وإنْ رَمَى مُرْتَدًّا، فأَسْلَمَ قبلَ وُقُوعِ السَّهْمِ به، فلا قِصاصَ.
وهو الصَّحيحُ مِنَ المذهبِ.
جزَم به فى «المُغْنِى» و «المُحَرَّرِ»، و «الشَّرْحِ»، و «الوَجيزِ»، و «النَّظْمِ»، و «الرِّعايَةِ الصُّغْرى»، و «الحاوِى الصَّغِيرِ»، وغيرِهم.
وقدَّمه فى «الفُروعِ».
وقيل: يُقْتَلُ به.
قوله: وفى الدِّيَةِ وَجْهان.
وأطْلَقَهما فى «المُغْنِى»، و «الشَّرْحِ»؛ أحدُهما، لا تجِبُ الدِّيَةُ أيضًا.
وهو المذهبُ.
صحَّحه فى «التَّصْحيحِ».
وجزَم به فى «الوَجيزِ» وغيرِه.
وقدَّمه فى «المُحَرَّرِ»، و «النَّظْمِ»، و «الرِّعايتَيْن»، و «الحاوِى الصَّغِيرِ»، و «الفُروعِ»، وغيرِهم.
قال فى «القَواعِدِ»: وهو أشْهَرُ.
وحَكاه القاضى فى «رِوايَتَيْه» عن أبى بَكْرٍ.
والوَجْهُ الثَّانى، تجِبُ الدِّيَةُ.
اخْتارَه القاضى فى «خِلافِه»، والآمِدِىُّ، وأبو الخَطَّاب فى مَوْضِعٍ مِنَ «الهِدايَةِ».
وقيل: تجِبُ الدِّيَة هنا، وإنْ لم تجبِ الدِّيَةُ 1 [للحَرْبِىِّ؛ لتَفْريطِه] 2 إذْ قتْلُه ليس إليه.
قال فى «القَواعِدِ»: وأَصْلُ هذا الوَجْهِ، طرِيقَةُ القاضى فى «المُجَرَّدِ»، وابنِ عَقِيلٍ، وأبو الخَطَّابِ فى مَوْضِعٍ مِنَ
وَإِنْ قَطَعَ يَدَ مُسْلِمٍ، فَارْتَدَّ، وَمَاتَ، فَلَا شَىْءَ عَلَى الْقَاطِعِ، فِى أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ.
وَفِى الْآخَرِ، يَجِبُ الْقِصَاصُ فِى الطَّرَفِ، أَوْ نِصْفُ الدِّيَّةِ.
«الهِدايَةِ»، أنَّه لا يضْمَنُ الحَرْبِىَّ بغيرِ خِلافٍ، وفى المُرتَدِّ وَجْهان.
قوله: وإِنْ قطَع يَدَ مُسْلِم، فارْتَدَّ -أىِ المقْطوعُ- وماتَ، فلا شئَ على القاطِعِ، فى أحَدِ الوَجْهَيْن، وفى الآخَرِ، يجِبُ القِصاصُ فى الطَّرَفِ، أو نِصْفُ الدِّيَّةِ.
إذا قطَع يَدَ مُسْلِمٍ، ثم ارْتَدَّ المَقْطوعُ، وماتَ، لم يجِبِ القَوَدُ [فى النَّفْسِ، بلا نِزاعٍ، ولا يجبُ القَوَدُ] 1 فى الطَّرَفِ أيضًا.
على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ.
قال المُصَنِّفُ، والشَّارِحُ: الصَّحيحُ لا قِصاصَ.
قال فى «الفُروعِ»: فلا قَوَدَ فى الأصحِّ.
وصحَّحه فى «التَّصْحيحِ» وغيرِه.
وجزَم به فى «الوَجيزِ»