وَهُوَ مُبَادَلَةُ الْمَالِ بِالْمَالِ لِغَرَضِ التَّمَلُّكِ.
كِتابُ البَيْعِ
قوله: وهو مُبادَلَةُ المالِ بالمالِ لغَرَضِ التَّمَلُّكِ.
اعلمْ أنَّ للبَيْعِ معْنَيَيْن؛ مَعْنًى فى اللُّغَةِ، ومَعْنًى فى الاصْطِلاحِ؛ فمَعْناه فى اللُّغَةِ، دَفْعُ عِوَض وأخْذُ مُعَوَّضٍ عنه.
وقال ابنُ مُنَجَّى فى «شَرْحِه»: أرادَ المُصَنِّفُ هنا بحَدِّه، بيَانَ مَعْنَى البَيْعِ فى اللُّغَةِ.
وقال فى «المُسْتَوْعِبِ»: البَيْعُ فى اللُّغَةِ عِبارَة عنِ الإِيجابِ والقَبُولِ، إذا تَناوَلَ عَيْنَيْن، أو عَيْنًا بثَمَنٍ.
وأمَّا مَعْناه فى الاصْطِلاحِ، فقال القاضى، وابنُ الزَّاغُونِىِّ، وغيرُهما: هو عِبارَة عنِ الإيجابِ والقَبُولِ، إذا تضَمَّنَ عَيْنَيْن للتَّمْليكِ.
وقال فى «المُسْتَوْعِبِ»: هو عِبارَة عنِ الإِيجابِ والقَبُولِ، إذا تضَمَّنَ مالَيْن
..................................
للتَّمْليكِ.
فأبْدَلَ العَيْنَيْن بمَالَيْن؛ ليَحْتَرِزَ عمَّا ليس بمالٍ.
ولا يَطَّرِدُ الحَدَّان، أىْ كلُّ واحدٍ منهما غيرُ مانعٍ؛ لدُخولِ الرِّبا، ويدْخُلُ القَرْضُ على الثَّانِى، ولا ينْعَكِسان، أىْ كلُّ واحدٍ منهما غيرُ جامعٍ؛ لخُروجِ المُعاطاةِ، وخُروجِ المَنافعِ، ومَمرِّ الدَّارِ، ونحو ذلك.
قال المُصَنِّفُ: ويدْخُلُ فيه عُقُودٌ سِوَى البَيْعِ.
وقال فى «الرِّعايَةِ الكُبْرى»: هو بَيْعُ عَيْن ومَنْفَعَةٍ، وما يتَعلَّقُ بذلك.
وقال الزَّرْكَشِىُّ: حَدُّ المُصَنِّفِ هنا حدُّ شَرْعِىٌّ لا لُغَوِىٌ.
انتهى.
قلتُ: وهو مُرادُه؛ لأنَّه بصَدَدِ ذلك، لا بصدَدِ حَدِّه فى اللغةِ، فدخَل فى حَدِّه بَيْعُ المُعاطاةِ، لكِنْ يَردُ عليه القَرْضُ والرِّبا، فليس بمانعٍ.
وتابعَه على هذا الحَدِّ صاحِبُ «الحاوِى الكَبِيرِ»، و «الفائقِ».
وقال فى «النَّظْمِ»: هو مُبادَلَةُ المالِ بالمالِ، بقَصْدِ
..................................
التَّمَلُّكِ بغيرِ رِبًا.
وقال المُصَنِّفُ، والشَّارِحُ: هو مُبادَلَةُ المالِ بالمالِ، تَمْلِيكًا وتمَلُّكًا.
وقال فى «الوَجيزِ»: هو عِبارة عن تَمْليك عين مالِيَّةٍ، أو مَنْفعَةٍ مُباحَةٍ، على التَّأبِيدِ، بعِوَض مالِىٍّ.
ويَرِدُ عليه أيضًا الرِّبا والقَرْضُ.
وبالجُمْلَةِ، قَلَّ أنْ
وَلَهُ صُورَتَانِ؛ إحْدَاهُمَا، الْإِيجَابُ وَالْقَبُولُ؛ فَيَقُولُ الْبَائِعُ: بعْتُكَ.
أَوْ: مَلَّكْتُكَ.
وَنَحْوَهُمَا، وَيَقُولُ الْمُشْتَرِى: ابْتَعْتُ.
يسْلَمَ حَدٌّ قلتُ: لو قيل: هو مُبادَلةُ عَيْنٍ أو مَنْفَعةٍ مُباحَةٍ مُطْلَقًا بأحَدِهما كذلك على التَّأبِيدِ فيهما، بغيرِ رِبًا ولا قَرْضٍ.
لَسَلِمَ.
فائدة: اشْتِقاقُه عندَ الأكثرِ مِنَ البَاعِ؛ لأنَّ كلَّ واحدٍ منهما يَمُدُّ باعَه للأَخْذِ منه.
قال الزَّرْكَشِىُّ: ورُدَّ مِن جِهَةِ الصِّناعَةِ.
قال المُصَنِّفُ وغيرُه: ويحْتَمِلُ أن كل واحدٍ منهما كان يُبايعُ صاحِبَه، أىْ يُصافِحُه عندَ البَيْعِ، ولذلك يُسَمَّى البَيْعُ صَفْقَةً.
وقال ابنُ رَزِينٍ فى «شَرْحِه»: البَيْعُ مُشْتَقٌّ مِنَ الباعِ، وكان أحدُهم يمُدُّ يدَه إلى صاحِبه، ويَضْرِبُ عليها.
ومنه قوْلُ عمرَ: البَيْعُ صَفْقَةٌ أو خِيَارٌ.
انتهى.
وقيل: هو مُشْتَقٌ مِنَ البَيْعَةِ.
قال الزَّرْكَشِىُّ: وفيه نَظَرٌ؛ إذِ المَصْدَرُ لا يُشْتَقُّ مِنَ المَصْدَرِ، ثم مَعْنى البَيْعِ غيرُ مَعْنَى المُبايَعةِ.
وقال فى «الفائقِ»: هو مُشْتَقُّ مِنَ المُبايَعةِ، بمَعْنَى المُطاوَعَةِ، لا مِنَ الباعِ.
انتهى.
قوله: وله صُورَتان؛ إحْداهما، الإِيجابُ والقَبولُ؛ فيقولُ البائِعُ: بِعْتُكَ.
أو: مَلكْتُكَ.
ونحوَهما -مثلَ، وَلَّيْتُكَ، أو شَركْتُكَ فيه- ويقولُ المُشْتَرِى: ابْتَعْتُ،
أَوْ: قَبِلْتُ.
وَمَا فى مَعْنَاهُمَا، فَإِنْ تَقَدَّمَ الْقَبُولُ الإِيجَابَ، جَازَ فى إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ.
أو: قَبِلْتُ.
وما فى مَعْناهما.
مثلَ، تَملَّكْتُ، وما يأْتِى مِنَ الألفاظِ التى يصِحُّ بها البَيْعُ.
وهذا المذهبُ، وعليه الأصحابُ.
وعنه، لا ينْعَقِدُ بدُونِ بِعْتُ واشْتَرَيْتُ، لا غيرَهما.
ذكَرَها فى «التَّلْخيصِ»، وغيرِه.
فوائد؛ إحْداها، لو قال: بِعْتُكه بكذا.
فقال: أنا آخُذُه بكذا.
لم يصِحَّ.
وإنْ قال: أخَذْتُه منك، أو بذلك، صحَّ.
نقَلَه مُهَنَّا.
الثَّانيةُ، لا ينْعَقِدُ البَيْعُ بلَفْظِ السَّلَفِ والسَّلَمِ.
قالَه فى «التَّلْخيصِ» فى بابِ السَّلَمِ.
وظاهرُ كلامِ الإِمامِ أحمدَ فى رِوايَةِ المَرُّوذِىِّ، لا يصِحُّ البَيْعُ بلَفْظِ السَّلَمِ.
ذكَرَه فى «القاعِدَةِ الثَّامِنَةِ والثَّلاِثين».
وقيل: يصِحُّ بلَفْظِ السَّلَمِ.
قالَه القاضى.
الثَّالثةُ، قال فى «التَّلْخيصِ» فى بابِ الصُّلْحِ: فى انْعِقادِ البَيْعِ بلَفْظِ الصُّلْحِ ترَدُّد.
فيَحْتَمِلُ الصِّحَّةَ وعدَمَها.
وقال فى «الفُروعِ»: ويصِحُّ بلَفْظِ الصُّلْحِ، على ظاهرِ كلامِه فى «المُحَرَّرِ»، و «الفُصُولِ».
وقالَه فى «التَّرْغيبِ».
قوله: فإنْ تقَدَّمَ القَبولُ الإِيجابَ، جازَ، فى إحْدى الرِّوايَتَيْن.
وأطْلَقهما فى
..................................
«الهِدَايَةِ»، و «المُذْهَبِ»، و «مَسْبُوكِ الذَّهَبِ»، و «المُسْتَوْعِبِ»، و «الهادِى»، و «التَّلْخيصِ»، و «البُلْغة»، و «المُحَرَّرِ»، و «شَرْحِ ابنِ مُنَجَّى»؛ إحْداهما، يجوزُ، أى يصِحُّ.
وهو المذهبُ، سواءٌ تقدَّمَ بلَفْظِ الماضِى أو بلَفْظِ الطَّلَبِ، كقَوْلِه: بِعْنِى ثَوْبَك.
أو مَلِّكْنِيه.
فيقولُ: بِعْتُكَ.
جزَم به فى «الوَجيزِ» وغيرِه.
وصحَّحَه فى «التَّصْحيحِ»، و «النَّظْمِ»، وغيرِهما.
واخْتارَه ابنُ عَبْدُوسٍ فى «تَذْكِرَتِه» وغيرُه.
وقدَّمه فى «الفُروعِ»، و «الرِّعايَتَيْن»، وغيرِهم.
والرِّوايةُ الثَّانيةُ، لا يجوزُ، أى لا يصِحُّ.
اخْتارَها أكثرُ الأصحابِ.
قالَه فى «الفُروعِ»، كالنِّكاحِ.
قال فى «النُّكتِ»: نصَرَه القاضى وأصحابُه.
قال القاضى: هذه الرِّوايَةُ هى المَشْهورَةُ.
واخْتارَه أبو بَكْرٍ وغيرُه.
قال ابنُ هُبَيْرَةَ: هذه أشْهَرُهما عن أحمدَ.
انتهى.
وجزَم به فى «المُبْهِجِ» وغيرِه.
وصحَّحَه فى «الخُلاصَةِ» وغيرِها.
وهو مِن مُفْرَداتِ المذهبِ.
وعنه، إنْ تقدَّم القَبولُ على الإِيجابِ بلَفْظِ الماضِى، صحَّ، وإنْ تقدَّمَ بلَفْظِ الطلَبِ، لم يصِحَّ.
قال فى «المُغْنِى»، و «الحاوِيَيْن»: فإنْ تقدَّمَ بلَفْظِ الماضِى، صحَّ، وإنْ تقدَّمَ بلَفْظِ الطلَبِ، فرِوايَتان.
وقال فى «الشَّرْحِ»، و «الفائقِ»: إنْ تقدَّمَ بلَفْظِ الماضِى،
وَإِنْ تَرَاخَى الْقَبُولُ عَنِ الإِيجَابِ، صَحَّ مَا دَامَا فى الْمَجلِسِ وَلَمْ
صحَّ فى أصحِّ الرِّوايتَيْن، وإنْ تقدَّمَ بلَفْظِ الطَّلَبِ، فرِوايَتان.
وقطَع فى «الكافِى» بالصِّحَّةِ إنْ تقدَّمَ بلَفْظِ الماضِى، وعدَمِ الصِّحَّةِ إنْ تقدَّمَ بلَفْظِ الطَّلَبِ.
تنبيه: محَلُّ الخِلافِ، وهو مُرادُ المُصَنِّفِ، إن كان بلَفْظِ الماضِى المُجَرَّدِ عن الاسْتِفْهامِ، أو بلَفْظِ الطَّلَبِ لا غيرُ، كما تقدَّم.
أمَّا لو كان بلَفْظِ المُضارِعِ، أو كان بلَفْظِ الماضِى المُسْتَفْهَمِ به، مثْلَ قوْلِه: أبِعْتَنِى هذا بكذا؟ أو أتَبِيعُنِى هذا بكذا؟ فيقولُ: بِعْتُكَ.
لم يصِحَّ.
نصَّ عليه.
حتى يقولَ بعدَ ذلك: ابْتَعْتُ، أو قَبِلْتُ، أو اشْتَريْتُ، أو تَملكْتُ، ونحوَها.
فوائد؛ الأُولَى، لو قال البائِعُ للمُشْتَرِى: اشْتَرِه بكذا، أو ابْتَعْه بكذا.
فقال: اشْتَريْتُه، أو ابْتَعْتُه.
لم يصِح، حتى يقولَ البائِعُ بعدَه: بِعْتُكَ، أو مَلَّكْتُكَ.
قالَه فى «الرِّعايَةِ».
قال فى «النُّكَتِ»: وفيه نظَرٌ ظاهِرٌ، والأَوْلَى، أنْ يكونَ كتَقَدُّمِ الطَّلَبِ مِنَ المُشْتَرِى، وأنَّه دالٌّ على الإيجابِ والبَذْلِ.
انتهى.
الثَّانيةُ، لو قال: بِعْتُكَ.
أو قَبِلْتُ، إنْ شاءَ اللَّه.
صح، بلا نزِاعٍ أعْلَمُه.
وجزَم به فى «المُغْنِى» وغيرِه، فى آخِرِ الإِقْرارِ.
ويأْتِى نظِيرُه فى النِّكاحِ، ويأتِى ذلك فى بابِ ما يحْصُلُ به الإِقْرارُ.
الثَّالثةُ، قوله: وإنْ تراخَى القَبولُ عنِ الإيجابِ، صَحَّ ما داما فى المجْلِسِ ولم يتَشاغَلا بما يقْطَعُه.
قيَّد الأصحابُ قوْلَهم: ولم يتَشاغَلا بما يقْطَعُه، بالعُرْفِ.
يَتَشَاغَلَا بِمَا يَقْطَعُهُ، وَإِلَّا فَلَا.
وَالثّانِيَةُ، الْمُعَاطَاةُ، مِثْلَ أن يَقُولَ: أعْطِنِى بِهَذَا الدِّينَارِ خُبْزًا.
فَيُعْطِيَهُ مَا يُرْضِيهِ.
أو يَقُولَ الْبَائِعُ: خُذْ هَذَا بِدِرْهَم.
فَيَأْخُذَهُ.
وَقَالَ الْقَاضِى: لَا يَصِحُّ هَذَا إِلَّا فى الشَّئِ الْيَسِيرِ.
قوله: والثَّانيةُ، المُعاطاةُ.
الصَّحيحُ مِنَ المذهبِ، صِحَّةُ بَيْعِ المُعاطاةِ مُطْلَقًا، وعليه جماهيرُ الأصحابِ، وهو المَعْمُولُ به فى المذهبِ.
وقال القاضى: لا يصِحُّ إلَّا فى الشئِ اليَسِيرِ.
وعنه، لا يصِحُّ مُطْلَقًا.
وقدَّمَه فى «الرِّعايَةِ الكُبْرى».
وأطْلقَهُنَّ فى «التَّلْخيصِ»، و «البُلغَةِ».
..................................
تنبيهات؛ أحدُها، بَيْعُ المُعاطَاةِ كما مثَّلَ المُصَنِّفُ، ومثْلُ ما لو ساوَمَه سِلْعَةً بثَمَنٍ، فيقولُ: خُذْها، أو هى لك، أو قد أعْطَبْتُكَها.
أو يقولُ: كيفَ تَبِيعُ الخُبْزَ؟ فيقولُ: كذا بدِرْهَم.
فيقولُ: خُذْ دِرْهَمًا، أو زِنْه.
ونحوَ ذلك ممَّا يدُلُّ على البَيْعِ والشراءِ.
قالَه فى «الرِّعايَةِ».
وقال أيضًا: ويصِحُّ بشَرْطِ خيارٍ مَجْهُولٍ، كما فى المَقْبُوضِ على وَجْهِ السَّوْمِ والخِيَارِ مع قَطْعِ ثَمَنِه عُرْفًا وعادةً.
قال فى «الفُروعِ»: مثْلُ المُعاطَاةِ، وَضْعُ ثَمَنِه عادةً وأخْذُه.
الثَّانِى، كلامُ
..................................
المُصَنِّفِ كالصَّريحِ فى أنَّ بَيْعَ المُعاطَاةِ لا يُسَمَّى إيجابًا وقَبُولًا.
وصرَّح به القاضى وغيرُه، فقال: الإِيجابُ والقَبولُ للصِّيغَةِ المُتَّفَقِ عليها.
قال الشَّيْخُ تَقِىُّ الدِّينِ: عِبارَةُ أصحابِنا وغيرِهم تَقْتَضِى أنَّ المُعاطَاةَ ونحوَها ليستْ مِنَ الإِيجابِ والقَبُولِ، وهو تَخْصِيصٌ عُرْفِىٌّ.
قال: والصَّوابُ أنَّ الإِيجابَ والقَبُولَ اسْمٌ لكُل تَعاقُدٍ؛ فكُلُّ ما انْعقَدَ به البَيْعُ مِنَ الطَّرفَيْن، سُمِّىَ إثباتُه إيجابًا، والْتِزامُه قَبولًا.
الثَّالثُ، ظاهرُ كلامِ المُصَنِّفِ، أنَّه لا يصِحُّ البَيْعُ بغيرِ الإِيجابِ والقَبولِ بالألفاظِ المُتقَدِّمَةِ بشَرْطِها، والمُعاطَاةِ.
وهو صحيحٌ، وهو المذهبُ، وعليه القاضى، والأصحابُ.
واخْتارَ الشَّيْخُ تَقِىُّ الدِّينِ صِحَّةَ البَيْعِ بكُلِّ ما عدَّه النَّاسُ بَيْعًا؛ مِن مُتَعاقِب ومُتَراخٍ مِن قوْلٍ أو فِعْلٍ.
فائدتان؛ إحداهما، الصَّحيحُ مِنَ المذهبِ، أنَّ الهِبَةَ كبَيْعِ المُعَاطاةِ، على ما يأتِى فى بابِه.
قال فى «الفُروعِ»: ومِثْلُه الهِبَةُ.
وقال فى «المُغْنِى»، و «الشَّرْحِ»، و «النَّظْمِ»، و «الرِّعايَةِ الكُبْرى»، وغيرِهم: وكذا الهِبَةُ، والهَديَّةُ، والصَّدَقَةُ.
وذكَر ابنُ عَقِيلٍ وغيرُه صِحَّةَ الهِبَةِ، سواءٌ صحَّحْنا بَيْعَ
..................................
المُعاطَاةِ أَوْ لا.
انتهى.
فمتى قُلْنا بالصِّحَّةِ، يكونُ تَجْهِيزُ ابْنَتِه بجَهاز إلى زَوْجِها تمْلِيكًا، فى أصحِّ الوَجْهَيْن.
قالَه فى «الفُروعِ».
قال الشَّيْخُ تَقِىُّ الدِّينِ: تَجْهِيزُ المرْأةِ بجَهازٍ إلى بَيْتِ زَوْجِها تَمْليكٌ.
قال القاضى: قِياسُ قوْلِنا فى بَيْعِ المُعاطَاةِ، أنَّها تَمْلِكُه بذلك.
وأفتَى به بعضُ أصحابِنا.
الثَّانيةُ، لا بَأْسَ بذَوْقِ المَبِيعِ عندَ
فَصْلٌ:
وَلَا يَصِحُّ إِلَّا بِشُرُوطٍ سَبْعَةٍ؛ أَحَدُهَا، التَّرَاضِى بِهِ؛ وَهُوَ أنْ يَأْتِيَا بِهِ اخْتِيَارًا، فَإنْ كَانَ أحَدُهُمَا مُكْرَهًا، لَمْ يَصِحَّ،
الشِّراءِ.
نصَّ عليه؛ لقَوْلِ ابنِ عَبَّاسٍ.
وقال الإِمامُ أحمدُ مرَّة: لا أدْرِى، إلَّا أنْ يَسْتَأْذِنَ.
قوله: فإنْ كان أحدُهما مُكْرَهًا، لم يصِحَّ.
هذا المذهبُ بشَرْطِه، وعليه الأصحابُ.
وقال فى «الفائقِ»: قلتُ: ويحْتَمِلُ الصِّحَّةَ، وثُبوتَ الخِيَارِ عندَ زَوالِ إِكْراهِه.
فوائد؛ إحْداها، قوله: أحدُها، التَّرَاضِى به، وهو أنْ يأْتِيا به اخْتيارًا.
لو أُكْرِهَ على وَزْنِ مالٍ، فَباعَ مِلْكَه لذلك، كُرِهَ الشِّراءُ، وصحَّ.
على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ، والرِّوايَتَيْن، وهو بَيْعُ المُضْطَرِّ.
ونقَل حَنْبَل تحْرِيمَه وكَراهَتَه.
واخْتارَ الشَّيْخُ تَقِىُّ الدِّينِ الصِّحَّةَ مِن غيرِ كَراهَةٍ.
ذكَرَه عنه فى «الفائقِ».
الثَّانيةُ، بَيْعُ التَّلْجِئةِ، والأمانَةِ، وهو أنْ يُظْهِرَا بَيْعًا لم يُريدَاه باطِنًا، بل خَوْفًا مِن ظالمٍ دَفْعًا له، باطِلٌ.
ذكَرَه القاضى، وأصحابُه، والمُصَنِّفُ، والشَّارِحُ، وصاحِبُ «الفُروعِ»، و «الرِّعايَةِ»، وغيرُهم.
وهو مِن مُفْرَداتِ المذهبِ.
إلَّا أَنْ يُكْرَهَ بِحَقٍّ؛ كَالَّذِى يُكْرِهُهُ الْحَاكِمُ عَلَى بَيْعِ مَالِهِ لِوَفَاءِ دَيْنِهِ.
وقال فى «الرِّعَايَةِ»: ومَن خافَ ضَيْعَةَ مالِه، أَوْ نَهْبَه، أو سَرِقَتَه، أو غَصْبَه، أو أخْذَه منه ظُلْمًا، صحَّ بَيْعُه.
قال فى «الفُروعِ» عن كلامِه: وظاهِرُه، أنَّه لو أَوْدَعَ شَهادةً، فقال: اشْهَدوا على أنِّى أبِيعُه، أو أتَبرَّعُ له به، خوْفًا أو تُقْيَةً.
أنَّه يصِحُّ ذلك، خِلافًا لمالِكٍ فى التَّبَرُّعِ.
قال الشَّيْخُ تَقِىُّ الدِّينِ: مَنِ اسْتَوْلَى على مالِ غيرِه ظُلْمًا بغيرِ حقٍّ، فطَلَبَه صاحِبُه، فجَحَدَه أو منَعَه إيَّاه حتى يبِيعَه، فباعَه على هذا الوَجْهِ، فهذا مُكْرَهٌ بغيرِ حقٍّ.
الثَّالثةُ، لو أسَرَّا الثَّمَنَ ألْفًا بلا عَقْدٍ، ثم عقَداه بألفَيْن، ففى أيِّهما الثَّمَنُ؟ فيه وَجْهان.
وأطْلَقهما فى «الفُروعِ» فى بابِ الصَّداقِ، و «الرِّعايَةِ الكُبْرَى».
قطَع ناظِمُ المُفْرَداتِ، أن الثَّمَنَ الذى أسَرَّاه.
وهو مِنَ المُفْرَداتِ.
وحكَاه أبو الخَطَّابِ، وأبو الحُسَيْنِ، عنِ القاضى.
والذي قطَع به القاضىٍ فى «الجامعِ الصَّغِيرِ»، أنَّ الثَّمنَ ما أظْهَرَاه، ولو عقَداه سِرًّا بثَمَنٍ، وعَلانِيَةً بأكْثَرَ، فقال الحَلْوانِىُّ: هو كالنِّكاحِ.
واقْتَصَرَ عليه فى «الفُروعِ».
ذكَرَه فى كتابِ الصَّداقِ.
الرَّابعةُ، فى صِحةِ بَيْعِ الهازِلِ وَجْهان.
وأطْلَقهما فى «الفُروعِ».
وصحَّح فى «الفائقِ» البُطْلانَ.
واخْتارَه القاضى.
وجزَم به المُصَنِّفُ، والشَّارِحُ.
وهو ظاهِرُ ما جزَم به فى «الرِّعايَةِ الكُبْرَى».
قال فى «القَواعِدِ الأُصُولِيَّةِ»، و «الفِقْهِيَّةِ»: والمَشْهُورُ البُطْلانُ.
وقيل: لا يبطُلُ اخْتارَه أبو الخَطَّابِ.
قالَه فى «القَواعِدِ الأُصُوليَّةِ»، و «الفِقْهِيَّةِ».
فَصْلٌ:
الثَّانِى، أَنْ يَكُونَ العَاقِدُ جَائِزَ التَّصَرُّفِ؛ وَهُوَ الْمُكَلَّفُ الرَّشِيدُ،
وقال فى «الانْتِصارِ»: يُقْبَلُ منه بقَرِينَةٍ.
الخامسةُ، مَن قال لآخَرَ: اشْتَرِنِى مِن زَيْدٍ، فإنِّى عبْدُه.
فاشْتَراه، فبانَ حُرًّا، لم يَلْزَمْه العُهْدَةُ، حضَر البائِعُ أو غابَ.
على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ.
نقَلَه الجماعةُ.
كقَوْلِه: اشْتَرِ منه عَبْدَه هذا.
ويُؤَدَّبُ هو وبائعُه، لكنْ ما أخَذ المُقِرُّ غَرِمَه.
نصَّ عليهما.
وسألَه ابنُ الحَكَمِ عن رَجُلٍ يُفِرُّ بالعُبودِيَّةِ حتىِ يُباعَ؟ قال: يُؤْخَذُ البائِعُ والمُقِرُّ بالثَّمَنِ، فإنْ ماتَ أحدُهما أو غابَ، أُخِذَ الآخَرُ بالثَّمَنِ.
واخْتارَه الشَّيْخُ تَقِىُّ الدِّينِ.
قلتُ: وهو الصَّوابُ.
قال فى «الفُروعِ»: ويتَوجَّهُ هذا فى كلِّ غارٍّ.
وما هو ببَعِيدٍ.
ولو كان الغارُّ أُنْثَى، حُدَّتْ ولا مَهْرَ، نصَّ عليه، ويَلْحَقُه الوَلَدُ.
السَّادسةُ، لو أقرَّ أنَّه عبْدُه، فرَهَنَه، قال فى «الفُروعِ»: فيتَوجَّهُ كبَيْعٍ.
قلتُ: وهو الصَّوابُ.
ولم يُنْقَلْ عن أحمدَ فيه إلَّا رِوايَةُ ابنِ الحَكَمِ المُتقَدِّمةُ، وقال بها أبو بَكْرٍ.
قوله: الثَّانِى، أنْ يكونَ العاقِدُ جائِزَ التَّصَرُّفِ؛ وهو المُكَلَّفُ الرَّشِيدُ.
الصَّحيحُ مِنَ المذهبِ، وعليه أكثرُ الأصحاب، اشْتِراطُ التَّكْليفِ والرُّشْدِ فى صحَّةِ البَيْعِ مِن حيثُ الجُمْلَةُ.
وعنه، يصِحُّ تصَرُّفُ المُمَيِّز، ويقِفُ على إجازَةِ وَلِيِّه.
وعنه، يصِحُّ مُطْلقًا.
ذكَرَها الفَخْرُ إسْماعِيلُ البَغْدَادِىُّ 1. وقال فى «الانْتِصارِ»،
إِلَّا الصَّبِىَّ الْمُميِّزَ، وَالسَّفِيهَ؛ فَإنَّهُ يَصِحُّ تَصَرُّفُهُمَا بِإذْنِ وَلِيِّهِمَا، فى إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ.
وَلَا يَصِحُّ بِغَيْرِ إِذْنِهِ، إِلَّا فى الشَّىْءِ الْيَسِيرِ.
و «عُيونِ المَسائلِ»: ذكَر أبو بَكْرٍ صحَّةَ بَيْعِه ونِكاحِه.
قوله: إِلَّا الصَّبِىَّ المُمَيِّزَ والسَّفِيهَ، فإنَّه يصِحُّ تَصَرُّفُهما بإذْنِ وَلِيِّهما فى إحْدَى الرِّوايَتين.
وهى المذهبُ، وعليه الأصحابُ.
والرِّوايَةُ الأُخْرَى، لا يصِحُّ
..................................
تصَرُّفُهما إلَّا فى الشَّئِ اليَسِيرِ.
وأطْلَقَهما فى «المُغْنِى»، و «الشَّرْحِ».
وأطْلَقَ وَجْهَيْن فى «الكافِى»، و «التَّلْخيصِ».
وأطْلَقَهما فى السَّفِيهِ، فى بابِ الحَجْرِ، فى «الهِدايَةِ»، و «المُذْهَبِ»، و «الخُلاصَةِ»، و «الكافِى».
تنبيه: يُسْتَثْنَى مِن محَلِّ الخِلافِ، عَدمُ وَقْفِ تصَرُّفِ السَّفِيهِ.
قال فى «الفُروعِ»: والسَّفِيهُ مثْلُ المُمَيِّزِ إلَّا فى عدَمِ وَقْفِه.
يعْنِى، أنَّ لنا رِوايَةً فى المُمَيَّزِ بصِحَّةِ تَصَرُّفِه، ووُقوفِه على إجازَةِ الوَلىِّ، بخِلافِ السَّفِيهِ.
ويُسْتَثْنَى أيضًا مِنَ الخِلافِ فى المُمَيَّزِ والمُراهِقِ، تصَرُّفُه للاخْتِبارِ، فإنَّه يصِحُّ، قوْلًا واحدًا.
جزَم به فى «الفُروعِ»، و «الرِّعايَةِ»، وغيرِهما.
قلتُ: ظاهِرُ كلامِ كثيرٍ مِنَ الأصحابِ، إجْراءُ الخِلافِ فيه.
..................................
تنبيه: ظاهرُ كلامِ المُصَنِّفِ، عدَمُ صحَّةِ تصَرُّفِ غيرِ المُمَيِّزِ مُطْلَقًا: أمَّا فى الكَثِيرِ، فلا يصِحُّ، قوْلًا واحدًا، ولو أَذِنَ فيه الوَلِىُّ.
وأمَّا اليَسيرُ، فالصَّحيحُ مِنَ المذهبِ، صِحَّةُ تصَرُّفِه.
وهو الصَّوابُ.
قطَع به فى «المُغْنِى»، و «الشَّرْحِ».
وقيلَ: لا يصِحُّ.
وجزَم به فى «الرِّعايَةِ الكُبْرى».
وأطْلقَهما فى «الفُروعِ».
فائدة: يصِحُّ تصَرُّفُ العَبْدِ والأمَةِ بغيرِ إذْنِ السَّيِّدِ، فيما يصِحُّ فيه تصَرُّفُ الصَّغيرِ بغيرِ إذْنِ وَلِيِّه.
قالَه الأصحابُ.
تنبيه: أفادَنا المُصَنِّفُ، رَحِمَه اللَّه، أن تصَرُّفَ الصَّبِىِّ والسَّفيهِ، لا يصِحُّ بغيرِ إذْنِ وَلِيِّهما، إلَّا فى الشَّئِ اليَسِيرِ، كما قال المُصَنِّفُ.
وهو صحيحٌ فى الجُمْلَةِ، وهو المذهبُ، وعليه الأكثرُ.
ونقَل حَنْبَلٌ، إنْ تزَوَّجَ الصَّغِيرُ، فبلَغ أبَاه، فأجازَه، جازَ.
قال جماعةٌ: ولو أجازَه هو بعدَ رُشْدِه، لم يَجُزْ.
ونقَل أبو طالِبٍ، وأبو الحارِثِ، وابنُ مُشَيْشٍ، صحَّةَ عِتْقِه إذا عقَلَه.
وكذا قال فى «عُيونِ المَسائلِ»: يصِحُّ عِتْقُه، وأنَّ أحمدَ قالَه.
[وقدَّم فى «التَّبْصِرَةِ» صحَّةَ عِتْقِ المُمَيِّزِ] 1. وذكَر فى «المُبْهِجِ»، و «التَّرْغِيبِ»، فى صحَّةِ عِتْقِ المَحْجُورِ عليه، وابنِ عَشرٍ، وابنَةِ تِسْعٍ، رِوايتَيْن.
وقال فى «المُوجَزِ»: فى صحَّةِ عِتْقِ المُمَيِّزِ رِوايَتان.
..................................
وقال فى «الانْتِصارِ»، و «الهِدَايَةِ»، و «المُذْهَبِ»، و «الخُلاصَةِ»، والمُصَنِّفُ فى هذا الكتابِ فى بابِ الحَجْرِ، وغيرُهم: فى صحَّةِ عِتْقِ السَّفِيهِ روِايَتان.
ويأتِى بعضُ ذلك فى أوَّلِ كتابِ العِتْقِ.
وقال ابنُ عَقِيلٍ: الصَّحيحُ عن أحمدَ، عدَمُ صحَّةِ عقُودِه، وأنَّ شيْخَه القاضى قال: الصَّحيحُ عندِى، فى عقودِه كلِّها رِوايَتان.
وقدَّم فى «التَّبْصِرَةِ» صِحَّةَ عِتْقِ مُمَيِّزٍ وسَفِيهٍ ومُفْلِسٍ.
ونقَل حَنْبَلٌ، إذا بلَغ عشْرًا، تزَوَّج، وَزوَّج، وطَلَّق.
وفى طريقَةِ بعضِ أصحابِنا، فى صحَّةِ تصَرُّفِ مُمَيِّز ونُفوذِه، بلا إذْنِ وَلِىٍّ، وإبْرائِه وإعْتاقِه وطَلاقِه، رِوايَتان.
انتهى.
وشِراءُ السَّفِيهِ فى ذِمَّتِه واقْتِراضُه، لا يصِحُّ.
على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ.
وقيل: يصِحُّ.
ويأْتِى أحْكامُ السَّفِيهِ فى بابِ الحَجْرِ.
وأمَّا الصَّبِىُّ، فله أحْكامٌ كثِيرَةٌ مُتفَرِّقَةٌ فى الفِقْهِ، ذُكِرَ أكثرُها فى «القَواعِدِ الأُصُولِيَّةِ»، ويأْتِى بعضُها فى كلامِ المُصَنِّفِ فى وَصِيَّتِه، وتَزْوِيجِه، وطَلاقِه، وظِهارِه، وإيلائِه، وإسْلامِه، ورِدَّتِه، وشَهادَتِه، وإقْرارِه، وغيرِ ذلك.
وفى قَبُولِ المُمَيِّزِ والسَّفِيهِ، وكذا العَبْدُ، هِبَةً ووَصِيَّةً بدُونِ إذْنٍ، ثَلَاثةُ أوْجُهٍ؛ ثالِثُها، يصِحُّ مِنَ العَبْدِ دُونَ غيرِه.
نصَّ عليه.
قالَه فى «الفُروعِ».
وذكَر فى «المُغْنِى»، أنَّه يصِحُّ قَبُولُ المُمَيِّزِ، وكذا قبْضُه، واخْتارَه أيضًا الشَّارِحُ، والحَارِثِىُّ.
وفيه احْتِمالٌ.
وأطْلَقهما فى «الرِّعايتَيْن»، و «الحاوِيَيْن»، فى السَّفِيهِ والمُمَيِّزِ.
وأطْلقَهما فى «الفائقِ»، فى المُمَيِّزِ 1. قلتُ: الصَّوابُ الصِّحَّةُ فى الجميعِ، ويُقْبَلُ مِن مُمَيَّزٍ.
قال أبو الفَرَجِ: ودُونَه هَدِيَّةٌ أرْسَلَ بها، وإذْنهُ فى دُخولِ الدَّارِ ونحوِها.
وفى «جامِعِ القاضى»، ومِن فاسِقٍ وكافِرٍ.
وذكَرَه القُرْطُبِىُّ إجْماعًا.
وقال القاضى فى مَوْضِعٍ: يَقْبَلُه منه إنْ ظَنَّ صِدْقَه بقرِينَةٍ، وإلَّا فلا.
قال فى «الفُروعِ»: وهذا مُتَّجَهٌ.
فَصْلٌ:
الثَّالِثُ، أَنْ يَكُونَ الْمَبِيعُ مَالًا؛ وَهُوَ مَا فِيهِ مَنْفَعَةٌ مُبَاحَةٌ لِغَيْرِ ضَرُورَةٍ، فَيَجُوزُ بَيْعُ الْبَغْلِ، وَالْحِمَارِ، وَدُودِ الْقَزِّ وَبَزْرِهِ، وَالنَّحْلِ مُنْفرِدًا، وَفِى كُوَارَاتِهِ.
تنبيه: قوله: الثَّالِثُ، أنْ يكونَ المَبِيعُ مالًا، وهو ما فيه مَنْفَعَةٌ مُباحَةٌ لغَيرِ ضَرُورَةٍ.
فتَقْيِيدُه بما فيه مَنْفَعةٌ، احْتِرازٌ عن ما لا مَنْفَعَةَ فيه؛ كالحَشَراتِ ونحوِها.
وتَقْيِيدُه المَنْفَعَةَ بالإباحَةِ، احْتِرازٌ عن ما فيه مَنْفَعَةٌ غيرُ مُباحَةٍ، كالخَمْرِ والخِنْزِيرِ ونحوِهما.
وتَقْيِيدُه بالإِباحَةِ لغيرِ ضَرُورَةٍ، احْتِرازٌ عن ما فيه منْفَعَةٌ مُباحَةٌ للضَّرُورَةِ، كالكَلْبِ ونحوِه.
قالَه ابنُ مُنَجَّى، وقال: فلو قال المُصَنِّفُ: لغيرِ حاجَةٍ.
لَكانَ أوْلَى؛ لأَنَّ اقْتِناءَ الكَلْبِ يُحْتاجُ إليه ولا يُضْطَرُّ إليه، فمرادُه بالضَّرُورَةِ، الحاجَةُ.
وقال الشَّارِحُ: وقوْلُه: لغيرِ ضَرُورَةٍ.
احْتِرازٌ مِنَ المَيْتَةِ والمُحَرَّماتِ التى تُباحُ فى حالِ المَخْمَصَةِ، والخَمْرِ التى تُبَاحُ لدَفْعِ اللُّقْمَةِ بها 1. انتهى.
قلتُ: وهو
..................................
أقْعَدُ مِن كَلامَ ابنَ مُنَجَّى، وهو مُرادُ المُصَنِّفِ.
تنبيه: دخل فى كلامِ المُصَنِّف صحَّةُ بَيعٍ مُجازِ فى مِلْكِ غيرِه، ومُعَيَّنٍ مِن حائطٍ يَجْعَلُه بابًا، ومِن أرْضِه يَصْنَعُه بِئْرًا، أو بالُوعَةً، وعَلْوِ بَيْتٍ مُعَيَّن ليَبْنِىَ عليه بِناءً مَوْصُوفًا، ولو لم يكُنِ البَيتُ مَبْنِيًّا، على أصحِّ الوَجْهَيْن.
قالَه فى «الرِّعايَةِ».
وجزَم به ابنُ عَبْدُوسٍ فى «تَذْكِرَتِه»، و «الهِدايَةِ»، و «الخُلاصَةِ»، و «الحاوِى الكَبِيرِ».
وقيل: لا يصِحُّ إذا لم يكُنْ مَبْنِيًّا.
وأطْلقَهما فى «الرِّعايَةِ الصُّغرى»، و «الحاوِى الصَّغِيرِ».
ويأْتِى ذلك فى كلامِ المُصَنِّفِ فى بابِ الصُّلْحِ.
قوله: فيَجوزُ بَيْعُ البَغْلِ والحِمارِ.
هذا المذهبُ بلا رَيْبٍ، وعليه الأصحابُ.
وحكَاه فى «التَّلْخيصِ»، و «البُلْغَةِ» إجْماعًا.
وقال الأَزَجِىُّ فى «النِّهايَةِ»:
..................................
القِياسُ أنَّه لا يجوزُ بَيْعُهما، إنْ قُلْنا بنَجاسَتِهما.
وخرَّجه ابنُ عَقِيلٍ قوْلًا.
قوله: ودُودِ القَزِّ.
الصَّحيحُ مِنَ المذهبِ، جَوازُ بَيْعِ دُودِ القَزِّ، وعليه جماهيرُ الأصحابِ، وجزَم به كثيرٌ مِنَ الأصحابِ.
وقال أبو الخَطَّابِ فى «انْتِصارِه»: لا يجوزُ بَيْعُه.
قوله: وبَزْرِه.
يعْنِى، أذا لم يَدِبَّ.
هذا المذهبُ، وعليه جماهيرُ الأصحابِ.
وجزَم به فى «الهِدايَةِ»، و «المُذْهَبِ»، و «مَسْبُوكِ الذَّهَبِ»، و «الخُلاصَةِ»، و «الوَجيزِ»، وغيرِهم.
وقدَّمه فى «المُسْتَوْعِبِ»، و «المُغْنِى»، و «الشَّرْحِ»، و «الفُروعِ»، وغيرِهم.
وفيه وَجْهٌ، لا يجوزُ
..................................
بَيْعُه ما لم يَدِبَّ.
وجزَم به فى «عُيونِ المَسائِلِ».
واخْتارَه القاضى.
وأطْلقَهما فى «المُحَرَّرَ»، و «الرِّعايتَيْن»، و «الحاوِيَيْن»، و «الفائقِ».
فائدة: إذا دَبَّ بَزْرُ القَزِّ، فهو مِن دُودِ القَزِّ، حُكْمُه حُكْمُه، كما تقدَّم.
قوله: والنَّحْلِ مُنْفَرِدًا، وفى كُوَّاراتِه.
يجوزُ بَيْعُ النَّحْلِ مُنْفَرِدًا، على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ، وعليه جماهيرُ الأصحابِ.
وجزَم به فى «الهِدايَةِ»، و «المُذْهَبِ»، و «الخُلاصَةِ»، و «المُغْنِى»، و «مَسْبُوكِ الذَّهَبِ»، و «التَّلْخيصِ»، و «البُلْغَةِ»، و «الشَّرْحِ»، و «المُحَرَّرِ»، و «الحاوِيَيْن»، و «الوَجيزِ»، و «المُنَوِّرِ»، وغيرِهم.
وصحَّحَه فى «الفُروعِ».
وقدَّمه فى «الرِّعايتَيْن».
وقيل: لا يصِحُّ.
..................................
قوله: وفى كُوَاراتِه.
الصَّحيحُ مِنَ المذهبِ، أنَّه يجوزُ بَيْعُ النَّحْلِ مع كُوَاراتِه.
جزَم به فى «الهِدايَةِ»، و «المُذْهَبِ»، و «الخُلاصَةِ»، و «المُحَرَّرِ»، و «الحاوِى الصَّغِيرِ»، و «المُنَوِّرِ»، وغيرِهم.
وصحَّحَه فى «الفُروعِ»، و «الرِّعايتَيْن».
وقيل: لا يصِحُّ.
قال القاضى: لا يصِحُّ بَيْعُها فى كُوَاراتِها.
وأطْلَقهما فى «المُغْنِى»، و «التَّلْخيصِ»، و «البُلْغَةِ»، و «الشَّرْحِ»، و «الحاوِى الكَبِيرِ».
فعلى المذهبِ فيها، يُشْتَرَطُ أنْ يُشاهَدَ داخِلًا إليها، عندَ الأكْثَرِ.
قالَه فى «الفُروعِ».
وقيل: لا يُشْتَرَطُ.
وقدَّمه فى «الرِّعايتَيْن».
قال فى «الكُبْرى»، بعدَ أنْ قدَّم هذا فى بَيْعِه مُنْفَرِدًا: وقيل: إذا رأَياه فيها، وعَلِما قدْرَه، وأمْكَنَ أخْذُه.
وقيل: إنْ رأَياه يدْخُلُها، وإلَّا فلا.
فائدة: قال فى «التَّلْخيصِ»، و «البُلْغَةِ»، وجماعةٌ: لا يصِحُّ بَيْعُ الكُوَارَةِ بما فيها مِن عسَلٍ ونَحْلٍ.
واقْتَصرَ عليه فى «الفائقِ».
وقدَّمه فى «الرِّعايتَيْن».
وجزَم به فى «الحاوِى الصَّغِيرِ».
وقال فى «الفُروعِ»: وظاهِرُ كلامِ بعضِهم صِحَّةُ ذلك.
انتهى.
قلتُ: اخْتارَه فى «الرِّعايتَيْن».
وأمَّا إذا كان مَسْتُورًا بأقْراصِه، فإنَّه لا يجوزُ بَيْعُه.
جزَم به فى «المُغْنِى»، و «الشَّرْحِ»، و «الرِّعايَةِ الكُبْرى»، و «الحاوِى الكَبِيرِ»، وغيرِهم.
فائدتان؛ إحداهما، ذكَر الخِرَقِىُّ، أنَّ التِّرْياقَ لا يُؤكَلُ؛ لأنَّ فيه لحُومَ الحَيَّاتِ.
فعلى هذا، لا يجوزُ بَيْعُه؛ لأنَّ نفْعَه إنَّما يحْصُلُ بالأَكْلِ، وهو مُحَرَّمٌ، فخَلا مِن نَفْعٍ مُباحٍ: ولا يجوزُ التَّداوِى به، ولا بِسُمِّ الأفاعِى.
فأمَّا السُّمُّ مِنَ الحشَائشِ والنَّباتِ، فإنْ كان لا يُنْتَفَعُ به، أو كان يقْتُلُ قَلِيلُه، لم يَجُزْ بَيْعُه؛ لعدَمِ
وَيَجُوزُ بَيْعُ الْهِرِّ، وَالْفِيل،
نَفْعِه، وإنِ انتُفِعَ به، وأمْكَنَ التَّداوِى بيَسِيرِه، كالسَّقَمُونْيَا 1 ونحوِها، جازَ بَيْعُه.
الثَّانيةُ، يصِح بَيْعُ عَلَقٍ لمَصِّ دَمٍ، ودِيدَانٍ تُتْرَكُ فى الشَّصِّ لصَيْدِ السَّمَكِ.
على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ.
صحَّحَه فى «المُغْنِى»، و «الشَّرْحِ»، و «النَّظْمِ»، و «الحاوِى الكَبِيرِ».
وقدَّمه فى «الرِّعايَةِ الكُبْرى».
وقيل: لا يصِحُّ.
وأطْلقَهما فى «الفُروعِ»، و «الفائقِ».
قوله: ويجوزُ بَيْعُ الهِرِّ، والفِيلِ، وسِباعِ البهَائِمِ التى تصْلُحُ للصَّيْدِ -وكذا سِباعُ الطَّيْرِ- فى إحْدَى الرِّوايَتَيْن.
وهو المذهبُ.
صحَّحَه فى «التَّصْحيحِ»، و «الكافِى»، و «النَّظْمِ»، وغيرِهم.
واخْتارَه المُصَنِّفُ، والشَّارِحُ، وابنُ رَزِينٍ فى «شَرْحِه».
قال الحَارِثِىُّ فى «شَرْحِه»: الأصحُّ جَوازُ بَيْعِ ما يصْلُحُ
وَسِبَاعِ الْبَهَائِمِ الَّتِى تَصْلُحُ لِلصَّيْدِ، فى إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ، إِلَّا الْكَلْبَ.
اخْتَارَهَا الْخِرَقِىُّ.
وَالأُخْرَى، لَا يَجُوزُ.
اخْتَارَهَا أَبُو بَكْرٍ.
للصَّيْدِ.
وقدَّمه ابنُ رَزِينٍ فى «شَرْحِه»، و «الحاوِى الكبِيرِ».
وجزَم به الخِرَقِىُّ، وصاحِبُ «الوَجيزِ»، و «المُنَوِّرِ»، و «مُنْتَخَبِ الآدَمِىِّ»، وغيرُهم.
والأُخْرَى، لا يجوزُ.
اخْتارَه أبو بَكْرٍ، وابنُ أبى مُوسى، واختارَه صاحبُ «الهَدْى»، و «الفائقِ» فى الهِرِّ.
قال فى «القَواعدِ الفِقْهِيَّةِ»: لا يجوزُ بَيْعُ الهِرِّ، فى أصحِّ الرِّوايتَيْن.
وأطْلَقهما فى «الهِدَايَةِ»، و «المُذْهَبِ»، و «المُسْتَوْعِبِ»، و «الخُلاصَةِ»، و «التَّلْخيصِ»، و «البُلْغَةِ»، و «المُحَرَّرِ»، و «الرِّعايتَيْن»، و «الحاوِى الصَّغِيرِ»، و «الفُروعِ»، و «تَجْرِيدِ العِنايَةِ»، و «الزَّرْكَشِىِّ»، وكذا «الفائقِ» فى غيرِ الهرِّ.
وقيل: يجوزُ فيما قيلَ بطَهارَتِه منها.
وقيل: يجوزُ بَيْعُ المُعَلَّمِ منها دُونَ غيرِه.
ويَحْتَمِلُه
..................................
كلامُ المُصَنِّفِ هنا.
لكِنَّ الأَوْلَى أنَّه أرادَ ما يصْلُحُ أن يَقْبَلَ التَّعْليمَ، وهو محَلُّ الخِلافِ.
فعلى المذهبِ، فى جَوازِ بَيْعِ فِراخِه وبَيْضِه وَجْهان.
وأطْلقَهما فى «الفُروعِ».
وأطْلَقهما فى «الرِّعايَةِ» فى البَيْضِ؛ أحدُهما، يجوزُ فيهما إذا كان البَيْضُ يُنْتَفعُ به، بأنْ يصِيرَ فَرْخًا.
اخْتارَه المُصَنِّفُ، والشَّارِحُ.
وصحَّحَه فى «النَّظْمِ».
وقدَّمه فى «الكافِى»، و «الحاوِى الكَبِيرِ»، و «ابنِ رَزِينٍ».
قال الزَّرْكَشِىُّ: إنْ قَبِلَ التَّعْليمَ، جازَ على الأَشْهَرِ، كالجَحْشِ الصَّغِيرِ.
وقيل: لا يجوزُ بَيْعُهما.
وقال القاضى: لا يجوزُ بَيْعُ البَيْضِ؛ لنَجاسَتِه.
وردَّه المُصَنِّفُ، والشَّارِحُ.
..................................
تنبيه: قوْلُه: التى تصْلُحُ للصَّيْدِ.
عائدٌ إلى سِباعِ البَهائمِ فقط.
وهو ظاهرُ كلامِ كثيرٍ مِنَ الأصحابِ، وتَعْليلُهم يدُلُّ عليه، لا إلى الهِرِّ والفِيلِ.
وقال فى «الفُروعِ»: وفى بَيْعِ هِرٍّ وما يُعلَّمُ الصَّيْدَ، أو يَقْبَلُ التعْليمَ، كفِيلٍ، وفَهْدٍ، وبازٍ، إلى آخرِه رِوايَتان 1. وقال بعدَ ذلك: فإنْ لم يقْبَلِ الفِيلُ والفَهْدُ التَّعْليمَ، لم يَجُزْ بَيْعُه، كأَسَدٍ، وذِئْبٍ، ودُبٍّ، وغُرابٍ.
فلَعَلَّه أرادَ أنَّ تعْليمَ كلِّ شئٍ بحَسَبِه، فتَعْلِيمُ الفِيلِ للرُّكُوبِ، والحَمْلِ عليه، ونحوِهما، وتَعْليمُ غيرِه للصَّيْدِ، لا أنَّه أرادَ تَعْلِيمَ الفيلِ للصَّيْدِ، فإنَّ هذا لم يُعْهَدْ، ولم يذْكُرْه الأصحابُ فيما يُصادُ به، على ما يأْتِى، ولِشَيْخِنا عليه كلامٌ فى «حَواشِى الفُروعِ».
فوائد؛ الأُولَى، فى جَوازِ بَيْعِ ما يُصادُ عنيه، كالبُومَةِ التى يجْعَلُها شباشًا لِتَجْتَمِعَ الطَّيْرُ إليها فيَصيدَه الصَّيَّادُ، وَجْهان.
وهما احْتِمالان مُطْلَقان فى «المُغْنِى»، و «الشَّرْحِ»، و «الرِّعايَةِ الكُبْرى».
وأطْلقَهما فى
..................................
«الفُروعِ»، و «الحاوِى الكَبِيرِ».
وكذا حُكْمُ اللَّقْلَقِ؛ أحدُهما، يجوزُ مع الكراهَةِ.
قدَّمه ابنُ رَزِينٍ فى «شَرْحِه».
وكذا قدَّم الجَوازَ فى اللَّقْلَقِ.
والثَّانى، لا يجوزُ.
صَحَّحه النَّاظِمُ، وصحَّحَه أيضًا فى اللَّقْلَقِ.
الثَّانيةُ، بَيْعُ القِرْدِ، إنْ كان لأجْلِ اللَّعِبِ به، لم يصِحَّ.
على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ.
جزَم به فى «الرِّعايَةِ»، و «المُسْتَوْعِبِ».
وقيل: يصِحُّ معَ الكراهَةِ.
قدَّمه فى «الحاوِى الكَبِيرِ».
وقد أطْلقَ الإِمامُ أحمدُ رَحِمَه اللَّهُ كراهَةَ بَيْعِ القِرْدِ.
وإنْ كان لأجْلِ حِفْظِ المَتاعِ ونحوِه، فقيل: يصِحُّ.
اخْتارَه ابنُ عَقِيلٍ.
وقدَّمه فى «الحاوِى الكَبِير».
وتقدَّم نصُّ أحمدَ.
قلتُ: وهو الصَّوابُ.
وعُموماتُ كلامِ كثيرٍ مِنَ الأصحابِ تَقْتَضِى
..................................
ذلك.
وقيل: لا يصِحُّ.
قال المُصَنِّفُ، والشَّارِحُ: هو قِياسُ قوْلِ أبى بَكْرٍ، وابنِ أبى مُوسى.
واخْتارَه ابنُ عَبْدُوسٍ فى «تَذْكِرَتِه».
وأطْلقَهما فى «المُسْتَوْعِبِ»، و «الرِّعايتَيْن»، و «الفائقِ».
وظاهرُ «المُغْنِى»، و «الشَّرْحِ»، و «الفُروعِ»، الإطْلاقُ.
وقال فى «آدَابِ الرِّعايتَيْن»: يُكْرَهُ اقْتِناءُ قِرْدٍ لأجْلِ اللَّهْوِ واللَّعِبِ.
وقيلَ: مُطْلَقًا.
قلتُ: الصَّوابُ التَّحْريمُ باللَّعِب.
الثَّالثةُ، يصِحُّ بَيْعُ طَيْرٍ لأجْلِ صَوْتِه، كالهَزَارِ، والبُلْبُلِ، والبَبْغاءِ.
ذكَرَه جماعةٌ؛ منهم صاحِبُ «المُسْتَوْعِبِ»، والمُصَنِّفُ، والشَّارِحُ، وصاحِبُ «الرِّعايتَيْن»، و «الحاويَيْن»، و «النَّظْمِ»، و «شَرْحِ ابنِ رَزِينٍ».
وقدَّمه فى «الفُروعِ».
وقال الشَّيْخُ تَقِىُّ الدِّينِ: يجوزُ بَيْعُه إنْ جازَ حَبْسُه.
وفى جَوازِ حَبْسِه احْتِمالان.
ذكَرَهما ابنُ عَقِيلٍ.
وقال فى «المُوجَزِ»: لا يصِحُّ إجارَةُ
وَيَجُوزُ بَيْعُ الْعَبْدِ الْمُرْتَدِّ وَالْمَرِيضِ.
وَفِى بَيْع الجَانِى والْقَاتلِ فى الْمُحَارَبَةِ، وَلَبَنِ الْآدَمِيَّاتِ وَجْهَانِ.
ما قُصِدَ صوْتُه، كدِيكٍ، وقُمْرِىٍّ.
قال فى «التَّبصِرَةِ»: لا يصِحُّ إجارَةُ ما لا يُنْتفَعُ به، كغَنَمٍ، ودَجاج، وقُمْرِىٍّ، وبُلْبُل.
وقال فى «الفُنونِ»: يُكْرَهُ.
قوله: ويجوزُ بَيْعُ العَبْدِ المُرْتَدِّ والمَرِيضِ.
أمَّا المُرْتَدُّ، فيَجُوزُ بَيْعُه، بلا نِزاعٍ، ونصَّ عليه، إِلَّا أنَّ صاحِبَ «الرِّعايَةِ» قال: يجوزُ بَيْعُه مع جَوازِ اسْتِتابَتِه، وإلَّا فلا.
فائدة: لو جَهِلَ المُشْتَرِى أنَّهُ مُرْتَدٌّ، فله الأَرْشُ، سواءٌ قُتِلَ أَوْ لا.
وفيه احْتِمالٌ أنَّ له الثَّمَنَ كلَّه.
وأما المرِيضُ، فالصَّحيحُ مِنَ المذهبِ، جَوازُ بَيْعِه مُطْلَقًا، وعليه الأصحابُ.
وقيلَ: إنْ كان مأْيُوسًا، لم يَجُزْ بَيْعُه، وإلَّا جازَ.
قوله: وفى بَيْعِ الجَانِى، والقاتِلِ فى المُحَارَبَةِ، ولَبَنِ الآدَمِيَّاتِ، وَجْهَان.
أما بَيْعُ الجانِى، فأَطْلقَ فى صحَّةِ بَيْعِه وَجْهَيْن.
وأطْلقَهما فى «الرِّعايَةِ الصُّغْرى»،
..................................
و «الحاوِيَيْن»؛ أحدُهما، يصِحُّ.
وهو المذهبُ.
نصَّ عليه، وعليه أكثرُ الأَصحابِ.
وصحَّحَه فى «التَّصْحيحِ»، و «الشَّرْحِ»، و «النَّظْمِ»، وغيرِهم.
وجزَم به فى «الهِدايَةِ»، و «المُذْهَبِ»، و «مَسْبُوكِ الذَّهَبِ»، و «المُسْتَوعِبِ»، و «الخُلاصَةِ»، و «المُحَرَّرِ»، و «الحاوِى الكَبِيرِ»، و «الوَجيزِ»، و «المُنَوِّرِ»، وغيرِهم.
وقدَّمه فى «الفُروعِ»، و «الرِّعايَةِ الكُبْرى»، و «الفائقِ»، وغيرِهم.
قال فى «القاعِدَةِ الثَّالثَةِ والخَمْسِين»: هو قوْلُ أكثرِ الأصحابِ.
وقيل: لا يصِحُّ بَيْعُه.
اخْتارَه أبو الخَطَّابِ فى «الانْتِصارِ».
قالَه فى أوَّلِ «القاعِدَةِ الثَّالثةِ والخَمْسِين».
فعلى المذهبِ، سواءٌ كانتِ الجِنايَة عَمْدًا أو خَطَأً، على النَّفْسِ وما دُونَها، ثم يُنْظَرُ، فإنْ كان البائعُ مُعْسِرًا بأَرْشِ الجِنايَةِ، فُسِخَ البَيْعُ، وقُدِّمَ حَقُّ المَجْنِىِّ عليه؛ لتعَلُّقِه به، وإنْ كان مُوسِرًا بالأَرْشِ، لَزِمَه، وكان البَيْعُ بحالِه؛ لأنَّه بالخِيارِ بينَ أنْ يفْدِيَه أو يُسَلِّمَه، فإذا باعَه فقدِ اخْتارَ فِداءَه.
وأمَّا المُشْتَرِى، إذا لم يعْلَمْ، فله الخِيَارُ بينَ أخْذِ الأَرْشِ أو الرَّدِّ، فإنْ عفَا عنِ الجِنايَةِ قبلَ طَلبِها، سَقط الرَّدُّ والأَرْشُ، وإذا قُتِلَ ولم يَعْلَمِ المُشتَرِى بأنَّ دَمَه
..................................
مُسْتَحَقٌّ، تعَيَّنَ الأَرْشُ لا غيرُ.
وهو مِنَ المُفْرَداتِ.
ويأْتِى هذا بعَيْنِه فى كلامِ المُصَنِّفِ، فى آخرِ خِيارِ العَيْبِ.
فائدة: السَّرِقَةُ جِنايَةٌ.
ويأْتِى، هل يجوزُ بَيْعُ المُدَبَّرِ، والمُكاتَبِ، وأُمِّ الوَلَدِ؟ فى أبْوابِها.
وأما بَيْعُ القاتِلِ فى المُحارَبَةِ، يعْنِى إذا تحَتَّمَ قتْلُه، فأطْلَقَ المُصَنِّفُ فيه وَجْهَيْن.
وأطْلقَهما فى «الكافِى»، و «المُحَرَّرِ»، و «الفُروعِ»، و «الرِّعايتَيْن»، و «الحاوِى الصَّغِيرِ»، و «الفائقِ»، أحدُهما، يصِحُّ.
وهو المذهبُ.
صحَّحَه فى «المُغْنِى».
و «الشَّرْحِ»، و «النَّظْمِ»، و «التَّصْحيحِ».
وجزَم به فى «الهِدايَةِ»، و «المُذْهَبِ»، و «مَسْبُوكِ الذَّهبِ»، و «الخُلاصَةِ»، و «الوَجيزِ»، و «المُنَوِّرِ»، وغيرِهم.
وقدَّمه
..................................
فى «المُسْتَوْعِبِ»، و «الحاوِى الكَبِيرِ».
والوَجْهُ الثَّانى، لا يصِحُّ.
قال القاضى: إذا قدَر عليه قبلَ التَّوْبَةِ، لم يصِحَّ بَيْعُه؛ لأنَّه لا قِيمَةَ له.
انتهى.
ومحَلُّ الخِلافِ، إذا تحَتَّمَ قتْلُه، فأمَّا إذا تابَ قبلَ القُدْرَةِ عليه، فحُكْمُه حُكْمُ الجانِى على ما مَرَّ.
تنبيه: ألْحَقَ فى «الرِّعايَةِ الكُبْرى» مَن تَحتَّمَ قتْلُه فى كُفْر بمَن تحَتَّمَ قتْلُه فى المُحارَبَةِ.
وأمَّا بَيْعُ لَبَنِ الآدَمِيَّاتِ، فأطْلَقَ المُصَنِّفُ فيه وَجْهَيْن.
وأطْلقَهما فى «الهِدايَةِ»، و «المُذْهَبِ»، و «مَسْبُوكِ الذَّهَبِ»، و «المُسْتَوْعِبِ»، و «الخُلاصَةِ»، و «الكافِى»، و «التَّلْخيصِ»، و «البُلْغَةِ»، و «الفُروعِ»، و «الرِّعايتَيْن»، و «الحاوِيَيْن»، و «تَجْرِيدِ العِنايةِ»؛
..................................
أحدُهما، يصِحُّ مُطْلَقًا.
وهو المذهبُ، وهو ظاهِرُ كلامِ الخِرَقِىِّ.
وصحَّحَه المُصَنِّفُ، والشَّارِحُ، والنَّاظِمُ، وصاحِبُ «التَّصْحيحِ»، وغيرُهم.
وجزَم به فى «الوَجيزِ»، و «مُنْتَخَبِ الآدَمِىِّ».
واخْتارَه ابنُ حامِدٍ، وابنُ عَبْدُوسٍ فى «تَذْكرَتِه».
والوَجْهُ الثَّانى، لا يصِحُّ مُطْلَقًا.
قال المُصنِّفُ، والشَّارِحُ: ذهَب جماعةٌ مِن أصحابِنا إلى تحْريمِ بَيْعِه.
وجزَم به فى «المُنَوِّرِ».
وقدَّمه فى «المُحَرَّرِ».
فعليه، لو أتْلفَه مُتْلِفٌ، ضَمِنَه، على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ، ويَحْتَمِلُ أنْ لا يَضْمنَه، كالدَّمْعِ والعَرَقِ.
قالَه القاضى.
نقَلَه فى «شَرْحِ المُحَرَّرِ» للشَّيْخِ تَقِىِّ الدِّينِ.
وقيلَ: يصِحُّ مِنَ الأمَةِ دُونَ الحُرَّةِ.
وأطْلَقَهُنَّ فى «الفائقِ»، وأطْلقَ الإِمامُ أحمدُ، رَحِمَهُ اللَّهُ، الكَراهةَ.
فائدة: لا يجوزُ بَيْعُ لَبَنِ الرَّجُلِ.
ذكَرَه القاضى محَلَّ وِفاقٍ، وتابَعه الشَّيْخُ تَقِىُّ الدِّينِ على ذلك.
قلتُ: وفى تقْيِيدِ بعضِ 1 الأصحابِ ذلك بالآدَمِيَّاتِ إيماءٌ إلى ذلك.
فائدة: لا يصِحُّ بَيْعُ مَن نُذِرَ عِتْقُه.
على الصَّحيحِ مِنَ المذَهبِ.
قال فى
وَفِى جَوَازِ بَيْعَ الْمُصْحَفِ وَكَرَاهَةِ شِرَائِهِ وَإِبْدَالِهِ، رِوَايَتَانِ.
«الفُروعِ»: الأشْهَرُ مَنْعُه.
وجزَم به فى «المُحَرَّرِ»، و «الفائقِ»، و «المُنَوِّرِ»، و «تَذْكِرَةِ ابنِ عَبْدُوسٍ».
وقدَّمه فى «الرِّعايتَيْن»، و «النَّظْمِ».
وقال القاضى، وصاحِبُ «المُنْتَخَبِ»: فى بيْعِه نظَرٌ.
وقال فى «الرِّعايتَيْن» مِن عندِه، بعدَ أنْ قدَّم عدَمَ الصِّحةِ: قلتُ: إنْ علّقَه بشَرْطٍ، صحَّ بَيْعُه قبلَه.
زادَ فى «الكُبْرى» ويَحْتَمِلُ وُجوبُ الكَفَّارَةِ وجهَيْن.
وجزَم بما اخْتارَه فى «الرِّعايَةِ» صاحِبُ «الحاوِى الصَّغيرِ».
وقال النَّاظِمُ: وقيلَ: قُبَيلَ الشَّرْطِ بِعْه.
قوله: وفى جَوازِ بَيْعِ المُصْحَفِ رِوايتان.
وأطْلقَهما فى «المُذْهَبِ»، و «التَّلْخيصِ»، و «البُلْغَةِ»، و «تجْريدِ العِنايَةِ»؛ إحداهما، لا يجوزُ، ولا
..................................
يصحُّ.
وهو المذهبُ على ما اصْطَلحْناه.
قال الإِمامُ أحمدُ: لا أعْلَمُ فى بَيْعِه رُخْصَةً.
وجزَم به فى «الوَجيزِ».
واخْتارَه المُصَنِّفُ، والشَّارِحُ.
وقدَّمه فى «المُغْنِى»، و «الشَّرْحِ»، و «الرِّعايَةِ الكُبْرَى»، و «النَّظْمِ»، و «الكافِى»، وابنُ رَزِينٍ فى «شَرْحِه»، ونصَرَه.
والرِّوايةُ الثَّانيةُ، يجوزُ بَيْعُه، ويُكْرَهُ.
صحَّحَه فى «التَّصْحيحِ»، و «مَسْبُوكِ الذَّهَبِ»، و «الخُلاصَةِ».
وجزَم به فى «المُنَوِّرِ»، و «إِدْراكِ الغايَةِ»، و «مُنْتَخَبِ الآدَمِىِّ».
قال فى «الرِّعايَةِ الكُبْرى»: وهو أظْهَرُ.
وقدَّمه فى «الهِدايَةِ»، و «المُسْتَوْعِبِ»، و «الهادِى»، و «المُحَرَّرِ»، و «الرِّعايَةِ الصُّغْرَى»، و «الحاوِيَيْن»، و «الفائقِ».
وناظِمُ «المُفْرَداتِ»، وهو منها.
واخْتارَه ابنُ عَبْدُوسٍ فى «تَذْكِرَتِه».
وعنه رِوايَةٌ ثالثةٌ، يجوزُ مِن غيرِ كَراهَةٍ.
ذكَرَها أبو الخَطَّابِ.
وأطْلقَهُنَّ فى «الفُروعِ».
فائدة: حُكْمُ إجارَتِه حُكْمُ بَيْعِه، خِلافًا ومذهبًا، وكذا رَهْنُه.
قالَه ناظِمُ «المُفْرَداتِ» وغيرُه.
ويأْتِى فى آخرِ كتابِ الوَقْفِ، جَوازُ بَيْعِه إذا تعَطَّلتْ مَنافِعُه.
..................................
قوله: وفى كَراهَةِ شِرائِه.
وإبْدالِه رِوَايتان.
وأطْلَقهما فى «الهِدايَةِ»، و «المُذْهَبِ»، و «المُسْتَوْعِبِ»، و «الكافِى»، و «الهادِى»، و «التَّلْخيصِ»، و «البُلْغَةِ»، و «الفائقِ»، و «الحاوِيَيْن»؛ إحداهما، لا يُكْرَهُ.
وهو المذهبُ؛ فقد رَخَّص الإِمامُ أحمدُ فى شِرائِها.
وجزَم به فى «الوِجيزِ»، و «المُنَوِّرِ».
وصحَّحَه فى «التَّصْحيحِ».
قال فى «الفُروعِ»: الأصح أنَّهما لا يحْرُمان.
وقدَّمه فى «المُحَرَّرِ»، و «الشَّرْحِ».
واخْتارَ ابنُ عَبْدوسٍ كراهةَ الشِّراءِ، وعَدَمَ كراهَةِ الإبْدالِ.
والرِّوايةُ الثّانية، يُكْرَهُ.
قدَّمه فى «الرِّعايتَيْن».
وعنه، يحْرُمُ.
ولم يذْكُرْها بعضهم.
وذكَر أبو بَكْرٍ فى المُبادَلَةِ، هل هى بَيْعٌ أم لا؟ على رِوايتَيْن.
وأنْكَرَ القاضى ذلك، وقال: هى بَيْعٌ بلا خِلافٍ، وإنَّما أجازَ 1 أحمدُ إبْدالَ المُصْحَفِ بمِثْلِه؛ لأنَّه لا يدُلُّ على الرَّغْبَةِ عنه، ولا على
وَلَا يَجُوزُ بَيْعُ الْحَشَرَاتِ، وَالْمَيْتَةِ، وَلَا شَىْءٍ مِنْهُمَا، وَلَا سِبَاعِ الْبَهَائِمِ الَّتِى لَا تَصْلُحُ لِلصَّيْدِ،
الاسْتِبْدالِ به بعِوَضٍ دُنْيَوِىٍّ، بخِلافِ أخْذِ ثَمَنِه.
ذكَرَه فى «القاعِدَةِ الثَّالثةِ والأرْبَعِين بعدَ المِائَةِ».
وتقدَّم نظيرُ ذلك فى أوَاخِرِ كتابِ الزَّكاةِ، بعدَ قوْلِه: وإنْ باعَه بنِصابٍ مِن جِنْسهِ، بنَى على حَوْلَه.
تنبيه: محَلُّ الخِلافِ فى ذلك، إذا كان مُسْلِمًا، فأمَّا إنْ كان كافِرًا، فلا يجوزُ بَيْعُه له، قوْلًا واحِدًا، وإنْ ملَكَه بإرْثٍ أو غيرِه الزِمَ بإزالَةِ مِلْكِه عنه.
وتقدَّم التَّنْبِيهُ على ذلك فى أوَاخِرِ نَواقِضِ الوُضُوءِ.
ويأْتِى فى أثْناءِ الرَّهْنِ، هل تجوزُ القِراءَةُ فيه مِن غيرِ إذْنِ رَبِّه؟ وهل يَلْزَمُه بَذْلُه للقِراءَةِ فيه؟
وَلَا الْكَلْبِ،
قوله: ولا يجوزُ بَيْعُ الكَلْبِ.
هذا المذهبُ مُطْلَقًا، وعليه الأصحابُ، وقطَعوا به.
وقال الحَارِثىُّ فى «شَرْحِه» فى كتابِ الوَقْفِ، عندَ قوْلِ المُصَنِّفِ: ولا يصِحُّ
..................................
وَقْفُ الكَلْبِ: والصَّحيحُ، اخْتِصاصُ النَّهْى عنِ البَيْعِ فيما عدَا كَلْبِ الصَّيْدِ؛ بدَليلِ رِوايَةِ حَمَّادِ بنِ سَلَمَةَ، عن أبى الزُّبَيْرِ، عن جابِر، قال: نهَى رَسُولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- عن ثَمَنِ الكَلْب، والسِّنَّوْرِ، إلَّا كَلْبَ صَيْدٍ.
والإسْنادُ جَيِّدٌ.
قال: فيَصِحُّ وَقْفُ المُعَلَّمِ؛ لأن بَيْعَه جائزٌ.
انتهى.
ويأْتِى ذلك فى كتابِ الوَقْفِ.