..................................
خشَبَه على جِدارِ جارِه، أو الجِدارِ المُشْتَرَكِ، فلا يَخْلُو؛ إمَّا أنْ يتَضَرَّرَ الحائطُ بذلك، أو لا؛ فإنْ تَضَرَّرَ بذلك، مُنِعَ.
بلا نِزاعٍ.
وإنْ لم يتَضَرَّرْ، فلا يَخْلُو؛ إما أنْ يكونَ صاحِبُ الخَشَبِ مُسْتَغْنِيًا عن ذلك؛ لإمْكانِه وَضْعُه على غيرِه، أو لا؛ فإنْ كان مُسْتَغْنِيًا عن وَضْعِه، وأرادَ وَضْعَه عليه، مُنِعَ منه.
على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ، نصَّ عليه.
قال المُصَنِّفُ، والشَّارِحُ: عليه أكثرُ الأصحابِ.
وقدَّمه
..................................
في «الفُروعِ».
وصحَّحه في «الرِّعايَةِ» وغيرِها.
وجزَم به في «الهِدايَةِ»، و «المُذْهَبِ»، و «الخُلاصَةِ»، و «المُسْتَوْعِبِ» و «الوَجيزِ»، وغيرِهم.
وقال ابنُ عَقِيل: يجوزُ.
وأطْلَقَ أحمدُ الجَوازَ، وكذا صاحِبُ «المُحَرَّرِ» وغيرُه.
وإنْ لم يكُنْ مُسْتَغْنِيًا، ودَعَتِ الضَّرُورَةُ إلى ذلك عندَ الأكثرِ -وفي «المُغْني»، و «الشرْحِ»، ودَعَتِ الحاجَةُ إلى ذلك- فالصَّحيحُ مِنَ المذهبِ، له وَضْعُه عليه.
نصَّ عليه، وعليه جماهيرُ الأصحابِ، وقطَع به كثيرٌ منهم.
وهو مِنَ المُفْرَداتِ.
فعلى هذا، لا يجوزُ لرَبِّ الجِدارِ مَنْعُه، وإنْ منَعَه، أجْبَرَه الحاكِمُ.
وقد نصَّ الإمامُ أحمدُ على عدَمِ اعْتِبارِ إذْنِه في الوَضْعِ، ولو صالحَه عنه بشيءٍ، جازَ.
قال في «الرِّعايَةِ»: جازَ في الأصحِّ.
انتهى.
وقيل: لا يجوزُ له وَضْعُه بغيرِ إذْنِه.
وخرَّجَه أبو الخَطابِ مِن رِوايَةِ المَنْعِ مِن وَضْعِه على جِدارِ المَسْجِدِ.
وهو قَوْلُ المُصَنِّفِ.
وهذا تَنْبِيهٌ على أنَّه لا يَضَعُه على جِدارِ جارِه؛ لأنَّ
..................................
له في المَسْجِدِ حقًّا، وحقُّ اللهِ مَبْنِيٌّ على المُساهَلَةِ.
وكذا قال في «الهِدايَةِ»، و «المُسْتَوْعِبِ»، و «الحاويَيْن».
فائدة: ذكَر أكثرُ الأصحابِ الضَّرُورَةَ، مِثْلَ أنْ يكونَ للجارِ ثَلاثَةُ جُدُرٍ، وله جِدارٌ واحدٌ 1؛ منهم القاضي، وابنُ عَقِيلٍ.
وجزَم به في «المُسْتَوْعِبِ»، و «الرِّعايَةِ».
وقال المُصَنِّفُ، والشَّارِحُ: وليس هذا في كلامِ أحمدَ، إنَّما قال في رِوايَةِ أبِي داودَ: لا يَمْنَعُه إذا لم يَكُنْ ضَرَرٌ، وكان الحائطُ يَبْقَى.
ولأنَّه قد يَمْتَنِعُ التَّسْقِيفُ على حائطَين، إذا كانا غيرَ مُتَقابِلَين، أو كان البَيتُ واسِعًا يَحْتاجُ أنْ يجعلَ فيه جِسْرًا، ثم يضَعَ الخَشَبَ على ذلك الجِسْرِ.
قال المُصَنِّفُ: والأوْلَى اعْتِبارُه بما ذكَرْنا، مِنِ امْتِناعِ التَّسْقيفِ بدُونِه.
ولا فَرْقَ فيما ذكَرْنا بينَ البالِغِ واليَتِيمِ والعاقلِ والمَجْنُونِ.
وعَنْهُ، لَيسَ لَهُ وَضْعُ خَشَبِهِ عَلَى جِدَارِ الْمَسجِدِ.
وَهَذَا تَنْبِيهٌ عَلَى أَنَّهُ لَا يَضَعُ عَلَى جِدَارِ جَارِهِ.
تنبيه: ظاهِرُ قوْلِه: وعنه، ليس له وَضْعُ خَشَبِه على جِدارِ المَسْجِدِ.
[أنَّ المُقَدَّمَ جَوازُ] 1 وَضْعِه عليه، وهو ظاهِرُ ما قدَّمه في «الحاويَيْن»، وهو إحْدَى الرِّوايتَين أو الوَجْهَين.
وهو المذهبُ عندَ ابنِ مُنَجَّى في «شَرْحِه».
وجزَم به في «المُنَوِّرِ».
وهو احْتِمالٌ في «المُذْهَبِ».
والرِّوايَةُ الأُخْرَى، ليس له وَضْعُه على جِدارِ المَسْجِدِ، وإنْ جازَ وَضْعُه على جِدارِ غيرِه.
وهي التي ذكَرَها المُصَنِّفُ هنا.
واخْتارَها أبو بَكْرٍ، وأبو محمدٍ الجَوْزِيُّ.
وصحَّحه في «الرِّعايتَين».
وجزَم
..................................
به في «الخُلاصَةِ».
وقدَّمه في «المُذْهَبِ».
وأطْلَقهما في «التَّلْخيصِ»، و «الشرْحِ»، و «المُحَرَّرِ»، و «الفُروعِ»، و «الفائقِ»، و «الكافِي».
فوائد؛ إحْداها، لو كان له حقُّ ماءٍ يَجْرِي على سَطْحِ جارِه، لم يَجُزْ له تَعْلِيَةُ سَطْحِه ليَمْنَعَ الماءَ.
ذكَرَه ابنُ عَقِيلٍ وغيرُه.
وليس له تَعْلِيَتُه لكَثْرَةِ ضَرَرِه.
الثَّانيةُ، يجوزُ له الاسْتِنادُ إلى حائطِ جارِه وإسْنادُ قُماشِه إليه.
وذكَر في «النِّهايَةِ» في مَنْعِه احْتِمالين.
وله الجُلُوسُ 1 في ظِلِّه، ونظَرُه في ضَوْءِ سِراجِه.
ونقَل المَرُّوذِيُّ، يَسْتَأْذِنُه، أعْجَبُ إليَّ، فإنْ منَعَه، حاكَمَه.
ونقَل جَعْفَرٌ، قيلَ له: أيَضَعُه، ولا يَسْتَأْذِنُه؟ قال: نعم، أيشِ يَسْتَأْذِنُه؟ قال الشيخُ تَقِيُّ الدِّينِ: العَينُ والمَنْفَعَةُ التي لا قِيمَةَ لها عادةً، لا يصِحُّ أنْ يرِدَ عليها عقَدُ بَيعٍ وإجارَةٍ اتِّفاقًا، كمَسْأَلتِنا.
الثَّالثةُ، لو ملَك وَضْعَ خَشَبِه على حائطٍ، فزال بسُقوطِه، أو قَلْعِه، أو سُقوطِ
..................................
الحائطِ، ثم أُعِيدَ، فله إعادَةُ خَشَبِه، إنْ حصَل له ضَرَرٌ بتَرْكِه، ولم يُخْشَ على الحائطِ مِن وَضْعِه عليه، وإنْ خِيفَ سُقوطُ الحائطِ بعدَ وَضْعِه عليه، لَزِمَ إزالتُه.
الرَّابعةُ، لو كانَ له وَضْعُ خَشَبِه على جِدارِ غيرِه، لم يَمْلِكْ إجارَتَه، ولا إعارَتَه، ولا يَمْلِكُ أيضًا بَيعَه، ولا المُصالحَةَ عنه للمالِكِ ولا لغيرِه.
ولو أرادَ صاحِبُ الحائطِ إعارَتَه أو إجارَتَه، على وَجْهٍ يَمْنَعُ هذا المُسْتَحِقَّ مِن وَضْعِ خَشَبِه، لم يَمْلِكْ ذلك.
فيُعايَىَ بها.
ولو أرادَ هَدْمَ الحائطِ مِن غيرِ حاجَةٍ، لم يَمْلِكْ ذلك.
الخامسةُ، لو أذِنَ صاحِبُ الحائطِ لجارِه في البِناءِ على حائطِه، أو وَضْعِ سُتْرَةٍ عليه، أو وَضعِ خَشَبِه عليه في المَوْضِعِ الذي يَسْتَحِقُّ وَضْعُه، جازَ، وصارَتْ عارِيَّةً لازِمَةً، يأْتِي حُكْمُها في بابِ العارِيَّةِ.
وإنْ أذِنَ في ذلك بأُجْرَةٍ، جازَ.
سواءٌ كانتْ إجارَةً أو صُلْحًا، على وَضْعِه على التَّأْبِيدِ، ومتى زال فله إعادَتُه 1. ويُشْتَرَطُ مَعْرِفَةُ البِناءِ
..................................
والعَرْضِ والطُّولِ، والسُّمْكِ والآلاتِ.
السَّادسةُ، لو وجَد بِناءَه أو خَشَبَه على
..................................
حائطٍ مُشْتَرَكٍ، أو حائطِ جارِه، ولم يَعْلَمْ سبَبَه، فمتى زال، فله إعادَتُه.
وكذا
..................................
لو وجَد مَسِيلَ ماءٍ يَجْرِي في أرْضِ غيرِه، أو مَجْرَى ماءِ سَطْحِه على سَطْحِ غيرِه، وما أشْبَهَه.
فإنِ اخْتَلَفا، فالقَوْلُ قوْلُ صاحِبِ الخَشَبِ، ونحوه.
وَإِنْ كَانَ بَينَهُمَا حَائِطٌ فَانْهَدَمَ، فَطَالبَ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ بِبِنَائِهِ مَعَهُ، أُجْبِرَ عَلَيهِ.
وَعَنْهُ، لَا يُجْبَرُ،
قوله: وإنْ كان بينَهما حائطٌ، فانْهدَمَ، فطالبَ أحَدُهما صاحِبَه ببِنائِه معه، أُجْبِرَ عليه.
هذا المذهبُ بلا رَيبٍ.
ونصَّ عليه، في رِوايَةِ ابنِ القاسِمِ، وحَرْبٍ، وسِنْدِيٍّ.
وعليه جماهيرُ الأصحابِ.
قال في «الفُروعِ»: اخْتارَه أصحابُنا.
قال ابنُ عَقِيلٍ: عليه أصحابُنا.
قال القاضي: هذا أصحُّ.
قال 1 في «الرِّعايَةِ الكُبْرَى»: لَزِمَ الآخَرَ على الأصحِّ.
قال في «الحاويَيْن»، و «الفائقِ»،
..................................
وغيرِهم: أُجْبِرَ، في أصحِّ الرِّوايتَين.
قال ابنُ رَزِينٍ: اخْتارَه أكثرُ الأشْياخِ.
قال في «القَواعِدِ الفِقْهِيَّةِ»: هذا المذهبُ، نصَّ عليه في رِوايَةِ جَماعَةٍ.
وجزَم به في «الوَجيزِ» وغيرِه.
وقدَّمه في، «المُحَرَّرِ»، و «الفُروعِ»، و «الرِّعايَةِ الصُّغْرَى»، وغيرِهم.
وهو مِنَ المُفْرَداتِ.
وعنه، لا يُجْبَرُ.
اخْتارَه المُصَنِّفُ، والشَّارِحُ، وقالا: هو أقْوَى في النَّظرَ.
واخْتارَه أبو محمدٍ الجَوْزِيُّ أيضًا.
قال ابنُ رَزِين في «شَرْحِه»: وهو أظْهَرُ، كبِناءِ حائطٍ بينَ مِلْكَيهما 1. فعلى الرِّوايَةِ الثَّانيةِ، قال المُصَنِّفُ، والشَّارِحُ، وغيرُهما: لو بَناه، ثم أرادَ نَقْضَه؛ فإنْ كان
..................................
بَناه بآلَتِه، لم يَكُنْ له ذلك.
وإنْ كان بَناه مِن عندِه، فله نَقْضُه، فإنْ قال الشَّرِيكُ: أنا أدْفَعُ إليك نِصْفَ قِيمَةِ البِناءِ ولا تَنْقُضْه.
لم يُجْبَرْ على ذلك.
وإنْ أرادَ غيرُ البانِي نَقْضه، أو إجْبارَ بانِيه على نَقْضه، لم يَكُنْ له ذلك، على كلا الرِّوايتَين.
انتهيا.
ويأَتِي الحُكْمُ، إذا قُلْنا: يُجْبَرُ.
في آخِرِ المَسْأَلةِ.
وعلى الرِّوايَةِ الثَّانيةِ أيضًا، ليس له مَنْعُه مِن بِنائِه، لكِنْ إنْ بَناه بآلَتِه، فهو بينَهما، وليس له مَنْعُه مِنَ الانْتِفاعِ به قبلَ أنْ يُعْطِيه نِصْفَ قِيمَةِ عَمَلِه.
على الصَّحيحِ، وعليه أكثرُ الأصحابِ.
قال في «الفُروعِ»: ليس له مَنْعُه مِنَ الانْتِفاعِ، في الأشْهَرِ، كما ليس له نَقْضُه.
قال في «الكافِي»: عادَ بينَهما، كما كان برُسومِه وحُقوقِه؛ لأنَّه عادَ بعَينِه.
وهو ظاهِرُ ما جزَم به في «الهِدايَةِ»، و «المُذْهَبِ»، و «الخُلاصَةِ»، و «المُغْنِي»، و «الشَّرْحِ».
قال في «القاعِدَةِ السَّادِسَةِ والسَّبْعِين»: هو قَوْلُ القاضي في «المُجَردِ»، وابنِ عَقِيل، والأكْثرَين.
وقدَّمه في «النِّهايَةِ»، و «التّلْخيصِ»، و «الرِّعايتَين».
وقيل: له مَنْعُه مِنَ الانْتِفاعِ به حتى يُعْطِيَه
لَكِنْ لَيسَ لَهُ مَنْعُهُ مِنْ بِنَائِهِ.
فَإِنْ بَنَاهُ بِآلَتِهِ، فَهُوَ بَينَهُمَا، وَإنْ بَنَاهُ بِآلَةٍ مِنْ عِنْدِهِ، فَهُوَ لَهُ، وَلَيسَ لِلْآخَرِ الانْتِفَاع بِهِ.
فَإِنْ طَلَبَ ذَلِكَ، خُيِّرَ الْبَانِي بَينَ أَخذِ نِضفِ قِيمَتِهِ مِنْهُ وَبَينَ أَخْذِ آلَتِهِ.
نِصفَ قِيمَةِ العمَلِ.
جزَم به في «المُسْتَوْعِبِ»، و «المُجَرَّدِ»، و «الحاويَيْن».
وهو ظاهِرُ ما قدَّمه في «الفائقِ».
وهو ظاهِرُ كلامِ ابنِ أبِي مُوسى، والقاضي في «خِلافِه».
وحَكاه في «التَّلْخيصِ»، عن بعضِ مُتَأَخِّرِي الأصحابِ.
قال ابنُ مُنَجَّى في «شَرْحِه»: وفيما ذكَرَه الأصحابُ -مِن عدَمِ مَنْعِه مِنَ الانْتِفاعِ به قبلَ أنْ يُعْطِيَه نِصفَ قِيمَةِ عمَلِه- نَظَرٌ، بل يَنْبَغِي أنَّ الثَّانِيَ يَمْلِكُ مَنْعَ شَرِيكِه مِنَ التَّصَرُّفِ فيه، حتى يُؤدِّيَ ما يخُصُّه مِنَ الغَرامَةِ الواقِعَةِ بأُجْرَةِ المِثْلِ؛ لأنَّه لو لم يكُنْ كذلك، لأدَّى إلى ضَياعِ حقِّ الشرِيكِ.
انتهى.
قلتُ: وهو الصَّوابُ.
قال في «الوَجيزِ»: وإذا بنَى أحدُهما الحائطَ بأنْقاضِه، فهو بينَهما، إنْ أدَّى الآخَرُ نِصفَ قِيمَةِ التَّالِفِ.
قوْلُه على الروايَةِ الثَّانيةِ: وإنْ بَناه بآلَةٍ مِن عندِه فهو له -ولا يَحْتاجُ إلى إذْنِ حاكِمٍ في بِنائِه.
صرَّح به القاضي في «خِلافِه».
وقدَّمه في «القَواعِدِ».
واعْتَبرَ
..................................
في «المُجَرَّدِ» إذْنَ الحاكمِ.
ونصَّ أحمدُ على أنَّه يُشْهِدُ على ذلك -وليس للآخَرِ الانْتِفاعُ به.
فله مَنْعُ شَرِيكِه مِنَ الانْتِفاعِ به، ومِن وَضْعِ خَشَبِه ورُسومِه حتى يَدْفَعَ ما يجِبُ عليه.
صرَّح بذلك في «المُغْنِي»، و «الشَّرْحِ»، و «القَواعِدِ».
قال في «الفائقِ»: اخْتَصَّ به وبنَفْعِه دُونَ أرْضِه.
قال في «الحاويَيْن»: ملَكَه البانِي خاصَّةً، وليس لشَرِيكِه الانْتِفاعُ به.
فإنْ كان لغيرِ البانِي رَسْمُ طَرْحٍ 1 أخْشابٍ، فالبانِي مُخَيَّرٌ [بينَ أنْ يُمَكِّنَهْ] 2 مِن وَضْعِ أخْشابِه -
..................................
ويأْخُذَ منه نِصْفَ قِيمَةِ الحائطِ- وبينَ أنْ يأْخُذَ بِناءَه ليُعِيدَ البِناءَ بينَهما، أو يَشتَرِكان في الطَّرْحِ.
انتهى.
وقال في «الفُروعِ»: وإنْ بَناه بغيرِها، فله مَنْعُه مِن غيرِ رَسْمِ طَرْحِ خَشَبٍ.
فظاهِرُ كلامِه، عدَمُ المَنْعِ مِنَ الرُّسُومِ.
وقد صرَّح المُصَنِّفُ وغيرُه
..................................
بالمَنْعِ.
والظَّاهِرُ أنَّ مُرادَ صاحِبِ «الفُروعِ» بالجَوازِ، إذا كان له حَقٌّ في ذلك، وأرادَ الانْتِفاعَ بعدَ بِنائِه.
وقد صرَّح المُصَنِّفُ، والشَّارِحُ، بعد كلامِهما الأوَّلِ، بقَرِيبٍ مِن ذلك؛ فقالا: فإنْ كان على الحائطِ رَسْمُ انْتِفاعٍ، أو وَضْع خَشَب، قال له: إمَّا أنْ تأْخُذَ مِنِّي نِصْفَ قِيمَتِه، أو تُمَكِّنَنِي مِن انْتِفاعِي، وإمَّا أنْ تقلَعَ حائِطَك لنُعِيدَ البِناءَ بينَنا.
فيَلْزَمُ الآخَرَ إجابَتُه؛ لأنَّه لا يمْلِكُ إبْطال رُسومِه وانْتِفاعِه ببِنائِه.
انتهيا.
وكذا قال غيرُهما.
فائدة: قال في «القاعِدَةِ السَّادسةِ والسَّبْعِين»: فإنْ قيلَ: فعندَكم لا يجوزُ للجارِ مَنْعُ جارِه مِنَ الانْتِفاعِ بوَضْعِ خَشَبِه على جِدارِه، فكيف مَنَعْتُمْ هنا؟ قُلْنا: إنَّما مَنَعْنا هنا مِن عَوْدِ الحق القَديمِ المُتَضَمِّنِ لمِلْكِ الانْتِفاعِ قَهْرًا، سواء كان مُحْتاجًا إليه أو لم يَكُنْ.
وأمَّا التَّمْكِينُ مِنَ الوَضْعِ للارْتِفاقِ، فتلك مَسْأَلَةٌ أُخْرَى، وأكثرُ الأصحابِ يَشْتَرِطُون فيها الحاجَةَ أو الضَّرُورَةَ، على ما تقدَّم.
قوله: فإنْ طلَب ذلك -يعْنِي، الشَّرِيكُ الذي لم يَبْنِ، الانْتفِاعَ- خُيِّرَ البانِي بينَ أخْذِ نِصْفِ قِيمَتِه منه، وبينَ أخْذِ آلَتِه.
وهذا بلا نِزاع.
لكِنْ لو اخْتارَ الأخْذَ، فالصَّحيحُ مِنَ المذهبِ، أنَّه يأْخُذُ نِصْفَ قِيمَةِ بِنائِه.
جزَم به في «الوَجيزِ»، و «الحاويَيْن»، و «المُغْنِي»، و «الشَّرْحِ».
وقدَّمه في «الفُروعِ».
وعنه يَدْفَعُ ما يخُصُّه كغَرامَةٍ؛ لأنَّه نائبُه مَعْنًى.
وقدَّمه في «الرِّعايَةِ الكُبْرَى».
..................................
فوائد؛ إحْداها، إذا قُلْنا: يُجْبَرُ على بِنائِه معه.
وهو المذهبُ، وامْتَنَع، أجْبَرَه الحاكِمُ على ذلك، فإنْ لم يَفْعَلْ، أخَذ الحاكِمُ مِن مالِه وأنْفَقَ عليه، فإنْ لم يَكُنْ له عيَنُ 1 مالٍ، باعَ مِن عُروضِه، فإنْ تعَذَّرَ، اقْتَرضَ عليه.
وإنْ عمَرَه شَرِيكُه بإذْنِه أو إذْنِ حاكِمٍ، رجَع عليه، وإنْ أرادَ بِناءَه، لم يَمْلِكِ الشَّرِيكُ مَنْعَه.
وما أنْفَقَ، إنْ تبَرَّعَ به، لم يَكُنْ له الرُّجوعُ، وإنْ نوَى الرُّجوعَ به، فهل له الرُّجوعُ؟.
قال في «الشرْحِ»: يَحْتَمِلُ وَجْهَين؛ بِناءً على ما إذا قضَى دَينَه بغيرِ إذْنِه.
انتهى.
[قال في «الفُروعِ»: وفيه -بنِيَّةِ رُجوعِه على الأوَّلِ- الخِلافُ] 2. وإنْ بَناه
..................................
لنَفْسِه بآلَتِه، فهو بينَهما، وإنْ بَناه بآلَةٍ مِن عندِه، فهو له خاصَّةً، فإنْ أرادَ نَقْضَه، فله ذلك، إلَّا أنْ يَدْفَعَ إليه شَرِيكُه نِصْفَ قِيمَتِه، فلا يكونُ له نَقْضُه 1. الثَّانيةُ، يُجْبَرُ الشَّرِيكُ على العِمارَةِ مع شَرِيكِه في الأمْلاكِ المُشْتَرَكَةِ.
على الصَّحِيحَ مِنَ المذهبِ، والرِّوايتَين.
قاله في «الرِّعايَةِ» وغيرِها.
وعنه، لا يُجْبَرُ.
الثَّالثةُ، لو اسْتُهْدِمَ جِدارُهما، أو خِيفَ ضرَرُه، نقَضاه؛ وإنْ أبَى أحدُهما، أجْبَرَه
..................................
الحاكِمُ، وإنْ تعَذَّرَ 1، ضَمِنَ ما تَلِفَ به إذا أشْهَدَ على شَرِيكِه، وإلَّا فلا.
وقيل: بلَى، إنْ تقدَّم إليه بنَقْضِه، وأيُّهما هدَمَه 2 إذَنْ بغيرِ إذْنِ صاحِبِه، فهَدَرٌ.
وقيل: يَلْزَمُه إعادَتُه على صِفَتِه، كما لو هدَمَه مِن غيرِ حاجَةٍ إلى هَدْمِه.
واخْتارَه ابنُ البَنَّا.
ويأْتِي ذلك في أواخِرِ الغَصْبِ، في كلامِ المُصَنِّفِ، ونُبَيِّنُ الرَّاجِحَ في المذهبِ هناك.
الرَّابعةُ، لو أرادَ بِناءَ حائطٍ بينَ مِلْكَيهما، لم يُجْبَرِ المُمْتَنِعُ منهما، ويَبْنِي الطالِبُ في مِلْكِه إنْ شاءَ.
رِوايَةً واحِدَةً.
قاله المُصَنِّفُ ومَنْ تابَعَه.
وقال في «الفائقِ»: ولم يُفَرِّقْ بعضُ الأصحابِ، [اخْتارَه شيخُنا] 3. يعْنِي به الشَّيخَ تَقِيَّ الدِّينِ.
الخامِسَةُ، لو اتَّفَقا على بِناءِ حائطٍ مُشْتَرَكٍ بينَهما نِصْفَين، على أنَّ ثُلُثَه لواحِدٍ، وثُلُثَيه لآخَرَ، لم يصِحَّ.
وإنِ اتَّفَقا على أنْ يُحَمِّلَه كل واحِدٍ منهما ما شاءَ، لم يصِحَّ لجَهالتِه، وإنْ وصَفا الحِمْلَ، ففي الصِّحةِ وَجْهان.
وأطْلَقهما في «الفُروعِ»، و «الرِّعايَةِ الكُبْرَى».
قال في «المُغْنِي»، و «الشَّرْحِ»: وإنِ
وَإنْ كَانَ بَينَهُمَا نَهْرٌ، أوْ بِئْرٌ، أوْ دُولَابٌ، أو نَاعُورَةٌ، أَوْ قَنَاةٌ، وَاحْتَاجَ إلَى عِمَارَةٍ، فَفِي إِجْبَارِ الْمُمْتَنِعِ رِوَايَتَانِ.
اتَّفَقا على أنْ يكونَ بينَهما نِصْفَين، صحَّ 1.
قوله: وإنْ كان بينَهما نَهْرٌ، أو بِئْرٌ، أو دُولابٌ، أو ناعُورَةٌ، أو قَناةٌ، واحْتاجَ
وَلَيسَ لأحَدِهِمَا مَنْعُ صَاحِبِهِ مِنْ عِمَارَتِهِ، فَإِذَا عَمَرَهُ، فَالْمَاءُ بَينَهُمَا عَلَى الشَّرِكَةِ.
إلى عِمارَةٍ، ففي إجْبارِ المُمْتَنِعِ رِوايَتان.
إحْداهما، يُجْبَرُ.
وهو المَذْهبُ، وعليه أكثرُ الأصحابِ، نصَّ عليه.
وجزَم به في «الوَجيزِ» وغيرِه.
وصحَّحه في «التَّصْحيحِ» وغيرِه.
وقدَّمه في «الفُروعِ» وغيرِه.
والثَّانيةُ، لا يُجْبَرُ.
واعْلَمْ أنَّ الحُكْمَ هنا والخِلافَ، كالخِلافِ في الحائطِ المُشْتَرَكِ إِذا انْهَدَمَ، على ما تقدَّم، نَقْلًا ومذهبًا وتَفْصِيلًا.
قاله أكثرُ الأصحابِ؛ منهم القاضي، والمُصَنِّفُ، وصاحِبُ «الهِدايَةِ»، و «المُذْهَبِ»، و «المُسْتَوْعِبِ»، و «الخُلاصَةِ»، و «التَّلْخيصِ»، و «الْمُحَرَّرِ»، و «الشَّرْحِ»، و «الفُروعِ»، وغيرِهم.
وقال ابنُ أبِي مُوسى: يُجْبَرُ هنا، قوْلًا واحدًا.
وحكَى الرِّوايتَين في الحائطِ.
قال في «القَواعِدِ»: والفَرْقُ أنَّ الحائطَ يُمْكِنُ قِسْمَتُه، بخِلافِ القَناةِ والبِئْرِ.
قوله: وليس لأحَدِهما مَنْعُ صاحِبِه مِن عِمارَتِه.
بلا نِزاع.
..................................
وقوله: فإذا عمَرَه، فالماءُ بينَهما على الشَّرِكَةِ.
هذا المذهبُ؛ لأنَّ الماءَ باقٍ على ما كان عليه مِنَ المِلْكِ والإِباحَةِ.
وعليه جماهيرُ الأصحابِ؛ منهم القاضي، في «المُجَرَّدِ»، وابنُ عَقِيل، والمُصَنِّفُ، في «المُغْنى»، و «الشَّرْحِ»، وصاحِبُ «التَّلْخيصِ»، و «الفُروعِ»، وغيرُهم.
وفي «الخِلافِ الكَبِيرِ» للقاضي، و «التَّمامِ» لأبِي الحُسْيَنِ، له المَنْعُ مِنَ الانْتِفاعِ بالقَناةِ.
قال في «القَواعِدِ»: ويَشْهَدُ له نصُّ أحمدَ بالمَنْعِ مِن سُكْنَى السُّفْلِ إذا بَناه صاحِبُ العُلْو، ومَنْعُ الشَّرِيكِ مِنَ الانْتِفاعِ بالحائطِ إذا أُعِيدَ بآلَتِه العَتِيقَةِ.
قلتُ: وهو الصَّوابُ.
فوائد؛ الأولَى، لو اتَّفَقا على بِناءِ حائطِ بُسْتانٍ، فبنَى أحدُهما، فما تَلِفَ مِنَ الثَّمَرَةِ بسَبَبِ إهْمالِ الآخرِ، يَضْمَنُه الذي أهْمَلَ.
قاله الشَّيخُ تَقِيُّ الدِّينِ.
الثَّانيةُ، لو كان السُّفْلُ لواحِدٍ، والعُلْوُ لآخَرَ، فالسَّقْفُ بينَهما، لا لصاحِبِ العُلْو.
على الصَّحِيحِ مِنَ المذهبِ.
والإِجْبارُ، إذا انْهَدَمَ السَّقْفُ، كما تقدَّم في الحائطِ الذي بينَهما إذا انْهَدَمَ.
ولو انْهَدَمَ الجَميعُ، فلرَبِّ العُلْو إجْبارُ صاحِبِ السُّفْلِ على بِنائِه.
على الصَّجيحِ مِنَ المذهبِ.
قال في «البُلْغَةِ»، و «التَّلْخيصِ»، و «الرِّعايتَين»، و «الفائقِ»: أُجْبِرَ في أصحِّ الرِّوايتَين.
واخْتارَه ابنُ عَبْدُوسٍ في
..................................
«تَذْكِرَتِه».
وجزَم به في «الحاويَيْن».
وقدَّمه ابنُ رَزِينٍ، و «القَواعِدِ».
وعنه، لا يُجْبَرُ.
وأطْلَقهما في «المُغْنِي»، و «المُحَرَّرِ»، و «الشَّرْحِ»،
..................................
و «الفُروعِ».
فعلى المذهبِ، هل يَنْفَرِدُ صاحِبُ السُّفْلِ ببِناءِ السُّفْلِ، أو يَشْرَكُه فيه صاحِبُ العُلْو، ويُجْبَرُ عليه إذا طلَبَه صاحِبُ السُّفْلِ؟ فيه رِوايَتان.
وأطْلَقهما في «المُغْنِي»، و «التَّلْخيصِ»، و «الشَّرْحِ»، و «الفائقِ»، و «القَواعِدِ»؛ إحْداهما، يَنْفَرِدُ صاحِبُ السُّفْلِ بالبِناءِ إلى حدِّه، ويَنْفَرِدُ صاحِبُ العُلْو ببِنائِه.
وهو المذهبُ.
قدَّمه في «المُحَرَّرِ»، و «الفُروعِ»، و «الرعايَتَين»، و «الحاويَيْن».
[وجزَم به في «المُغْنِي»، و «الشّرْحِ»] 1. والثَّانيةُ، يَشْرَكُه صاحِبُ العُلْو فيما يُحَمِّلُه منه، ويُجْبَرُ عليه إذا امْتَنَع.
وعلى الثَّانيةِ، في أصْلِ المَسْأْلَةِ -وهو أنَّه لا يُجْبَرُ- لصاحِبِ العُلْو بِناءُ السُّفْلِ، وفي مَنْعِه السُّكْنَى ما سلَف مِنَ الخِلافِ فيما إذا كان بينَهما حائطٌ.
الثَّالثةُ، لو كان بينَهما طبَقَةٌ ثالِثَةٌ، فهل يَشْتَرِكُ الثَّلاثةُ في بِناءِ السُّفْلِ، والاثْنان في بِناءِ الوَسَطِ؟ فيه الروايَتان المُتَقَدِّمَتان، حُكْمًا ومذهبًا.
وكذا الطَّبقَةُ الرَّابِعَةُ فأكْثرُ.
وصاحِبُ الوَسَطِ، مَن فوْقَه كمَن تحتَه معه.
قال فىَ «الفُروعِ»: إذا كانُوا ثلاثَ طِباقٍ، فإنْ بنَى رَبُّ العُلْو، ففي مَنْعِ ربِّ السُّفْلِ الانْتِفاعَ بالعَرَصَةِ قبلَ أخْذِ القِيمَةِ احْتِمالان.
قلتُ: الأوْلَى المَنْعُ.
واللهُ أعلمُ.