وَهُوَ لُزُومُ الْمَسْجِدِ لِطَاعَةِ اللهِ تَعَالَى.
كتابُ الاعْتِكافِ
تنبيه: قوله: وهو لزُومُ المسْجِدِ لِطاعَةِ الله تَعالى.
يعْنِي، على صِفَةٍ مَخْصُوصَةٍ، مِن مُسْلِمٍ طاهرٍ ممَّا يُوجِبُ غُسْلًا.
وَهُوَ سُنَّةٌ، إِلَّا أَنْ يَنْذِرَهُ، فَيَجِبُ.
فائدة: قوله: وهو سُنَّةٌ، إلَّا أَنْ يَنْذِرَه، فيَجِبُ.
بلا نِزاعٍ، وإنْ علَّقَه أو غَيْرَه 1 بشَرْطٍ، فله شَرْطُه، وآكَدُه عَشْرُ رَمَضانَ الأخِيرُ، ولم يُفَرِّقِ الأصحابُ بينَ الثَّغْرِ 2
..................................
وغيرِه.
وهو المذهبُ.
ونقلَ أبو طالِبٍ، لا يَعْتَكِفُ بالثَّغْرِ؛ لِئَلَّا يَشْغَلَه عنِ النَّفِيرِ 1. ولا يصِحُّ إلَّا بالنِّيَّةِ، ويجِبُ تَعْيينُ المَنْذُورِ بالنِّيَّةِ ليتَمَيَّزَ، وإنْ نَوَى الخُروجَ منه، فقِيلَ: يَبْطُلُ.
قلتُ: وهو الصَّوابُ، إلْحَاقًا له بالصَّلاةِ والصِّيامِ.
وقيلَ: لا؛
..................................
لتعَلُّقِه بمَكانٍ، كالحَجِّ.
وأطْلقَهما في «الرِّعايَةِ الكُبْرَى»، و «الفُروعِ».
ولا يصِحُّ مِن كافرٍ، ومَجْنُونٍ، وطِفْلٍ.
ولا يَبْطُلُ بإغْماءٍ.
جزَم به في «الرِّعايَةِ»
.................................. وغيرِها، واقْتَصَرَ عليه في «الفُروعِ».
وَيَصِحُّ بِغَيْرِ صَوْمٍ.
وَعَنْهُ، لَا يَصِحُّ.
فَعَلَى هَذَا، لَا يَصِحُّ فِي لَيْلَةٍ مُفْرَدَةٍ، وَلَا بَعْضِ يَوْمٍ.
قوله: ويَصِحُّ بغيرِ صَوْمٍ.
هذا المذهبُ، وعليه الأصحابُ.
وعنه، لا يصِحُّ.
قدَّمه في «نَظْمِ نِهَايَةِ ابنِ رَزِينٍ».
فعلى المذهبِ، أَقلُّه، إذا كان تطَوُّعًا، أو نَذْرًا مُطْلَقًا، ما يُسَمَّى به مُعْتَكِفًا لابِثًا.
قال في «الفُروعِ»: فظاهِرُه ولو لَحْظَةٌ.
وفي كلامِ جماعةٍ مِنَ الأصحابِ، أقلُّه ساعَةٌ، لا لَحْظَةٌ.
وهو ظاهِرُ كلامِه في «المُذْهَبِ»، وغيرِه.
وعلى المذهبِ أيضًا، يصِحُّ الاعْتِكافُ في أيَّامِ النَّهْىِ التي لا يصِحُّ صَوْمُها.
وعليه أيضًا، لو صامَ ثمَّ أفْطَرَ عَمْدًا، لم يَبْطُلِ اعْتِكافُه.
وعلى الثَّانيةِ، لا يصِحُّ في ليْلَةٍ مُفْرَدَةٍ، كما قال المُصَنِّفُ.
ويَحْتَمِلُ قوْلُه: ولا بعضِ يَوْمٍ.
أنَّ مُرادَه إذا كان غيرَ صائمٍ، فأمَّا إنْ كان صائمًا، فيَصِحُّ في بعضِ يوْمٍ.
وهو أحَدُ الوَجْهَيْن.
قال
..................................
في «الفُروِع»: جزَم بهذا غيرُ واحدٍ.
قلتُ: منهم صاحِبُ «الإِفادَاتِ»، و «الرِّعايَتَيْن»، و «الحاوِيَيْن»، و «المُحَرَّرِ».
واخْتارَه في «الفَائقِ».
ويَحْتَمِلُ أنْ يكونَ على إطْلاقِه، فلا يصِحُّ الاعْتِكافُ بعضَ يَوْمٍ، ولو كان صائمًا.
..................................
وهو الوَجْهُ الثَّانِي.
اخْتارَه أبو الخَطَّابِ، وقدَّمه في «المُغْنِي»، و «الشَّرْحِ»، و «الفَائِق»، وكلامُه في «الهِدَايَةِ»، و «المُسْتَوْعِبِ»، ككَلامِ المُصَنِّفِ هنا.
قال المَجْدُ في «شَرْحِه»: اشْتِراطُ كوْنِه لا يصِحُّ أقلُّ مِن يَوْمٍ، إذا اشْتَرطْنا الصَّوْمَ، اخْتِيارُ أبي الخَطَّابِ.
وأطْلَقهما المَجْدُ في «شَرْحِه»، و «الفُروعِ».
وجزَم به فى «المُسْتَوْعِبِ»، و «الرِّعايَتَيْن»، و «الحاوِيَيْن»، وغيرِهم.
وعلى الرِّوايَةِ الثَّانِيةِ، إذا نَذَرَ اعْتِكافًا وأطْلَقَ، يَلْزَمُه يَوْمٌ.
قال في «الفُروعِ»: ومُرادُهم، إذا لم يكُنْ صائمًا.
انتهى.
قلتُ: قال في «الفَائقِ»: ولو شَرَطَ النَّاذِرُ صَوْمًا، فيَوْمٌ على الرِّوايَتيْن.
ثمَّ قال: قلتُ: بل مُسَمَّاه مِن صائمٍ.
انتهى.
وعلى الرِّوايَةِ الثَّانِيةِ أيضًا، لا يصِحُّ الاعْتِكافُ في أيَّامِ النَّهْىِ التي لا يصِحُّ صَوْمُها، واعْتِكافُها نَذْرًا ونفْلًا، كصَوْمِها نَذْرًا ونَفْلًا.
فإنْ أتَى عليه يَوْمُ العيدِ في أثْناءِ اعْتِكافٍ مُتَتابعٍ، فإنْ قُلْنا: يجوزُ الاعْتِكافُ فيه.
فالأَوْلَى أنْ يثْبُتَ مَكانَه، ويجوزُ خُروجُه لصَلاةِ العيدِ، ولا يَفْسُدُ اعْتِكافُه، وإنْ قُلْنا: لا يجوزُ.
خرَج إلى المُصَلَّى إنْ شاءَ،
..................................
وإلى أهْلِه، وعليه حُرْمَةُ العُكوفِ، ثمَّ يعودُ قبلَ غُروبِ الشَّمْسِ مِن يَوْمِه لتَمامِ أيَّامِه.
فوائد؛ الأُولَى، على القَوْلِ باشْتِراطِ الصَّوْمِ، لا يُشْتَرَطُ أنْ يكونَ الصَّوْمُ له، ما لم يَنْذِرْه، بل يصِحُّ فى الجُمْلَةِ، سَواءٌ كان فَرْضَ رَمَضانَ، أو كفَّارَةً، أو نَذْرًا، أو تَطوُّعًا.
الثَّانيةُ، لو نذَر أنْ يَعْتَكِفَ رَمَضانَ فَفاتَه، لَزِمَه شَهْرٌ غيرُه، بلا نِزاعٍ، لكِنْ هل يَلْزَمُه صَوْمٌ؟ قدَّم فى «الرِّعايَتيْن»، و «الحاوِيَيْن»، و «الفَائقِ»، وغيرِهم، أنَّه لا يَلْزَمُه؛ لأنَّه لم يَلْتَزِمْه.
وقيل: يَلْزَمُه.
قال فى «الرِّعايَةِ الكُبْرَى»: وهو أوْلَى.
ثمَّ قال: وقيلَ: إنْ شرَطْناه فيه لَزِمَه، وإلَّا فلا.
وهذا هو الذي في «المُسْتَوْعِبِ»، وقالَه المَجْدُ في «شَرْحِه»، وأطْلَقَ اللُّزومَ وعدَمَه فى «الفُروعِ».
وأمَّا إذا شرَط فيه الصَّوْمَ، فالصَّحيحُ مِنَ المذهبِ، أنَّه يُجْزِئُه رَمَضانُ آخَرُ.
قدَّمه فى «الفُروعِ».
وذكَر القاضى وَجْهًا، لا يُجْزِئُه.
وأطْلَقَ بعضُهم وَجْهَيْن.
ولم يذْكُرِ القاضى خِلافًا فى نَذْرِ الاعْتِكافِ المُطْلَقِ، أنَّه يُجْزِئُه صَوْمُ رَمَضانَ وغيرِه.
قال في «الفُروعِ»: وهذا خِلافُ نصِّ أحمدَ، ومُتَناقِضٌ؛ لأنَّ المُطْلَقَ أقْرَبُ إلى الْتِزامِ الصَّوْمِ، فهو أَوْلَى.
ذكَرَه المَجْدُ.
قال في «الفُروعِ»: والقَوْلُ به في
..................................
المُطْلَقِ مُتَعَيِّنٌ.
الثَّالثةُ، لو نذَر اعْتِكافَ عَشْرِ رَمَضانَ الأخيرِ، فَفاتَه، فالصَّحيحُ مِنَ المذهبِ، أنَّه يجوزُ قَضاؤُه خارِجَ رَمَضانَ.
ذَكَرَه القاضى، وقدَّمه فى «الفُروعِ»، والمَجْدُ في «شَرْحِه».
وقال ابنُ أبي مُوسَى: يَلْزَمُه قَضاءُ العَشْرِ الأخيرِ مِن رَمَضانَ في العامِ المُقْبِلِ.
وهو ظاهِرُ رِوايَةِ حَنْبَلٍ، وابنِ مَنْصُورٍ.
ولأنَّها مُشْتَمِلَةٌ على ليْلَةِ القَدْرِ.
قال في «الفُروعِ»: ولعَلَّه أظْهَرُ.
قلتُ: وهو الصَّوابُ.
قال في «الرِّعايَةِ»: هذا الأشْهَرُ.
وجزَم به في «الفَائقِ».
قال في «الفُروعِ»: ويتَوَجَّهُ مِن تَعْيِينِ العَشْرِ تَعْيِينُ رَمَضانَ في التي قبلَها.
قلتُ: وهو الصَّوابُ؛ لاشْتِمالِه على ليْلَةٍ لا تُوجَدُ في غيرِه، وهي ليْلَةُ القَدْرِ.
الرَّابعةُ، لو نذَر أنْ يَعْتَكِفَ صائِمًا، أو بصَوْمٍ 1، لَزِمَاه معًا، فلو فرَّقَهما أو اعْتَكَفَ وصامَ فرْضَ رَمَضانَ ونحوَه، لم يُجْزِئْه.
وذكَر المَجْدُ عن بعضِ الأصحابِ، يَلْزَمُه الجميعُ، لا الجَمْعُ، فله فِعْلُ كُلٍّ منهما مُنْفَرِدًا.
وإنْ نذَر أنْ يصُومَ مُعْتَكِفًا، فالوَجْهان في التي قبلَها.
قالَه المَجْدُ.
وتَبِعَه في «الفُروعِ».
وقال في «التَّلْخِيصِ»: ولو نذَر أنْ يصُومَ مُعْتَكِفًا، أو يُصَلِّىَ مُعْتَكِفًا، لم يَلْزَمْه الجميعُ؛ لأنَّ الصَّوْمَ مِن شِعارِ الاعْتِكافِ، وليس الاعْتِكافُ مِن شِعارِ الصَّوْمِ والصَّلاةِ.
وقال في «الرِّعايَةِ الكُبْرَى»: ولو نذَر أنْ يصُومَ، أو يُصَلِّىَ مُعْتَكِفًا، صَحَّا بدُونِه ولَزِماه، دُونَ الاعْتِكافِ.
وقيل: يَلْزَمُه الاعْتِكافُ مع الصَّوْمِ فقط.
انتهى.
وإنْ نذَر أنْ يَعْتَكِفَ مُصَلِّيًا، فالوَجْهان.
وفيها وَجْهٌ ثالثٌ، لا يَلْزَمُه الجَمْعُ هنا؛ لتَباعُدِ ما بينَ العِبادَتَيْن.
ولو نذَرَ أنْ يُصَلِّىَ صَلاةً ويَقْرَأَ فيها سُورَةً بعَيْنِها, لَزِمَه الجَمْعُ، فلو قرَأها خارِجَ الصَّلاةِ، لم يُجْزِئْه.
ذكَرَه في
وَلَا يَجُوزُ الِاعْتِكَافُ لِلْمَرْأَةِ بِغَيْرِ إِذْنِ زَوْجِهَا، وَلَا لِعَبْدٍ بِغَيْرِ إِذْنِ سَيِّدِهِ،
«الانْتِصَارِ»، واقْتَصرَ عليه في «الفُروعِ».
قوله: ولا يَجُوزُ الاعْتِكافُ للمَرْأةِ بغيرِ إذْنِ زَوْجِها، ولا للعَبْدِ بغيرِ إذْنِ سَيِّدِه - بلا نِزاعٍ - وإنْ شَرَعا فيه بغيرِ إذْنٍ، فلهما تَحْلِيلُهما.
وهذا المذهبُ، وعليه الأصحابُ.
وخرَّجَ المَجْدُ في «شَرْحِه»، أنَّهما لا يُمْنَعان مِن اعْتِكافٍ مَنْذُورٍ، كرِوايَةٍ في المرأةِ في صَوْمٍ وحَجٍّ مَنْذُورَيْن.
ذكَرَها القاضى في «المُجَرَّدِ»، و «التَّعْليقِ»، ونصَرَها في غيرِ مَوْضِعٍ.
والعَبْدُ يصُومُ النَّذْرَ.
قال المَجْدُ: ويتَخرَّجُ وَجْهٌ ثالثٌ، مَنْعُهما وتَحْلِيلُهما مِن نَذْرٍ مُطْلَقٍ فقط؛ لأنَّه على التَّراخِى، كوَجْهٍ لأصحابِنا في صَوْمٍ وحَجٍّ مَنْذُورٍ.
قال المُصَنِّفُ، والشَّارِحُ: ويَحْتَمِلُ أنَّ لهما تَحْلِيلَهما إذا أذِنا لهما في النَّذْرِ، وهو غيرُ مُعَيَّنٍ.
قال المَجْدُ: ويتخَرَّجُ وَجْهٌ رابعٌ، مَنْعُهما وتَحْلِيلُهما، إلَّا مِن مَنْذُورٍ مُعَيَّنٍ قبلَ النِّكاحِ والمِلْكِ، كوَجْهٍ لأصحابِنا في سُقوطِ نَفَقَتِها.
قال في «الفُروعِ»: ويتَوجَّهُ، إنْ لَزِمَ بالشُّروعِ فيه، فكَالمنْذُورِ.
فعلى المذهبِ، إنْ لم يُحَلِّلاهُما، صحَّ وأجْزَأ.
على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ، وعليه أكثرُ الأصحابِ.
وقدَّمه المَجْدُ في «شَرْحِه»، و «الفُروعِ».
وقال جماعةٌ مِنَ الأصحابِ منهم ابنُ البَنَّا: يقَعُ باطِلًا لتَحْريمِه، كصَلاةٍ في مَغْصُوبٍ.
ذكَرَه المَجْدُ في «شَرْحِه»، وجزَم به في «المُسْتَوْعِبِ»، و «الرِّعايَةِ»، وذكَرَه نصَّ أحمدَ في العَبْدِ.
فَإِنْ شَرَعَا فِيهِ بِغَيْرِ إِذْنٍ، فَلَهُمَا تَحْلِيلُهُمَا، وَإِنْ كَانَ بِإِذْنٍ، فَلَهُمَا تَحْلِيلُهُمَا إِنْ كَانَ تَطَوُّعًا، وَإِلَّا فَلَا.
قوله: وإنْ كان بإذْنٍ، فلهما تَحْلِيلُهما إنْ كان تَطَوُّعًا، وإلَّا فلا.
إذا أذِنا لهما؛ فَتارَةً يكونُ واجِبًا، وتارَةً يكونُ تَطَوُّعًا.
فإنْ كان تَطَوُّعًا، فلَهُما تَحْلِيلُهما، بلا نِزاعٍ.
وإنْ كان واجبًا؛ فَتارَةً يكونُ نذْرًا مُعَيَّنًا، وتارَةً يكونُ مُطْلَقًا، فإنْ كان مُعَيَّنًا، لم يكُنْ لهما تحْلِيلُهما، بلا نِزاعٍ.
وإنْ كان مُطْلَقًا، فظاهِرُ كلامِ المُصَنِّفِ هنا، وغيرِه مِنَ الأصحابِ، أنَّهما ليس لهما تحْلِيلُهما.
قال في «الفُروعِ»: وظاهِرُ كلامِهم المَنْعُ، كغيرِه.
واخْتارَ المَجْدُ في «شَرْحِه»، في النَّذْرِ المُطْلَقِ الذي يجوزُ تفْريقُه - كنَذْرِ عَشَرَةِ أيَّامٍ، قال فيها: إنْ شِئْتَ مُتَفَرِّقَةً أو مُتَتابِعَةً - إذا أُذِنَ لهما في ذلك، يجوزُ تَحْلِيلُهما مِنه عندَ مُنْتَهى كلِّ يَوْمٍ؛ لجَوازِ الخُروجِ له مِنه أُذِنْ، كالتَّطَوُّعِ.
قال: ولا أعْرِفُ فيه نصًّا لأصحابِنا، لكنَّ تعْلِيلَهم يدُلُّ على ما ذكَرْتُ.
قال في «الفُروعِ»: وهذا متَوجِّهٌ.
قال في «الرِّعايَةِ»: لهما تَحْلِيلُهما
وَلِلْمُكَاتَبِ أَنْ يَعْتَكِفَ وَيَحُجَّ بِغَيْرِ إِذْنٍ.
في غيرِ نَذْرٍ.
وقيل: في غيرِ وَقْتٍ مُعَيَّنٍ.
فائدتان؛ إحْداهما، لو أَذِنا لهما، ثمَّ رجَعا قبلَ الشُّروعِ، جازَ إجْماعًا.
الثَّانيةُ، حُكْمُ أمِّ الوَلَدِ والمُدَبَّرِ والمُعَلَّقِ عِتْقُه بصِفَةٍ، حُكْمُ العَبْدِ فيما تقدَّم.
قوله: وللمُكاتَبِ أنْ يعْتَكِفَ بغيرِ إِذْنِ سيِّدِه.
هذا المذهبُ مُطْلَقًا، ونصَّ عليه،
وَمَنْ بَعْضُهُ حُرٌّ، إِنْ كانَ بَيْنَهُمَا مُهَايَأَةٌ، فَلَهُ أَنْ يَعْتَكِفَ وَيَحُجَّ فِي نَوْبَتِهِ، وَإِلَّا فَلَا.
وعليه أكثرُ الأصحابِ.
جزَم به في «الهِدَايَةِ»، و «المُذْهَبِ»، و «المُسْتَوْعِبِ»، و «الخُلَاصَةِ»، و «المُغْنِي»، و «الشَّرْحِ»، و «الوَجِيزِ»، و «الحاوِيَيْن»، وغيرِهم.
وقدَّمه في «الفُروعِ»، و «الرِّعايَةِ الصُّغْرَى»، وغيرِهما.
وقال جماعَةٌ مِنَ الأصحابِ: له أنْ يعْتَكِفَ بغيرِ إذْنِ سَيِّدِه، ما لم يَحِلَّ نَجْمٌ.
جزَم به في «المُحَرَّرِ»، و «الرِّعايَةِ الكُبْرَى».
قوله: ويَحُجَّ بغيرِ إِذْنِ سَيِّدِه.
يعْنِي، للمُكاتَبِ أنْ يَحُجَّ بغيرِ إذْنِ سيِّدِه.
وهذا المذهبُ أيضًا مُطْلَقًا، نصَّ عليه.
قدَّمه في «الفُروعِ»، و «الرِّعايَةِ الصُّغْرَى»، [و «الشَّرْحِ»، و «شَرْحِ ابنِ مُنَجَّى»، وعلَّلُوه بأنَّ السَّيِّدَ لا يَسْتَحِقُّ مَنافِعَه، ولا يَمْلِكُ إجْبارَه على الكَسْبِ، وإنَّما له دَيْنٌ في ذِمَّتِه، فهو كالحُرِّ المَدينِ.
وهو ظاهِرُ ما قدَّمه في «الفُروعِ» هنا.] 1 قال في «المُحَرَّرِ»، و «الرِّعايَةِ الكُبْرَى»، [و «النَّظْمِ»، و «المُنَوِّرِ»، و «تَجْرِيدِ العِنايَةِ»، وغيرهم هنا] 2:
وَلَا يَصِحُّ الِاعْتِكَافُ إِلَّا فِي مَسْجِدٍ يُجْمَعُ فِيهِ، إِلَّا الْمَرْأَةَ لَهَا الِاعْتِكَافُ فِي كُلِّ مَسْجِدٍ إِلَّا مَسْجِدَ بَيْتِهَا.
ما لم يَحِلَّ نَجْمٌ.
انتهوا.
وقدَّمه في «الفُروعِ»، في بابِ الكِتابَةِ، ولا يمنعُ مِن إنْفاقِه هنا.
وقال المُصَنِّفُ: يجوزُ بشَرْطِ أنْ لا يُنْفِقَ على نفْسِه ممَّا قد جمَعَه ما لم يحِلَّ نَجْمٌ.
ونقَل المَيْمُونِىُّ، له الحَجُّ مِنَ المالِ الذي جمَعَه، ما لم يأْتِ نَجْمُه.
وحمَلَه القاضى، وابنُ عَقِيلٍ، والمُصَنِّفُ على إذْنِه له.
ويأْتِى ذلك في بابِ المُكاتَبِ بأَتَمَّ مِن هذا.
فائدة: يجوزُ للمُكاتَبِ أنْ يعْتكِفَ ويحُجَّ بإذْنِ سيِّدِه.
وأطْلقَه كثيرٌ مِنَ الأصحابِ، وقالوا: نصَّ عليه أحمدُ.
قال في «الفُروعِ»: ولعَلَّ المُرادَ ما لم يَحِلَّ نَجْمٌ.
وصرَّح به بعضُهم.
وعنه، المَنْعُ مُطْلَقًا.
قوله: ولا يَصِحُّ الاعْتِكافُ إلَّا في مَسْجِدٍ يُجْمَعُ فيه.
اعلمْ أنَّ المُعْتَكِفَ لا يخْلُو؛ إمَّا أنْ يأْتِىَ عليه في مُدَّةِ اعْتِكافِه فِعْلُ صَلاةٍ، وهو ممَّن تَلْزَمُه الصَّلاةُ، أوْ لا، فإنْ لم يأْتِ عليه في مُدَّةِ اعْتِكافِه فِعْلُ صلاةٍ، فهذا يصِحُّ اعْتِكافُه في كلِّ مَسْجِدٍ، سواءٌ
.................................. جُمِعَ فيه أوْ لا، وإنْ أتَى عليه في مُدَّةِ اعْتِكافِه فِعْلُ صَلاةٍ، لم يصِحَّ إلَّا في مَسْجِدٍ يُجْمَعُ فيه، أىْ يُصَلَّى فيه الجماعةُ، على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ في الصُّورَتَيْن،
..................................
وعليه جماهيرُ الأصحابِ، وهذا مَبْنِىٌّ على وجُوبِ صَلاةِ الجماعةِ أو شَرْطِيَّتِها.
أمَّا
..................................
إنْ قُلْنا: إنَّها سُنَّةٌ.
فيَصِحُّ فى أىِّ مَسْجِدٍ كان.
قالَه الأصحابُ.
واشْتِراطُ المَسْجِدِ الذى يُجْمَعُ فيه مِن مُفْردَاتِ المذهبِ.
وقال أبو الخَطَّابِ فى «الانْتِصارِ»: لا يصِحُّ
..................................
الاعْتِكافُ مِنَ الرَّجُلِ مُطْلَقًا إلَّا فى مَسْجِدٍ تُقامُ فيه جماعةٌ.
قال المَجْدُ: وهو ظاهِرُ رِوايَةِ ابنِ مَنْصُورٍ، وظاهِرُ قولِ الخِرَقِىِّ.
قلتُ: وهو ظاهِرُ كلامِ المُصَنِّفِ هنا.
قوله: إلَّا المرأةَ لها الاعْتِكافُ فى كُلِّ مَسْجِدٍ إلاَّ مَسْجِدَ بَيْتِها.
وهذا المذهبُ، وعليه جماهيرُ الأصحابِ.
ومَسْجِدُ بَيْتِها ليس مَسْجِدًا، لا حَقِيقَةً ولا حُكْمًا.
قال
..................................
فى «الفُروعِ»: وقال فى «الانْتِصارِ»: لا بُدَّ أنْ يكونَ فى مَسْجِدٍ تُقامُ فيه الجماعةُ.
وهو ظاهِرُ رِوايَةِ ابنِ مَنْصُورٍ، والخِرَقىِّ, كما تقدَّم ذلك فى الرَّجُلِ.
فوائد؛ إحداها، رَحْبَةُ المَسْجدِ ليست منه.
على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ والرِّوَايتَيْن، وهو ظاهِرُ كلامِ الخِرَقىِّ؛ و «الحاوِيَيْن»، و «الرعايتَيْن» فى مَوْضِعٍ.
وقدَّمه المَجْدُ فى «شَرْحِه»، ونصَّ عليه فى رِوايَةِ إسْحاقَ بنِ إبْرَاهِيمَ.
..................................
قال الحَارِثِىُّ فى إحياء المَواتِ: اخْتارَه الخِرَقِىُّ، وصاحِبُ «المُحَرَّرِ».
وهو مِنَ المُفْرَداتِ.
وعنه، أنَّها منه.
جزَم به بعضُ الأصحابِ، منهم القاضى فى مَوْضِعٍ مِن كلامِه، وجزَم به فى «الحاوِيَيْن»، و «الرِّعايَةِ الصُّغرَى» فى مَوْضِعٍ؛ فقالَا: ورَحْبَةُ المَسْجِدِ كَهُوَ.
وأطْلقَهما فى «الفُروعِ»، و «الفَائقِ»، و «الزَّرْكَشِىِّ».
وجمَع القاضى بينَهما فى مَوْضِعٍ مِن كلامِه؛ فقال: إنْ كانت مَحُوطَةً، فهى منه، وإلاَّ فلا.
قال المَجْدُ: ونقلَ محمدُ بنُ الحَكَمِ ما يدُلُّ على صِحَّةِ هذا الجَمْعِ، وهو أنه كان إذا سَمِعَ أذانَ العَصْرِ وهو فى رَحْبَةِ المَسْجِدِ، انْصرَفَ ولم يُصَلِّ فيه.
وقال: ليس هو 1 بمَنْزِلَةِ المَسْجِدِ، حَدُّ 2 المَسْجِدِ هو الذى عليه حائِطٌ وبابٌ.
وقدَّم هذا الجمعَ فى «المُسْتَوْعِبِ»، وقال: ومِن أصحابِنا مَن جعَل المسْألَةَ على
..................................
رِوايتَيْن.
والصَّحيحُ أنَّها رِوايَةٌ واحدَةٌ، على اخْتِلافِ الحالَيْن.
وقدَّمه أيضًا فى «الرَّعايَةِ الكُبْرَى» فى مَوْضِعٍ، و «الآدَابِ الكُبْرَى».
الثَّانيةُ، المَنارَةُ التى للمَسْجِدِ إنْ كانت فيه، أو بابُها فيه، فهى مِنَ المَسْجِدِ بدَليلِ مَنْعِ جُنُبٍ.
وإنْ كانَ بابُها خارِجًا منه، بحيثُ لا يُسْتَطْرَقُ إليها إلَّا خارِجَ المَسْجِدِ، أو كانت خارِجَ المَسْجِدِ - قال فى «الفُروعِ»: والمُرادُ، واللهُ أعلمُ، وهى قَرِيبةٌ منه، جزَم به بعضُهم - فخرَجَ للأَذانِ، بطَل اعْتِكافُه.
على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ؛ لأنَّه مشَى حيثُ يُمْشَى لأمْرٍ منه بُدُّ، كخُروجه إليها لغير الأَذانِ.
وقيلَ: لا يَبْطُلُ.
اخْتارَه ابنُ البَنَّا، والمَجْدُ.
قال القاضى: لأنَّها بُنيَت له، فكأنَّها فيه.
وقال أبو الخطَّابِ: لأنَّها كالمُتَّصِلَةِ به.
وقال المَجْدُ: لأنَّها بُنِيَتْ للمَسْجِدِ لمَصْلحَةِ الأَذانِ، وكانت منه
وَالْأفْضَلُ الِاعْتِكَافُ فِى الْجَامِعِ إذَا كَانَتِ الجُمُعَةُ تَتَخَلَّلُهُ.
وَمَن نَذَرَ الِاعْتِكَافَ أوِ الصَّلَاةَ فِى مَسْجِدٍ، فَلَهُ فِعْلُهُ فِى غَيْرِه،
فيما بُنِيَتْ له، ولا يَلْزَمُ ثُبوتُ بَقِيَّةِ أحْكامِ المَسْجِدِ لأنَّها لم تُبْنَ له.
وأطْلقَهما فى «المُحَرَّرِ».
الثَّالثةُ، ظَهْرُ المَسْجِدِ منه، بلا نِزاعٍ أعْلَمُه.
الرَّابعةُ، لما ذكَر فى «الآدَابِ» الثَّوابَ الحاصِلَ بالصَّلاةِ فى مَسْجِدَى مَكَّةَ والمدِينةِ، قال: وهذه المُضاعفَةُ تَخْتَصُّ المَسْجِدَ, على ظاهرِ الخَبَرِ، وظاهِرِ قوْلِ العُلَماءِ مِن أصحابِنا وغيرِهم.
قال ابنُ عَقِيلٍ: الأحْكامُ المُتعلِّقَةُ بمَسْجِدِ النَّبِىِّ - صلى الله عليه وسلم -، لِمَا كان فى زَمانِه، لا ما زِيدَ فيه؛ لقَوْلِه عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ: «فِى مَسْجِدِى هَذا».
واخْتارَ الشَّيْخُ تَقِىُّ الدِّينِ، أن حُكْمَ الزَّائدِ حُكْمُ المَزِيدِ عليه.
قلتُ: وهو الصَّوابُ.
قوله: والأفْضَلُ الاعْتِكافُ فِى الجامِعِ إذا كانتِ الجُمُعَةُ تتَخَلَّلُه.
ولا يَلْزَمُ فيه.
وهذا المذهبُ، وعليه الأصحابُ.
وذكَر فى «الانْتِصَارِ» وجْهًا بلُزُومِ الاعْتِكافِ فيه، فإنِ اعْتَكَفَ فى غيرِه، بَطَل بخُرُوجِه إليها.
فائدة: يجوزُ لمَن لا تَلْزَمُه الجُمُعَةُ أنْ يعْتَكِفَ فى غيرِ الجامِعِ الذى تَتَخَلَّلُه الجُمُعَةُ، لكنْ يبْطُلُ بخُروجِه إليها، إلَّا أنْ يشْتَرِطَه، كعِيادَةِ المريضِ.
قوله: ومَن نذَر الاعْتِكافَ أو الصَّلاةَ فى مَسْجِدٍ، فله فِعْلُه فى غيرِه.
هذا
إِلَا الْمَسَاجِدَ الثَّلَاَثةَ،
المذهبُ، إلَّا ما اسْتَثْناه المُصَنِّفُ، وعليه الأصحابُ.
وقال فى «الفَائقِ»: قال أبو الخَطَّابِ: القِياسُ وُجوبُه.
انتهى.
وجزَم به فى «تَذكِرَةِ ابنِ عَبْدُوسٍ».
وقال فى «الفُروعِ»: ويتَوجَّهُ، إلاَّ مَسْجِدَ قُباءٍ، إذا نذَر الاعْتِكافَ أو الصَّلاةَ فيه، لا يَفْعَلُه فى غيرِه.
تنبيهات؛ الأوَّلُ، ظاهِرُ كلام المُصَنِّفِ هنا، أنَّه سَواءٌ نذَر الاعْتِكافَ أو الصَّلاةَ، فى مَسْجِدٍ قريبٍ أو بعيدٍ، عَتِيقٍ أو جديدٍ، امْتازَ بِمَزِيَّةٍ شَرْعِيَّةٍ، كقِدَمٍ وكَثْرَةِ جَمْعٍ، أوْ لا.
وهو صحيحٌ، وهو المذهبُ، وهو ظاهِرُ كلامِ أكثرِ الأصحابِ.
ومَفْهُومُ كلامِ المُصَنِّفِ فى «المُغْنِى»، إذا كان المَسْجِدُ بعيدًا يحْتاجُ إلى شَدِّ رَحْلٍ، يَلْزَمُه فيه 1. وهو ظاهرُ كلامِ أبى الخَطَّابِ فى «الانتِصارِ»؛ فإنَّه قال: القِياسُ لُزومُه،
..................................
ترَكْناه؛ لقَوْلِه عليه أفْضَلُ الصَّلاةِ والسَّلامِ: «لَا تُشَدُّ الرِّحَالُ....» الحديثُ.
وذكرَه أبو الحُسَيْن احْتِمالًا فى تَعْيينِ المَسْجِدِ العَتيقِ للصَّلاةِ.
وذكَر المَجْدُ فى «شَرْحِه»، أنَّ القاضِىَ ذكَر وَجْهًا، يتعَيَّنُ المَسْجِدُ العَتِيقُ فى نَذْرِ الصَّلاةِ.
قال المَجْدُ: ونَذْرُ الاعْتِكافِ مِثْلُه.
وأطْلَقَ الشَّيْخُ تَقِىُّ الدِّينِ، فى تَعْيينِ ما امْتازَ بمَزِيَّةٍ شرْعِيَّةٍ، كقِدَمٍ وكَثْرَةِ جَمْعٍ، وَجْهَيْن، واخْتارَ فى مَوْضِعٍ آخَرَ، يتَعَيَّنُ.
وقال القاضى، وابنُ عَقِيلٍ: الاعْتِكافُ والصَّلاةُ لا يخْتَصَّان بمَكانٍ، بخِلافِ الصَّوْمِ.
قال فى «الفُروعِ»: كذا قالَا.
فعلى المذهبِ، له أنْ يعْتكِفَ ويُصلِّىَ فى غيرِ المَسْجِدِ الذى عَيَّنَه.
والصَّحيحُ مِنَ المذهبِ، أنَّه لا كفَّارَةَ عليه، جزَم به المُصَنِّفُ هنا، وهو أحَدُ الوَجْهَيْن.
ولم يُذْكَرْ عدَمُ الكفَّارَةِ فى نُسْخَةٍ قُرِئتْ على المُصَنِّفِ، وكذا فى نُسَخٍ كثيرةٍ.
وقيلَ: عليه كفَّارَةٌ قال فى «الرِّعايتَيْن»: وعليه كفَّارَةُ يَمين فى وَجْهٍ إنْ لم يفْعَلْ.
وجزَم بالكفَّارَةِ فى «تَذْكِرَةِ ابنِ عَبْدُوسٍ».
..................................
وأطْلقَهما فى «الفُروعِ»، و «الفَائقِ»، و «الحاوِيَيْن»، و «المُحَرَّرِ».
ذكَرَه فى بابِ النَّذْرِ.
الثَّانى، قال فى «الفُروعِ»: وفى الكفَّارَةِ وَجْهان إنْ وجَبتْ فى غيرِ المُسْتَحَبِّ.
انتهى.
فمَحَلُّ الخِلافِ، إذا قُلْنا بوُجوبِ الكفَّارَةِ فى غيرِ المُسْتَحبِّ.
الثَّالثُ، جعَل المُصَنِّفُ الصَّلاةَ والاعْتِكافَ، إذا نذَرهما فى غيرِ المَساجِدِ الثَّلاَثَةِ، على حَدٍّ سواءٍ.
وهو صحيحٌ، وهو المذهبُ، وعليه أكثرُ الأصحابِ.
وقال فى «الفُروعِ»: وظاهِرُ كلام جماعةٍ، يصَلِّى فى غيرِ مَسْجِدٍ أيضًا.
ولعَلَّه مُرادُ غيرِهم، وهو مُتَّجهٌ.
انتهى.
الرَّابعُ، قوْلُه: فله فِعْلُه فى غيرِه.
يعْنِى، مِنَ المَساجدِ.
وهذا الصَّحيحُ مِنَ المذهبِ.
قال فى «الفُروعِ»: وظاهرُ كلامِ جماعةٍ، يصَلِّى فى غيرِ مَسْجِدٍ أيضًا، ولعَلَّه مُرادُ غيرِهم، وهو مُتَّجهٌ.
انتهى.
فائدة: لو أرادَ الذَّهابَ إلى ما عيَّنَه بنَذْرِه، فإنْ كان يحْتاجُ إلى شَدِّ رَحْلٍ، خُيِّرَ بينَ ذَهابِه وعدَمِه، عندَ القاضى وغيرِه.
وجزَم بعضُ الأصحابِ بإباحَتِه.
واختارَ المُصنِّفُ والشَّارِحُ الإِباحَةَ فى السَّفَرِ القَصيرِ، ولم يُجَوِّزْه ابنُ عَقِيلٍ، والشَّيْخُ تَقِىُّ الدِّينِ.
وقال فى «التَّلْخِيصِ»: لا يتَرخَّصُ.
قال فى «الفُروعِ»: ولعَلَّ مُرادَهُ، يُكْرَهُ.
وذكَر ابنُ مُنَجَّى فى «شَرْحِ المُقْنِعِ»، يُكْرَهُ إلى القُبورِ
وَأَفْضَلُهَا الْمَسْجِدُ الْحَرَامُ [60 و], ثُمَّ مَسْجِدُ الْمَدِينَةِ، ثُمَّ الْأَقْصَى،
والمَشاهِدِ.
قال فى «الفُروعِ»: وهى المَسْأَلَةُ بعَيْنِها.
وحكَى الشَّيْخُ تَقِىُّ الدِّينِ وَجْهًا، يجِبُ السَّفَرُ المَنْذُورُ إلى المَشاهِدِ.
قال فى «الفُروعِ»: ومُرادُه، واللهُ أعلمُ، اخْتِيارُ صاحِبِ «الرِّعايَةِ».
وإنْ كان لا يحْتاجُ إلى شَدِّ رَحْلٍ، خُيِّرَ، على الصَّحيح مِنَ المذهبِ، بينَ الذهابِ وغيرِه.
ذكَرَه القاضى، وابنُ عَقِيل، وقدَّمه فى «الفُروعِ».
وقال فى «الوَاضِحِ»: الأفْضَلُ الوَفاءُ.
قال فى «الفُروعِ»: وهذا أظْهَرُ.
قوله: إلَّا المَساجِدَ الثَّلاَثةَ، وأفْضَلُها المَسْجدُ الحَرَامُ، ثم مَسْجِدُ المَدِينَةِ، ثم المَسْجِدُ الأَقْصَى.
الصَّحيحُ مِنَ المذهبِ، أنَّ مَكةَ أفْضَلُ مِنَ المدينةِ.
نصَرَه القاضى وأصحابُه، وعليه جماهيرُ الأصحابِ.
وعنه، المدِينَةُ أفْضَلُ.
اخْتارَه ابنُ حامِدٍ وغيرُه.
ويأْتِى ذلك أيضًا فى آخرِ بابِ صَيْدِ الحَرَمِ ونَباتِه.
فعلى المذهبِ، إذا عيَّنَ المسْجِدَ الحرامَ فى نَذْرِه، لم يُجْزِئْه فى غيرِه؛ لأنَّه أفْضَلُها.
احْتَجَّ به أحمدُ
فَإِذَا نَذَرَهُ فِى الْأَفْضَلِ، لَمْ يَجُزْ فِى غَيْرِهِ، وَإنْ نَذَرَهُ فِى غَيْرِهِ، فَلَهُ فِعْلُهُ فِيهِ،
والأصحابُ.
قال فى «الفُروعِ»: فدَلَّ - إنْ قُلْنا: المَدِينَةُ أفْضَلُ - أنَّ مَسْجِدَها أفْضَلُ.
وهذا ظاهِرُ كلامِ المَجْدِ فى «شَرْحِه» وغيرِه، وصرَّح به فى «الرِّعايَةِ».
وإنْ عيَّنَ مسْجِدَ المدينةِ، لم يُجْزِئْه فى غيرِه، إلَّا المَسْجِدَ الحَرامَ، على ما تقدَّم.
وإنْ عيَّنَ المَسْجِدَ الأقْصَى، أجْزأَه المَسْجِدان فقط.
نصَّ عليه.
وَإِنْ نَذَرَ اعْتِكَافَ شَهْرٍ بِعَيْنِهِ، لَزِمَهُ الشُّرُوعُ فِيهِ قَبْلَ دُخُولِ لَيْلَتِهِ إِلَى انْقِضَائِهِ،
قوله: ومَن نذَر اعْتِكافَ شَهْر بعَيْنِه، لَزِمه الشُّروعُ فيه قبلَ دُخُولِ لَيْلَتِه إلى انقِضائِه.
وهذا المذهبُ.
نصَّ عليه، وعليه الأصحابُ.
وعنه، أو يدْخُلُ قبلَ فَجْرِ
..................................
أوَّلِ ليْلَةٍ مِن أوَّلِه.
قال الزَّرْكَشِىُّ: ولعَلَّه بِنَاءً على اشْتِراطِ الصَّوْمِ له.
فائدتان؛ إحْداهما، كذا الحُكْمُ والخِلافُ والمذهبُ إذا تذَر عَشْرًا مُعَيَّنًا.
..................................
وعنه رِوايَةٌ ثالثةٌ، جَوازُ دخُولِه بعدَ صَلاةِ الفَجْرِ.
الثَّانيةُ، لو أرادَ أنْ يعْتكِفَ العَشْرَ الأخِيرَ مِنَ رَمَضانَ تَطوُّعًا، دخَل قبلَ ليْلَتِه الأُولَى.
نصَّ عليه.
وعنه، بعدَ صلاةِ فَجْرِ أوَّلِ يَوْمٍ مِنه.
وتقدَّم إذا نذَر اعْتِكافًا فى رَمَضانَ وفاتَه.
ولو نذَر أنْ يعْتكِفَ
وَإِنْ نَذَرَ شَهْرًا مُطْلَقًا، لَزِمَهُ شَهْرٌ مُتَتَابِعٌ،
العَشْرَ، لَزِمَه ما يتَخلَّلُه مِن لَيالِيه إلَّا ليْلَتَه الأُولَى.
نصَّ عليه.
وفيها، فى لَيالِيه المُتَخَلِّلَةِ تخْريجُ ابنِ عَقِيلٍ، وقوْلُ أبى حَكِيمٍ الآتِيَان قرِيبًا.
قوله: وإنْ نذَر شَهْرًا مُطْلَقًا، لَزِمَه شَهْرٌ مُتَتابِعٌ.
هذا المذهبُ، نصَّ عليه، وعليه أكثرُ الأصحابِ.
وجزَم به فى «الوَجيزِ» وغيرِه.
وقدَّمه فى «الفُروعِ» وغيرِه.
قال القاضى: يَلْزَمُه التَّتابُعُ، وَجْهًا واحِدًا، كمَن حلَف لا يُكَلَّمُ زَيدًا شَهْرًا، وكَمُدَّةِ الإيلاءِ والعُنَّةِ، وبهذا فارَقَ لو نذَر صِيامَ شَهْرٍ.
وعنه، لا يَلْزَمُه
..................................
تَتابُعُه.
اخْتارَه الآجُرِّىُّ.
وصحَّحَه ابنُ شِهَابٍ وغيرُه.
فائدتان؛ إحداهما، يَلْزَمُه أنْ يدْخُلَ مُعْتكَفَه قبلَ الغُروبِ مِن أوَّلِ ليْلَةٍ منه.
على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ، كما تقدَّم فى نَظِيرَتِها.
وعنه، أو وَقْتَ صلاةِ المَغْرِبِ.
وذكَرَه ابنُ أبى مُوسى.
وعنه، أو قبلَ الفَجْرِ الثَّانِى مِن أوَّلِ يَوْمٍ منه.
الثَّانيةُ، يَكْفِيه شَهْرٌ هِلَالِىٌ ناقِصٌ بلَيالِيه، أو ثَلاثِين يوْمًا بلَيالِيها.
قال المَجْدُ، على رِوايةِ أنَّه لا يجِبُ التَّتابُعُ: يجوزُ إفْرادُ اللَّيالى عنِ الأيَّامِ إذا لم نَعْتَبِرِ الصَّوْمَ، وإنِ اعْتبَرْناه، لم يجِبْ، ووجَب اعْتِكافُ كلَّ يَوْمٍ مع ليْلَتِه المُتقَدِّمَةِ عليه.
وإنْ ابْتدَأ الثَّلاثين فى أثْناء النَّهارِ، فتَمامُه فْى تلك السَّاعَةِ مِنَ اليَوْمِ الحادِى والثَّلاِثين، وإنِ ابْتَدَأه فى أثْنَاءِ اللَّيْلِ، تَمَّ فى مثلِ تلك السَّاعَةِ مِنَ اللَّيلَةِ الحاديةِ، والثَّلاثين، إنْ
وَإِنْ نَذَرَ أَيَّامًا مَعْدُودَةً، فَلَهُ تَفْرِيقُهَا، إلَّا عِنْدَ الْقَاضِى،
لم نَعْتَبِرِ الصَّوْمَ، وإنِ اعْتَبَرْناه فثلَاثِينَ ليْلَةً صِحَاحًا بأيَّامِها الكامِلَةِ، فَيتِمُّ اعْتِكافُه.
بغُروبِ شَمْسِ الحادِى والثَّلاِثين فى الصُّورَةِ الأُولَى، أو الثَّانى والثَّلاِثين فى الثَّانيةِ؛ لِئَلاَّ يعْتَكِفَ بعضَ يَوْمٍ، أو بعضَ ليْلَةٍ دُونَ يوْمِها الذى يلِيها.
قوله: وإنْ نذرَ أيَّامًا مَعْدُودَةً، فله تَفْرِيقُها.
وكذا لو نذَر لَيالِىَ مَعْدُودَةً.
وهذا المذهبُ فيهما، وعليه الأكْثَرُ، وجزَم به فى «الوَجيزِ» وغيره.
وقدَّمه فى «الفُروعِ» وغيرِه.
واخْتارَه أبو الخَطَّابِ وغيرُه.
وقال القاضى: يَلْزَمُه التَّتابُعُ.
وقيلَ: يَلْزَمُه التَّتابُعُ إلَّا إذا نذَر ثَلاِثين يوْمًا، للقَرِينَةِ؛ لأنَّ العادةَ فيه لَفْظُ الشَّهْرِ، فعُدولُه عنه يدُلُّ على عدَمِ التَّتابُعِ.
قلتُ: لو قيلَ: يلْزَمُه التَّتابُعُ فى نَذْرِه الثَّلاِثين يوْمًا.
لكان له وَجْهٌ؛ لأنَّه بمَنْزِلَةِ مَن نذَر اعْتِكافَ شَهْرٍ.
ثم وَجَدْتُ ابنَ رَزِينٍ فى «نِهَايته» ذكَرَه وَجهًا، وقدَّمه ناظِمُها.
تنبيه: مُرادُ المُصَنِّفِ بقَوْلِه: فله تَفْرِيقُها.
إذا لم يَنْوِ التَّتابُعَ، فأما إذا نَوَى التَّتابُعَ، فإنَّه يَلْزَمُه.
قالَه الأصحابُ.
فوائد؛ منها، إذا تابعَ، فإنَّه يَلْزَمُه ما يتخَلَّلُها مِن ليْلٍ أو نَهارٍ.
على الصَّحيحِ
وإِنْ نَذَرَ أيَّامًا أوْ لَيَالِىَ مُتَتَابِعَةً، لَزِمَهُ مَا يَتَخَلَّلُهَا مِنْ لَيْلٍ أو نَهَارٍ.
مِنَ المذهبِ.
وقيل: لا يَلْزَمُه.
ومنها، يدْخُلُ مُعْتَكَفَه، فيما إذا نذَر أيَّامًا، قبلَ الفَجْرِ الثَّانِى.
على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ.
وعنه، أو بعدَ صَلاِته.
ومنها، لو نذَر أنْ يعْتكِفَ يوْمًا مُعَيَّنًا أو مُطْلَقًا، دخَل مُعْتَكَفَه قبلَ فَجْرِه الثَّانِى، على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ، وخرَج بعدَ غُروبِ شَمْسِه.
وحكَى ابنُ أبى مُوسَى رِوايَةً؛ يدْخُلُ وَقْتَ صَلاةِ الفَجْرِ.
ومنها، لو نذَر شَهْرًا مُتَفرَّقًا، جازَ له تَتَابُعُه.
قوله: وإنْ نذَر أيَّامًا أو لَيالِىَ مُتَتابِعَةً، لَزِمَه ما يَتَخَلَّلُها مِن لَيلٍ أو نَهارٍ.
وهذا المذهبُ، وعليه أكثرُ الأصحابِ.
وخرَّجَ ابنُ عَقِيلٍ، أنَّه لا يَلْزَمُه ما يتَخَلَّلُه.
..................................
واخْتارَه أبو حَكِيمٍ، وخرَّجه أيضًا مِنِ اعْتِكافِ يَوْم لا يَلْزَمُه معه ليْلَةٌ.
وقيلَ: لا يَلْزَمُه ليْلًا.
ذكَرَه فى «الرِّعايَةِ الكُبْرَى».
..................................
فائدة: لو نذَر اعْتِكافَ يَوْمٍ، مُعَيَّنًا أو مُطْلَقًا، فقد تقدَّم متى يدْخُلُ مُعْتَكَفَه، ولا يجوزُ تَفْريفُه بساعَاتِه مِن أيّامٍ، فلو كان فى وَسَطِ النَّهارِ، وقال: لله علىَّ أنْ أعْتَكِفَ يوْمًا مِن وَقتى هذا.
لَزِمَه مِن ذلك الوَقتِ إلى مِثْلِه.
وفى دُخُولِ اللَّيْلَةِ الخِلافُ
فَصْلٌ: وَلَا يَجُوزُ لِلْمُعْتَكِفِ الْخُرُوجُ إِلَّا لِمَا لَا بُدَّ مِنْهُ؛ كَحَاجَةِ الْإِنْسَانِ، وَالطَّهَارَةِ، وَالْجُمُعَةِ، وَالنَّفِيرِ الْمُتَعَيِّنِ، وَالشَّهَادَةِ الْوَاجِبَةِ، وَالْخَوْفِ مِنْ فِتْنَةٍ، أوْ مَرَض، وَالْحَيْضِ، وَالنِّفَاسِ، وَعِدَّةِ الْوَفَاةِ، وَنَحْوِهِ.
السَّابِقُ.
واخْتار الآجُرِّىُّ، إنْ نذَر اعْتِكافَ يوْمٍ، فمِن ذلك الوَقْتِ إلى مِثْلِه.
تنبيه: مُرادُه بقوله: ولا يَجُوزُ للمُعْتَكِفِ الخُروجُ إلَّا لما لا بُدَّ مِنْه؛ كحاجَةِ الإِنْسانِ.
إجْماعًا، وهو البَوْلُ والغائِطُ، إذا لَزِمَه التَّتابُعُ فى اعْتِكافِه، وسَواءٌ عيَّنَ بنَذْرِه مُدَّةً، أو شرَط التَّتابُعَ فى عدَدٍ.
..................................
فائدة: يَحْرُمُ بَوْلُه فى المَسْجِدِ فى إناءٍ، وكذا فَصْدٌ وحِجَامَةٌ.
وذكَر ابنُ عَقِيلٍ احْتِمالًا، يجوزُ فى إناءٍ، كالمُسْتَحاضَةِ، مع أمْنِ تَلْوِيثِه.
وكذا حُكْمُ النَّجاسَةِ فى هَواءِ المَسْجِدِ.
قال ابنُ تَميمٍ: يُكْرَهُ الجِماعُ فوقَ المَسْجِدِ، والتَّمَسُّحُ بحَائِطِه والبَوْل عليه.
نصَّ عليه.
قال ابنُ عَقِيلٍ فى «الفُصولِ»، فى الإِجارَةِ، فى التَّمَسُّحِ بحائطِه: مُرادُه الحَظْرُ، فإذا بالَ خارِجًا وجسَدُه فيه لا ذكَرُه، كُرِهَ.
وعنه
..................................
يَحْرُمُ.
وقيل: فيه الوَجْهان.
وتقدَّم بعضُ ذلك فى آخر بابِ الوُضوءِ.
قوله: والطَّهَارَةِ.
يجوزُ له الخُروجُ للوُضوءِ عن حَدَثٍ.
نصَّ عليه.
وإن قُلْنا: لا يُكْرَهُ.
فعَلَه فيه بلا ضَرُورَةٍ، ويخْرُجُ لغُسْلِ الجَنابَةِ، وكذا لغُسْلِ الجُمُعَةِ إنْ وجَب، وإلَّا لم يَجُزْ، ولا يجوزُ الخُروجُ لتَجْديدِ الوُضوءِ.