بسم الله الرحمن الرحيم
بَابُ جَامِعِ الْأَيمَانِ
وَيُرْجَعُ في الأَيمَانِ إلَى النِّيَّةِ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ نِيَّةٌ، رُجِعَ إلَى سَبَبِ الْيَمِينِ وَمَا هَيَّجَهَا،
بابُ جامِعَ الأيمانِ
قوله: يُرْجَعُ في الأيمانِ إلى النِّيَّةِ.
هذا المذهبُ.
وعليه جماهيرُ الأصحابِ.
وقطَع به أكثرُهم.
وقال القاضي: يُقدَّمُ عمُومُ لفْظِه على النِّيَّةِ احْتِياطًا.
تنبيه: قولُه: يُرْجَعُ في الأيمانِ إلى النِّيَّةِ.
مُقَيَّدٌ بأنْ يكونَ الحالِفُ بها غيرَ ظالمٍ.
..................................
نصَّ عليه، على ما تقدَّم، وأنْ يَحْتَمِلَها لفْظُه مُطْلَقًا.
على الصَّحيحِ مِن المذهبِ.
قدَّمه في «الرِّعايتَين».
وجزَم به أبو محمدٍ الجَوْزِيُّ.
وصحَّحه في «تَصْحيح المُحَرَّرِ».
وقال في «المُحَرَّرِ»، وجماعةٌ: ويُقْبَلُ منه في الحُكْمِ إذا قَرُبَ الاحْتِمالُ، وإنْ قَوىَ بُعْدُه منه، لم يُقْبَلْ، وإنْ توَسَّطَ فرِوايَتانِ.
وأَطْلَقهما في «الفُروعِ».
وتقدَّم ذلك في أوَّلِ بابِ التَّأْويلِ في الحَلِفِ، وتقدَّم تصْويرُ بعْضِ
..................................
مَسائِلَ مِن ذلك، وذِكْرُ الخُروجِ مِن مَضايقِ الأَيمانِ مُسْتَوْفًى في بابِ التَّأْويل في الحَلِفِ في أوَّلِه وآخِرِه، فليُراجَعْ.
قوله: فإنْ لم تَكُنْ له نِيَّةٌ، رُجِعَ إلى سَبَبِ اليَمِينِ وما هَيَّجَها.
وهذا المذهبُ.
وعليه جماهيرُ الأصحابِ.
وجزَم به الخِرَقِيُّ، و «الوَجيزِ»، و «تَذْكِرَةِ ابنِ
..................................
عَبْدُوسٍ»، و «المُنَوِّرِ»، و «مُنْتَخَبِ الأدَمِيِّ»، وغيرِهم.
وقدَّمه في «الفُروعِ» وغيرِه.
قال في «الفُروعِ»: وقدَّم السَّبَبَ على النِّيَّةِ الخِرَقِيُّ، و «الإرْشادِ»، و «المُبْهِجِ»، وحُكِيَ رِوايةً.
وقدَّمه القاضي بمُوافقَتِه للوَضْعِ، وعنه، يُقدَّمُ عُمومُ لَفْظِه على سَبَبِ اليَمِينِ احْتِياطًا.
وذكَر القاضي، وعلى النِّيَّةِ أيضًا.
انتهى.
وقال الزَّرْكَشِيُّ: اعْتَمَدَ عامّةُ الأصحابِ تقْدِيمَ النِّيَّةِ على السَّبَبِ، وعكَس ذلك الشِّيرَازِيُّ، فقدَّم السَّبَبَ على النِّيَّةِ.
انتهى.
قلتُ: وقطَع به في «الإرْشادِ».
وقولُ صاحبِ «الفُروعِ»: وقدَّم الخِرَقِي السَّبَبَ على النِّيَّةِ.
غيرُ مُسَلَّم.
وقال الزَّرْكَشِيُّ أيضًا، لمَّا تكَلَّم على كلامِ الخِرَقِيِّ: إذا لم يَنْو شيئًا،
..................................
لا ظاهِرَ اللَّفْظِ ولا غيرَ ظاهرِه، رُجِعَ إلى سبَبِ اليمينِ وما هَيَّجَها، أي أثارَها، فإذا حَلَفَ، لا يَأْوي مع امْرَأتِه في هذه الدَّارِ.
وكان سبَبُ يمينِه غَيظًا مِن جِهَةِ الدَّارِ؛ لضَرَرٍ لَحِقَه مِن جِيرَانِها، أو 1 مِنَّةٍ حصَلَتْ عليه بها ونحو ذلك، اخْتَصَّتْ يمِينُه بها؛ هو مُقْتَضَى اللَّفْظِ.
وإنْ كان لغَيظٍ مِنَ المرْأةِ يقْتَضِي جَفاءَها، ولا أثَرَ للدَّارِ فيه، تعَدَّى ذلك إلى كلِّ دارٍ 2؛ المَحْلُوفِ عليها بالنَّصِّ، وما عداها بعِلةِ الجَفاءِ التي اقْتَضَاها السَّبَبُ.
وكذلك إذا حَلَفَ لا يَدْخُلُ بَلَدًا لظُلْمٍ رَآه فيه، ولا يُكَلِّمُ زَيدًا لشُرْبِه الخَمْرَ، فزال الظُّلْمُ وترَكَ زَيدٌ شُرْبَ الخَمْرِ، جازَ له الدُّخولُ والكلامُ؛ لزَوالِ العِلَّةِ المُقْتَضِيَةِ لليَمِينِ.
وكلامُ الخِرَقِيِّ يشْمَلُ ما إذا كان اللَّفْظُ خاصًّا والسَّبَبُ يقْتَضِي التَّعْمِيمَ، كما مثلْناه أوَّلًا، أو كان اللَّفْظُ عامًّا والسَّبَبُ يقْتَضِي التَّخْصِيصَ، كما مثَّلْناه ثانِيًا.
ولا نِزاعَ بينَ الأصحابِ، فيما عَلِمْتُ، في الرُّجوعِ إلى السَّبَبِ المُقْتَضِي للتَّعْميمِ، واخْتُلِفَ في عِكْسِه، فقيل: فيه وَجْهان.
وقيل: رِوايَتان.
وبالجُمْلَةِ، فيه قَوْلان أو ثَلاثَةٌ؛ أحدُها -وهو المَعْروفُ عنِ القاضي في «التَّعْليقِ» وفي غيرِه، واخْتِيارُ عامَّةِ أصحابِه، الشَّرِيفِ، وأبي الخَطَّابِ في «خِلافَيهما» - يؤْخَذُ بعُمومِ اللَّفْظِ.
وهو مُقْتَضَى نصِّ الإمامِ أحمدَ، رَحِمَه اللهُ، وذكَرَه.
والقولُ الثَّاني -وهو ظاهرُ كلام الخِرَقِيِّ، واخْتِيارُ أبي محمدٍ، وحُكِيَ عنِ القاضي في مَوْضِع- يُحْمَلُ اللَّفْظُ العامُّ
..................................
على السَّبَبِ، ويكونُ ذلك السَّبَبُ مَبْنِيًّا على أنَّ العامَّ أُرِيدَ به خاصٌّ.
والقولُ الثَّالثُ، لا يقْتَضِي التخْصِيصَ فيما إذا حلَف لا يدْخُلُ البَلَدَ لظُلْمٍ رَآه فيه، ويقْتَضِي التَّخْصِيصَ فيما إذا دُعِيَ إلى غَداءٍ فحَلَف لا يتَغَدَّى، أو حلَف لا يخْرُجُ عَبْدُه ولا زوْجَتُه إلا بإذْنِه.
والحالُ يقْتَضِي ما داما كذلك.
وقد أشارَ القاضي إلى هذا في «التَّعْليقِ».
انتهى كلامُ الزَّرْكَشِيِّ.
وقال في «القاعِدَةِ الرَّابعَةِ والعِشْرِين بعدَ المائَةِ»، وتَبِعَه في «القَواعِدِ الأُصُوليَّةِ»: هل يُخَصُّ اللَّفْظُ العام بسَبَبِه الخاصِّ إذا كان السَّبَبُ هو المُقْتَضِي له، أمْ يُقْضَى 1 بعُمومِ اللَّفْظِ؟ فيه وَجْهانِ؛ أحدُهما؛ العِبْرَةُ بعُموم اللَّفْظِ.
اخْتارَه القاضي في «الخِلافِ»، والآمِدِيُّ، وأبو الفَتْحِ الحَلْوانِيُّ، وَأبو الخَطَّابِ، وغيرُهم، وأخَذُوه مِن نصِّ الإِمامِ أحمدَ، رَحِمَه اللهُ، في رِوايةِ عليِّ بنِ سعيدٍ، في مَن حلَف لا يصْطادُ مِن نَهْرٍ لظُلْمٍ رَآه فيه ثم زال الظُّلْمُ، قال الإمامُ أحمدُ، رَحِمَه اللهُ: النَّذْرُ يُوَفَّى به.
والوَجْهُ الثَّاني، العِبْرَةُ بخُصوصِ السَّبَبِ لا بعُمومِ اللَّفْظِ.
وهو الصَّحيحُ عندَ صاحبِ «المُغْنِي»، و «البُلْغَةِ»، و «المُحَرَّرِ».
لكِنَّ المَجْدَ اسْتَثْنَى صُورَةَ النَّهْرِ وما أشْبَهَها، كمَن حلَف لا يدْخُلُ بَلَدًا لظُلْم رَآه فيه ثم زال الظُّلْمُ.
فجعَل العِبْرَةَ في ذلك بعُمومِ اللَّفْظِ، وعزَى المُصَنفُ الخِلافَ إليها، ورَجَّحَه ابنُ عَقِيلٍ في «عُمَدِ الأدِلَّةِ»، وقال: هو قِياسُ 2 المذهبِ.
وجزَم به القاضي في مَوْضعٍ مِن «المُجَرَّدِ».
واخْتارَه الشَّيخُ تَقِيُّ الدِّينِ، رَحِمَه اللهُ، وفرَّق بينَه وبينَ مسْألَةِ النَّهْرِ المَنْصُوصَةِ،
فَإذَا حَلَفَ لَيَقْضِيَنَّهُ حَقَّهُ غَدًا، فَقَضَاهُ قَبْلَهُ، لَمْ يَحْنَثْ إِذَا قَصَدَ أَنْ لَا يَتَجَاوَزَهُ، أَوْ كَانَ السَّبَبُ يَقْتَضِيهِ.
وذكَرَه.
قال في «القَواعِدِ»: وهذا أحْسَنُ، وقد يكونُ لَحَظ هذا جَدُّه.
قوله: وإنْ حلَف ليَقْضِيَنَّه حَقَّه غَدًا، فقَضاه قبلَه، لم يَحْنَثْ إذا قصَد أنْ لا يُجاوزَه.
قوْلًا واحدًا.
وكذا لا يحْنَثُ أيضًا إذا كان السَّبَبُ يقْتَضِيه، وإلَّا حَنِثَ.
على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ.
وجزَم به في «الوَجيزِ» وغيرِه.
وصحَّحه المُصَنِّفُ، والشَّارِحُ، وغيرُهما.
وقدَّمه في «الفُروعِ» وغيرِه.
وعندَ القاضي، [وأصحابِه، لا يَحْنَثُ ولو كانَ السَّبَبُ لا يقْتَضِيه أيضًا.
وتقدَّم كلامُ الزَّرْكَشِيِّ ونقْلُه] 1.
..................................
[فائدة: مثْلُ ذلك في الحُكمِ] 1، لو حلَف لآكُلَنَّ شيئًا غَدًا، أو لأَبِيعَنَّه، أو لأفْعَلنَّه.
فأمَّا إنْ حلَف لأقْضِيَنَّه حقَّه غَدًا.
وقصَدَ مَطْلَه، فقَضاه قبلَه، حَنِثَ.
وَإنْ حَلَفَ لَا يَبِيعُ ثَوْبَهُ إلَّا بِمِائَةٍ، فَبَاعَهُ بِأَكْثَرَ، لَمْ يَحْنَثْ، وَإنْ بَاعَهُ بِأَقَلَّ حَنِثَ.
..................................
وَإنْ حَلَفَ لَا يَدْخُلُ دَارًا، وَنَوَى الْيَوْمَ، لَمْ يَحْنَثْ بِالدُّخُولِ في غَيرِهِ.
قوله: وإنْ حلَف لا يَدْخُلُ دارًا، ونَوَى اليَوْمَ، لم يَحْنَثْ بالدُّخُولِ في غيرِه.
[ويُقْبَلُ قولُه في الحُكْمِ.
على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ.
قدَّمه في «الفُروعِ»] 1.
وَإنْ دُعِيَ إِلَى غَداءٍ، فَحَلَفَ لَا يَتَغَدَّى، اخْتَصَّتْ يَمِينُهُ بِهِ إِذَا قَصَدَهُ، وَإن حَلَفَ لَا يَشْرَبُ لَهُ الْمَاءَ مِنَ الْعَطَش، يَقْصِدُ قَطْعَ الْمِنَّةِ، حَنِث بِأَكْلِ خُبْزِهِ، وَاسْتِعَارَةِ دَابَّتِهِ، وَكُلِّ مَا فِيهِ الْمِنَّةُ.
وعنه، لا يُقْبَلُ في الحُكْمِ، ويُدَيَّنُ فيما بينَه وبينَ اللهِ تعالى.
قوله: وإنْ دُعِيَ إلى غَداءٍ، فحَلَف لا يتَغَدَّى، اخْتُصَّتْ يَمِينُه به إذا قصَده.
وهذا المذهبُ.
قال في «الفُروعِ»: لم يَحْنَثْ بغيرِه، على الأصحِّ.
وجزَم به في «المُغْنِي»، والمَجْدُ، و «الشَّرْحِ»، و «الوَجيزِ»، و «شَرْحِ ابن مُنَجَّى»، وغيرِهم.
وجزَم به القاضي في «الكِفايَةِ».
وعنه، يَحْنَث.
قوله: وإنْ حلَف لا يَشْرَبُ له المْاءَ مِنَ العَطَشِ، يَقْصِدُ قَطْعَ الْمِنَّةِ -أو كانَ السَّبَبُ قَطْعَ المِنَّةِ- حَنِثَ بأَكْلِ خُبْزِه، واسْتِعارَةِ دابَّتِه وكل ما فيه المِنَّةُ.
وهذا المذهبُ مُطْلَقًا.
وعليه الأصحابُ.
وذكَر ابنُ عَقِيلٍ: لا أقَلَّ، كقُعودِه في ضَوْءِ
وَإنْ حَلَفَ لا يَلْبَسُ ثَوْبًا مِنْ غَزْلِهَا، يَقْصِدُ قَطْعَ مِنَّتِهَا، فَبَاعَهُ واشْتَرَى بِثَمَنِهِ ثَوْبًا فَلَبِسَهُ، حَنِثَ، وَكَذِلَكَ إنِ انْتَفَعَ بِثَمَنِهِ.
نارِه.
تنبيه: قولُه: وإنْ حلَف لا يَلْبَسُ ثَوْبًا مِن غَزْلِها، يَقْصِدُ قَطْعَ مِنَّتِها، فباعَه واشْتَرَى بثَمَنِه ثَوْبًا، حَنِثَ، وكذا إنِ انْتفَعَ بثَمَنِه.
ومَفْهومُه، أنَّه لو انْتَفعَ بشيءٍ مِن مالِها غيرَ الغَزْلِ وثَمَنِه، أنَّه لا يَحْنَثُ.
وهو صحيحٌ.
وهو المذهبُ.
جزَم به في «المُغْنِي»، و «الشَّرْحِ».
وقدَّمه في «الفُروعِ».
وقيل: يَحْنَثُ بقَدْرِ مِنَّتِه فأزْيَدَ.
جزَم به في «التَّرْغيبِ».
وفي «التَّعْليقِ»، و «المُفْرَداتِ»، وغيرِهما، يَحْنَثُ بشيءٍ منها؛ لأنَّه لا يمْحُو مِنتَّهَا إلَّا بالامْتِناعِ مما يصْدُرُ عنها
..................................
ممَّا يتضَمَّنُ مِنَّةً، ليَخْرُجَ مجْرَى الوَضْعِ العُرْفِيِّ،.
وكذا سوَّى الأدَميُّ البَغْدادِيُّ في «مُنْتَخَبِه» بينَها وبينَ التي قبلَها، وأنَّه يَحنَثُ بكُلِّ ما فيه مِنَّةٌ.
وقال في «الرَّوْضَةِ»: إنْ حلَف لا يأكلُ له خُبْزًا، والسَّببُ المِنَّةُ، حَنِثَ بأَكْلِ غيرِه كائنًا ما كانَ، وأَنه إنْ حلَف لا يَلْبَسُ ثَوْبًا مِن غزْلِها، فلَبِسَ عِمامَةً، أو
وَإِنْ حَلَفَ لا يَأْوي مَعَهَا في دَارٍ، يُرِيدُ جَفَاءَهَا، وَلَمْ يَكُنْ لِلدَّارِ سَبَبٌ هَيَّجَ يَمِينَهُ، فَأوَى مَعَها في غَيرِهَا، حَنِثَ.
عكْسَه، إنْ كانتِ امْتَنَّتْ بغَزْلِها، حَنِثَ بكلِّ ما يَلْبَسُه منه.
انتهى.
وكذا منَع ابنُ عَقِيلٍ الحالِفَ على خُبْزِ غيرِه مِن لَحْمِه ومائِه.
قوله: وإنْ حَلَفَ لا يَأَوي مَعَها في دارٍ، يُريدُ جَفاءَها، ولم يَكُنْ للدَّارِ سَبَبٌ هَيَّجَ يَمِينَه، فأوَى مَعَها في غَيرِها، حَنِثَ.
وكذا لو حَلَفَ، فقال: لا عُدْتُ
..................................
رأيتُكِ تدْخُلِينَها.
ينْوي منْعَها، حَنِثَ ولو لم يرَها.
ونقَل ابنُ هانِئٍ، أقَلُّ الإيواءِ ساعَةٌ.
وجزَم به في «التّرْغيبِ».
وَإنْ حَلَفَ لِعَامِلٍ أنْ لَا يَخْرُجَ إلا بِإِذْنِهِ فَعُزِلَ، أوْ عَلَى زَوْجَتِهِ فَطَلَّقَهَا، أوْ عَلَى عَبْدِهِ فَأعْتَقَهُ، وَنَحْوه، يُرِيدُ مَا دَامَ كَذَلِكَ انْحَلَّتْ يَمِينُهُ.
وَإنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ نِيَّةٌ، انْحَلتْ أيضًا.
ذَكَرَهُ الْقَاضِي؛ لِأنَّ الْحَال تَصْرِفُ الْيَمِينَ إِلَيهِ.
وَذَكَرَ في مَوْضِعٍ آخَرَ أنَّ السَّبَبَ إِذَا كَانَ يَقْتَضِي التَّعْمِيمَ، عَمَّمْنَاهَا بِهِ، وَإِنِ اقْتَضَى الْخُصُوصَ، مِثْلَ مَنْ نَذَرَ لَا يدخلُ بَلَدًا؛ لِظُلْمٍ رَآهُ فِيهِ، فَزَال الظُّلْمُ، فَقَال
قوله: وإِنْ حَلَفَ لعامِلٍ لا يَخْرُجُ إلَّا بإذْنِه فعُزِلَ، أو على زَوْجَتِه فطَلَّقَها، أو على عَبْدِه فأعْتَقَه ونحوه، يِريدُ ما دامَ كذلك، انْحَلتْ يَمِينُه، وإِنْ لم تَكُنْ له نِيَّةٌ،
أحْمَدُ: النَّذْرُ يُوفَى بِهِ.
وَالْأَوَّلُ أَوْلَى؛ لِأنَّ السَّبَبَ يَدُلُّ عَلَى النِّيَّةِ، فَصَارَ كَالْمَنْويِّ سَواءً.
وَإنْ حَلَفَ: لَا رَأيتُ مُنْكَرًا إلا رَفَعْتُهُ إلَى فُلَانٍ الْقَاضِي.
فَعُزِلَ، انْحَلَّتْ يَمِينُهُ، إِنْ نَوَى مَا دَام قَاضِيًا، وَإن لَمْ يَنْو، احْتَمَلَ وَجْهَينِ.
انْحَلَّتْ -يَمِينُه- أيضًا، ذكَرَه القاضي؛ لأنَّ الحال تَصْرِفُ الْيَمِينَ إليه.
وهو ظاهرُ كلامِه في «الوَجيزِ».
قال المُصَنِّفُ هنا: وهذا أوْلَى؛ لأنَّ السَّبَبَ يدُلُّ على النِّيَّةِ، فصارَ كالمَنْويِّ سَواءً.
..................................
وذكَرَ -القاضي- في مَوْضِعٍ آخَرَ، أنَّ السَّبَبَ إذا كان يقْتَضِي التَّعْمِيمَ، عَمَّمْناها به، وإنِ اقْتَضَى الخُصوصَ، مثْلَ مَن نذَر لا يدْخُلُ بلَدًا؛ لظُلْمٍ رَآه فيه، فزال الظُّلْمُ، فقال الإِمامُ أحمدُ: النَّذْرُ يُوفَى به.
قال في «الفُروعِ»: ومع السَّبَبِ فيه رِوايَتان.
ونصُّه: يَحْنَثُ.
وتقدَّم كلامُ الزَّرْكَشِيِّ، وصاحبِ «القَواعِدِ».
وقال في «المُغْنِي»، و «الشَّرْحِ»: وإنْ لم يكُنْ له فيه نِيّةٌ، فكَلامُ الإمامِ أحمدَ، رحِمَهُ اللهُ، يقْتَضِي رِوايتَين.
وذكَرَاه.
قوله: وإنْ حلَف: لَا رَأيتُ مُنْكَرًا إلَّا رَفَعْتُه إلى فُلانٍ القاضِي.
فعُزِلَ، انْحَلَّتْ يَمِينُه إنْ نَوَى، ما دامَ قاضِيًا.
قال ابنُ نَصْرِ اللهِ في «حواشي الفُرُوعِ»: قولُه: انحَلَّتْ يمينُه.
فيه نظَرٌ؛ لأنَّ المذهبَ عَوْدُ الصِّفَةِ، فيُحْمَلُ على أنَّه نوَى تلك الولايةَ وذلك النِّكاحَ ونحوَه.
انتهى.
قوله: وإنْ لم يَنْو، احْتَمَلَ وَجْهَين.
وهما رِوايَتان، وهما كالوَجْهَين المُتَقَدِّمَين
..................................
في المَسْألَةِ التي قبلَها؛ أحدُهما، تنْحَلُّ يمينُه.
صحَّحه في «التَّصْحيحِ».
وهو ظاهرُ كلامِه في «الوَجيزِ».
وظاهرُ ما اخْتارَه المُصَنِّفُ أوّلًا.
والوَجْهُ الثَّاني، لا تنْحَلُّ يمينُه.
قال في «الفُروعِ»: ونصُّه: يحْنَثُ.
قال القاضي: قِياسُ المذهبِ، لا تَنْحَلُّ يمينُه.
وتقدَّم كلامُ الزَّرْكَشِيِّ، وصاحبِ «القَواعِدِ»؛ لأنَّ هذه المسائلَ مِن جُمْلَةِ القاعِدَةِ.
وقال في «التَّرْغيبِ»: إنْ كان السَّبَبُ أو القَرائِنُ
..................................
تقْتَضِي حالةَ الولايةِ، اخْتُصَّ بها، وإنْ كانتْ تقْتَضِي الرَّفْعَ إليه بعَينِه -مثْلَ أنْ يكونَ مُرْتَكِبُ المُنْكَرِ قَرابةَ الوالِي مثَلًا، وقصَد إعْلامَه بذلك لأجْلِ قرابَتِه- تَناوَلَ اليمينُ حال الولايةِ والعَزْلِ، وإلَّا فوَجْهان.
فعلى الوَجْهِ الأوَّلِ، لو رأى المُنْكَرَ في ولايَتِه، فأمْكَنَه رَفْعُه، فلم يرْفَعْه إليه حتَّى عُزِلَ، لم يبَرَّ برَفْعِه إليه في حالِ عَزْلِه.
وهل يَحْنَثُ بعَزْلِه؟ فيه وَجْهان.
وأطْلَقهما في «المُغْنِي»، و «الشَّرْحِ»، و «الفُروعِ»؛ أحدُهما، يَحْنَثُ بعَزْلِه.
قلتُ: وهو أوْلَى.
والوَجْهُ الثَّاني، لا يَحْنَثُ بعَزْلِه.
وإنْ ماتَ قبلَ إمْكانِ رَفْعِه إليه، حَنِثَ أَيضًا على
..................................
الصَّحيحِ.
قدَّمه في «المُغْنِي»، و «الشَّرْحِ».
وقيل: لا يَحْنَثُ.
وهو احْتِمالٌ في «المُغْنِي»، و «الشّرْحِ».
قلتُ: وهو أوْلَى.
وأطْلَقَهما في «الفُروعِ».
وأمَّا على الوَجْهِ الثَّاني -وهو كوْنُ يمينِه لا تنْحَلُّ في أصْلِ المسْأَلةِ- لو رَفَعَه إليه بعدَ عَزْلِه، بَرَّ بذلك.
فائدة: إذا لم يُعَيِّنِ الوالِيَ إذَنْ، ففي تَعْيِيِنه وَجْهان في «التَّرْغيبِ»؛ للتَّرَدُّدِ بينَ تَعْيِينِ العَهْدِ والجِنْسِ، وتابعَه في «الفُروعِ».
وقال في «التَّرْغيبِ» أَيضًا: لو عَلِمَ به بعدَ عِلْمِه، فقيلَ: فاتَ البِرُّ، كما لو رَآه معه.
وقيل: لا 1؛ لإمْكانِ صُورَةِ الرَّفْعِ.
فعلى الأوَّلِ، هو كإبْرائِه مِن دَينٍ بعدَ حَلِفِه ليَقْضِيَنَّه.
وفيه
فَصْلٌ: فَإِنْ عُدِمَ ذَلِكَ، رُجِعَ إلَى التَّعْيِينِ، فَإِذَا حَلَفَ لَا يدخلُ دَارَ فُلَانٍ هَذِهِ، فَدَخَلَهَا وَقَدْ صَارَتْ فَضَاءً أوْ حَمَّامًا أوْ مَسْجِدًا، أوْ بَاعَهَا فُلَانٌ.
أوْ: لَا لَبسْتُ هَذَا الْقَمِيصَ.
فَجَعَلَهُ سَرَاويلَ أوْ رِدَاءً أوْ عِمَامَةً، وَلَبِسَهُ.
أَوْ: لَا كَلَّمْتُ هَذَا الصَّبِيَّ.
فَصَارَ شَيخًا.
أو: امْرأةَ فُلَانٍ.
أوْ: صَدِيقَهُ فُلَانًا.
أوْ:
وَجْهان.
وكذا قولُه جوابًا لقوْلِها: «تزَوَّجْتَ عليَّ؟»: كُلُّ امْرأةٍ لي طالِقٌ.
تَطْلُقُ على نصِّه.
وقطَع به جماعةٌ، أخْذًا بالأعَمِّ مِن لَفْظٍ وسبَبٍ.
قوله: فإنْ عُدِمَ ذلك -يعْنِي النِّيَّةَ وسبَبَ اليَمِينِ وما هيَّجَها- رُجِعِ إلى التَّعْيِينِ.
هذا المذهبُ.
جزَم به هنا في «المُغْنِي»، و «الشَّرْحِ»، و «شَرْحِ ابنِ مُنَجَّى»، و «الوَجيزِ»، و «مُنْتَخَبِ الأدَمِيِّ البَغْدادِيِّ».
وقدَّمه في «الفُروعِ»، و «الرِّعايتَين»، وغيرِهم.
وصحَّحه في «المُحَرَّرِ»، و «النَّظْمِ»، و «الحاوي الصَّغِيرِ»، وغيرِهم.
وقيل: يُقدَّمُ الاسْمُ شَرْعًا أو عُرْفًا أو لُغَةً على التَّعْيِينِ.
وقال في «الهِدايَةِ»، و «المُذْهَبِ»، و «مَسْبوكِ الذَّهَبِ»، و «المُسْتَوْعِبِ»، و «الخُلاصَةِ»: فإنْ عُدِمَ النِّيَّةُ والسَّبَبُ، رجَعْنا إلى ما يَتَناوَلُه الاسْمُ؛ فإنِ اجْتَمَعَ الاسْمُ والتَّعْيِينُ، أو الصِّفَةُ والتَّعْيِينُ، غلَّبْنا التَّعْيِينَ.
غُلَامَهُ سَعْدًا.
فَطَلُقَتِ الزَّوْجَةُ، وَزَالتِ الصَّدَاقَةُ، وَعَتَقَ الْعَبْدُ، وَكَلَّمَهُمْ.
أوْ: لَا أكَلْتُ لَحْمَ هَذَا الْحَمَلِ.
فَصَارَ كَبْشًا.
أوْ: لَا أَكَلْتُ هَذَا الرُّطَبَ.
فَصَارَ تَمْرًا أَوْ دِبْسًا أَوْ خَلًّا.
أَوْ: لَا أَكَلْتُ هَذَا اللَّبَنَ.
فَتَغَيَّرَ.
أو عُمِلَ مِنْهُ شَيْءٌ فَأكَلَهُ، حَنِثَ في ذَلِكَ كُلِّهِ.
وَيَحْتَمِلُ أنْ لَا يَحْنَثَ.
فإنِ اجْتَمَعَ الاسْمُ والعُرْفُ، فقال في «المُذْهَبِ»، و «الخُلاصَةِ»: فأيُّهما يُغلَّبُ؟ فيه وَجْهان.
قال في «الهِدايَةِ»: فقد اخْتَلَفَ أصحابُنا؛ فتارَةً غلَّبُوا الاسْمَ، وتارَةً غلَّبُوا العُرْفَ.
قال في «الفُروعِ»: وذكَر يُوسُفُ ابنُ الجَوْزِيِّ النِّيَّةَ ثم السَّبَبَ ثم مُقْتَضَى لَفْظِه عُرْفًا ثم لُغَةً.
انتهى.
وقال في «المَذْهَبِ الأحمدِ»: النِّيَّةُ ثم السَّبَبُ ثم التَّعْيِينُ ثم إلى ما يَتَناوَلُه الاسْمُ، وإنْ كانَ للَّفْظِ 1 عُرْفٌ غالِبٌ؛ حُمِلَ كلامُ الحالِفِ عليه.
..................................
قوله: فإذا حلَف لَا يدخلُ دارَ فُلانٍ هَذه، فدَخَلَها وقد صارَتْ فَضاءً أو حَمَّامًا أو مَسْجِدًا أو باعَها، أو لا لَبِسْتُ هذا القَمِيصَ، فجَعَلَه سَراويلَ أو رِداءً أو عِمامَة ولَبِسَه، أو: لا كَلَّمْتُ هذا الصَّبيَّ، فصارَ شَيخًا، أو: امْرَأةَ فُلانٍ.
أو:
..................................
صَدِيقَه فُلانًا.
أو: غُلامَه سَعْدًا.
فطُلِّقَتِ الزَّوْجَةُ وزَالتِ الصَّداقةُ وعَتَق العَبْدُ وكَلَّمَهم، أو: لا أكَلْتُ لَحْمَ هذا الحَمَلِ.
فصارَ كَبْشًا.
أو: لا أكَلْتُ هذا الرُّطَبَ.
فَصارَ تَمْرًا أو دِبْسًا -نصَّ عليه- أو خَلًّا، أو: لا أكَلْتُ هذا اللَّبَنَ.
فَتَغَيَّرَ أو عُمِلَ منه شَيْءٌ فأكَلَه، حَنِثَ في ذلك كُلِّه.
وهو المذهبُ.
وعليه جماهيرُ الأصحابِ.
قال الزَّرْكَشِيُّ: اخْتارَه عامَّةُ الأصْحابِ، منهم ابنُ عَقِيلٍ في
..................................
«التَّذْكِرَةِ».
قال ابنُ مُنَجَّى في «شَرْحِه»: هذا المذهبُ، وهو أصحُّ.
قال في «الفُروعِ» بعدَ أنْ ذكَر ذلك كلَّه وغيرُه: إذا فعَل ذلك، ولا نِيَّةَ ولا سبَبَ، حَنِثَ.
وجزَم به في «الوَجيزِ» وغيرِه.
[وقدَّمه في «المُحَررِ»، و «النَّظْمِ»، و «الرِّعايتَين»، و «الحاوي»، وغيرِهم] 1. ويَحْتَمِلُ أنْ لا 2 يَحْنَثَ.
واخْتارَه ابنُ عَقِيلٍ.
[واخْتارَ القاضي] (1)، والمُصَنِّفُ،
..................................
والشَّارِحُ، أنَّه لو حلَف لا أَكَلْتُ هذه البَيضَةَ، فصارَتْ فرْخًا، أو لا أكَلْتُ هذه الحِنْطَةَ، فصارَتْ زَرْعًا فأكلَه، أنَّه لا يَحْنَثُ.
قالا: وعلى قِياسِه، لو حلَف لا شَرِبْتُ هذا الخَمْرَ، فصارَ خَلًّا.
فاسْتَثْنَوا هذه المَسائلَ مِن أصْلِ هذه القاعِدَةِ.
قال الزَّرْكَشِيُّ: وعن ابنِ عَقِيلٍ، أنَّه طرَد القَوْلَ حتَّى في البَيضَةِ والزَّرْعِ.
قال الزَّرْكَشِيُّ: ولعَلَّه أظْهَرُ.
قلتُ: وهو المذهبُ كما تقدّم.
فائدة: لو حلَف لا يدْخُلُ دارَ فُلانٍ، ولم يقُلْ: هذه.
أو لا أكلْتُ التَّمْرَ الحديثَ، فعَتَقَ، أو الرَّجُلَ الصَّحيحَ، فمَرِضَ، أو لا دخَلْتُ هذه السَّفِينَةَ،
فَصْلٌ: فَإِنْ عُدِمَ ذَلِكَ، رَجَعْنَا إِلَى مَا يَتَنَاوَلُهُ الاسْمُ.
وَالْأَسْمَاءُ تَنْقَسِمُ ثَلَاثَةَ أقْسَامٍ؛ شَرْعِيَّةٌ، وَحَقِيقِيَّةٌ، وَعُرْفِيَّةٌ.
فَأمَّا
فنُقِضَتْ ثم أُعِيدَتْ ففَعَلَ، حَنِثَ بلا نِزاعٍ في ذلك، إلَّا أنَّ في السَّفِينَةِ احْتِمالًا بعدَمِ الحِنْثِ.
قوله: فإنْ عُدِمَ ذلك -يعْنِي النِّيَّةَ وسبَبَ اليمينِ وما هيَّجَها والتَّعْيِينَ- رَجَعْنا إلى ما يَتَناوَلُه الاسْمُ.
هذا المذهبُ.
وعليه أكثرُ الأصحابِ.
وجزَم به في «المُغْنِي»، و «الشَّرْحِ»، و «شَرْحِ ابنِ مُنَجَّى»، و «الوَجيزِ»، و «مُنْتَخَبِ الأدَمِيِّ» وغيرِهم.
وقدَّمه في «الفُروعِ»، و «الرِّعايتَين».
وصحَّحه في «المُحَرَّرِ»، و «النَّظْمِ»، و «الحاوي»، وغيرِهم.
وقيل: يُقدَّمُ ما يَتَناوَلُه الاسْمُ على التَّعْيِينِ.
وتقدَّم ذلك، وتقدَّم كلامُ يُوسُفَ ابنِ
الشَّرْعِيَّةُ؛ فَهِيَ أَسْمَاءٌ لَهَا مَوْضُوعٌ في الشَّرْعِ وَمَوْضُوعٌ في اللُّغَةِ، كالصَّلَاةِ، وَالصَّوْمِ، وَالزكَاةِ، وَالْحَجِّ، وَنَحْوهِ، فَالْيَمِينُ الْمُطلَقَةُ تَنْصَرِفُ إلى الْمَوْضُوعِ الشَّرْعِيِّ، وَتَتَنَاوَلُ الصَّحِيحَ مِنْهُ.
الجَوْزِيِّ، فإنَّه يُقدِّمُ النِّيَّةَ ثم السَّبَبَ ثم مُقْتَضَى لَفْظِه عُرْفًا ثم لُغَةً.
فائدة: الاسْمُ يتَناوَلُ العُرْفِيَّ والشَّرْعِيَّ واللُّغَويَّ، فيُقدَّمُ اللَّفْظُ الشَّرْعِيُّ والعُرْفِيُّ على اللُّغَويِّ.
على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ.
جزَم به في «المُحَرَّرِ»، و «النَّظْمِ».
وقدَّمه في «الرِّعايتَين»، و «الحاوي الصَّغِيرِ».
وقيل: عكْسُه.
وقال ابنُ عَبْدُوسٍ في «تَذْكِرَتِه»: يُقَدَّمُ الاسْمُ عُرْفًا ثم شَرْعًا ثم لُغةً.
فإذَا حَلَفَ لَا يَبِيعُ، فَبَاعَ بَيعًا فَاسِدًا، أَوْ لَا يَنْكِحُ, فَنَكَحَ نِكَاحًا
فأفادَنا تقْدِيمَ العُرْفِيِّ على الشَّرْعِيِّ.
وقدَّم وَلَدُ ابنِ 1 الجَوْزِيِّ العُرْفَ ثم اللُّغَةَ، كما تقدَّم.
قوله: واليَمِينُ المُطْلَقَةُ تَنْصَرِفُ إلى المَوْضُوعِ الشَّرْعِيِّ، وتَتَنَاوَلُ الصَّحِيحَ منه؛ فإذا حلَف لا يَبِيعُ، فباعَ بَيعًا فاسِدًا، أو لا يَنْكِحُ، فنَكَحَ نِكاحًا فاسِدًا، لم
فَاسِدًا، لَمْ يَحْنَثْ، إلا أَنْ يُضِيفَ الْيَمِينَ إلَى شَيْءٍ لَا تُتَصَوَّرُ فِيهِ الصِّحَّةُ، مِثْلَ أنْ يَحْلِفَ لَا يَبِيعُ الْخَمْرَ أو الْحُرَّ، فَيَحْنَثُ بِصُورِةِ الْبَيعِ.
يَحْنَثْ.
هذا الصَّحيحُ مِنَ المذهبِ.
وعليه أكثرُ الأصحابِ.
وجزَم به الخِرَقِيُّ، وفي «الوَجيزِ»، و «شَرْحِ ابنِ مُنَجَّى»، و «مُنْتَخَبِ الأدَمِيِّ»، وغيرُهم.
وقدَّمه في «الهِدايَةِ»، و «المُذْهَبِ»، و «المُسْتَوْعِبِ»، و «الخُلاصَةِ»، و «المُحَرَّرِ»، و «النَّظمِ»، و «الرِّعايتَين»، و «الحاوي الصَّغِيرِ»، و «الفُروعِ»، وغيرِهم.
قال الزَّرْكَشِيُّ: هذا المَشْهورُ والمُخْتارُ مِنَ الأوْجُهِ.
وعنه، يَحْنَثُ في البَيعِ وحدَه.
وقيل: يَحْنَثُ ببَيعٍ ونِكاحٍ مُخْتَلَفٍ فيه.
واخْتارَه ابنُ أبي مُوسى.
..................................
تنبيه: ظاهرُ كلامِ المُصَنِّفِ وغيرِه، أنَّه يَحْنَثُ إذا باعَ بَيعًا صحيحًا بشَرْطِ الخِيارِ.
وهو كذلك، وهو المذهبُ مُطْلَقًا.
وقال القاضي في «الخِلافِ»: لو باعَ بشَرْطِ الخِيارِ، هل يَحْنَثُ؟ يَنْبَنِي على نَقْلِ المِلْكِ وعَدَمِه.
وأنْكَرَ ذلك المَجْدُ عليه.
ذكَرَه في «القاعِدَةِ السَّابِعَةِ والخَمْسِين».
فائدة: لو حلَف لا يَحُجُّ، فحَجَّ حَجًّا فاسِدًا، حَنِثَ.
قاله في «الفُروعِ»، [و «الرِّعايتَين»، و «الحاوي»، وغيرِهم] 1.
..................................
قوله: إلَّا أنْ يُضِيفَ اليَمِينَ إلَى شيءٍ لا يُتَصَوَّرُ فيه الصِّحَّةُ، مثلَ أنْ يَحْلِفَ لا يَبِيع الخَمْرَ أو الحُرَّ، فيَحْنَثُ بصُورَةِ البَيعِ.
هذا المذهبُ.
قال المُصَنِّفُ، والشَّارِحُ، وابنُ مُنَجَّى في «شَرْحِه»: هذا أَوْلَى.
قال في «الفُروعِ»: حَنِثَ في الأصحِّ.
وصحَّحه في «المُحَرَّرِ»، و «النَّظْمِ».
وجزَم به في «الوَجيزِ» وغيرِه.
وقدَّمه في «الرِّعايتَين»، و «الحاوي الصَّغِيرِ».
وقيل: لا يَحْنَثُ مُطْلَقًا.
وهو احْتِمالٌ في «المُغْني»، و «الشَّرْحِ».
وَذَكَر الْقَاضِي فِي مَنْ قَال لامْرأَتهِ: إِنْ سَرَقْتِ مِنِّي شَيئًا وَبِعْتِنِيهِ، فَأَنْتِ طَالِقٌ.
فَفَعَلَتْ، لَمْ تَطْلُقْ.
وَالْأَوَّلُ أَوْلَى.
وذكَر القاضي في مَن قال لامْرَأتِه: إنْ سرَقْتِ مِنِّي شيئًا وبِعْتِنِيهِ، فأنْتِ طالقٌ.
ففَعَلَتْ، لم تَطْلُقْ.
وقال القاضي أَيضًا: لو قال: إنْ طَلقْتُ فُلانَةَ الأجْنَبِيَّةَ، فأَنْتِ طالِقٌ.
فَوُجِدَ، لم تَطْلُقْ.
فائدتان؛ إحْداهما، الشِّراءُ مثْلُ البَيعِ في ذلك.
على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ.
وخالفَ في «عُيونِ المَسائلِ» في، سَرَقْتِ مِنِّي شيئًا وبِعْتِنِيهِ، كما لو حلَف لا يَبِيعُ، فَباعَ بَيعًا فاسِدًا.
الثَّانيةُ، لو حلَف: لا تَسَرَّبْتُ.
فوَطِئَ جارِيَتَه، حَنِثَ.
ذكَرَه أبو الخَطَّابِ، كحَلِفِه لا يَطَأُ.
وقدَّمه في «المُحَرَّرِ»، و «الفُروعِ»، و «الرِّعايتَين»،
..................................
و «الحاوي»، وغيرِهم.
وجزَم به في «المُنَوِّرِ» وغيرِه.
وصحَّحه في «النَّظْمِ» وغيرِه.
وقال القاضي: لا يَحْنَثُ حتَّى يُنْزِلَ؛ فَحْلًا كان أو خَصِيًّا.
ونقَل ابنُ مَنْصُورٍ، إنْ حَلَفَ وليستْ في مِلْكِه، حَنِثَ بالوَطْءِ، وإنْ حَلَفَ وقد
..................................
مَلَكَها، حَنِثَ بالوَطْءِ، بشَرْطِ أنْ لا يَعْزِلَ.
قاله في «الفُروعِ» وغيرِه.
وعنه،
وَإنْ حَلَفَ لَا يَصُومُ، لَمْ يَحْنَثْ حَتَّى يَصُومَ يَوْمًا.
إنْ عَزَلَ، لم يَحْنَثْ.
وعنه، في مَمْلُوكَةٍ وَقْتَ حَلِفِه.
انتهى.
قوله: وإِنْ حلَف لا يَصُومُ، لم يَحْنَثْ حَتَّى يَصُومَ يَوْمًا.
هذا أحدُ الوُجوهِ.
وهو ظاهرُ ما جزَم به في «المُسْتَوْعِبِ»، و «الشَّرْحِ»، و «شَرْحِ ابنِ مُنَجَّى».
وقدَّمه في «الرِّعايتَين».
واخْتارَه المَجْدُ في «مُحَررِه».
وجزَم به في «الهِدايَةِ»، و «الخُلاصَةِ».
وقيل: يَحْنَثُ بالشُّروعِ الصَّحيحِ.
وهو المذهبُ.
اخْتارَه القاضي وغيرُه.
وجنرَم به في «الوَجيزِ» وغيرِه.
وقدَّمه في «النَّظْمِ»، و «الفُروعِ»، وقال: قاله الأصحابُ.
وقيل: يَحْنَثُ بالشُّروعِ
وَإنْ حَلَفَ لَا يُصَلِّي، لَمْ يَحْنَثْ حَتَّى يُصَلِّيَ رَكْعَةً.
الصَّحيحِ إنْ قُلْنا: يَحْنَثُ بفِعْلِ بعضِ المَحْلُوفِ.
فائدتان؛ إحْداهما، لو حلَف لا يصُومُ صَوْمًا، لم يَحْنَثْ حتَّى يصُومَ يَوْمًا.
بلا نِزاعٍ.
الثَّانيةُ، لو حلَف لا يحُجُّ، حَنِثَ بإحْرامِه.
على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ.
وقيل: لا يَحْنَثُ إلَّا بفَراغِه مِن أرْكانِه.
قوله: وإنْ حلَف لا يُصَلِّي، لم يَحْنَثْ حَتَّى يُصَلِّيَ رَكْعَةً.
يعْنِي، بسَجْدَتَيها.
هذا أحدُ الوُجوهِ.
اخْتارَه أبو الخَطَّابِ.
قال ابنُ مُنَجَّى في «شَرْحِه»: هذا أصحُّ.
وقال القاضي: إنْ حلَف لا صَلَّيتُ صلاةً، لم يَحْنَثْ حتَّى يفْرَغَ مما يقَعُ عليه اسْمًا اصلاةِ، وإنْ حَلَف لا يصَلِّي، حَنِثَ بالتَّكْبيرِ.
وهو المذهبُ.
جزَم به في «الوَجيزِ».
وقدَّمه في «المُسْتَوْعِبِ»، و «الرِّعايتَين»، و «الفُروعِ»، و «النَّظْمِ».
وقيل: يَحْنَثُ إنْ قُلْنا: حَنِثَ بفِعْلِ بعضِ المَحْلوفِ.
وهو احْتِمالٌ للمُصَنِّفِ.
وقيل: لا يَحْنَثُ حتَّى تَفْرَغَ الصلاةُ، كقَوْلِه: صلاةً أو (1) صَوْمًا.
وكحَلِفِه ليَفْعَلَنَّه.
اخْتارَه في «المُحَررِ».
وقيل: يَحْنَثُ بصَلاةِ رَكْعَتَين.
وهو رِوايةٌ في «الشَّرْحِ»؛ لأنَّه أقَلُّ ما يقَعُ عليه اسْمُ الصَّلاةِ على
وَقَال الْقَاضِي: إِنْ حَلَفَ: لَا صَلَّيتُ صَلَاةً.
لَمْ يَحْنَثْ حَتَّى يَفْرُغَ مِمَّا يَقَعُ عَلَيهِ اسْمُ الصَّلَاةِ، وَإنْ حَلَفَ لَا يُصَلِّي، حَنِثَ بالتَّكْبِيرِ.
رِوايةٍ.
وقال في «التَّرْغيبِ»: على الأولِ والثَّاني يُخَرَّجُ إذا أفْسَدَه.
فوائد؛ الأولَى، لو كانَ حال حَلِفِه صائمًا أو حاجًّا، ففي حِنْثِه وَجْهان.
وأطْلَقَهما في «الرِّعايةِ».
قال في «الفُروعِ»: وفي حِنْثِه باسْتِدامَةِ الثَّلَاثةِ وَجْهان.
يعْنِي الصَّلاةَ والصَّوْمَ والحَجَّ.
الثَّانيةُ، شمِلَ قولُه: لا يُصَلِّي.
صَلاةَ الجِنازَةِ.
ذكَرَه أبو الخَطَّابِ وغيرُه.
واقْتَصَرَ عليه في «الفُروعِ».
قال المَجْدُ وغيرُه: والطَّوافُ ليس بصَلاةٍ مُطْلَقَةٍ ولا مُضافَةٍ، فلا يقالُ: صَلاةُ الطَّوافِ.
وفي كلامِ الإمامِ أحمدَ، رَحِمَهُ اللهُ، الطَّوافُ صَلاةٌ.
وقال أبو الحُسَينِ وغيرُه، عن قوْلِه عليه أفْضَلُ الصَّلاةِ
وَإنْ حَلَفَ لَا يَهَبُ زَيدًا شَيئًا، وَلَا يُوصِي لَهُ، وَلَا يَتَصَدَّقُ عَلَيهِ، فَفَعَلَ وَلَمْ يَقْبَلْ زَيدٌ، حَنِثَ.
والسَّلامِ: «الطَّوَافُ بالبَيتِ صَلاةٌ» 1. يُوجِبُ أنْ يكونَ الطَّوافُ بمَنْزِلَةِ الصَّلاةِ في جميعِ الأحْكامِ إلَّا فيما اسْتَثْناه؛ وهو النُّطْقُ.
وقال القاضي وغيرُه: الطَّوافُ ليس بصَلاةٍ في الحقِيقَةِ؛ لأنَّه أُبِيحَ فيه الكَلامُ والأَكْلُ، وهو مَبْنِيٌّ على المَشْي، فهو كالسَّعْي.
الثَّالثةُ، قولُه 2: وإِنْ حلَف لا يَهَبُ زَيدًا شَيئًا ولا يُوصِي له ولا يتَصَدَّقُ عليه، ففَعَلَ ولم يقْبَلْ زَيدٌ، حَنِثَ.
بلا نِزاعٍ أعْلَمُه.
لكِنْ قال في «المُوجَزِ»،