موسوعة الرقائق والأدب - ياسر الحمدانيصفحات 5317-5356
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كِتَابُ هُمُومِ المُسْلِمِين:

صفحات 5317-5356
عن هذه الطبعة
عَلَم
ياسر الحمداني
الكتاب
موسوعة الرقائق والأدب
المؤلف
ياسر بن أحمد بن محمود بن أحمد بن أبي الحمد الكويس الحمداني
عدد الأجزاء
1 [الكتاب مرقم آليا]

فَثَقُلَ عَلَيْه؛ فَأَمَرَ إِنْسَانَاً هُنَاكَ فَأَعَانَهُ عَلَى إِنْزَالِه، ثُمَّ جَلَسَ يَأْكُل، فَاسْتَدْعَى ذَلِكَ الإِنْسَانَ لِيَأْكُلَ مَعَه، فَسَأَلَهُ عَن أَمْرِه؛ فَأَخْبرَهُ أَنَّهُ مِن أَهْلِ الكُوفَة، وَأَنَّهُ خَرَجَ لحَاجَةٍ عَرَضَتْ لَهُ، بِغَيرِ زَادٍ وَلاَ نَفَقَة؛ فَقَالَ لَهُ الرَّجُل: أَنَاْ تَاجِرٌ مِنَ المَوْصِل، فَكُنْ رَفِيقِي؛ تَخْدُمُني وَآنَسُ بِكَ في طَرِيقِي، وَنَفَقَتُكَ وَمُؤْنَتُكَ عَلَيّ 00؟

فَقَالَ لَهُ الرَّجُل: وَأَنَا أَيْضَاً أَخْتَارُ صُحْبَتَك، وَأَرْغَبُ في مُرَافَقَتِك؛ فَسَارَ مَعَه في سَفَرِهِ وَخَدَمَهُ أَحْسَنَ خِدْمَة، إِلىَ أَنْ وَصَلاَ إِلىَ تِكْرِيت، فَنزَلَتِ القَافِلَةُ خَارِجَ المَدِينَة، وَدَخَلَ النَّاسُ إِلى قَضَاءِ حَوَائِجِهِمْ، فَقَالَ التَّاجِرُ لِذَلِكَ الرَّجُل: احْفَظْ حَوَائِجَنَا حَتىَّ أَدْخُلَ المَدِينَةَ وَأَشْتَرِيَ مَا نحْتَاجُ إِلَيْه،

ثُمَّ دَخَلَ المَدِينَةَ وَقَضَى جَمِيعَ حَوَائِجِه، ثُمَّ رَجَعَ فَلَمْ يجِدِ القَافِلَةَ وَلاَ الْغُلاَم؛ فَظَنَّ أَنَّ الْغُلاَمَ رَحَلَ مَعَ القَافِلَة؛ فَلَمْ يَزَلْ يَسِيرُ وَيُجِدُّ في السَّيرِ إِلى أَن أَدْرَكَ القَافِلَةَ بَعْدَ جَهْدٍ عَظِيم، فَسَأَلهُمْ عَنْ صَاحِبِهِ فَقَالُواْ: مَا رَأَيْنَاهُ وَلاَ جَاءَ مَعَنَا، وَلَكِنَّهُ رَحَلَ عَلَى أَثَرِكَ حِينَ أَطَلْتَ المَغِيب، فَظَنَنَّا أَنَّكَ أَمَرْتَهُ بِذَلِك، فَكَرَّ الرَّجُلُ رَاجِعَاً إِلى تِكْرِيت، وَسَأَلَ عَنِ الرَّجُلِ فَلَمْ يجِدْ لَهُ أَثَرَاً، وَلاَ سَمِعَ لَهُ خَبرَاً، فَيَئِسَ مِنهُ وَرَجَعَ إِلىَ المَوْصِل ـ بَلَدِهِ الَّذِي خَرَجَ مِنهُ ـ مَسْلُوبَ المَال، وَصَلَهَا نهَارَاً فَقِيرَاً جَائِعَاً حَرَضَاً مِنْ شِدَّةِ الإِعْيَاء، فَاسْتَحَى أَنْ يَدْخُلَهَا نَهَارَاً فَيُشْمِتَ بِهِ

الأَعْدَاء 00 وَلَقَدْ تَمُرُّ عَلَى الفَتى نَكَبَاتُهُ * فَتَهُونُ غَيْرَ شَمَاتَةِ الأَعْدَاءِ ﴿ابْنُ أَبي عُيَيْنَة﴾ فَاسْتَخْفَى إِلىَ اللَّيْلِ ثُمَّ عَادَ إِلىَ دَارِهِ في الدُّجَى؛ لِئَلاَّ يَسُوءَ الصَّدِيقَ أَوْ يَسُرَّ الْعِدَى 00 فَطَرَقَ البَابَ فَقِيلَ مَن هَذَا 00؟

قَالَ فُلاَن ـ يَعْني نَفْسَه ـ فَأَظْهَرُواْ لَهُ سُرُورَاً عَظِيمَاً وَحَاجَةً إِلَيْه، وَقَالُواْ الحَمْدُ للهِ الَّذِي جَاءَ بِكَ في هَذَا الوَقْت؛ فَإِنَّكَ أَخَذْتَ مَالَكَ مَعَكَ وَمَا تَرَكْتَ لَنَا نَفَقَةً كَافِيَة، وَأَطَلْتَ سَفَرَكَ وَاحْتَجْنَا إِلى مَالٍ فَلَمْ نجِدْ، وَقَدْ وَضَعَتِ امْرَأَتُكَ اللَّيْلَة، وَاللهِ مَا وَجَدْنَا مَا نَشْتَرِي بِهِ شَيْئَاً لِلنُّفَسَاء، فَأْتِنَا بِدَقِيقٍ وَدُهْنٍ نُسْرِجُ بِه، فَإِنَّهُ لاَ سِرَاجَ عِنْدَنَا، فَلَمَّا أَنْ سَمِعَ ذَلِكَ ازْدَادَ غَمَّا عَلَى غَمّ، وَكَرِهَ أَنْ يخْبرَهُمْ بحَالِهِ فَيُحْزِنهُمْ بِذَلِك، فَأَخَذَ وِعَاءً لِلدُّهْنِ وَوِعَاءً لِلدَّقِيق، وَخَرَجَ إِلى حَانُوتٍ أَمَامَ دَارِه، وَكَانَ فِيهِ رَجُلٌ يَبِيعُ الدَّقِيقَ وَالزَّيْتَ وَالعَسَل، وَكَانَ التَّاجِرُ قَدْ أَطْفَأَ

سِرَاجَهُ وَأَغْلَقَ حَانُوتَهُ وَنَام، فَنَادَاهُ فَعَرَفَه، فَخَرَجَ إِلَيْهِ وَعَانَقَهُ وَحَمِدَ اللهَ عَلَى سَلاَمَتِه، فَقَالَ لَهُ افْتَحْ حَانُوتَكَ وَأَعْطِنَا مَا نحْتَاجُ إِلَيْهِ مِنْ دَقِيقٍ وَعَسَلٍ وَدُهْن، فَنزَلَ البَائِعُ إِلى حَانُوتِهِ وَأَوْقَدَ المِصْبَاحَ وَوَقَفَ يَكِيلُ لَهُ مَا طَلَبَ، فَبَيْنَمَا هُوَ كَذَلِكَ إِذْ حَانَتْ مِنَ التَّاجِرِ التِفَاتَةٌ في الحَانُوت، فَرَأَى خُرْجَهُ الَّذِي هَرَبَ بِهِ خَادِمُه؛ فَلَمْ يَمْلِكْ نَفْسَهُ أَنْ وَثَبَ إِلَيْهِ وَالتَزَمَهُ وَقَال: ادْفَعْ إِليَّ مَالي يَا عَدُوَّ الله، فَقَالَ لَهُ التَّاجِر: مَا هَذَا يَا فُلاَن 00؟!

قَالَ هَذَا خُرْجِي، هَرَبَ بِهِ خَادِمِي وَأَخَذَ حِمَارِي وَجَمِيعَ مَالي، فَقَالَ التَّاجِر: وَاللهِ مَا لي بِذَلِكَ مِن عِلْم، غَيرَ أَنَّ رَجُلاً قَدِمَ عَلَيَّ بَعْدَ العِشَاء؛ يَشْتَرِي مِنيِّ الْعَشَاء، وَأَعْطَاني هَذَا الخُرْجَ فَجَعَلْتُهُ في حَانُوتي وَدِيعَةً إِلى أَنْ يُصْبِح، وَالحِمَارُ في دَارِي وَالرَّجُلُ في المَسْجِدِ نَائِم، فَحَمَلاَ الخُرْجَ وَمَضَيَا إِلىَ الرَّجُل، فَإِذَا الرَّجُلُ نَائِمٌ في المَسْجِد، فَوَكَزَهُ التَّاجِرُ المَوْصِلِيُّ صَاحِبُ المَالِ بِرِجْلِهِ، فَقَامَ الرَّجُلُ فَزِعَاً، فقال لَهُ التَّاجِرُ المَوْصِلِيّ: أَيْنَ مَالي يَا خَائِن 00؟ قَالَ هَا هُوَ في خُرْجِك، وَاللهِ مَا أَخَذْتُ مِنهُ خَرْدَلَة، قَالَ فَأَيْنَ الحِمَارُ وَآلَتُه 00؟

قَالَ هُوَ عِنْدَ هَذَا الرَّجُلِ الَّذِي مَعَكَ، فَسَأَلَهُ التَّاجِرُ أَيْنَ كُنْت 00؟!

فَقَالَ الرَّجُل: قَدِ انْتَظَرْتُكَ طَوِيلاً فَلَمْ تَجِئْ، حَتىَّ هَمَّتِ القَافِلَةُ بِالمَسِير، فَاسْتَأْذَنْتُهُمْ أَن أَنْطَلِقَ في أَثَرِكَ فَلَمْ أَعْثُرْ عَلَيْك، ثُمَّ نَظَرْتُ فَإِذَا القَافِلَةُ قَدْ سَارَتْ؛ فَعُدْتُ أَدْرَاجِيَ حَتىَّ أُؤَدِّيَ الأَمَانَةَ إِلى أَهْلِ بَيْتِك، فَوَصَلْتُ إِلى المَوْصِلِ في ظُلْمَةِ اللَّيْل، فَقُلْتُ أَنَامُ في المَسْجِدِ إِلى الصُّبْحِ ثُمَّ أَمْضِي لأَهْلِ بَيْتِك 00 فَعَفَا عَنهُ التَّاجِرُ المَوْصِلِيُّ وَخَلَّى سَبِيلَه، ثمَّ مَضَى بخُرْجِهِ إِلى دَارِهِ؛ فَوَجَدَ مَتَاعَهُ سَالِمَاً، فَوَسَّعَ عَلَى أَهْلِهِ وَأَخْبرَهُمْ بِقِصَّتِهِ؛ فَازْدَادُواْ سُرُورَاً وَفَرَحَاً، وَتَبرَّكُواْ بِذَلِكَ المَوْلُود، فَسُبْحَانَ مَنْ لاَ يَخِيبُ قَاصِدًه، وَلاَ يَنْسَى مَنْ يَعْبُدُه 00!!

[الأَبْشِيهِيُّ في كِتَابِ " المُسْتَطْرَفِ في كُلِّ فَنٍّ مُسْتَظْرَف " بِالبَابِ السَّابِعِ وَالخَمْسِين: بَابِ اليُسْرِ بَعْدَ العُسْرِ بِتَصَرُّفٍ يَسِير] سُبْحَانَ مَنْ بَدَّلَ حُسْنَاً بَعْدَ سُوء حَكَى أَبُو بَكْرٍ الطَّرْطُوشِيُّ في كِتَابِهِ " سِرَاجِ المُلُوكِ " عَن أَحَدِ الصَّالحِينَ قَال:

" كُنْتُ أَقْرَأُ عَلَى الشَّيْخِ أَبي حَفْصٍ جُزْءً امِنَ الحَدِيث، في حَانُوتِ رَجُلٍ عَطَّار، فَبَيْنَمَا أَنَا جَالِسٌ مَعَهُ في الحَانُوت؛ إِذْ جَاءَ رَجُلٌ مِنَ الطَّوَّافِين، مِمَّنْ يَبِيعُ العِطْرَ في طَبَقٍ يحْمِلُهُ عَلَى يَدِه، فَدَفَعَ إِلَيْهِ عَشْرَةَ دَرَاهِمَ وَقَالَ لَه: أَعْطِني بهَا أَشْيَاءَ سَمَّاهَا لَهُ مِنَ العِطْر، فَأَعْطَاهُ إِيَّاهَا فَأَخَذَهَا، ثُمَّ هَمَّ العَطَّارُ بِالقِيَامِ لِشَأْنِه؛ فَسَقَطَ الطَّبَقُ مِنْ يَدِهِ فَانْسَكَبَ جَمِيعُ مَا فِيه، فَبَكَى وَجَزِعَ حَتىَّ رَحِمْنَاه؛ فَقَالَ أَبُو حَفْصٍ لِصَاحِبِ الحَانُوت: لَعَلَّكَ تُعِينُهُ عَلَى بَعْضِ هَذِهِ الأَشْيَاء 00؟

فَقَالَ سَمْعَاً وَطَاعَة، فَنزَلَ وَأَعْطَى الرَّجُلَ الطَّوَّافَ مَا قَدَرَ عَلَيْه، وَأَقْبَلَ الشَّيْخُ عَلَيْهِ يُصَبِّرُهُ وَيَقُولُ لَه: لاَ تَجْزَعْ، إِنَّ أَمْرَ الدُّنيَا أَيْسَرُ مِنْ ذَلِك، فَقَالَ الطَّوَّاف: أَيُّهَا الشَّيْخ؛

لَيْسَ جَزَعِي لِضَيَاعِ مَا ضَاع، لَقَدْ عَلِمَ اللهُ جَلَّ جَلاَلُهُ أَنيِّ كُنْتُ في القَافِلَةِ الفُلاَنِيَّة، فَضَاعَ لي هِمْيَانٌ فِيهِ أَرْبَعَةُ آلاَفِ دِينَار، وَمَعَهَا فُصُوصٌ قِيمَتُهَا كَذَلِكَ فَمَا جَزِعْت؛ حَيْثُ كَانَ لَدَيَّ مِنْ رَأْسِ المَالِ مَا يَصْلُحُ بِهِ حَالي، وَأُنْفِقُ مِنهُ عَلَى عِيَالي، وَلَكِنْ وُلِدَ لي هَذِهِ اللَّيْلَةِ وَلَد، فَاحْتَجْنَا لأُمِّهِ مَا يُحْتَاجُ لِلنُّفَسَاء، وَلَمْ يَكُن عِنْدِي بَعْدَ ذَهَابِ تجَارَتي غَيرُ مِاْئَةِ دِرْهَم، فَخَشِيتُ أَن أَشْتَرِيَ بهَا حَاجَةَ النُّفَسَاءِ فَأَبْقَى بِلاَ رَأْسِ مَال، وَأَنَا قَدْ صِرْتُ شَيْخَاً كَبِيرَاً لاَ أَقْدِرُ عَلَى الكَسْب؛

فَقُلْتُ في نَفْسِي: أَشْتَرِي بِهَا شَيْئَاً مِنَ العِطْر، فَأَطُوفُ بِهِ صَدْرَ النَّهَارِ عَسَى أَنْ يُرْبحَني اللهُ شَيْئَاً أَسُدُّ بِهِ حَاجَتي، وَأُنْفِقُ مِنهُ عَلَى زَوْجَتي، وَيَبْقَى رَأْسُ المَالِ كَمَا هُوَ، فَاشْتَرَيْتُ هَذَا العِطْر، فَحِينَ انْسَكَبَ الطَّبَقُ عَلِمْتُ أَنَّه لَمْ يَبْقَ لي إِلاَ الفِرَارُ مِنهُم؛ فَهَذَا هُوَ الَّذِي أَدَّى إِلى جَزَعِي، وَكَانَ رَجُلٌ مِنَ الجُنْدِ جَالِسَاً إِلى جَانِبي يَسْمَعُ الحَدِيث، فَقَالَ لأَبي حَفْص: يَا سَيِّدِي، أُرِيدُ أَنْ تَأْتيَ بهَذَا الرَّجُلِ إِلى مَنزِلي، فَأَتَيْنَاهُ فَأَدْخَلَنَاهُ إِلى مَنزِلِه، ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى الطَّوَّافِ وَقَالَ لَه: عَجِبْتُ مِنْ جَزَعِك 00؟! فَأَعَادَ عَلَيْهِ القِصَّة، فَقَالَ لَهُ الجُنْدِيّ: وَكُنْتَ في تِلْكَ القَافِلَة 00؟

قَالَ نَعَمْ، وَكَانَ مَعِي فِيهَا فُلاَنٌ وَفُلاَن، فَعَلِمَ الجُنْدِيُّ صِحَّةَ قَوْلِهِ فَقَالَ لَهُ: وَمَا عَلاَمَةُ هِمْيَانِك؟ وَفي أَيِّ مَوْضِعٍ سَقَطَ مِنْك 00؟ فَوَصَفَ لَهُ المَكَانَ وَالعَلاَمَة، فَقَالَ لَهُ الجُنْدِيّ: إِذَا رَأَيْتَهُ تَعْرِفُه 00؟

قَالَ نَعَمْ، فَأَخْرَجَ الجُنْدِيُّ لَهُ هِمْيَانَاً وَوَضَعَهُ بَينَ يَدَيْه، فَصَاحَ الشَّيْخُ حِينَ رَآهُ وَقَال: هَذَا هِمْيَاني وَاللهِ، وَعَلاَمَةُ صِحَّةِ قَوْلي؛ أَنَّ فِيهِ مِنَ الفُصُوصِ كَيْتَ وَكَيْت، فَفَتَحُواْ الهِمْيَانَ فَوَجَدُوهُ كَمَا ذَكَر، فَسَجَدَ الرَّجُلُ للهِ شُكْرَاً، ثمَّ قَامَ فَقَبَّلَ رَأْسَ الجُنْدِيِّ وَشَكَرَهُ عَلَى أَمَانَتِه، وَعَرَضَ عَلَيْهِ بَعْضَ المَالِ فَقَال: خُذْ مَالَكَ بَارَكَ اللهُ لَكَ فِيه، فَقَالَ الطَّوَّاف: إِنَّ هَذِهِ الفُصُوصَ قِيمَتُهَا مِثْلُ الدَّنَانِيرِ وَأَكْثَر، فَخُذْهَا عَنْ طِيبِ نَفْسٍ بِذَلِك 00؟

فَقَالَ الجُنْدِيّ: مَا كُنْتُ لآخُذَ عَلَى أَمَانَتي أَجْرَاً، وَلَقَدْ تحَسَّسْتُ الأَخْبَار؛ رَجَاءَ أَن أَسْمَعَ مَنْ يُنْشُدُهَا فَلَمْ أَجِدْ، فَتَرَكْتُهَا كَمَا هِيَ حَتىَّ يَأْتيَ صَاحِبُهَا، وَهَا أَنْتَ ذَا قَدْ أَتَيْت، وَأَبى أَنْ يَأْخُذَ شَيْئَا، فَأَخَذَ الطَّوَّافُ هِمْيَانَهُ وَمَضَى، وَهُوَ في غَايَةِ السُّرُورِ وَالرِّضَى، فَسُبْحَانَ الله 00 دَخَلَ الطَّوَّافُ وَهُوَ مِنَ الفُقَرَاءِ المَسَاكِين، وَخَرَجَ وَهُوَ مِنَ الأَغْنِيَاءِ المَتْرَفِين "0 [الأَبْشِيهِيُّ في كِتَابِ " المُسْتَطْرَف " بِشَيْءٍ مِنَ التَّصَرُّف، البَابُ السَّابِعُ وَالخَمْسُون: بَابِ اليُسْرِ بَعْدَ العُسْرِ] مُصِيبَةُ العَزْل

مِن أَطْرَفِ مَا قِيلَ في الْعَزْلِ قَوْلُهُمْ في رَجُلٍ صَالحٍ كَانَ بَارَّاً بِالنَّاسِ قَاضِيَاً لحَوَائِجِهِمْ، فَعَزَلُوهُ وَجَاءُ واْ كَالعَادَةِ بِرَجُلِ سَوْء، فَنَدِمَ عَلَيْهِ أَحَدُ الأُدَبَاءِ الَّذِينَ كَانَ يحْسِنُ إِلَيْهِمْ فَقَال: رَاحَ الَّذِي كُنَّا نَعِيشُ بِفَضْلِهِ بَيْنَ الوَرَىرَ وَأَتَى الَّذِينَ حَيَاتُهُمْ وَوُجُودُهُمْ مِثْلُ الخَرَا مُصِيبَةُ رَفْضِ الشَّابِّ عِنْدَ التَّقَدُّمِ لخِطْبَةِ فَتَاة الحُبُّ أَعْظَمُ مَا يُبْلَى بِهِ الرَّجُلُ * وَالشِّعْرُ عَوْنٌ لِمَنْ ضَاقَتْ بِهِ الحِيَلُ ﴿الشَّرِيفُ الرَّضِيُّ بِتَصَرُّف﴾

عَن عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ قَال: " تُوُفِّيَ عُثْمَانُ بْنُ مَظْعُونٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ وَتَرَكَ ابْنَةً لَهُ مِن خُوَيْلَةَ بِنْتِ حَكِيمِ بْنِ أُمَيَّةَ بْنِ حَارِثَةَ بْنِ الأَوْقَصِ رَضِيَ اللهُ عَنهَا، وَأَوْصَى إِلى أَخِيهِ قُدَامَةَ بْنِ مَظْعُونٍ رَضِيَ اللهُ عَنه، وَهُمَا خَالاَي، فَمَضَيْتُ إِلى قُدَامَةَ بْنِ مَظْعُونٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ أَخْطُبُ ابْنَةَ عُثْمَانَ بْنِ مَظْعُونٍ رَضِيَ اللهُ عَنه؛ فَزَوَّجَنِيهَا، وَدَخَلَ المُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَة ـ يَعْني إِلى أُمِّهَا ـ فَأَرْغَبَهَا في المَالِ فَحَطَّتْ إِلَيْه، وَحَطَّتِ الجَارِيَةُ إِلى هَوَى أُمِّهَا؛ فَأَبَيَا ـ أَيْ رَفَضَا خِطْبَتي ـ حَتىَّ ارْتَفَعَ أَمْرُهُمَا إِلى رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم؛ فَقَالَ قُدَامَةُ بْنُ مَظْعُون: يَا رَسُولَ الله؛ ابْنَةُ أَخِي أَوْصَى بِهَا إِلَيّ، فَزَوَّجْتُهَا ابْنَ عَمَّتِهَا عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنه، فَلَمْ أُقَصِّرْ بِهَا في الصَّلاَحِ وَلاَ في الكَفَاءة، وَلَكِنَّهَا امْرَأَة ـ أَيْ نَاقِصَةُ عَقْل ـ وَإِنَّمَا حَطَّتْ إِلى هَوَى أُمِّهَا؛ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم: " هِيَ يَتِيمَةٌ وَلاَ تُنْكَحُ إِلاَّ بِإِذْنِهَا " 0 فَانْتُزِعَتْ وَاللهِ مِنيِّ بَعْدَ أَنْ مَلَكْتُهَا، فَزَوَّجُوهَا المُغِيرَةَ بْنَ شُعْبَة " 0 [صَحَّحَهُ أَحْمَد شَاكِر في المُسْنَدِ بِرَقْم: 6136، رَوَاهُ الإِمَامُ أَحْمَد، وَالحَاكِمُ بِاخْتِصَارٍ وَقَالَ فِيهِ الذَّهَبيّ: صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَين]

لَقَدْ سَعَيْتُ أَكْثَرَ مِنْ مَرَّةٍ لِلزَّوَاجِ مِنْ فَتَاةٍ أَحْبَبْتُهَا حُبَّاً جَمَّاً وَتَمَنَّيْتُهَا لِنَفْسِي؛ فَلَمْ يُقَدَّرْ لي ذَلِك، وَحِيلَ بَيْني وَبَينَ مَا أَتَمَنَّاه؛ وَالحَمْدُ للهِ الَّذِي لاَ يُحْمَدُ عَلَى مَكْرُوهٍ سِوَاه 00!! وَلأَنَّ مَنْ رَأَى بَلْوَى غَيرِهِ هَانَتْ عَلَيْهِ بَلْوَاه؛ قَرَّرْتُ أَخِيرَاً بَعْدَمَا تَرَدَّدْتُ كَثِيرَاً أَن أَذْكُرَ قِصَّتي؛ عَلَّهَا تُهَوِّنُ عَلَى مَنِ اسْتَبَدَّتْ بِهِ الأَحْزَان، وَأَفْضَى بِهِ الأَمْرُ إِلى الحِرْمَان؛ فَيَجِدَ فِيهَا السُّلْوَان: ـ أَمَّا البِنْتُ الأُولى: فَكَانَتْ مِنْ قَرْيَةٍ يُقَالُ لَهَا السِّعْدَة، بِمَرْكَزِ فَاقُّوسٍ بمُحَافَظَةِ الشَّرْقِيَّة: تِلْكَ الفَتَاةُ تَرَبَّعَتْ عَلَى عَرْشِ قَلْبي، وَكُلَّمَا قُلْتُ أَنْسَاهَا تجَدَّدَتْ ذِكْرَاهَا 00!!

لاَ أَقُولُ أَنهَا كَانَتْ فَاتِنَة، إِلاَّ أَنِّي عَلَى الرَّغْمِ مِنْ ذَلِكَ مَا أَحْبَبْتُ فَتَاةً مِثْلَهَا، لَمْ تُعْجِبْني أَوَّلَ مَا رَأَيْتُهَا، وَلَكِنْ بَدَأَ التَّحَوُّلُ حِينَمَا ذَهَبْتُ لِرُؤْيَتِهَا وَسَمِعْتُ كَلاَمَهَا، أَدَبٌ جَمّ، وَاتِّزَانٌ تَامّ، وَهُدُوءٌ لاَ نَظِيرَ لَهُ، فَهِمْتُ بِهَا وَأَحْبَبْتُهَا حُبَّاً شَدِيدَاً؛ وَلِذَا عِنْدَمَا بَلَغَني تَرَدُّدُ أَهْلِهَا بَعْدَ مُوَافَقَتِهَا حَزِنْتُ حُزْنَاً شَدِيدَاً، وَعِنْدَمَا قَالَ ليَ الصَّدِيقُ الوَسِيطُ لَدَيَّ أَجْمَلُ مِنهَا؛ قُلْتُ لَهُ: قَدْ يُوجَدُ أَجْمَلُ مِنهَا، أَمَّا أَكْثَرُ مِنهَا اتِّزَانَاً وَرَزَانَةً فَلاَ أَظُنّ، ثُمَّ انْتَهَى الأَمْرُ إِلى عَدَمِ مُوَافَقَتِهَا؛ فَقُلْتُ:

﴿عَسَى رَبُّنَا أَنْ يُبْدِلَنَا خَيْرَاً مِنْهَا إِنَّا إِلى رَبِّنَا رَاغِبُونَ﴾ ﴿القَلَم: 32﴾ اللهُمَّ أْجُرْني خَيرَاً في مُصِيبَتي فِيهَا وَاخْلُفْ لي خَيرَاً مِنهَا 00!! يَبْدُو أَنَّ الْوَقَارَ وَالاَتِّزَانَ لَيْسَا كُلَّ شَيْءٍ في الفَتَاة، وَأَنَّ رَزَانَةَ القَوْل؛ لاَ تَعْني حِكْمَةَ العَقْل، وَأَنَّ الأَهْلَ وَالأَصْل؛ يَلْعَبَانِ دَوْرَاً كَبِيرَاً في اخْتِيَارِ الفَتَاة 00 ـ أَمَّا البِنْتُ الثَّانِيَة: فَكَانَتْ مِنْ " مُطُول " بمَرْكَزِ إِطْسَا محَافَظَةِ الفَيُّوم، أَحْبَبْتُهَا حُبَّاً جَمَّاً، وَلَمَّا عَلِمَتْ هِيَ أَنيِّ تَقَدَّمْتُ إِلى وَالِدِهَا وَرَفَض؛ سَاءهَا ذَلِكَ وَقَالَتْ: لِمَ رَدَّهُ أَبي 00؟!

وَحَاوَلْتُ مَرَّةً أُخْرَى دُونَ جَدْوَى، وَكَانَ السَّبَب: لَمْ تُعْجِبْهُ غُرْفَةُ النَّوْم؛ حَيْثُ اشْتَرَتْ لي وَالِدَتي غُرْفَةً مُسْتَعْمَلَةً فَأَصْلَحْتُهَا وَطَلَيْتُهَا طِلاَءً حَسَنَاً، وَلَمْ يَكُنْ بِاسْتِطَاعَتي شِرَاءُ غُرْفَةٍ جَدِيدَة؛ فَضَاعَتْ مِنيِّ وَتَزَوَّجَهَا غَيرِي 00!!

لَمْ يُخْطِئْ وَاللهِ سَمِيرٌ الْقَاضِي / الشَّاعِرُ المَشْهُور؛ عِنْدَمَا قَالَ مُنَدِّدَاً بِغَلاَءِ المُهُور: أُحِبُّ أَنَا لَيْلَى وَلَيْلَى تحِبُّني * وَلَكِن أَبُو لَيْلَى عَنِيدٌ وَمُفْتَرِ فَيَطْلُبُ مَهْرَاً لاَ سَبِيلَ لِدَفْعِهِ * وَيَقْصِمُ ظَهْرِي عِنْدَ ذِكْرِ المُؤَخَّرِ أَيَرْفُضُني عَمِّي لأَنِّي مُوَظَّفٌ * وَأُنْفِقُ أَمْوَالي عَلَى حُسْنِ مَظْهَرِي وَعَمِّيَ جَزَّارٌ وَيَمْلِكُ مَطْعَمَاً * وَيَأْكُلُ بُفْتِيكَاً وَيَأْكُلُ جَمْبرِيِ

يَقِيسُ نجَاحَ المَرْءِ بِالمَالِ وَحْدَهُ * وَلَوْ جَمَعَ الأَمْوَالَ مِن أَيِّ مَصْدَرِ أَيَهْزَأُ بي عَمِّي وَيَكْرَهُ سِيرَتي * وَيَبْحَثُ عَنْ زَوْجٍ ثَرِيٍّ وَفَنْجَرِي وَقَدْ قَالَ إِنيِّ لَسْتُ أَمْلِكُ مَنْزِلاً * وَأَسْكُنُ في بَيْتٍ قَدِيمٍ مُؤَجَّرِ وَلاَ أَحْمِلُ المحْمُولَ كَالنَّاسِ في يَدِي * وَلاَ مَالَ عِنْدِي كَيْ أَبِيعَ وَأَشْتَرِيرِ وَيَزْعُمُ عَمِّي أَنَّني صِرْتُ صَائِعَاً * وَيَغْضَبُ جِدَّاً عِنْدَ رُؤْيَةِ مَنْظَرِيرِ تجَاهَلَ أَخْلاَقِي وَعِلْمِي وَحِكْمَتي * وَقَالَ بِأَنيِّ فَاشِلٌ غَيرُ عَبْقَرِيرِ وَمَا كَانَ مِنهُمْ بَعْدَ طُولِ تَرَدُّدِي * سِوَى أَنَّ لَيْلَى زَوَّجُوهَا لِسَمْكَرِيرِ ـ وَالثَّالِثَةُ كَانَتْ مِنْ بَني سوِيف، ظَلَّ أَبُوهَا يُعْطِيني الأَمَلَ حَتىَّ قَضَى حَاجَتَهُ وَلَمْ يَقْضِ حَاجَتي 0

ـ وَالرَّابِعَةُ رَأَيْتُهَا فَأَعْجَبَتْني وَأَعْجَبَني هُدُوؤُهَا، فَسَأَلْتُ عَنهَا قَدْرَ مَا أَمْكَنَني فَأَرْضَاني مَا سَمِعْت، وَالِدُهَا إِنْسَانٌ مُتَدَيِّن، إِلاَّ أَنَّهُ رَفَضَ سَامحَهُ اللهُ بِدُونِ أَنْ يُبْدِيَ أَسْبَابَ الرَّفْض 0

ـ أَمَّا الخَامِسَةُ فَكَانَتْ تمُرُّ عَلَيَّ كُلَّ يَوْمٍ في مَكَانِ عَمَلِي لِقُرْبِهِ مِنْ مَكَانِ عَمَلِهَا، رَأَيْتُهَا فَأَعْجَبَني جَمَالُهَا وَسَيْرُهَا، ثُمَّ اخْتَفَتْ بَعْدَ ذَلِكَ فَلَمْ أَدْرِ أَيْنَ ذَهَبَتْ، حَتىَّ كَانَ ذَاتَ يَوْمٍ فَرَأَيْتُهَا وَعَرَفْتُ مَكَانَ عَمَلِهَا، وَأَرَدْتُ التَّقَدُّمَ إِلَيْهَا، إِلاَّ أَنيِّ لَمْ أَجِدْ مَنْ يُمَهِّدُ لي، لاَ سِيَّمَا أَنَّهَا كَانَتْ تَعْمَلُ في مَكَانٍ حَسَّاس، لَيْتَني وَجَدْتُ عَلَى الخَيرِ أَعْوَانَاً كَمَا يجِدُ غَيرِي عَلَى الشَّرِّ أَعْوَانَا 00!!

ـ أَمَّا السَّادِسَةُ فَكَانَتْ مِن عِزْبَة رَحِيل، بمَرْكَز أَبشِوَايَ بمحَافَظَةِ الفَيُّوم: وَوَافَقَتْ عَلَى الزَّوَاجِ وَوَافَقَ أَهْلُهَا، إِلاَّ أَنَّ أُمَّهَا سَامحَهَا اللهُ رَفَضَتْ ذَهَابهَا إِلى القَاهِرَة؛ فَانْتَهَتْ فِكْرَةُ الزَّوَاجِ إِلى لاَ شَيْء!! ـ أَمَّا السَّابِعَةُ فَكَانَتْ تِلْمِيذَةً مَعِي في مَدْرَسَة " نَبِيلِ الوَقَّادِ الاِبْتِدَائِيَّة " 0

كَانَ يجْمَعُنَا كُلَّ يَوْمٍ طَرِيقٌ وَاحِد، كَمَا جَمَعَتْنَا مَدْرَسَةٌ وَاحِدَة، كَانَتْ تَأْلَفُني لِدَرَجَةِ أَنهَا كَانَتْ تَكْتُبُ بِالطَّبَاشِيرِ اسْمِي عَلَى جُدْرَانِ الطَّرِيق، وَكُنْتُ أُحِبُّهَا لِدَرَجَةِ أَنِّي لَمْ أَنْسَ وَقَدْ مَرَّ عَلَى افْتِرَاقِنَا أَكْثَرُ مِن أَرْبَعَ عَشْرَةَ سَنَة؛ رَائِحَةَ المَنَادِيلِ الَّتي كَانَتْ تحِبُّهَا، رَأَيْتُهَا مُنْذُ عَامَينِ وَقَدْ كَبرَتْ، إِلاَّ أَنَّهَا كَانَتْ بِرُفْقَةِ صَدِيقَاتِهَا فَاسْتَحْيَيْتُ أَن أُحَدِّثَهَا، وَعَلَى الرَّغْمِ مِن عَدَمِ تَأَكُّدِي مِنهَا؛ إِلاَّ أَنيِّ ظَلَلْتُ أَتَرَدَّدُ عَلَى ذَلِكَ المَكَانِ أَكْثرَ مِن عِشْرِينَ مَرَّة؛ طَمَعَاً في رُؤْيَتِهَا فَلَمْ أَرَهَا 0 ـ أَمَّا الثَّامِنَةُ وَالأَخِيرَة: فَقَدْ كَانَتْ مِنْ مَرْكَز أَشْمُون بِمُحَافَظَةِ المُنُوفِيَّة:

كَانَ ظُهُورُهَا في حَيَاتي بمَحْضِ الصُّدْفَة، حَيْثُ كُنْتُ هُنَاكَ بِصَدَدِ البَحْثِ عَن عَرُوسٍ فَلَمْ أُوَفَّقْ، وَبَيْنَمَا أَنَا بِسَبِيلِ التَّأَهُّبِ لِلرَّحِيلِ إِذْ بَصُرْتُ بهَا فَوَقَعَتْ في قَلْبي؛ فَسَأَلْتُ عَنهَا 00؟ فَقِيلَ لي إِنَّهَا مخْطُوبَة، فَعُدْتُ إِلى أَهْلِي بِالقَاهِرَةِ وَحَاوَلْتُ أَن أَتَنَاسَاهَا وَلَكِنْ دُونَ فَائِدَة، وَكُنْتُ أَسْأَلُ بَينَ الحِينِ وَالحِينِ عَن أَخْبَارِهَا 00 لَعَلَّ يَدَ الأَيَّامِ تجْمَعُ بَيْنَنَا * وَتَرْحَمُ أَكْبَادَاً تَكَادُ تَذُوبُ ﴿محَمَّدٌ الأَسْمَر﴾ حَتىَّ بَدَأْتُ الاَنْشِغَالَ بِطَبْعِ أُولَيَاتِ مُؤَلَّفَاتي، وَمَرَّ بي مِنَ الشُّهُورِ مَا مَرّ، ثمَّ سَأَلْتُ عَنهَا 00؟

فَقِيلَ لي: لَقَدْ فُسِخَتْ خِطْبَتُهَا مُنْذُ أَسَابِيع، فَأَخَذْتُ وَالِدَتي وَسَافَرْنَا في أَوَّلِ قِطَار، وَمَا أَن هَبَطَتْ أَقْدَامُنَا أَرْضَ القَرْيَةِ حَتىَّ سَأَلْنَا عَن أَخْبَارِهَا 00؟ فَقِيلَ لَنَا: لَقَدْ خُطِبَتْ يَوْمَ الخَمِيسِ المَاضِي 00!! فَعُدْتُ في حَالٍ يُرْثَى لهَا، وَكَمَا أَنَّ أَحْلَى الرَّجَاءِ الرَّجَاءُ بَعْدَ اليَأْس؛ فَأَمَرُّ اليَأْسِ اليَأْسُ بَعْدَ الرَّجَاء!! ثمَّ عَلِمْنَا بَعْدَ ذَلِكَ بِانْفِسَاخِ تِلْكَ الخِطْبَةِ الأَخِيرَة ـ حَيْثُ كَانَتْ هَدَاهَا اللهُ لاَ يُعْجِبُهَا أَحَد ـ فَطَلَبْتُهَا مِنْ وَالِدِهَا؛ فَطَلَبَ إِمْهَالَهُ فَتْرَة؛ ثُمَّ كَانَ الرَّفْضُ الَّذِي يُقَطِّعُ الْفُؤَاد، وَيُمَزِّقُ الأَكْبَاد 00

وَالشَّاعِرُ وَحْدَهُ دُونَاً عَنِ النَّاسِ كَافَّة؛ إِذَا أَحَبَّ أَحَبَّ حُبَّاً كَبِيرَا، وَإِذَا حَزِنَ حَزِنَ حُزْنَاً مَرِيرَا، سُبْحَانَ الله؛ الَّتي تُقَدِّرُكَ لاَ تُعْجِبُك، وَالَّتي تُعْجِبُكَ لاَ تُقَدِّرُك 00!! أَنَاْ لَمْ أَنْسَ يَوْمَاً أَنيِّ تَقَدَّمْتُ لِفَتَاةٍ في مِصْر: مُطَلَّقَة، وَعَرْجَاء، وَلاَ تَقْرَأْ وَلاَ تَكْتُب، وَسُبْحَانَ الله؛ رَفَضُواْ، رَغْمَ أَنيِّ كُنْتُ مُؤَلِّفَاً آنَذَاكَ وَلي أَعْمَالٌ مَطْبُوعَةٌ وَعِنْدِي شَقَّة، وَلَكِن هَكَذَا الدُّنيَا: إِذَا أَقْبَلَتْ بَاضَ الحَمَامُ عَلَى الوَتَدْ * وَإِن أَدْبَرَتْ بَصَقَ الحِمَارُ عَلَى الأَسَدْ

لَقَدْ عَرَكَنَا الزَّمَان، وَجَرَّعَنَا الحِرْمَان؛ حَتىَّ رَوَّضْنَا أَنْفُسَنَا عَلَى الأَحْزَان 00

كَمْ إِنَّهُ لمَرِيرٌ جِدَّاً أَنْ تخْتَارَ فَتَاةً؛ ثمَّ تَكْتَشِفُ أَنَّكَ قَدْ أَسَأْتَ اخْتِيَارَك، وَالأَمَرُّ مِنهُ أَنْ لاَ تجِدَ الفَتَاةَ البَدِيلَةَ الَّتي تَرُدُّ بِهَا اعْتِبَارَك 00!! إِنَّهُ لَشُعُورٌ قَاتِلٌ أَنْ تَشْعُرَ أَنَّكَ إِنْسَانٌ غَيرُ مَرْغُوبٍ فِيه 00!! كَأَنَّكَ مَطْلِيٌّ بِهِ القَارُ أَجْرَبُ ﴿النَّابِغَةُ الذُّبْيَانِيّ﴾ لَمْ أَكُنِ الشَّابَّ الَّذِي إِنْ سَارَ اهْتَزَّتْ لَهُ الأَرْكَان، وَأُشِيرَ إِلَيْهِ بِالبَنَان، وَالبَنَاتُ يُعْجِبُهُنَّ هَذَا النَّوْعُ مِنَ الشُّبَّان، فَفَتَاةُ هَذَا الجِيل: لَمْ تَعُدْ تَبْحَثُ عَنِ الشَّابِّ الأَصِيل، أَوِ الْعَالِمِ الجَلِيل، وَإِنَّمَا لَهَا مَآرِبُ أُخْرَى مِنْ دُونِ ذَلِك 00

وَنَعُودُ فَنَقُول: الحَمْدُ للهِ الَّذِي جَعَلَ مُصِيبَتَنَا في دُنيَانَا وَلَمْ يجْعَلْهَا في دِينِنَا؛ فَغَيرُنَا أَعْطَاهُ اللهُ مَا حَرَمَنَا، وَلَكِن حَرَمَهُ مِمَّا أَعْطَانَا: حَرَمَهُ مِنَ الخَير، حَرَمَهُ مِنَ الدِّين، حَرَمَهُ مِن أَعْمَالِ البرّ 00 لاَ يُصَلِّي، وَإِنْ صَلَّى لاَ يُزَكِّي، وَإِنْ زَكَّى فِرِئَاءَ النَّاس، فَالحَمْدُ للهِ عَلَى مَا وَهَب، وَلاَ اعْتِرَاضَ عَلَى مَا سَلَب 00!! وَسُبْحَانَ الله؛ لَوْلاَ هَذِهِ الأَحْزَانُ الْعَمِيقَة؛ مَا كُنْتُ كَتَبْتُ هَذِهِ المَقَالَةَ الرَّقِيقَة: الحُلْمُ الجَمِيل

إِنَّهُ بِحَقٍّ حُلْمٌ جَمِيل، وَلَكِنْ لاَ يَعِيبُهُ إِلاَّ أَنَّهُ مُسْتَحِيل: إِنَّهُ البَحْثُ عَنْ شَرِيكَةِ الحَيَاة، لَقَدْ أَصْبَحَ أَمْرَاً صَعْبَاً في هَذَا الزَّمَان 00 نَشْرُ مُؤَلَّفَاتي، وَالبَحْثُ عَنْ شَرِيكَةِ حَيَاتي: لَقِيتُ الأَمَرَّيْنِ في هَذَيْنِ الأَمْرَيْن 00 قَدْ يَقُولُ قَائِل: لاَ تَبْتَئِسْ وَلاَ تحْزَن، إِنَّهَا فَقَطْ مَسْأَلَة وَقْت، أَنْتَ مُؤَلِّفٌ وَأَدِيبٌ كَبِير، وَحَصُلْتَ عَلَى الكَثِيرِ وَالكَثِير؛ مِنَ الإِعْجَابِ وَالتَّقْدِير، وَنُشِرَتْ لَكَ في الصُّحُفِ مَقَالاَت، وَطُبِعَتْ لَكَ عِدَّةُ مُؤَلَّفَات، وَأَصْبَحَ لَكَ مُعْجَبُونَ وَمُعْجَبَات، وَسَتَجِدُ بَدَلَ الفَتَاةِ عَشْرَ فَتَيَات!!

لَيْسَ الأَمْرُ كَمَا تَظُنُّ يَا صَاحِبي؛ فَالمُعْجَبَاتُ قَلِيلاَت، وَيَكُنَّ إِمَّا مخْطُوبَات، أَوْ مُتَزَوِّجَات، أَوْ لاَ تَنْطَبِقُ عَلَيْهِنَّ المُوَاصَفَات، إِنَّ فَتَاةَ هَذَا الجِيل؛ قَدْ تَغَيرَتْ كَثِيرَاً عَنْ فَتَاةِ الزَّمَنِ الجَمِيل؛ الَّتي كَانَ فَتى أَحْلاَمِهَا زَعِيمَاً مُنَاضِلاً، أَوْ أَدِيبَاً فَاضِلاً، أَمَّا فَتَاةُ هَذِهِ الأَيَّام؛ فَكُلُّ مَا يَهُمُّهَا المُوضَةُ وَمُشَاهَدَةُ الأَفْلاَم؛ وَفَتى أَحْلاَمِهَا شَابٌّ عَلَى شَاكِلَة [فُلاَن] لاَعِبِ الكُرَةِ الشَّهِير، أَوْ [فُلاَن] المُغَنيِّ أَوِ المُمَثِّلِ الْكَبِير 00!! سَارَتْ مُغَرِّبةً وَسِرْتُ مُشَرِّقَاً * شَتَّانَ بَينَ مُشَرِّقٍ وَمُغَرِّبِ

دَعْني غَارِقَاً في أَحْلاَمِي يَا فَتى؛ فَالأَحْلاَمُ وَإِنْ كَانَتْ ضَرْبَاً مِنَ الخَيَال: إِلاَّ أَنهَا أَفْضَلُ مِنَ الوَاقِعِ عَلَى كُلِّ حَال 00 فَدَعْني وَحْدِي: أَحْيى عَلَى أَمَلِي وَكَمْ مِنْ شَاعِرٍ * يحْيى كَمَا أَحْيى عَلَى الأَوْهَامِ وَإِذَا الحَقِيقَةُ أَعْجَزَتْكَ فَرُبَّمَا * أَدْرَكْتَ مَا أَعْيَاكَ بِالأَحْلاَمِ ﴿محَمَّدٌ الأَسْمَر أَوْ محْمُود غُنيم﴾ وَلاَ عَيْبَ في الأَحْلاَمْ * إِلاَّ أَنَّهَا أَحْلاَمْ فَالحُبُّ الحَقِيقِي لاَ * يُوجَدُ إِلاَّ في الأَفلاَمْ ﴿يَاسِرٌ الحَمَدَاني﴾

إِنَّ الخَطَأَ الَّذِي تَقَعُ فِيهِ أَكْثَرُ الفَتَيَاتِ عِنْدَ الزَّوَاج؛ أَنهُنَّ يَبْحَثْنَ عَنِ السَّعَادَةِ في الزَّوْجِ الغَنيّ، أَوْ صَاحِبِ المَنْصِبِ أَوِ المَشْهُور، وَيَنْسَونَ أَنَّ اللهَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالى قَسَّمَ المَوَاهِبَ كَمَا قَسَّمَ الأَرْزَاق؛ فَالقَلْبُ الطَّيِّبُ نِعْمَة، حُرِمَ مِنهَا كَثِيرٌ مِن أَصْحَابِ النُّقُودِ وَالنُّفُوذ، وَالمُرُوءَ ةُ نِعْمَة، حُرِمَ مِنهَا كَثِيرٌ مِن أَصْحَابِ النُّقُودِ وَالنُّفُوذ، وَالدِّينُ أَكْبَرُ النِّعَم: حُرِمَ مِنهُ كَثِيرٌ مِن أَصْحَابِ النُّقُودِ وَالنُّفُوذ!! لَقَدْ أَصْبَحَتِ المَادَّةُ هِيَ كُلَّ شَيْءٍ في الحَيَاة، لَعِبَتْ بِالرُّءوس؛ فَغَيرَتِ النُّفُوس 00!! كَلِمَةٌ لِلشَّيْخ كِشْك عَنْ سَيْطَرَةِ المَال

يَرْحَمُ اللهُ فَضِيلَةَ الشَّيْخ عَبْد الحَمِيد كِشْك؛ حَيْثُ كَانَ يَقُول: " لَقَدْ لَعَنَ آخِرُ هَذِهِ الأُمَّةِ أَوَّلهَا 00 إِنَّني أَقُولهَا بِبَالِغِ الأَسَى: لَقَدْ أَصْبَحَتِ الحَيَاةُ هِيَ المَادَّةَ وَالمَادَّةُ هِيَ الحَيَاة، وَأَصْبَحَ النَّاسُ إِذَا رَ أَوُاْ الجُنَيْهَ يَقُولُونَ لَهُ: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِين﴾ [فَضِيلَةُ الشَّيْخ / عَبْدِ الحَمِيد كِشْك في " الخُطَبُ المِنْبَرِيَّةُ " ص: 111/ 5]

تجِدُ الأُمَّ مِن هَؤُلاَءِ إِذَا مَا تَقَدَّمَ لاَبْنَتِهَا شَابّ؛ تَسْأَلُ أَوَّلَ مَا تَسْأَل: مَيْسُورُ الحَالِ هُوَ أَمْ مَسْتُورُ الحَال 00؟! فَإِنْ كَانَ مَسْتُورَ الحَالِ تُسَرُّحُهُ سَرَاحَاً جمِيلاَ، وَرُبمَا تُعْطِيهَا لِرَجُلٍ في سِنِّ أَبِيهَا كَثِيرِ العِيَال؛ لمجَرَّدِ أَنَّهُ رَجُل أَعْمَال، صَاحِبُ نُفُوذٍ أَوْ مَال، وَرُبمَا أَيْضَاً يَكُونُ مُتَزَوِّجَاً عَلَيْهَا، فَتَقُولُ لاَ ضَيْرَ فَالشَّرْعُ حَلَّلَ لَهُ أَرْبَعَاً، إِنَّهُ يَلْعَبُ بِالمَلاَيِين 00 وَإِنَّ إِلى رَبِّكَ الرُّجْعَى 00!! المَالُ حَلَّلَ كُلَّ غَيْرِ محَلَّلٍ * حَتىَّ زَوَاجَ الشِّيْبِ بِالأَبْكَارِ سَحَرَ القُلُوبَ فرُبَّ أُمٍّ قَلْبُهَا * مِنْ سِحْرِهِ حَجَرٌ مِنَ الأَحْجَارِ دَفَعَتْ بُنَيَّتَهَا لأَشْأَمِ مَضْجَعٍ * وَرَمَتْ بِهَا في وَحْشَةٍ وضِرارِ

وَتَعَلَّلَتْ بِالشَّرْعِ جَاهِلَةً بِهِ * مَا كَانَ شَرْعُ اللهِ بالجَزَّارِ ﴿أَمِيرُ الشُّعَرَاء / أَحْمَد شَوْقِي﴾ قِصَّةٌ أَغْرَبُ مِنَ الخَيَال

فصول الكتاب · 6 فصل · 8447 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول موسوعة الرقائق والأدب - ياسر الحمداني · 8447 صفحة
ـ[موسوعة الرقائق والأدب]ـ
كِتَابُ الرِّضَا بِالقَلِيل:
كِتَابُ فَقْدِ الأَحِبَّة:
كِتَابُ هُمُومِ المُسْلِمِين:
كِتَابُ هُمُومِ العُلَمَاء
كِتَابُ قَصَائِدِ الأَطْفَال
جارٍ التحميل