كِتَابُ قَصَائِدِ الأَطْفَال
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ياسر الحمداني
- الكتاب
- موسوعة الرقائق والأدب
- المؤلف
- ياسر بن أحمد بن محمود بن أحمد بن أبي الحمد الكويس الحمداني
- عدد الأجزاء
- 1 [الكتاب مرقم آليا]
وَمِنْ دُورِ الحَدِيثِ الَّتي تَوَلاَّهَا الإِمَامُ الذَّهَبيُّ دَارُ الحَدِيثِ الفَاضِلِيَّة، الَّتي أَسَّسَهَا القَاضِي الفَاضِلُ وَزِيرُ صَلاَحِ الدِّينِ المُتَوَفىَّ سَنَة 596 هـ 0 ـ مُؤَلَّفَاتُ الإِمَامِ الذَّهَبيِّ وَمخْتَصَرَاتُهُ الفَرِيدَة: بَدَأَ الإِمَامُ الذَّهَبيُّ كَتَابَاتِهِ التَّارِيخِيَّةَ بِاخْتِصَارِ أُمَّهَاتِ الكُتُبِ فِيه: كَتَارِيخِ بَغْدَادَ لِلْخَطِيبِ البُغْدَادِي المُتَوَفىَّ سَنَةَ 463 هـ، وَاخْتِصَارَاتِهِ لِلذُّيُولِ الَّتي وُضِعَتْ عَلَيْهِ لاِبْنِ السَّمْعَانيِّ المُتَوَفىَّ سَنَةَ 562 هـ، وَابْنِ الدُّبَيْثِيِّ المُتَوَفىَّ سَنَةَ 637 هـ، وَابْنِ النَّجَّارِ المُتَوَفىَّ سَنَةَ 643 هـ 0 وَمِن هَذِهِ الاِخْتِصَارَاتِ أَيْضَاً اخْتِصَارُهُ لِتَارِيخِ دِمَشْقَ لاِبْنِ عَسَاكِرَ المُتَوَفىَّ سَنَةَ 571 هـ 0
وَاخْتِصَارُهُ لِتَارِيخِ مِصْرَ لاِبْنِ يُونُسَ المُتَوَفىَّ سنة 347 هـ، وَلِتَارِيخِ نَيْسَابُورَ لأَبي عَبْدِ اللهِ الحَاكِمِ النَّيْسَابُورِي المُتَوَفىَّ سَنَةَ 405 هـ، وَلِتَارِيخِ خَوَارِزْمَ لاِبْنِ أَرْسَلاَنَ الخَوَارِزْمِيِّ المُتَوَفىَّ سَنَةَ 568 هـ وَمِنْ كُتُبِ الوَفِيَّاتِ اخْتِصَارُهُ لِكِتَابِ " التَّكْمِلَة؛ لِوَفِيَّاتِ النَّقَلَة " لِزَكِيِّ الدِّينِ المُنْذِرِيِّ المُتَوَفىَّ سَنَةَ 656 هـ وَصِلَتِهِ لِلْحُسَيْنيِّ المُتَوَفىَّ سَنَةَ 695 هـ 0 وَاخْتِصَارُهُ لِتَارِيخِ أَبي شَامَةَ المُتَوَفىَّ سَنَةَ 665 هـ وَتَارِيخِ أَبي الفِدَاءِ المُتَوَفىَّ سَنَةَ 732 هـ إِلخ 0 وَمِنْ كُتُبِ الأَنْسَابِ اخْتِصَارُهُ لِكِتَابِ الأَنْسَابِ لأَبي سَعْدٍ السَّمْعَانيِّ المُتَوَفىَّ سَنَةَ 562 هـ 0
وَمِنْ كُتُبِ الصَّحَابَةِ اخْتِصَارُهُ لِكِتَابِ أَسَدِ الغَابَةِ لاِبْنِ الأَثِيرِ المُتَوَفىَّ سَنَةَ 630 هـ 0 وَمِنْ كُتبِ الرِّجَالِ اخْتِصَارُهُ لِكِتَابِ تَهْذِيبِ الكَمَال لأَبي الحَجَّاجِ المزِّيِّ المُتَوَفىَّ سَنَةَ 742 هـ 0 وَاخْتِصَارُهُ لمُعْجَمِ الشُّيُوخِ لاِبْنِ عَسَاكِرَ المُتَوَفىَّ سَنَةَ 571 هـ 00 وَغَيرُهَا كَثِير 0 وَكَانَتْ هَذِهِ الاِخْتِصَارَات: هِيَ خَيرَ مَرْحَلَةٍ انْتِقَالِيَّةٍ صَنَعَتْ مِنهُ نجْمَاً في سَمَاءِ المُؤَلِّفِين، وَأَكْسَبَتْهُ مَلَكَةً أَتْحَفَتْنَا بِالدُّرِّ الثَّمِين 0 ـ كَيْفَ كَانَ دَقِيقَ الاِخْتِيَارِ في الاِخْتِصَار:
وَلَمْ يَكُ يَخْتَصِرُ رَحِمَهُ اللهُ إِلاَّ أَجْوَدَ أُمَّهَاتِ الكُتُبِ في عَصْرِه، وَالَّتي تَزِيدُ عَلَى خَمْسِينَ كِتَابَاً مِن أَحْسَنِ الكُتُبِ وَأَكْثَرِهَا أَصَالَةً؛ مِمَّا يُبَرْهِنُ عَلَى أَنَّهُ كَانَ مُبْدِعَاً في كُلِّ شَيْءٍ حَتىَّ في انْتِقَائِه، وَاخْتِيَارُ الفَتى جُزْءٌ مِن عَقْلِه 0 وَلَوْ ذَهَبْتَ إِلىَ تِلْكَ المخْتَصَرَاتِ لِتُطَالِعَ مِنهَا أَيَّ كِتَابٍ لأَعْجَبَتْكَ صَنعَتُهُ وَأُسْلُوبُهُ أَيَّمَا إِعْجَاب، وَلَبَادَرْتَ قَائِلاً: إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَاب، وَفَيْءٌ لأُوْلي الأَلْبَاب، فَهُوَ كَبَاحِث: يَعْرِفُ جَيِّدَاً مِن أَيْنَ تُؤْكَلُ الكَتِف، وَكَمُخْتَصِرٍ: يَعْرِفُ مَا يُطْرَقُ وَمَا يُتْرَك، وَكَناقِد: غَيرَ حَاسِدٍ وَلاَ حَاقِد 0
ـ بَعْضُ إِضَافَاتِهِ في مُخْتَصَرَاتِهِ، وَعَبْقَرِيَّتُهُ في تخْرِيجَاتِه وَتَعْلِيقَاتِه: وَهُوَ فَوْقَ هَذَا في هَذِهِ الاِخْتِصَارَات: لَيْسَ مجَرَِّدَ نَاقِلٍ لأَلْفَاظِ وَعِبَارَات، بَلْ لَهُ مِنَ التَّعْلِيقَاتِ الدَّقِيقَة، وَالاِسْتِدْرَاكَاتِ العَمِيقَة، وَالعِبَارَاتِ الرَّشِيقَة: مَا تَقَرُّ بِهِ العُيُون، وَيَطْرَبُ لَهُ المُثَقَّفُون، فَتَرَاهُ [لَهُ اللهُ] كَأَنَّهُ يَمْلِكُ رَادَارَاً يَرْصُدُ بِهِ كُلَّ مَا فِيهَا، وَيَتَعَقَّبُ أَوْهَامَ وَأَخْطَاءَ مُؤَلِّفِيهَا، دُونَمَا تَجِنٍّ في تَصْوِيبِ رَآه، وَلاَ مَنٍّ في تَعْقِيبٍ أَهْدَاه، وَهُوَ الأَمْرُ الَّذِي لاَ يَتَأَتىَّ إِلاَّ لِلأَسَاتِيذِ الجَهَابِيذِ مِنَ المُصَنِّفِينَ المُنْصِفِين 0
وَهُمْ قِلَّةٌ في هَذَا الزَّمَنِ البَغِيض؛ الَّذِي وَصَلَتْ فِيهِ الأُمَّةُ لِلْحَضِيض، وَتحَوَّلَتْ مِنَ النَّقِيضِ إِلى النَّقِيض 00 فَتَرَاهُ مَثَلاً حِينَ اخْتَصَرَ كِتَابَ " أَسَدِ الغَابَة في مَعْرِفَةِ الصَّحَابَة " لاِبْنِ الأَثِيرِ المُتَوَفىَّ سَنَةَ 630 هـ زَادَ فِيهِ عِدَّةَ تَوَارِيخَ مِنهَا: " تَارِيخَ الصَّحَابَةِ الَّذِينَ نَزَلُواْ حِمْصَ لأَبي القَاسِمِ عَبْدِ الصَّمَدِ بْنِ سَعِيدٍ الحِمْصِيِّ المُتَوَفىَّ سَنَةَ 324 هـ " وَ " مُسْنَدَ الإِمَامِ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلَ المُتَوَفىَّ سَنَةَ 241 هـ " وَ " طَبَقَاتِ بْنِ سَعْدٍ المُتَوَفىَّ سَنَةَ 230 هـ " وَ " تَارِيخَ دِمَشْقَ لاِبْنِ عَسَاكِرَ المُتَوَفىَّ سَنَةَ 571 هـ " 000 إِلخ 0
وَمِنْ تَعْلِيقَاتِهِ النَّفِيسَهِ الَّتي تَرَاهَا في مخْتَصَرَاتِهِ: مَا في كِتَابِ " الكَاشِف " الَّذِي اخْتَصَرَهُ مِنْ " تَهْذِيبِ الكَمَال " لأَبي الحَجَّاجِ المزِّيِّ المُتَوَفىَّ سَنَةَ 742 هـ؛ وَآيَةُ ذَلِكَ أَنَّهُ عَلَّقَ عَلى آرَاءِ بَعْضِ أَئِمَّةِ الجَرْحِ وَالتَّعْدِيل فَخَطَّأَ بَعْضَهَا، كَمَا حَقَّقَ كَثِيرَاً مِنْ تَرَاجِمِ الكِتَابِ تحْقِيقَاً دَقِيقَاً 0 هَذَا كُلُّهُ مَا كُنْتَ لِتَجِدَهُ في الأَصْل 0 وَمِن أَشْهَرِ مَا تَظْهَرُ فِيهِ بَرَاعَةُ الإِمَامِ الذَّهَبيِّ في النَّقْدِ وَالتَّحْقِيقِ في مخْتَصَرَاتِهِ تَعْلِيقَاتُهُ عَلَى كِتَابِ
" المُسْتَدْرَكِ عَلَى الصَّحِيحَينِ لأَبي عَبْدِ اللهِ الحَاكِمِ النَّيْسَابُورِي المُتَوَفىَّ سَنَةَ 405 هـ " الَّذِي أَخَذَ عَلَى نَفْسِهِ في مُؤَلَّفِهِ أَنْ لاَ يُورِدَ مِنَ الأَحَادِيثِ إِلاَّ مَا هُوَ عَلَى شَرْطِ الإِمَامِ البُخَارِيِّ وَمُسْلِم، مِمَّا لَمْ يَذْكُرَاهُ في صَحِيحَيْهِمَا؛ فَأَظْهَرَ الإِمَامُ بِمَا لَهُ مِنَ الدِّرَايَةِ وَالمَلَكَةِ في عُلُومِ الحَدِيثِ غَلَطَ الحَاكِمِ وَأَوْهَامَهُ: حَيْثُ بَيَّنَ أَنَّ نِصْفَ الكِتَابِ فَقَطْ هُوَ الَّذِي عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَينِ أَوْ أَحَدِهِمَا، وَأَنَّ النِّصْفَ الآخَرَ لاَ يَخْلُو مِنَ العِلَل، بَلْ كَشَفَ الطَّامَّةَ الكُبرَى: أَلاَ وَهِيَ أَنَّ في الكِتَابِ مَا لاَ يَقِلُّ عَنْ ثَلاَثِمِاْئَةِ حَدِيثٍ مَا بَينَ بَعْضُهَا مُنْكَر، أَوْ وَاهِي الإِسْنَاد، أَوْ مَوْضُوع 0
وَمِنْ تَصَرُّفَاتِهِ في مخْتَصَرَاتِهِ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالىَ مَا فَعَلَهُ في كِتَابِ العِلَلِ لاِبْنِ الجَوْزِيِّ المُتَوَفىَّ سَنَةَ 597 هـ: حَيْثُ لَمْ يَقْنَعْ بِاخْتِصَارِهِ فَحَسْب؛ حَتىَّ خَرَّجَ أَحَادِيثَه 0 كَمَا اخْتَصَرَ رَحِمَهُ اللهُ كِتَابَ " السُّنَنِ الكُبْرَى لِلإِمَامِ البَيْهَقِيِّ المُتَوَفىَّ سَنَة 458 هـ " 0 فَعَلَّقَ عَلَى أَسَانِيدِهِ بِكَلاَمٍ يَدُلُّ عَلَى تَبَحُّرِهِ في المُصْطَلَح، وَوَضَعَ رُمُوزَاً عَلَى الأَحَادِيثِ المَرْوِيَّةِ في الصَّحِيحَينِ وَفي السُّنَنِ الأَرْبَع، وَخَرَّجَ الأَحَادِيثَ الَّتي لَمْ تَرِدْ في هَذِهِ الكُتُبِ السِّتَّة 0 كَمَا اخْتَصَرَ رَحِمَهُ اللهُ في الشِّعْرِ كِتَابَ " الخريدة لِلْعِمَادِ الأَصْبَهَانيِّ القُرَشِيِّ المُتَوَفىَّ سَنَة 596 هـ " 0
كَمَا اخْتَصَرَ كِتَابَاتٍ أُخْرَى لِكِبَارِ العُلَمَاءِ مِثْلِ زَكِيِّ الدِّينِ البِرْزَاليِّ المُتَوَفىَّ سَنَةَ 636 هـ " 0 وَفَخْرِ الدِّينِ ابْنِ البُخَارِيِّ المُتَوَفىَّ سَنَةَ 690 هـ " 0 وَشِهَابِ الدِّينِ أَحْمَدَ بْنِ إِسْحَاقَ الأَبْرَقُوهِي المُتَوَفىَّ سَنَةَ 701 هـ " 0 وَضِيَاءِ الدِّينِ المَقْدِسِيِّ المُتَوَفىَّ سَنَةَ 643 هـ " 0 وَغَيرُهُمْ كَثِير 0 بَلْ وَكَانَ يَرْجِعُ في بَعْضِ الأَحْيَانِ إِلى النُّسَخِ الأَصْلِيَّةِ المخْطُوطَةِ بخُطُوطِ مُؤَلُِّفِيهَا: كَمَا في المُخْتَصَرِ المُحْتَاج: " قَرَأْتُ بِخَطِّ ابْنِ قُدَامَة " 0 ـ إِتْقَانُهُ وَإِحْسَانُهُ في مُخْتَصَرَاتِهِ، وَإِكْمَالُهُ لِلنَّقْصِ فِيهَا:
هَذَا بِالإِضَافَةِ إِلى زِيَادَتِهِ هُوَ في التَّرَاجِمِ بِمَا يَذْكُرُهُ بِإِسْنَادِهِ عَنْ شُيُوخِهِ الَّذِينَ عَاصَرُواْ صَاحِبَ التَّرْجَمَة: كَقَوْلِهِ مَثَلاً: " وَرَوَى لَنَا عَنهُ بِمِصْرَ أَبُو المَعَالي الأَبْرَقُوهِيّ " وَقَوْلِهِ " رَوَى لَنَا عَنهُ أَبُو العَبَّاسِ ابْنُ الظَّاهِرِيِّ وَأَبُو الحُسَينِ اليُونِينيّ، وَعَلِيُّ بْنُ عَبْدِ الدَّائِمِ وَمحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ الأَرْبَلِّيّ 0 وَمِن إِضَافَاتِهِ في اخْتِصَارَاتِهِ أَيْضَاً: ذِكْرُ تَوَارِيخِ وَفِيَّاتِ كُلِّ الشَّخْصِيَّاتِ الوَارِدِ ذِكْرُهَا في الكُتُبِ الَّتي اخْتَصَرَهَا وَالَّتي لَمْ يَذْكُرْ مُؤَلِّفُوهَا تَوَارِيخَ لِهَذِهِ الوَفِيَّات 0
فَابْنُ الدُّبَيْثِيِّ مَثَلاً لَمْ يَذْكُرْ وَفَاةَ أَحَدٍ مِمَّنْ ذَكَرَهُمْ في تَارِيخِهِ مِمَّنْ تَأَخَّرَتْ وَفَاتُهُ عَنْ سَنَةَ 621 هـ " وَهِيَ السَّنَةُ الَّتي حَدَّثَ ابْنُ الدُّبَيْثِيِّ فِيهَا بِتَارِيخِه، وَلَمْ يَذْكُرْهَا بَعْدَ ذَلِك؛ فَاسْتَدْرَكَ الذَّهَبيُّ هَذِهِ السَّقَطَات، وَاسْتَخْرَجَ بِنَفْسِهِ هَذِهِ الوَفِيَّات؛ لِتَكُونَ الفَائِدَةُ أَعَمّ، وَيَكُونَ اخْتِصَارُهُ لِلْكِتَابِ أَتَمّ 0 ـ قِيَامُهُ بِتَحْقِيقِ وَتَخْرِيجِ كُلِّ أَثَرٍ في طَرِيقِهِ وَالحُكْمِ عَلَيْه: أَضِفْ إِلىَ هَذَا تَدَخُّلاَتِهِ العِلْمِيَّةَ في كُلِّ مَا يَقَعُ بَيْنَ يَدَيْهِ مِن أَخْطَاءٍ مِمَّا لَهُ صِلَةٌ بِالأَسَانِيد؛ فَيَقُومُ عَلَى الفَوْرِ بِتَصْوِيبِهَا 0
كَمَا يَقُومُ بِالتَّنْبِيهِ أَيْضَاً عَلَى وَضْعِ كُلِّ الآثَارِ المَوْضُوعَةِ الَّتي أَغْفَلَ المُؤَلِّفُ عَامِدَاً أَوْ نَاسِيَاً التَّنْبِيهَ عَلَيْهَا، كَمَا يَقُومُ أَيْضَاً بِتَخْرِيجِ مَا أَغْفَلَ المُؤَلِّفُ عَامِدَاً أَوْ نَاسِيَاً تَخْرِيجَهُ، فَمَا كَانَ في الصَّحِيحَينِ أَشَارَ إِلىَ ذَلِكَ بِرُمُوزٍ اسْتَعْمَلَهَا، وَمَا كَانَ بخِلاَفِ هَذَا عَزَاهُ إِلىَ مَصَادِرِهِ وَقَامَ بِالحُكْمِ عَلَيْه؛ فَلِلَّهِ دَرُّهُ مِنْ رَجُل 00 عَن أُمِّ المُؤْمِنِينَ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهَا عَنِ النَّبيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَال: " إِنَّ اللهَ يُحِبُّ إِذَا عَمِلَ أَحَدُكُمْ عَمَلاً أَنْ يُتْقِنَه " 0
[صَحَّحَهُ العَلاَّمَةُ الأَلبَانيُّ في الصَّحِيحِ وَالصَّحِيحَةِ بِرَقْمَيْ: 1880، 1113، رَوَاهُ الإِمَامَانِ أَبُو يَعْلَى وَالبَيْهَقِيُّ في شُعَبِه] ـ وَمِن إِضَافَاتِهِ إِلىَ مُخْتَصَرَاتِهِ: إِعَادَةُ تَرْتِيبِهَا إِنْ لَزِمَ الأَمْر: وَمِن إِضَافَاتِهِ يَرْحَمُهُ اللهُ في مخْتَصَرَاتِهِ أَنَّهُ عِنْدَمَا اخْتَصَرَ مَثَلاً كِتَابَ الكُنىَ لأَبي أَحْمَدَ الحَاكِمِ المُتَوَفىَّ سَنَةَ 378 هـ أَعَادَ تَرْتِيبَهُ عَلَى حُرُوفِ المُعْجَمِ بَعْدَ أَن أَضَافَ إِلَيْهِ أَشْيَاءَ أُخْرَى مِمَّا لَيْسَ فِيه 0 كَمَا رَتَّبَ أَيْضَاً " المُجَرَّدَ مِنْ تَهْذِيبِ الكَمَالِ لِلْمُزِّيِّ " عَلَى عَشْرِ طَبَقَات، وَرَتَّبَ كُلَّ طَبَقَةٍ عَلَى حُرُوفِ المُعْجَم؛ في حِينِ أَنَّهُ كَانَ مُرَتَّبَاً عَلَى حُرُوفِ المُعْجَم 0
ـ حَجْمُ الآثَارِ الَّتي خَلَّفَهَا لِلنَّاس؛ هَذَا النِّبرَاس: لَقَدْ كَانَ الإِمَامُ الذَّهَبيُّ رَحِمَهُ اللهُ عَالمَاً مَوْسُوعِيَّاً، حَيْثُ تَرَكَ ثَرْوَةً ضَخْمَةً مِنَ المُؤَلَّفَاتِ وَالمُخْتَصَرَاتِ أَتْعَبَتِ البَاحِثِينَ وَالمحَقِّقِين 00 وَصَفَهُ الإِمَامُ ابْنُ حَجَرٍ العَسْقَلاَنيُّ في الدُّرَرِ الكَامِنَةِ بِأَنَّهُ كَانَ أَكْثَرَ أَهْلِ عَصْرِهِ تَصْنِيفَاً، مُعْظَمُهَا في الحَدِيثِ وَالتَّرَاجِم 0 أَمَّا عَنْ رُسُوخِ قَدَمِهِ في القِرَاءَاتِ فَقَدْ ذَكَرَ ابْنُ نَاصِرِ الدِّينِ الدِّمَشْقِيُّ المُتَوَفىَّ سَنَةَ 842 هـ في كِتَابِهِ الرَّدِّ الوَافِرِ أَنَّهُ كَانَ "إِمَامَاً في القِرَاءَات " 0 ـ سِرُّ ضَآلَةِ مُؤَلَّفَاتِهِ في القِرَاءَاتِ الَّتي أَتْقَنَهَا:
وَلَكِنْ يُلاَحَظُ مَعَ ذَلِكَ أَنَّهُ لَمْ يَتَخَرَّجْ عَلَيْهِ في القِرَاءَاتِ سِوَى عَدَدٍ قَلِيلٍ جِدَّاً؛ وَعَلَّ السَّبَبَ في هَذَا يَرْجِعُ إِلىَ أَنَّ اهْتِمَامَهُ بِالحَدِيثِ وَالتَّرَاجِمِ وَالتَّارِيخ: غَلَبَ عَلَى اهْتِمَامِهِ بِالقِرَاءَات؛ وَمِنْ ثَمَّ لَمْ يُعْلَمْ لَهُ في القِرَاءَاتِ غَيرَ كِتَابِ " التَّلْوِيحَاتِ في عِلْمِ القِرَاءَات " وَكِتَابِ " مَعْرِفَةِ القُرَّاءِ الكِبَارِ عَلَى الطََّبَقَاتِ وَالأَعْصَار " الَّذِي هُوَ بِكُتُبِ التَّرَاجِمِ أَشْبَهُ مِنْ كُتُبِ القراءَات 0 وَقَدْ شَهِدَ لَهُ ابْنُ الجَزْرِيِّ بِالإِحْسَانِ فِيه؛ لِذَلِكَ اقْتَبَسَ جُلَّهُ في كِتَابِهِ " غَايَةِ النِّهَايَة " كَمَا نَصَّ عَلَى ذَلِكَ في المُقَدِّمَة، وَوَصَفَهُ شَمْسُ الدِّينِ السَّخَاوِيُّ في الإِعْلاَنِ بِأَنَّهُ " كِتَابٌ حَافِل " 0
وَيُمْكِنُ القَوْلُ في النِّهَايَةِ أَنَّ هَذَا العِلْمَ كَانَ لَدَى الإِمَامِ أَقَلَّ حَظَّاً مِنْ صَاحِبَيْه [الحَدِيثِ وَالتَّرَاجِم] فَلَقَدْ كَانَتْ مُؤَلَّفَاتُهِ الحَدِيثِيَّةُ مَثَلاً أَحْسَنَ الوُجُوهِ إِشْرَاقَاً في الحَيَاةِ العِلْمِيَّةِ لهَذَا العَالِمِ القَدِير؛ وَالسِّرَاجِ المُنِير، حَيْثُ حَظِيَ بِنَصِيبِ الأَسَدِ بَينَ مُؤَلَّفَاتِهِ؛ يُدْرِكُ القَارِئُ مَدَى صِدْقِ ذَلِكَ إِذَا أَلْقَى نَظْرَةً عَلَى قَائِمَةِ مُؤَلَّفَاتِه 0 كَمَا أَلَّفَ في المُصْطَلَحِ كُتُبَاً، وَخَرَّجَ التَّخَارِيجَ الكَثِيرَةَ مِنَ الأَرْبَعِينَاتِ وَالثَّلاَثِينَاتِ وَالعَوَالي وَالأَجْزَاءِ وَمُعْجَمَاتِ الشُّيُوخِ وَالمَشْيَخَات وَغَيرُهَا كَثِير 0 ـ مُؤَلَّفَاتُهُ في العَقَائِدِ وَالفِقْه:
وَأَمَّا عَمَّا تَرَكَهُ الإِمَامُ الذَّهَبيُّ لَنَا مِنْ مُؤَلَّفَاتِهِ في العَقَائِدِ كِتَابُهُ " الأَرْبَعِين في صِفَاتِ رَبِّ العَالمِين " وَكِتَابُ " العَرْش " وَكِتَابُ " مَسْأَلَةُ الوَعِيد " وغيرها 0 وَأَشْهَرُهَا كِتَابُهُ المَعْرُوف " العُلُوُّ لِلْعَلِيِّ الغَفَّار " الَّذِي يُعَدُّ أَوْسَعَ هَذِهِ الكُتُبِ وَأَكْثَرَهَا شُهْرَةً ونَهَجَ الإِمَامُ الذَّهَبيُّ في العَقِيدَةِ مَنهَجَ أَهْلِ السُّنَّة: فَتَجِدُ اللَّبِنَةَ الأَسَاسِيَّةَ الَّتي بَنى بِهَا الإِمَامُ الذَّهَبيُّ كَلاَمَهُ فِيهَا: آيَاتٌ مِنَ القُرْآن، وَأَحَادِيثُ مِنْ كَلاَمِ النَّبيِّ العَدْنَان صَلَوَاتُ رَبيِّ وَتَسْلِيمَاتُهُ عَلَيْه 0
وَلَمْ يسْلَمْ طَبْعَاً كِتَابُهُ العُلُوّ؛ مِن أَهْلِ التَّنَطُّعِ وَالغُلُوّ، وَقَانَا اللهُ وَحَفِظَ الأُمَّةَ مِنْ شُرُورِ أَهْلِ التَّشَدُّد، الَّذِينَ يَقِفُونَ حَجَرَ عَثْرَةٍ في طَرِيقِهَا إِلىَ التَّوَحُّد، وَيَقْطَعُونَ السَّبِيلَ عَلَى المُصْلِحِينَ [الصَّالحِين] نحْوَ التَّمَدُّد 00 فَلَمْ يَسْلَمِ الإِمَامُ الذَّهَبيُّ مِنْ مُهَاجَمَتِهِمْ وَهُوَ مَن هُوَ بَينَ أَعْلاَمِ أَهْلِ السُنَّة 0 إِنَّهُمْ يُهَاجِمُونَ مَن 00؟ يُهَاجِمُونَ رَجُلاً بِرَغْمِ أَنَّهُ كَانَ شَافِعِيَّ المَذْهَب؛ إِلاَّ أَنَّهُ رَغْبَةً مِنهُ في بُلُوغِ الغَايَةِ كَانَ في العَقِيدَةِ حَنْبلِيَّ المَذْهَب؛ حَتىَّ لَقَدْ قِيلَ عَنهُ أَنَّهُ كَانَ شَافِعِيَّ الفُرُوعِ حَنْبلِيَّ المُعْتَقَد 0
فَالإِمَامُ الذَّهَبيُّ وَإِنْ لَمْ يَكُ فَقِيهَاً، وَلَمْ يُعْرَفْ بِأَنَّهُ أَخَذَ الفِقْهَ عَن أَعْلاَمِ عَصْرِهِ الكِبَارِ كَابْنِ الزَّمْلَكَانيّ، وَلاَ بُرْهَانِ الدِّينِ الفَزَارِيّ؛ وَلَكِنْ كَفَاهُ شَرَفَاً أَنْ صَحِبَ ابْنَ تَيْمِيَة، وَكُلُّ الصَّيْدِ في جَوْفِ الفَرَا، وَلَمْ يَبْتَعِدِ الإِمَامُ الذَّهَبيُّ في قِرَاءَاتِهِ وَدِرَاسَتِهِ كَثِيرَاً عَنْ دَائِرَةِ الفِقْهِ وَأُصُولِه؛ فَقَدْ أَلَّفَ في أُصُولِهِ، كَمَا اعْتَنى بِاخْتِصَارِ كِتَابِ المحَلَّى لاِبْنِ حَزْم، وَأَسْمَا اخْتِصَارَهُ " المُسْتَحْلَى في اخْتِصَارِ المحَلَّى " وَهُوَ مِنْ كِبَارِ الكُتُبِ الفِقْهِيَّة، وَأَلَّفَ عَدَدَاً لاَ بَأْسَ بِهِ مِنَ الكُتُبِ والأَجْزَاءِ الفِقْهِيَّة، وَكَانَتْ لَهُ خَوَاطِرُ وَاجْتِهَادَاتٌ بَثَّهَا مِنهَا في مَوَاطِنَ كَثِيرَة 00
مِنْ ذَلِكَ مَثَلاً كَلاَمُهُ في تَذْكِرَةِ الحُفَّاظِ عَنْ مَسْأَلَةٍ في الطَّلاَقِ وَمُنَاقَشَتِهِ لاِبْنِ تَيْمِيَةَ فِيهَا 0 وَمِنْ نَظْمِهِ الرَّقِيق؛ في تحْبِيذِ الاِسْتِدْلاَلِ بِالكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَتَقْدِيمِهِمَا عَلَى مَا سِوَاهُمَا قَوْلُهُ: الفِقْهُ قَالَ اللَّهُ قَالَ رَسُولُهُ * إِنْ صَحَّ وَالإِجْمَاعُ فَاجْهَدْ فِيهِ وَحَذَارِ مِنْ نَصْبِ الخِلاَفِ جَهَالَةً * بَيْنَ النَّبيِّ وَبَينَ رَأْيِ فَقِيهِ
وَمِمَّا اخْتَصَرَهُ الإِمَامُ الذَّهَبيُّ مِنْ كُتُبِ العَقَائِدِ كِتَابُ " البَعْثِ وَالنُّشُور " وَكِتَابُ " القَدَر " لِلإِمَامِ البَيْهَقِيِّ المُتَوَفىَّ سَنَةَ 458 هـ، وَكِتَابُ " الفَارُوقِ في الصِّفَات " لِشَيْخِ الإِسْلاَمِ الأَنْصَارِيِّ المُتَوَفىَّ سَنَةَ 481 هـ، وَكِتَابُ " مِنهَاجِ الاِعْتِدَالِ في نَقْضِ كَلاَمِ أَهْلِ الرَّفْضِ وَالاِعْتِزَال " لِرَفِيقِهِ وَشَيْخِهِ تَقِيِّ الدِّينِ ابْنِ تَيْمِيَة؛ المُتَوَفىَّ سَنَةَ 728 هـ 0 ـ كَيْفَ كَانَ مُجَدِّدَاً لاَ مُقَلِّدَاً في اخْتِصَارَاتِهِ وَمُؤَلَّفَاتِه:
تَعْلَمُ ثِقَلَ هَذَا الإِمَامِ إِذَا نَظَرْتَ إِلى العَصْرِ الَّذِي نَشَأَ فِيهِ وَكَيْفَ غَلَبَ عَلَى أَهْلِ العِلْمِ فِيهِ الجَمْعُ وَالتَّرْتِيب؛ مِن غَيرِ مَا بَحْثٍ وَلاَ تَنْقِيب، وَالتَّلْخِيصُ الَّذِي هُوَ مُجَرَّدُ حَذْفٍ وَنَقْل، خَالٍ مِن أَيِّ إِعْمَالٍ لِلْعَقْل، فَكَانَ يَرْحَمُهُ اللهُ بِحَقٍّ: نجْمَاً في سَمَاءِ ذَلِكَ الزَّمَان 0 قَالَ تِلْمِيذُهُ صَلاَحُ الدِّينِ الصَّفَدِيُّ المُتَوَفىَّ سَنَةَ 764 هـ: " لَمْ أَجِدْ عِنْدَهُ جُمُودَ المُحَدِّثِين، وَلاَ كَوْدَنَةَ النَّقَلَة، بَلْ هُوَ فَقِيهُ النَّظَر، لَهُ دُرْبَةٌ بِأَقْوَالِ النَّاسِ وَمَذَاهِبِ الأَئِمَّة " 0 وَيُعْجِبُكَ في كُتُبِهِ جَمْعَاء: أَنَّهُ لاَ يُورِدُ حَدِيثَاً فِيهِ ضَعْفُ مَتْنٍ أَوْ ظَلاَمُ إِسْنَادٍ إِلاَّ بَيَّنَهُ لَك 0
ـ غِبْطَةُ الحَافِظِ ابْنِ حَجَرٍ لَهُ عَلَى فِطْنَتِهِ وَذَكَائِه: وَبَلَغَ مِنْ فَضْلِهِ أَنَّ الحَافِظَ ابْنَ حَجَرٍ العَسْقَلاَنيَّ المُتَوَفىَّ سَنَةَ 852 هـ شَرِبَ مَاءَ زَمْزَمٍ سَائِلاً اللهَ أَنْ يَصِلَ إِلىَ مَرْتَبَةِ الإِمَامِ الذَّهَبيِّ في الحِفْظِ وَالفِطْنَة [أَخْبرَ عَنهُ بِذَلِكَ تِلْمِيذُهُ السَّخَاوِيُّ في الإِعْلاَن]
وَحِينَمَا كَتَبَ الإِمَامُ الذَّهَبيُّ كِتَابَهُ " تَذْكِرَةَ الحُفَّاظ " وَرَتَّبَهُ عَلَى الطَّبَقَات؛ تَنَاوَلَ في نِهَايَةِ كُلِّ طَبَقَةٍ الأَوْضَاعَ السِّيَاسِيَّةَ وَالثَّقَافِيَّةَ وَالاِجْتِمَاعِيَّةَ وَالاِقْتِصَادِيَّةَ الَّتي سَادَتْ عَصْرَهَا، فَأَجْمَلَ ذَلِكَ في فَقْرَاتٍ قَلِيلَة؛ دَلَّتْ عَلَى سَعَةِ أُفُقِهِ وَقُدْرَتِهِ البَارِعَةِ عَلَى اسْتِيعَابِ الحِقْبِ الزَّمَنِيَّةِ لِلْعَالَمِ الإِسْلاَمِيِّ المُمْتَدِّ في عِبَارَاتٍ قَصِيرَة؛ مِمَّا يَدُلُّ عَلَى عُمْقِ الرُّؤْيَةِ وَنَفَاذِ البَصِيرَة 0 ـ بَرَاعَتُهُ في الجَرْحِ وَالتَّعْدِيل:
أَمَّا كُتُبُهُ في الرِّجَالِ وَالجَرْحِ وَالتَّعْدِي؛ فَيَأْتي في مُقَدِّمَتِهَا كِتَابُهُ العَظِيم " مِيزَانُ الاِعْتِدَال؛ في نَقْدِ الرِّجَال " وَالَّذِي اعْتَبَرَهُ مُعَاصِرُوهُ وَمَنْ جَاءَ بَعْدَهُمْ مِن أَحْسَنِ كُتُبِهِ وَأَجَلِّهَا 00 تَنَاوَلَ فِيهِ عَدَدَاً كَبِيرَاً مِنَ الحُفَّاظِ وَالعُلَمَاءِ ورِجَالِ الجَرْحِ وَالتَّعْدِيلِ بِالنَّقْدِ اسْتِدْرَاكَاً أَوْ تَعْقِيبَاً أَوْ تَلْخِيصَاً كَذَلِكَ في الجَرْحِ وَالتَّعْدِيلِ كَتَبَ أَيْضَاً رِسَالَةً بِعُنوَان " ذِكْرِ مَنْ يُؤْتَمَنُ قَوْلُهُ في الجَرْحِ وَالتَّعْدِيل " تَكَلَّمَ فِيهَا عَن أُصُولِ النَّقْدِ وَطَبَقَاتِ النُّقَّاد وَفَنَّدَ أَقْوَالَهُمْ تَفْنِيدَا 0 ـ انْتِقَادُهُ لأَئِمَّةِ الجَرْحِ وَالتَّعْدِيل:
وَهُوَ في أَحْكَامِهِ وَاسِعَ الأُفُق، حَسَنَ الخُلُق، أَمِينٌ مُنْصِف، فِيمَا يُؤَلِّفُ وَيُصَنِّف؛ مِنْ ذَلِكَ مَثَلاً مَا ذَكَرَهُ في تَرْجَمَتِهِ لأَبَانَ بْنِ تَغْلِبَ الكُوفيِّ حَيْثُ قَالَ فِيه: " شِيعِيٌّ جَلْد [أَيْ قَوِيُّ الحِفْظ] وَلَكِنَّهُ صَدُوق؛ فَلَنَا صِدْقُهُ وَعَلَيْهِ بِدْعَتُه، وَقَدْ وَثَّقَةُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلَ وَابْنُ مَعِين، وَأَبُو حَاتِم، وَأَوْرَدَهُ ابْنُ عَدِيٍّ [أَيْ ضِمْنَ الضُّعَفَاء] وَقَال: كَانَ غَالِيَاً في التَّشَيُّع، وَقَالَ السَّعْدِيّ: زَائِغٌ مجَاهِر " 00 فَكَأَنَّ الذَّهَبيّ؛ أَنْكَرَ عَلَى ابْنِ عَدِيّ: ذِكْرَ مَنْ جَرَّحُوهُ وَقَبَّحُوه، وَإِغْفَالَ مَنْ تَقَبَّلُوهُ وَعَدَِّلُوه 0
وَلاَ يُغْضِبَنَّكَ أَخِي القَارِئُ الكَرِيمُ كَثِيرَاً كَوْنُهُ مُتَشَيِّعَاً؛ فَالتَّشَيُّعُ مَرَاتِبُ كَمَا تَعْلَم: فَمِنهُمْ ـ كَأَبَانَ هَذَا ـ مَنْ يَقْتَصِرُ تَشَيُّعُهُ عَلَى تَفْضِيلِ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللهُ وَجْهَهُ علَى أَبي بَكْرٍ وَعُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا 00 وَهُوَ مَعَ ذَلِكَ لاَ يَنحَدِرْ في التَِّشَيُّعِ إِلى الحَطِّ عَلَى أَبي بَكْرٍ وَعُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا أَوِ النَّيْلِ مِنهُمَا 0 ثُمَّ أَنَّا لَوْ رَدَدْنَا أَحَادِيثَ هَذَا وَأَمْثَالِهِ مِمَّن هُمْ في نَفْسِ رُتْبَتِهِ في الجَرْح: لَرَدَدْنَا الكَثِيرَ مِمَّا صَحّ؛ فَكَثِيرٌ مِنَ التَّابِعِينَ كَانَ مُتَلَبِّسَاً بِالتَّشَيُّع 0
وَلِلإِمَامِ الذَّهَبيِّ رِسَالَتَانِ يَرُدُّ فِيهِمَا عَلَى جِمْلَةٍ مِن عُلَمَاءِ الجَرْحِ وَالتَّعْدِيل: رِسَالَةٌ في " الرُّوَاةِ الثِّقَاتِ المُتَكَلَّمِ فِيهِمْ بِمَا لاَ يُوجِبُ رَدَّهُمْ " وَالأُخْرَى في " مَنْ تُكُلِّمَ فِيهِ وَهُوَ مُوَثَّق " 0 وَلَهُ رِسَالَةٌ لَمْ تُطْبَعْ بِعُنوَان: " الرَّدُّ عَلَى ابْنِ القَطَّان " المُتَوَفىَّ سَنَةَ 268 هـ 0 وَلَمْ يَقْتَصِرْ نَقْدُ الإِمَامِ الذَّهَبيِّ عَلَى الرِّجَالِ فَحَسْب، بَلْ تَعَدَّى ذَلِكَ إِلىَ نَقْدِ بَعْضِ المُؤَلَّفَات: فَتَرَاهُ مَثَلاً قَدِ انْتَقَدَ كِتَابَ " الضُّعَفَاءِ " لاِبْنِ الجَوْزِيِّ المُتَوَفىَّ سَنَةَ 597 هـ وَالَّذِي اخْتَصَرَهُ الإِمَامُ الذَّهَبيُّ وَذَيَّلَ عَلَيْه، فَقَالَ في تَرْجَمَةِ أَبَانَ بْنِ يَزِيدَ العَطَّارِ مَثَلاً:
" قَدْ أَوْرَدَهُ العَلاَّمَةُ ابْنُ الجَوْزِيِّ في " الضُّعَفَاءِ " وَلَمْ يَذْكُرْ فِيهِ أَقْوَالَ مَنْ وَثَّقَه، وَهَذَا مِن عُيُوبِ كِتَابِهِ: يَسْرِدُ الجَرْحَ وَيَسْكُتُ عَنِ التَّوْثِيق " 0 كَمَا انْتَقَدَ الإِمَامُ الذَّهَبيُّ كِتَابَ " الضُّعَفَاءِ " لأَبي جَعْفَرٍ محَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو العُقَيْلِيِّ المُتَوَفىَّ سَنَةَ 322 هـ لإِيرَادِهِ بَعْضَ الثِّقَات: وَمِنهُمْ حَافِظُ عَصْرِهِ عَلِيُّ بْنُ المَدِينيِّ المُتَوَفىَّ سَنَةَ 234 هـ 0
فَقَالَ الإِمَامُ الذَّهَبيُّ في تَرْجَمَةِ ابْنِ المَدِينيِّ في المِيزَان: " ذَكَرَهُ العُقَيْلِيُّ في " الضُّعَفَاءِ " فَبِئْسَ مَا صَنَع " وَرَدَّ عَلَيْهِ حِينَمَا نَقَلَ قَوْلَ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلَ: " كَانَ أَبي حَدَّثَنَا عَنهُ ثُمَّ أَمْسَكَ عَنِ اسْمِهِ، ثمَّ تَرَكَ حَدِيثَهُ " رَدَّ الإِمَامُ الذَّهَبيُّ هَذَا الاِدِّعَاءَ قَائِلاً: " بَلْ حَدِيثُهُ عَنهُ في مُسْنَدِهِ " وَهَذَا رَدٌّ مُفْحِمٌ مِنَ الإِمَامِ الذَّهَبيّ، ثمَّ قَالَ بَعْدَ هَذَا: " وَهَذَا أَبُو عَبْدِ اللهِ البُخَارِيُّ ـ وَنَاهِيكَ بِهِ ـ قَدْ شَحَنَ صَحِيحَهُ بحَدِيثِ ابْنِ المَدِينيّ " 0 ـ إِنْصَافُهُ وَذِكْرُهُ لمحَاسِنِ الكُتُبِ الَّتي انْتَقَدَهَا:
وَلَمْ يَقْتَصِرْ دَوْرُ الإِمَامِ الذَّهَبيِّ في نَقْدِهِ لِلْكُتُبِ عَلَى إِيرَادِ مَسَاوِئِهَا؛ بَلْ كَثِيرَاً مَا نَرَاهُ يُسْهِبُ في ذِكْرِ محَاسِنِهَا، فَقَدْ سَبَقَ أَنْ قَالَ إِنَّ كِتَابَ العُقَيْلِيِّ مُفِيد، وَقَالَ عَنِ " الكَامِلِ في الضُّعَفَاءِ " لاِبْنِ عَدِيٍّ المُتَوَفىَّ سَنَةَ 365 هـ في مِيزَانِ الاِعْتِدَال: " أَكْمَلُ الكُتُبِ وَأَجَلُّهَا في ذَلِك " 0 وَقَالَ في تَرْجَمَةِ الدَّارَ قُطْنيِّ المُتَوَفىَّ سَنَةَ 385 هـ بِتَذْكِرَةِ الحُفَّاظ: " وَإِذَا شِئْتَ أَنْ تَتَبَيَّنَ بَرَاعَةَ هَذَا الإِمَامِ الفَرْد؛ فَطَالِعِ العِلَلَ لَه؛ فَإِنَّكَ تَنْدَهِشُ وَيَطُولُ تَعَجُّبُك " 0 مَوْضُوعِيَّتُهُ وَحُجَّتُهُ في الرَّدِّ عَلَى الفِتَنِ الَّتي يَفْتَعِلُهَا المُتَنَطِّعُون وَالمُكَفِّرُون:
وَكَانَ يَرْحَمُهُ اللهُ يَتَحَلَّى في رُدُودِهِ العِلْمِيَّةِ عَلَى مخَالِفِيهِ يَتَّسِمُ بِالطَّابَعِ المَوْضُوعِيّ 00
مِنْ ذَلِكَ رُدُودُهُ وَتَفْنِيدُهُ لِمَا اتُّهِمَ بِهِ أَبُو الوَلِيدِ حِينمَا أَخَذَ بِظَاهِرِ حَدِيثِ صَحِيفَةِ الحُدَيْبِيَةِ [وَهُوَ في الصَّحِيحَين] مِن إِثْبَاتِ الكِتَابَةِ عَلَى النَّبيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم؛ فَكَفَّرَهُ أَبُو بَكْرِ بْنُ الصَّائِغِ وَاتَّهَمَهُ بِذَلِكَ أَنَّهُ يُكَذِّبُ القُرْآنَ الَّذِي وَصَفَهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِأَنَّهُ النَّبيُّ الأُمِّيّ؛ حَتىَّ كَادَتْ تَكُونُ فِتْنَة؛ فَعَلَّقَ الإِمَامُ الذَّهَبيُّ عَلَى ذَلِكَ في تَرْجَمَتِهِ فَذَكَرَ تَقْبِيحَ العَامَّةِ لَهُمْ ثُمَّ قَال: " مَا كُلُّ مَن عَرَفَ أَنْ يَكْتُبَ اسْمَهُ فَقَطْ بخَارِجٍ عَنْ كَوْنِهِ أُمِّيَّاً لأَنَّهُ لاَ يُسَمَّى كَاتِبَاً " 0 ـ مَكَانَتُهُ في الفِقْه:
وَالذَّهَبيُّ لَمْ يَكُنْ بِالمُسْتَوَى الَّذِي يُزْرِي بِصَاحِبِهِ مِن حَيْثُ النَّظَرِ في كُتُبِ الفِقْهِ وَأَقْوَالِ الأَئِمَّة؛ قَالَ ابْنُ نَاصِرِ الدِّينِ الدِّمَشْقِيُّ المُتَوَفىَّ سَنَةَ 842 هـ في كِتَابِهِ الرَّدِّ الوَافِر: " لَهُ دُرْبَةٌ بِمَذَاهِبِ الأَئِمَّة " 0 ـ أَشْهَرُ تَلاَمِذَةِ الإِمَامِ الذَّهَبيّ: قَالَ ابْنُ قَاضِي شُهْبَةَ الأَسَدِيُّ في الإِعْلاَم: " سَمِعَ مِنهُ السُّبْكِيُّ وَالبِرْزَاليُّ وَالعَلاَئِيُّ وَابْنُ كَثِيرٍ وَابْنُ رَافِعٍ وَابْنُ رَجَب " 00 وَغَيرُهُمْ كَثِير 0
وَهَذَا الأَخِير: هُوَ الحَافِظُ أَبُو الفِدَاءِ عِمَادُ الدِّينِ ابْنُ كَثِير / صَاحِبُ التَّفْسِير المُتَوَفىَّ سَنَة 774 هـ، وَصَاحِبُ كِتَابِ " البِدَايَةِ وَالنِّهَايَة " وَالَّذِي تَولىَّ بَعْدَ وَفَاةِ الإِمَامِ الذَّهَبيِّ مَشْيَخَةَ تُرْبَةِ أُمِّ الصَّالح ـ قَالُواْ عَنِ الإِمَامِ الذَّهَبيّ: كَانَ زَاهِدَاً وَرِعَاً حَسَنَ الدِّيَانَة [أَيْ سَلِيمَ المُعْتَقَد] كَمَا كَانَتْ لَهُ صُحْبَةٌ بِمَشَاهِيرِ قُرَّاءِ زَمَانِهِ وَبِالكَثِيرِ مِنْ كِبَارِ الزُّهَّادِ وَالعُبَّادِ وَالنَّاسِكِين، وَالمُعْتَدِلِينَ مِنَ المُتَصَوُِّفِينَ غَيرِ الشَّاطِحِين 0
قَالَ عَنهُ تِلْمِيذُهُ تَقِيُّ الدِّينِ بْنُ رَافِعٍ السُّلاَمِيُّ المُتَوَفىَّ سَنَةَ 774 هـ: " كَانَ خَيِّرَاً صَالِحَاً مُتَوَاضِعَاً حَسَنَ الخُلُقِ حُلْوَ المحَاضَرَة، غَالِبُ أَوْقَاتِهِ في الجَمْعِ وَالاِخْتِصَار وَالاِشْتِغَالِ بِالعِبَادَة، لَهُ وِرْدٌ بِاللَّيْل [أَيْ قِيَامٌ بِاللَّيْل] وَعِنْدَهُ مُرُوءَةٌ وَعَصَبِيَّةٌ وَكَرَم " 00 العَصَبِيَّةُ هُنَا هِيَ الاِنْتِمَاء 0 وَقَالَ عَنهُ الزَّرْكَشِيُّ المُتَوَفىَّ سَنَةَ 794 هـ: " كَانَ عَلَيْهِ مِنَ الزُّهْدِ التَّامِّ وَالإِيثَارِ العَامِّ وَالسَّبْقِ إِلىَ الخَيْرَات " 0 هَذَا عَنْ صَلاَحِهِ وَخُلُقِه 00 وَلَكِنْ مَاذَا عَنْ مَكَانَتِهِ العِلْمِيَّةِ وَإِبْدَاعِهِ في الجَرْحِ وَالتَّعْدِيل 00 00؟ ـ مَا قَالُوهُ عَنْ مَكَانَتِهِ العِلْمِيَّةِ وَإِبْدَاعِهِ في الجَرْحِ وَالتَّعْدِيل:
لَقَدْ صَدَقَ تَاجُ الدِّينِ السُّبْكِيُّ في وَصْفِهِ لِلإِمَامِ الذَّهَبيِّ عِنْدَمَا قَالَ: " شَيْخُ الجَرْحِ وَالتَّعْدِيل " وَقَالَ ابْنُ نَاصِرِ الدِّينِ الدِّمَشْقِيُّ المُتَوَفىَّ سَنَةَ 842 هـ في كِتَابِهِ الرَّدِّ الوَافِر: " نَاقِدُ المُحَدِّثِينَ وَإِمَامُ المُعَدِّلِينَ وَالمُجَرِّحِين، كَانَ آيَةً في نَقْدِ الرِّجَال، عُمْدَةً في الجَرْحِ وَالتَّعْدِيل " 0 وَقَالَ شَمْسُ الدِّينِ السَّخَاوِيُّ المُتَوَفىَّ سَنَةَ 902 هـ في الإِعْلاَن: " وَهُوَ مِن أَهْلِ الاِسْتِقْرَاءِ التَّامِّ في نَقْدِ الرِّجَال " 0 هَذَا وَغَيرُهُ مِمَّا جَعَلَ أَحْكَامَ الإِمَامِ الذَّهَبيِّ لَدَى المُؤَرِّخِينَ وَرِجَالِ الحَدِيثِ وَكُتَّابَ الرَّائِقِ بمَثَابَةِ خَاتَمِ النَّسْر 0
وَوَصَفَهُ شَيْخُهُ وَرَفِيقُهُ عَلَمُ الدِّينِ أَبُو محَمَّدٍ القَاسِمُ بْنُ محَمَّدٍ البِرْزَاليُّ المُتَوَفىَّ سَنَةَ 739 هـ في مُعْجَمِ شُيُوخِهِ فَقَالَ عَنهُ وَالإِمَامُ الذَّهَبيُّ كَانَ لاَ زَالَ شَابَّاً في مُقْتَبَلِ العُمُر: " رَجُلٌ فَاضِلٌ صَحِيحُ الذِّهْن، اشْتَغَلَ وَرَحَلَ وَكَتَبَ الكَثِير، وَلَهُ تَصَانِيفُ وَاخْتِصَارَاتٌ مُفِيدَة، وَلَهُ مَعْرِفَةٌ بشيوخ القراءَات " 0 وَقَالَ تِلْمِيذُهُ صَلاَحُ الدِّينِ الصَّفَدِيُّ المُتَوَفىَّ سَنَةَ 764 هـ في الوَافي:
" الشَّيْخُ الإِمَامُ العَلاَّمَةُ الحَافِظُ شَمْسُ الدِّينِ أَبُو عَبْدِ اللهِ الذَّهَبيّ: حَافِظٌ لاَ يُجَارَى، وَلاَفِظٌ لاَ يُبَارَى، أَتْقَنَ الحَدِيثَ وَرِجَالَه، وَنَظَرَ عِلَلَهُ وَأَحْوَالَه، وَعَرَفَ تَرَاجِمَ النَّاس، وَأَزَالَ الإِبْهَامَ في تَوَارِيخِهِمْ وَالاِلْتِبَاس، ذِهْنٌ يَتَوَقَّدُ ذَكَاؤُه، وَصَحَّ إِلىَ الذَّهَبِ نِسْبَتُهُ وَانْتِمَاؤُه، جَمَعَ الكَثِير، وَنَفَعَ الجَمَّ الغَفِير، وَأَكْثَرَ مِنَ التَّصْنِيف، وَوَفَّرَ بِالاِخْتِصَارِ مَؤُونَةَ التَّطْوِيلِ في التَّأْلِيف، اجْتَمَعْتُ بِهِ وَأَخَذْتُ عَنهُ، وَقَرَأْتُ عَلَيْهِ كَثِيرَاً مِنْ تَصَانِيفِهِ، فَلَمْ أَجِدْ عِنْدَهُ جُمُودَ جُمُودَ المُحَدِّثِين، وَلاَ كَوْدَنَةَ النَّقَلَة، بَلْ هُوَ فَقِيهُ النَّظَر، لَهُ دُرْبَةٌ بِأَقْوَالِ النَّاسِ وَمَذَاهِبِ الأَئِمَّة " 0