كِتَابُ فَقْدِ الأَحِبَّة:
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ياسر الحمداني
- الكتاب
- موسوعة الرقائق والأدب
- المؤلف
- ياسر بن أحمد بن محمود بن أحمد بن أبي الحمد الكويس الحمداني
- عدد الأجزاء
- 1 [الكتاب مرقم آليا]
فَأَنْشَأَ يَقُول: وَاللهِ لاَ أَمْنَحُهَا شِرَارَهَا * فَلَوْ هَلَكْتُ قَدَّدَتْ خِمَارَهَا وَاتخَذَتْ مِنْ شَعَرٍ صِدَارَهَا * وَهْيَ حَصَانٌ قَدْ كَفَتْني عَارَهَا فَآلَيْتُ أَلاَ يُفَارِقَ الصِّدَارُ جَسَدِي مَا بَقِيت 00!! [في " الْعِقْدِ " وَفي " الإِصَابَةِ في مَعْرِفَةِ الصَّحَابَة " طَبْعَةِ دَارِ الجِيل 0 بَيرُوت: 616/ 7] اللَّهُمَّ ارْزُقْ عِبَادَكَ الطَِّيِّبِينَ وَالرُّحَمَاء، وَأَهْلَ المَعْرُوفِ وَالمحْسِنِينَ وَالنُّبَلاَء، وَصَفْوَةَ المُؤْمِنِينَ وَالأَتْقِيَاء: بِأُمَّهَاتٍ وَأَخَوَاتٍ وَبَنَاتٍ بِزَوْجَاتٍ كَالخَنْسَاء 00
وَقَالَتْ أَيْضَا: أَلاَ مَا لعَيْني أَلاَ مَالهَا * لَقَدْ أَخْضَلَ الدَّمْعُ سِرْبَالهَا أَيْ: بَلَّلَ الدَّمْعُ ثَوْبهَا، وَهْيَ اسْتِعَارَةٌ مَكنِيَّةٌ جَمِيلَة: حَيْثُ شَبَّهَتْ رَحِمَهَا اللهُ العَينَ بِالمَرْأَةِ البَاكِيَةِ التي بَلَّلَتْ ثِيَابهَا بِدُمُوعِهَا، ثمَّ حَذَفَتِ المُشَبَّهَ بِهِ ـ وَهْوَ المَرْأَة ـ وَاسْتَعَارَتْ مِنْ صِفَاتهَا السِّرْبَالَ: أَيِ الثَّوْب 0 وَقَالَتْ أَيْضَا: أَعيْنيَّ جُودَا وَلاَ تجْمُدَا * أَلاَ تَبْكيَان لِصَخْرِ النَّدَى أَلاَ تبْكِيَانِ الجَرِيءَالجَوَادَ * أَلاَ تَبْكِيَانِ الفَتى السَّيِّدَا
وَلَمَّا دَعَوْتُ الصَّبرَ بَعْدَكَ وَالأَسَى * أَجَابَ الأَسَى طَوْعَاً وَلَمْ يجِبِ الصَّبرُ فَأَنْظُرُ حَوْلي لاَ أَرَى غَيرَ قَبرِهِ * كَأَنَّ جمِيعَ الأَرْضِ عِنْدِي لَهُ قَبرُ فَتىً يَشْتَرِي حُسْنَ الثَّنَاءِ بِمَالِهِ * إِذَا السَّنَةُ الشَّهْبَاءُ قَلَّ بِهَا القَطْرُ تَرَى القَوْمَ حِينَ البَأْسِ يَنْتَظِرُونَهُ * إِذَا شَتَّ رَأْيُ القَوْمِ أَوْ حَزَبَ الأَمْرُ بِمَوْتِكَ صِرْنَا يَا أَخِي وَكَأَنَّنَا * نجُومُ سَمَاءٍ خَرَّ مِنْ بَيْنِهَا البَدْرُ فَلَيْتَكَ كُنْتَ الحيَّ في النَّاسِ يَا أَخِي * وَكُنْتُ أَنَا المَيْتُ الَّذِي ضَمَّهُ القَبرُ
فَإِنْ يَنْقَطِعْ مِنْكَ الرَّجَاءُ فَإِنَّمَا * بِقَلْبي عَلَيْكَ الحُزْنُ مَا بَقِيَ الدَّهْرُ ﴿الأَوَّلُ وَالثَّاني وَالأَخِيرُ لأَبي تمَّام، وَالثَّالِثُ لِلْعَبَّاسِ بْنِ الأَحْنَف، وَالخَامِسُ لِلرَّاعِي النُّمَيرِيّ﴾
فَقْدُ الأُخْت مَاتَتْ مَنْ كُنْتُ لَدَيهَا * أَعَزَّ مِنْ وَلَدَيْهَا كَانَتْ بحَقٍّ مَلاَكَاً * رَحْمَةُ اللهِ عَلَيْهَا فَقْدُ الزَّوْج
عَن أُمِّ المُؤْمِنِينَ أُمُّ سَلَمَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهَا قَالَتْ: " لَمَّا مَاتَ أَبُو سَلَمَةَ قُلْتُ: غَرِيبٌ وَفي أَرْضِ غُرْبَة؛ لأَبْكِيَنَّهُ بُكَاءً يُتَحَدَّثُ عَنْهُ فَكُنْتُ قَدْ تهَيَّأْتُ لِلْبُكَاءِ عَلَيْه، إِذْ أَقَبَلَتِ امْرَأَةٌ مِنَ الصَّعِيدِ تُرِيدُ أَنْ تُسْعِدَني ـ أَيْ تجَامِلَني بِالنُّوَاحِ مَعِي ـ فَاسْتَقْبَلَهَا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَال: " أَتُرِيدِينَ أَنْ تُدْخِلي الشَّيْطَانَ بَيْتَاً أَخْرَجَهُ اللهُ مِنْهُ مَرَّتَيْن "؟ فَكَفَفْتُ عَنِ البُكَاءِ فَلَمْ أَبْكِ " 0 [الإِمَامُ مُسْلِمٌ في كِتَابِ الجَنَائِزِ، بَاب: البُكَاءِ عَلَى المَيِّت بِرَقْم: 922]
عِوَضُ الصَّابِرِين عَن أَنَسٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ قَال: " لَمَّا حَضَرَتْ أَبَا سَلَمَةَ الْوَفَاةُ قَالَتْ أُمُّ سَلَمَة: إِلى مَنْ تَكِلُني 00؟ فقال رَضِيَ اللهُ عَنهُ: " اللهُمَّ إِنَّكَ لأُمِّ سَلَمَةَ خَيرٌ مِن أَبي سَلَمَة " 0 فَلَمَّا تُوُفيَ خَطَبَهَا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم " 0 [صَحَّحَهُ الْعَلاَّمَةُ الأَلْبَانيُّ في السِّلْسِلَةِ الصَّحِيحَةِ بِرَقْم: 293، رَوَاهُ الإِمَامُ أَبُو يَعْلَى]
عَن أُمِّ المُؤْمِنِينَ أُمِّ سَلَمَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهَا قَالَتْ: " سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُول: " مَا مِن عَبْدٍ تُصِيبهُ مُصِيبَةٌ فَيَقُول: إِنَّا للهِ وَإِنا إِلَيْهِ رَاجِعُون، اللَّهُمَّ أْجُرْني في مُصِيبَتي وَاخْلُفْ لي خَيرَاً مِنهَا؛ إِلاَّ أَجَرَهُ اللهُ في مُصِيبَتَه وَأَخْلَفَ لَهُ خَيرَاً منهَا " 00 فَلَمَّا تُوُفيَ أَبُو سَلَمَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ قُلْتُ: مَن خَيْرٌ مِن أَبي سَلَمَةَ صَاحِبِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم 00؟ ثُمَّ عَزَمَ اللهُ لي [أَيْ قَدَّرَ اللهُ لي] فَقُلْتُهَا؛ فَتَزَوَّجْتُ رَسُولَ الله " 0 [رَوَاهُ مُسْلِمٌ في صَحِيحِهِ بِرَقْم: 918 / عَبْد البَاقِي]
عَن أُمِّ سَلَمَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهَا أَنَّ أَبَا سَلَمَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ حَدَّثَهَا أَنَّهُ سَمِعَ النَّبيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُول: " مَا مِنْ مُسْلِمٍ يُصَابُ بمُصِيبَةٍ فَيَفْزَعُ إِلى مَا أَمَرَ اللهُ بِهِ مِنْ قَوْلِهِ إِنَّا للهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُون، اللهُمَّ عِنْدَكَ احْتَسَبْتُ مُصِيبَتي فَأْجُرْني فِيهَا وَعَوِّضْني مِنْهَا؛ إِلاَّ آجَرَهُ اللهُ عَلَيْهَا وَعَاضَهُ خَيْرَاً مِنْهَا؛ تَقُولُ أُمُّ سَلَمَة: فَلَمَّا تُوُفِّيَ أَبُو سَلَمَةَ ذَكَرْتُ الَّذِي حَدَّثَني عَنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقُلْتُ: إِنَّا للهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُون، اللهُمَّ عِنْدَكَ احْتَسَبْتُ مُصِيبَتي هَذِهِ فَأْجُرْني عَلَيْهَا، فَإِذَا أَرَدْتُ أَن أَقُولَ وَعِضْني خَيْرَاً مِنْهَا قُلْتُ في نَفْسِي: أُعَاضُ خَيْرَاً مِن أَبِي سَلَمَة 00؟! ثُمَّ قُلْتُهَا؛ فَعَاضَني اللهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالى محَمَّدَاً صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَآجَرَني في مُصِيبَتي " 0 [صَحَّحَهُ الْعَلاَّمَةُ الأَلبَانيُّ في الإِمَامِ ابْنِ مَاجَةَ بِرَقْم: 1598، رَوَاهُ البَيْهَقِيُّ في الشُّعَب: 9697، وَفي الكَنْزِ بِرَقْم: 6633]
وَجَاءَ في رِوَايَةٍ أُخْرَى لِلْحَاكِمِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ أَنَّهَا قَالَتْ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا: " وَكُنْتُ إِذَا أَرَدْتُ أَن أَقُولَ وَأَبْدِلْني بِهَا خَيرَاً مِنهَا قُلْتُ: وَمَن خَيرٌ مِن أَبي سَلَمَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ وَرَحْمَةُ اللهِ عَلَيْه؛ فَلَمْ أَزَلْ حَتىَّ قُلْتُهَا؛ يَقُولُ عُمَرُ بْنُ أَبي سَلَمَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ وَعَن وَالِدِهِ: فَلَمَّا انْقَضَتْ عِدَّتُهَا خَطَبَهَا أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ فَرَدَّتْهُ، وَخَطَبَهَا عُمَرُ رَضِيَ اللهُ عَنهُ فَرَدَّتْهُ؛ فَبَعَثَ إِلَيْهَا النَّبيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِيَخْطُبَهَا؛ فَقَالَتْ مَرْحَبَاً بِرَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَبِرَسُولِهِ، أَقْرِئْ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ السَّلاَمَ وَأَخْبِرْهُ أَنيِّ امْرَأَةٌ مُصْبِيَةٌ غَيرَى ـ أَيْ ذَاتُ صِبْيَةٍ وَغَيُور ـ وَأَنَّهُ لَيْسَ أَحَدٌ مِن أَوْلِيَائِي شَاهِدَاً؛ فَبَعَثَ إِلَيْهَا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم: أَمَّا قَوْلُكَ إِنيِّ مُصْبِيَة؛ فَإِنَّ اللهَ جَلَّ وَعَلاَ سَيَكْفِيكِ صِبْيَانَكِ،
وَأَمَّا قَوْلُكِ إِنيِّ غَيرَى؛ فَسَأَدْعُو اللهَ أَنْ يُذْهِبَ غَيْرَتَكِ، وَأَمَّا الأَوْلِيَاء: فَلَيْسَ أَحَدٌ مِنهُمْ شَاهِدٌ وَلاَ غَائِبٌ إِلاَّ سَيَرْضَاني؛ فَقَالَتْ لاِبْنِهَا: قُمْ يَا عُمَرُ فَزَوِّجْ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم؛ فَزَوَّجَهَا إِيَّاه، وَقَالَ لَهَا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم: " لاَ أَنْقُصُكِ مِمَّا أَعْطَيْتُ أُخْتَكِ فُلاَنَةً: جَرَّتَينِ وَرَحَاتَينِ وَوِسَادَةً مِن أَدَمٍ حَشْوُهَا لِيف " 00 يَقُولُ عُمَرُ بْنُ أَبي سَلَمَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ: فَكَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَأْتِيهَا وَهِيَ تُرْضِعُ زَيْنَب؛ فَكَانَتْ غَفَرَ اللهُ لَهَا: إِذَا جَاءَ النَّبيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَخَذَتْهَا فَوَضَعَتْهَا في حِجْرِهَا تُرْضِعُهَا؛
فَكَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَيِيَّاً كَرِيمَاً؛ فَيَرْجِعُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم؛ فَفَطِنَ لَهَا عَمَّارُ بْنُ يَاسِرٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ وَكَانَ أَخَاً لَهَا مِنَ الرَّضَاعَة؛ فَأَرَادَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَأْتِيَهَا ذَاتَ يَوْم؛ فَجَاءَ عَمَّارٌ رَضِيَ اللهُ عَنهُ فَدَخَلَ عَلَيْهَا؛ فَانْتَشَطَ زَيْنَبَ مِن حِجْرِهَا وَقَال: دَعِي هَذِهِ المَقْبُوحَةَ المَشْقُوحَة [أَيِ المُبْعَدَة]، الَّتي قَدْ آذَيْتِ بِهَا رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم؛ فَجَاءَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَدَخَلَ يُقَلِّبُ بَصَرَهُ في الْبَيْتِ وَيَقُول: أَيْنَ زَنَاب، مَالي لاَ أَرَى زَنَاب 00؟ فَقَالَتْ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا: جَاءَ عَمَّارٌ فَذَهَبَ بِهَا؛ فَبَنىَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِأَهْلِهِ " [صَحَّحَهُ الإِمَامُ الذَّهَبيُّ في التَّلْخِيص 0 رَوَاهُ الحَاكِمُ في المُسْتَدْرَكِ بِرَقْم: 6759]
مِنْ نَوَادِرِ أَخْبَارِ الأَصْمَعِيّ قَالَ الأَصْمَعِيّ: دَخَلتُ المَقَابِرَ وَمَعِي صَاحِبٌ لي، فَإذَا جَاريَة عَلَى قَبرٍ غَايَةٌ في الجَمَال، وَعَلَيهَا مِنَ الحُلِيِّ وَالحُلَل مَا لَمْ أَرَهُ عَلَى النِّسَاءِ قَطّ، كَانَتْ تَبْكِي بِعَينٍ غَزِيرَةِ وَصَوتٍ شَجيّ 00 بُكَاءٌ يَجْعَلُ الأَفْرَاحَ مَأْتَمْ فَالْتَفَتُّ إِلى صَاحِبي وَقُلتُ: هَلْ رَأَيْتَ أَعْجَبَ مِن هَذَا 00؟!
قَال: لاَ وَالله، وَلاَ أَحْسَبُني أَرَاه، ثُمَّ دَنَوْنَا مِنهَا فَقُلنَا لهَا: يَا أَمَةَ اللهِ إِنَّا نَرَاكِ حَزِينَةً وَمَا عَلَيْكِ مِنَ الثِّيَابِ لاَ يَدُلُّ عَلَى الحُزْن 00؟! فَأَنشَأَتْ تَقُول: أَيَا مَنْ تَسَلْ عَنْ سِرِّ حُزْنيَ إِنَّني * رَهِينَةُ هَذَا القَبرِ يَا فَتَيَانِ وَمَا ليَ لاَ أَبْكِي عَلَى مَنْ لَوَ انَّهُ * تَقَدَّمَ يَوْمِي يَوْمَهُ لَبَكَاني وَإِنيِّ لأَسْتَحْيِيهِ وَالتُّرْبُ بَيْنَنَا * كَمَا كُنْتُ أَسْتَحْيِيهِ حِينَ يَرَاني ﴿الْبَيْتُ الثَّاني فَقَطْ لِلْخَنْسَاءِ بِتَصَرُّف﴾
ثمَّ انخَرَطَتْ في البُكَاءِ وَجَعَلَتْ تَقُول: يَا صَاحِبَ القَبرِ يَا مَنْ كَانَ يَنعَمُ بي * بَالاً وَيُكْثِرُ في الدُّنيَا مُوَاسَاتي قَدْ زُرْتُ قَبرَكَ في حَلْيٍ وَفي حُلَلٍ * كَأَنَّني لَسْتُ مِن أَهْلِ المُصِيبَاتِ قَدْ كُنْتَ تَفْرَحُ بي في زِينَتي وَلِذَا * أَتَيْتُ قَبرَكَ رَافِلَةً بِزِينَاتي
وَقَالَتْ أُخْرَى: طَوَى المَوْتُ مَا بَيْني وَبَينَ أَحِبَّتي * وَلَيْسَ لِمَا تَطْوِي المَنِيَّةُ نَاشِرُ وَكُنْتُ أُحَاذِرُ أَن أَرَى المَوْتَ قَبْلَهُمْ * فَلَمْ يَبْقَ لي شَيْءٌ عَلَيْهِ أُحَاذِرُ لَئِن عَمُرَتْ دُورٌ بِمَنْ لاَ أُحِبُّهُ * لَقَدْ عَمُرَتْ مِمَّن أُحِبُّ المَقَابِرُ يَغُرُّ الْفَتى مَرُّ اللَّيَالي هَنِيئَةً * وَهُنَّ بِهِ عَمَّا قَلِيلٍ غَوَادِرُ ﴿أَبُو نُوَاسٍ بِتَصَرُّف 0 بِاسْتِثْنَاءِ الْبَيْتِ الرَّابِعِ فَهُوَ لآخَر﴾
زَوْجَةُ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ بَعْدَ مَقْتَلِه لَمَّا دُفِنَ عُثْمَانُ رَضِيَ اللهُ عَنهُ وَقَفَتْ زَوْجَتُهُ نَائِلَةُ عَلَى قبرِهِ، فَتَرَحَّمَتْ عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَتْ: وَمَا ليَ لاَ أَبْكي وَتَبْكِي صَوَاحِبي * وَقَدْ ذَهَبَتْ عَنَّا فُضُولُ أَبي عَمْرٍو ثمَّ انصَرَفَتْ إِلى مَنزلهَا فَقَالَتْ: " إِنيِّ رَأَيْتُ الحزْنَ يَبْلَى كَمَا يَبْلَى الثوْب، وَقَدْ خِفْتُ أَنْ يَبْلَى حُزْني عَلَى عُثمَان ـ وَكَانَتْ مِن أَجْمَلِ جَمِيلاَتِ قُرَيْشٍ بِلاَ مُنَازِع ـ تَزَوَّجَهَا بادئاً ذَا بَدْءٍ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبي بَكْر رَضِيَ اللهُ عَنهُ، فَلَمَّا أَنْ مَاتَ عَنهَا وَهْيَ لاَ تَزَالُ بِحُسْنِهَا تَزَوَّجَهَا عُمَر، فَلَمَّا مَاتَ عَنهَا وَهْيَ لاَ زَالَتْ بحُسْنِهَا تَزَوَّجَهَا عُثمَان، فَلَمَّا مَاتَ عَنهَا فَعَلَتْ مَا فَعَلَتْ، ثمَّ قَالَتْ: مَا الَّذِي يُعْجِبُ فيَّ الرِّجَال 00؟
قَالُواْ لهَا: ثَغْرُكِ وَشَعْرُكِ؛ فَدَعَت بِفِهْرٍ فَهَشَّمَتْ بِهِ ثَغْرَهَا، وَدَعَتْ بمِقَصٍّ فَقَصَّتْ بِهِ شَعْرَهَا وَقَالَتْ: واللهِ لاَ أُقعِدَنَّ مِني رَجُلاً مَقعَدَ عُثمَانَ أَبَدَاً 00!! وَكَمَا بَدَأْتُ حَدِيثِيَ عَنْ فَقْدِ الزَّوْجِ بِأُمِّ سَلَمَة؛ أَخْتِمُهُ أَيْضَاً بِأُمِّ سَلَمَةَ وَأُمِّ الدَّرْدَاء رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا؛ لِتَسْمَعَهُ وَتَعِيَهُ كُلُّ امْرَأَةٍ وَفِيَّةٌ مخْلِصَةٌ أَحَبَّتْ زَوْجَهَا حُبَّاً جَمَّا، فَلَمَّا مَاتَ عَنهَا وَفَارَقَهَا أَصَابهَا حُزْنٌ شَدِيد، وَلَمْ تُفَكِّرْ في زَوْجٍ جَدِيد، وَلاَ شَعُرَتْ بَعْدَهُ بِيَوْمٍ سَعِيد، وَبِرَغْمِ فَرْطِ جمَالهَا وَقِلَّةِ مَالهَا وَسُوءِ حَالهَا؛ رَدَّتْ رَاغِبِيهَا وَاعْتَكَفَتْ عَلَى تَرْبِيَةِ عِيَالهَا، تِلْكَ الَّتي أُهْدِيهَا هَذِهِ القِصَّة:
عَن أَبي الدَّرْدَاءِ رَضِيَ اللهُ عَنهُ عَنِ النَّبيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَال: " أَيُّمَا امْرَأَةٍ تُوُفِّيَ عَنهَا زَوْجُهَا فَتَزَوَّجَتْ بَعْدَهُ؛ فَهِيَ لآخِرِ أَزْوَاجِهَا " 0 [صَحَّحَهُ الْعَلاَّمَةُ الأَلبَانيُّ في الصَّحِيحِ وَالصَّحِيحَةِ بِرَقْمَيْ: (2704، 1281)، رَوَاهُ الإِمَامُ الطَّبَرَانيُّ في الْكَبِير] عَنْ سَلْمَى بِنْتِ جَابِرٍ رَضِيَ اللهُ عَنهَا أَنَّ زَوْجَهَا اسْتُشْهِد؛ فَأَتَتْ عَبْدَ اللهِ بْنَ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ فَقَالَتْ: إِنيِّ امْرَأَةٌ قَدِ اسْتُشْهِدَ زَوْجِي، وَقَدْ خَطَبَني الرِّجَالُ فَأَبَيْتُ أَن أَتَزَوَّجَ حَتىَّ أَلْقَاه؛ فَتَرْجُو لي إِنِ اجْتَمَعْتُ أَنَا وَهُوَ أَن أَكُونَ مِن أَزْوَاجِهِ 00؟ قَالَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ: نَعَمْ " 0 [صَحَّحَهُ الْعَلاَّمَة أَحْمَد شَاكِر في المُسْنَدِ بِرَقْم: 3822، رَوَاهُ الإِمَامُ أَحْمَدُ في مُسْنَدِه]
خَطَبَ أَمِيرُ المُؤْمِنِينَ مُعَاوِيَةُ بْنُ أَبي سُفيَانَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ أُمَّ الدَّرْدَاءِ فَأَبَتْ أَنْ تَتَزَوَّجَهُ وَقَالَتْ: سَمِعْتُ أَبَا الدَّرْدَاءِ يَقُول: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم: " المَرْأَةُ لآخِرِ أَزْوَاجِهَا في الدُّنيَا " 0 [صَحَّحَهُ الْعَلاَّمَةُ الأَلبَانيُّ في " السِّلْسِلَةِ الصَّحِيحَةِ " بِرَقْم: 1281]
ذَهَبَ حُسْنُ الخُلُقِ بخَيرِ الدُّنيَا وَالآخِرَة أَمَّا الّتي تَزَوَّجَتْ ثمَّ نَدِمَتْ ـ بَعْدَمَا رَأَتْ مِنَ الفَارِقِ الكَبِيرِ بَينَ زَوْجِهَا الأَوَّلِ حَسَنِ الخُلُقِ وَهَذَا الّذِي ابْتُلِيَتْ بِه؛ فَأَسُوقُ إِلَيْهَا هَذَا الحَدِيث: عَن أُمِّ المُؤْمِنِينَ أُمِّ سَلَمَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهَا وَكَانَتِ امْرَأَةً حَسْنَاءَ لِدَرَجَةِ أَنَّ السَّيِّدَةَ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهَا كَانَتْ تَغَارُ مِنهَا، قَالَتْ لِلنَّبيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم: " يَا رَسُولَ الله: إِنَ المَرْأَةَ مِنَّا تَتَزَوَّجُ زَوْجَينِ أَوْ ثَلاَثَةً أَوْ أَرْبَعَة، ثُمَّ تمُوتُ فَتَدْخُلُ الجَنَّةَ وَيَدْخُلُونَ مَعْهَا 00 مَنْ يَكُونُ زَوْجُهَا 00؟
قَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم: " يَا أُمَّ سَلَمَة، إِنَّهَا تخَيرُ فَتَخْتَارُ أَحْسَنَهُمْ خُلُقَاً؛ فَتَقُول: أَيْ رَبّ، إِنَّ هَذَا كَانَ أَحْسَنَهُمْ مَعِي خُلُقَاً في دَارِ الدُّنيَا فَزَوِّجْنِيه 00 يَا أُمَّ سَلَمَة: ذَهَبَ حُسْنُ الخُلُقِ بخَيرِ الدُّنيَا وَالآخِرَة " 0 [أَنْكَرَهُ الأَلبَانيُّ في " التَّرْغِيب "، وَضَعَّفَهُ الهَيْثَمِيُّ في المجمع: (418/ 10)، رَوَاهُ الطَّبرَانيُّ، وَهُوَ في " الكَنْزِ " بِرَقْم: 45582]
فَقْدُ الزَّوْجَة عَن أُمِّ المُؤْمِنِينَ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهَا قَالَتْ: " مَا غِرْتُ عَلَى أَحَدٍ مِنْ نِسَاءِ النَّبيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا غِرْتُ عَلَى خَدِيجَةَ وَمَا رَأَيْتُهَا، وَلَكِنْ كَانَ النَّبيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُكْثِرُ ذِكْرَهَا، وَرُبَّمَا ذَبَحَ الشَّاةَ ثُمَّ يُقَطِّعُهَا أَعْضَاءً ثُمَّ يَبْعَثُهَا في صَدَائِقِ خَدِيجَة؛ فَرُبَّمَا قُلْتُ لَهُ: كَأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ في الدُّنْيَا امْرَأَةٌ إِلاَّ خَدِيجَةُ فَيَقُول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم: " إِنَّهَا كَانَتْ وَكَانَتْ وَكَانَ لي مِنْهَا وَلَدٌ " 0 [الإِمَامُ البُخَارِيُّ في كِتَابِ المَنَاقِبِ في بَاب: تَزْوِيجِ النَّبيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَدِيجَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهَا وَفَضْلِهَا بِرَقْم: 3818]
عَن أَنَسٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ عَنِ النَّبيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ كَانَ إِذَا أُتِيَ بِشَيْءٍ يَقُول: " اذْهَبُواْ بِهِ إِلىَ فُلاَنَة؛ فَإِنَّهَا كَانَتْ صَدِيقَةَ خَدِيجَة، اذْهَبُواْ بِهِ إِلىَ فُلاَنَة؛ فَإِنَّهَا كَانَتْ تُحِبُّ خَدِيجَة " 0 [صَحَّحَهُ الإِمَامُ الذَّهَبيُّ في التَّلْخِيص، رَوَاهُ الحَاكِمُ في المُسْتَدْرَكِ بِرَقْم: 7339]
عَن أُمِّ المُؤْمِنِينَ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهَا قَالَتْ: " لَمَّا بَعَثَ أَهْلُ مَكَّةَ في فِدَاءِ أُسَارَاهُمْ: بَعَثَتْ زَيْنَبُ بِنْتُ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في فِدَاءِ أَبي الْعَاصِ بِقِلاَدَة، كَانَتْ خَدِيجَةُ أَدْخَلَتْهَا بِهَا عَلَى أَبِي الْعَاصِ حِينَ بَنىَ عَلَيْهَا؛ فَلَمَّا رَآهَا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَقَّ لَهَا رِقَّةً شَدِيدَةً وَقَال: " إِنْ رَأَيْتُمْ أَنْ تُطْلِقُوا لَهَا أَسِيرَهَا، وَتَرُدُّوا عَلَيْهَا الَّذِي لَهَا "؟ فَقَالُواْ نَعَمْ " 0 [حَسَّنَهُ الأُسْتَاذ شُعَيْب الأَرْنَؤُوط في المُسْنَدِ بِرَقْم: 26362، وَالْعَلاَّمَةُ الأَلبَانيُّ في سُنَنِ الإِمَامِ أَبي دَاوُدَ بِرَقْم: 2692]
مُصَابُ الزَّوْجِ الوَفيِّ في زَوْجَتِه عَن أُمِّ المُؤْمِنِينَ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا قَالَتْ: " قَدِمْنَا مِنْ سَفَر، فَتَلَقَّوْنَا بِذِي الحُلَيْفَة، وَكَانَ غِلْمَانُ الأَنْصَارِ يَتَلَقَّوْنَهُمْ إِذَا قَدِمُواْ، فتَلَقَّوْاْ أُسَيْدَ بْنَ حُضَيْرٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ فَنَعَوْاْ إِلَيْهِ امْرَأَتَه، فَتَقَنَّعَ يَبْكِي؛ فَقُلْتُ لَهُ: سُبْحَانَ الله؛ أَنْتَ مِن أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَكَ في السَّابِقَةِ مَا لَكَ، تَبْكِي عَلَى امْرَأَة " 0 [صَحَّحَهُ الإِمَامُ الذَّهَبيُّ في التَّلْخِيص، رَوَاهُ الحَاكِمُ في المُسْتَدْرَكِ بِرَقْم: 4927]
عَنْ الْقَاسِمِ بْنِ محَمَّدٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ أَنَّهُ قَال: " هَلَكَتِ امْرَأَةٌ لي، فَأَتَاني محَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ الْقُرَظِيُّ يُعَزِّيني بهَا فَقَال: إِنَّهُ كَانَ في بَني إِسْرَائِيلَ رَجُلٌ فَقِيهٌ عَالِمٌ عَابِدٌ مجْتَهِد، وَكَانَتْ لَهُ امْرَأَة، وَكَانَ بهَا مُعْجَبَاً، وَلهَا مُحِبَّاً فَمَاتَتْ؛ فَوَجَدَ عَلَيْهَا وَجْدَاً شَدِيدَاً، وَلَقِيَ عَلَيْهَا أَسَفَاً، حَتىَّ خَلاَ في بَيْتٍ وَغَلَّقَ عَلَى نَفْسِه، وَاحْتَجَبَ مِنْ النَّاس، فَلَمْ يَكُنْ يُدْخِلُ عَلَيْهِ أَحَدَا، وَإِنَّ امْرَأَةً سَمِعَتْ بِهِ فَجَاءتْهُ فَقَالَتْ: إِنَّ لي إِلَيْهِ حَاجَةً أَسْتَفْتِيهِ فِيهَا، لَيْسَ يُجْزِئُني فِيهَا إِلاَّ مُشَافَهَتُه، فَذَهَبَ النَّاسُ وَلَزِمَتْ بَابَهُ وَقَالَتْ:
مَا لي مِنهُ بُدّ، فَقَالَ لَهُ قَائِلٌ: إِنَّ هَهُنَا امْرَأَةً أَرَادَتْ أَنْ تَسْتَفْتِيَكَ وَقَالَتْ إِن أَرَدْتُ إِلاَّ مُشَافَهَتَه، وَقَدْ ذَهَبَ النَّاس، وَهِيَ لاَ تُفَارِقُ الْبَاب؛ فَقَال: ائْذَنُوا لهَا، فَدَخَلَتْ عَلَيْهِ فَقَالَتْ: إِني جِئْتُكَ أَسْتَفْتِيكَ في أَمْرٍ، قَال: وَمَا هُوَ 00؟ قَالَتْ: إِني اسْتَعَرْتُ مِنْ جَارَةٍ لي حُلِيَّاً، فَكُنْتُ أَلْبَسُهُ وَأُعِيرُهُ زَمَانَاً، ثمَّ إِنَّهُمْ أَرْسَلُواْ إِليَّ فِيهِ أَفَأُؤَدِّيهِ إِلَيْهِمْ 00؟
فَقَالَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ: نَعَمْ، فَقَالَتْ: إِنَّهُ قَدْ مَكَثَ عِنْدِي زَمَانَاً 00؟ فَقَالَ ذَلِكِ أَحَقُّ لِرَدِّكِ إِيَّاهُ إِلَيْهِمْ حِينَ أَعَارُوكِيهِ زَمَانَاً؛ فَقَالَتْ: أَيْ يَرْحَمُكَ الله: أَفَتَأْسَفُ عَلَى مَا أَعَارَكَ اللهُ ثمَّ أَخَذَهُ مِنْكَ وَهُوَ أَحَقُّ بِهِ مِنْك 00؟! فَأَبْصَرَ مَا كَانَ فِيهِ وَنَفَعَهُ اللهُ بِقَوْلهَا " 0 [الإِمَامُ مَالِكٌ في " المُوَطَّإِ " بِرَقْم: 559]
وَمِن أَرَقِّ وَأَجْمَلِ مَا قِيلَ في فَقْدِ الزَّوْجَةِ قَوْلُ المُتَنَبيِّ: وَلَوْ كَانَ النِّسَاءُ كَمَنْ فَقَدْنَا * لَفُضِّلَتِ النِّسَاءُ عَلَى الرِّجَالِ وَمَا تَأْنِيثُنَا لِلشَّمْسِ عَيْبَاً * وَلاَ التَّذْكِيرُ فَخْرَاً لِلْهِلاَلِ ﴿المُتَنَبيِّ بِتَصَرُّف﴾ وَقَوْلُ رَبِّ السَّيْفِ وَالْقَلَم [محْمُود سَامي البَارُودِي]: يَا مَوْتُ فِيمَ فَجَعْتَني في زَوْجَةٍ * كَانَتْ خُلاَصَةَ عُدَّتي وَعَتَادِي إِنْ كُنْتَ لَمْ تَرْحَمْ صِبَايَ بِفَقْدِهَا * هَلاَّ رَحِمْتَ بِفَقْدِهَا أَوْلاَدِي
وَقَوْلُ الآخَر: أَحِبَّاءَنَا بِنْتُمْ عَنِ الدَّارِ فَاشْتَكَتْ * لِبُعْدِكُمُ آصَالَهَا وَضُحَاهَا وَفَارَقْتُمُ البَلَدَ المُبَارَكَ فَاسْتَوَتْ * رُسُومُ مَبَانِيهَا وَخِصْبُ كَلاَهَا كَأَنَّكُمُ يَوْمَ الرَّحِيلِ رَحَلتُمُ * بِنَوْمِي فَعَيْني لاَ تُصِيبُ كَرَاهَا وَكَانَتْ دُمُوعِي في البُكَاءِ عَزِيزَةً * فَسَحَّتْ دُمُوعِي بَعْدَكُمْ بِدِمَاهَا يَرَاني خَلِيلِي بَاسِمَاً فَيَظُنُّني * سَعِيدَاً وَأَحْشَائِي الأَنِينُ كَوَاهَا رَعَى اللهُ أَيَّامَاً بِطِيبِ جِوَارِكُمْ * تَقَضَّتْ وَحَيَّاهَا الحَيَا وَسَقَاهَا فَمَا قُلْتُ إِيهٍ بَعْدَهَا لِمُسَامِرٍ * مِنَ النَّاسِ إِلاَّ قَالَ قَلْبيَ آهَا
عَسَى رَبُّنَا أَنْ يُبْدِلَنَا خَيرَاً مِنهَا، إِنَّا إِلى رَبِّنَا رَاغِبُون للهِ عَهْدٌ مَرَّ لي في ظِلِّهَا * أَبْكِي عَلَيْهِ وَتَارَةً أَبْكِيهَا ﴿إِيلِيَّا أَبُو مَاضٍ﴾ مَضَتِ الَّتي كَانَتْ كَزَنْبَقَةِ الرُّبَى * في طُهْرِهَا وَأَرِيجِهَا وَصِفَاتهَا فَكَأَنَّمَا الأَغْصَانُ أَثْقَلَهَا الأَسَى * أَفَمَا تَرَاهَا قَوَّسَتْ هَامَاتهَا وَمَشَى النَّسِيمُ إِلى الزُّهُورِ مُعَزِّيَاً * يَبْكِي وَتَمْسَحُ كَفُّهُ عَبَرَاتهَا وَاللهِ لَنْ تَفِيَ النُّفُوسُ بِحُبِّهَا * حَتىَّ تَفِيضَ اليَوْمَ مِن حَسَرَاتهَا
وَمِنَ الطَّرِيفِ حَوْلَ هَذَا المَعْنى: أَني كُنْتُ قَدْ فَقَدْتُ أَوْرَاقَاً مِنْ كِتَابٍ لي؛ فَجَزِعْتُ عَلَيْهَا جَزَعَاً شَدِيدَاً، وَظَلَلتُ أَبحَثُ عَنهَا عُمُرَاً مَدِيدَاً؛ آمِلاً في العُثُورِ عَلَيْهَا فَلَمْ يُمْكِني ذَلِك؛ فَكُنْتُ أُرَدِّدُ هَذِهِ الآيَةَ الكَرِيمَة: ﴿عَسَى رَبُّنَا أَنْ يُبْدِلَنَا خَيرَاً مِنهَا، إِنَّا إِلى رَبِّنَا رَاغِبُون﴾ [القَلَم: 32] وَهَذِهِ الآيَةُ مِنْ بَرَكَتِهَا أَنَّ كُلَّ مَنْ فَقَدَ شَيْئَاً بِإِمْكَانِهِ تَرْدِيدُهَا، فَيُمْكِنُ لِلزَّوْجِ الحَزِينَ أَنْ يُرَدِّدَهَا إِنْ مَاتَتْ زَوْجَتُهُ الوَفِيَّةُ العَرُوب، الّتي كَانَ يحِبُّهَا حُبَّاً جَمَّا؛ عَسَى أَنْ يجِدَ فِيهَا الصَّبرَ وَالسُّلوَان، وَالحِسْبَةَ وَالعَزَاء 0
فَقْدُ الخَال رَأَيْتُ الخَطْبَ جَلَّ عَنِ العَزَاءِ * فَفَاضَ الشِّعْرُ يَنْطِقُ بِالرِّثَاءِ وَفَاضَ الدَّمْعُ مِن عَيْني غَزِيرَاً * كَأَنَّ عُيُونَنَا يُنْبُوعُ مَاءِ فَيَا مَنْ قَدْ حَزِنْتَ لِفَقْدِ خَالٍ * تجَمَّلْ إِنَّهُ حُكْمُ القَضَاءِ وَدِدْنَا أَنْ يَعِيشَ النُّبْلُ دَهْرَاً * وَأَنْ تحْيى المَكَارِمُ في ارْتِقَاءِ وَكُنَّا نَبْتَغِي لِلجُودِ عُمْرَاً * وَنَرْجُو لِلنَّدَى طُولَ البَقَاءِ وَلَكِنَّ المَنِيَّةَ عَاجَلَتْنَا * وَأَوْدَتْ بِالكَرِيمِ أَبي السَّخَاءِ ﴿هَاشِمٌ الرِّفَاعِي بِتَصَرُّف﴾
فَقْدُ العَمّ عَن أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ عَنِ النَّبيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ مَرَّ عَلَى حَمْزَةَ وَقَدْ مُثِّلَ بِهِ فَقَال: " لَوْلاَ أَنْ تجِدَ صَفِيَّةُ في نَفْسِهَا؛ لَتَرَكْتُهُ حَتىَّ تَأْكُلَهُ الْعَافِيَةُ حَتىَّ يُحْشَرَ مِنْ بُطُونهَا، وَقَلَّتْ الثِّيَابُ وَكَثُرَتْ الْقَتْلَى ـ أَيْ يَوْمَ أُحُدٍ ـ فَكَانَ الرَّجُلُ وَالرَّجُلاَنِ وَالثَّلاَثَةُ يُكَفَّنُونَ في الثَّوْبِ الْوَاحِدِ ثُمَّ يُدْفَنُونَ في قَبْرٍ وَاحِد، فَكَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَسْأَلُ أَيُّهُمْ أَكْثَرُ قُرْآنَاً فَيُقَدِّمُهُ إِلى الْقِبْلَة " 0 [حَسَّنَهُ الأَلبَانيُّ في " سُنَنِ أَبي دَاوُدَ " بِرَقْم: (2729)، وَقَالَ الهَيْثَمِيُّ في " المجْمَعِ ": رِجَالُهُ رِجَالُ الصَّحِيحِ 0 ص: 24/ 3] وَالعَافِيَة: هِيَ الطُّيُورُ وَالسِّبَاع 0
عَن عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ قَالَ في شُهَدَاءِ أُحُد: " أُتِيَ بِهِمْ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ أُحُدٍ فَجَعَلَ يُصَلِّي عَلَى عَشَرَةٍ عَشَرَة، وَحَمْزَةُ هُوَ كَمَا هُوَ، يُرْفَعُونَ وَهُوَ كَمَا هُوَ مَوْضُوعٌ " 0 [صَحَّحَهُ الْعَلاَّمَةُ الأَلبَانيُّ في سُنَنِ الإِمَامِ ابْنِ مَاجَةَ بِرَقْم: 1513] وَفي حَدِيثٍ آخَرَ لِلإِمَامِ أَحْمَدَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ رَوَاهُ عَن عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ قَال: " صَلَّى عَلَيْهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَئِذٍ سَبْعِينَ صَلاَة " 0 [صَحَّحَهُ الْعَلاَّمَة أَحْمَد شَاكِر في المُسْنَدِ بِرَقْم: 4414، رَوَاهُ الإِمَامُ أَحْمَدُ في مُسْنَدِه]
فَقْدُ الجَدّ فَقَبْرُكَ فِيهِ العِلْمُ وَالزُّهْدُ يَا جَدُّ * إِلى كُلِّ رُكْنٍ في المَكَارِمِ يمْتَدُّ وَقَائِلَةٍ وَالدَّمْعُ يمْلأُ جَفْنَهَا * أَمِثْلُكَ يَبْكِي أَيُّهَا الرَّجُلُ الجَلْدُ وَمَا نحْنُ في الأَيَّامِ إِلاَّ سَفِينَةٌ * فَيَخْفِضُنَا جَزْرٌ وَيَرْفَعُنَا مَدُّ ﴿البَيْتُ الأَوَّلُ لِلشَّاعِرِ الْعَظِيم / هَاشِمٍ الرِّفَاعِي، وَالبَيْتَانِ الأَخِيرَانِ لمحَمَّدٌ الأَسْمَر﴾
فَقْدُ الصَّدِيق عَن أَبي هرَيرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ عَنِ النَّبيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَال: " يَقُولُ اللهُ تَعَالى: مَا لِعَبْدِي المُؤْمِنِ عِنْدِي جَزَاءٌ إِذَا قَبَضْتُ صَفِيَّهُ مِن أَهْلِ الدُّنْيَا، ثُمَّ احْتَسَبَهُ إِلاَّ الجَنَّة " 0 [الإِمَامُ البُخَارِيُّ في كِتَابِ الرِّقَاقِ بَاب: العَمَلِ الَّذِي يُبْتَغَى بِهِ وَجْهُ الله بِرَقْم: (6424)، وَفي " الكَنْزِ " بِرَقْم: 6561]
قَالَ عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ التَّمِيمِيّ الحَنْبَلِيّ: أَخْبَرَنَا أَبُو الحُسَيْنِ الْعَتَكِيُّ قَال: سَمِعْتُ إِبْرَاهِيمَ الحَرْبيَّ يَقُولُ لجَمَاعَة عِنْدَهُ: مِنْ تَعُدُّونَ الْغَرِيبَ في زمَانِكُمْ 00؟ فَقَالَ رَجُل: الْغَرِيبُ مِنْ نَأْى عَنْ وَطَنِه، وَقَالَ آخِر: الْغَرِيبُ مِنْ فَارَقَ أَحْبَابَه؛ فَقَالَ إِبْرَاهِيم: الْغَرِيبُ في زَمَانِنَا: رَجُلٌ صَالِحٌ عَاشَ بَيْنَ قَوْمٍ صَالحِين؛ إِن أَمَرَ بِمَعْرُوفٍ آزَرُوه، وَإِنْ نَهَى عَنْ مُنْكَرٍ أَعَانُوه، وَإِنِ احْتَاجَ إِلىَ سَبَبٍ مِنَ الدُّنْيَا مَانُوه، ثُمَّ مَاتُواْ وَتَرَكُوه " 0 [الإِمَامُ الذَّهَبيُّ في سِيَرِ أَعْلاَمِ النُّبَلاَء 0 طَبْعَةِ مُؤَسَّسَةِ الرِّسَالَة 0 ص: 363/ 13]
وَعَلَّنَا نَذْكُرُ حِينَ طَلَبَتْ بَعْضُ قَبَائِلِ العَرَبِ مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَفَرَاً مِن أَصْحَابِهِ يُقْرِئُونَهُمُ القُرْآن؛ فَاصْطَفَى مِنْ قَوْمِهِ سَبْعِينَ رَجُلاً مِن خِيرَةِ الصَّحَابَةِ وَأَرْسَلَهُمْ إِلَيْهِمْ فَغَدَرُواْ بهِمْ وَقَتَلُوهُمْ، في الحَادِثَةِ المَعْرُوفَةِ بِبِئْرِ مَعُونَة؛ فَحَزِنَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى أَصْحَابِهِ حُزْنَاً شَدِيدَاً 00
عَن أَنَسٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ قَال: " بَعَثَ النَّبيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَقْوَامَاً مِنْ بَني سُلَيْمٍ إِلى بَني عَامِرٍ في سَبْعِين، فَلَمَّا قَدِمُواْ قَالَ لهُمْ خَالي: أَتَقَدَّمُكُمْ؛ فَإِن أَمَّنُوني حَتىَّ أُبَلِّغَهُمْ عَنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَإِلاَّ كُنْتُمْ مِنيِّ قَرِيبَاً، فَتَقَدَّمَ فَأَمَّنُوه، فَبَيْنَمَا يُحَدِّثُهُمْ عَنِ النَّبيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذْ أَوْمَأُواْ إِلى رَجُلٍ مِنْهُمْ فَطَعَنهُ فَأَنْفَذَه، فَقَالَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ: اللهُ أَكْبر، فُزْتُ وَرَبِّ الكَعْبَة، ثمَّ مَالُواْ عَلَى بَقِيَّةِ أَصْحَابِهِ فَقَتَلُوهُمْ إِلاَّ رَجُلاً أَعْرَجَ صَعِدَ الجَبَل " 0 [الإِمَامُ البُخَارِيُّ في كِتَابِ الجِهَادِ وَالسِّيَرِ بَاب: مَنْ يَنْكُبُ في سَبِيلِ الله بِرَقْم: 2801]