كِتَابُ فَقْدِ الأَحِبَّة:
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ياسر الحمداني
- الكتاب
- موسوعة الرقائق والأدب
- المؤلف
- ياسر بن أحمد بن محمود بن أحمد بن أبي الحمد الكويس الحمداني
- عدد الأجزاء
- 1 [الكتاب مرقم آليا]
بِرُوحِي مَنْ تَذُوبُ عَلَيْهِ رُوحِي * وَذُقْ يَا قَلْبُ مَا صَنَعَتْ يَدَاكَا أَرَاكَ هَجَرْتَني هَجْرَاً طَوِيلاً * وَمَا عَوَّدْتَني مِنْ قَبْلُ ذَاكَا يَعَزُّ عَلَيَّ حِينَ أُدِيرُ عَيْني * أُفَتِّشُ في مَكَانِكَ لاَ أَرَاكَا وَهَذَا حَدِيثٌ عَظِيمٌ أَرْجَأْتُهُ لأَخْتِمَ بِهِ الحَدِيثَ عَنْ فَقْدِ الوَلَد؛ لِعِظَمِ فَضْلِ اللهِ تَعَالى عَلَيْنَا فِيه: عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ عَنِ النَّبيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَال: " مَنْ مَاتَ لَهُ وَلَدٌ، ذَكَرٌ أَوْ أُنْثَى، سلَّمَ أَوْ لَمْ يُسَلِّمْ، رَضِيَ أَوْ لَمْ يَرْضَ، صَبرَ أَوْ لَمْ يَصْبرْ: لَمْ يَكُنْ لَهُ ثَوَابٌ دُونَ الجَنَّة "
[وَثَّقَ الهَيْثَمِيُّ رِجَالَهُ إِلاَّ رَجُلاً ضَعَّفَهُ في " المجمع " 0 ص: (10/ 3)، الطَّبَرَاني، وَفي " الكَنْز " بِرَقْم: 6614] فَقْدُ البِنْت عَن أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ قَال: " شَهِدْنَا بِنْتَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَرَسُولُ اللهِ جَالِسٌ عَلَى القَبْر، فَرَأَيْتُ عَيْنَيْهِ تَدْمَعَان " 0 [الإِمَامُ البُخَارِيُّ في كِتَابِ الجَنَائِزِ بَابِ: مَنْ يَدْخُلُ قَبرَ المَرْأَة 0 بِرَقْم: (1342)، وَفي " الكَنْزِ " بِرَقْم: 42399] عَن أَبي أُمَامَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ عَنِ النَّبيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَال: " قَالَ رَبُّكُمْ تَبَارَكَ وَتَعَالى: إِذَا قَبَضْتُ كَرِيمَةَ عَبْدِي وَهُوَ بِهَا ضَنِينٌ فَحَمِدَني عَلَى ذَلِك: لَمْ أَرْضَ لَهُ ثَوَابَاً دُونَ الجَنَّةِ إِذَا حَمَدَني "
وَقِيل: المَقْصُودُ بِالكَرِيمَةِ عَيْنُه، وَقِيلَ أَهْلُه، وَكَرِيمَةُ الرَّجُلِ كُلُّ عَزِيزٍ عَلَيْه ﴿اللِّسَان: 513/ 12﴾ [حَسَّنَهُ الأَلبَانيُّ في " الصَّحِيحَةِ " بِرَقْم: (2010)، وَالحَدِيثُ رَوَاهُ الطَّبرَانيُّ، وَالبَيْهَقِيُّ في " الشُّعَب " بِرَقْم: (9959] تَوْبَةُ مَالِكِ بْنِ دِينَار هَلْ تَعْلَمُونَ بِدَايَةَ مَالِكِ بْنِ دِينَار 00؟
حَكَاهَا رَضِيَ اللهُ عَنهُ بِنَفْسِهِ فَقَال: " لَقَدْ كُنْتُ إِنْسَانَاً فَاسِقَاً، لَمْ أَدَعْ مَعْصِيَةً مِنَ المَعَاصِي إِلاَّ فَعَلتُهَا، حَتىَّ كَانَ ذَاتَ يَوْمٍ كُنْتُ في أَبْغَضِ الأَمَاكِنِ إِلى الله: في الأَسْوَاق، فَسَمِعْتُ رَجُلاً يَقُولُ لِلبَائِع: أَكْرِمْني؛ فَأَنَا عِنْدِي ثَلاَثُ بَنَاتٍ وَرَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ بَشَّرَ مَن أَدْخَلَ السُّرُورَ عَلَى البَنَات 0 فَقُلتُ في نَفْسِي: أَتَزَوَّجُ حَتىَّ يَرْزُقَني اللهُ ثَلاَثَ بَنَات، ثمَّ عُدْتُ فَقُلتُ في نَفْسِي: وَمَنْ يُزَوِّجُكَ يَا مَالِكُ وَأَنْتَ قَدْ شَاعَ فِسْقُكَ بَينَ النَّاس 00؟!
فَبَدَأْتُ في التَّوْبَةِ شَيْئَاً فَشَيْئَاً حَتىَّ تَزَوَّجْت، وَحَمَلَتْ زَوْجَتي وَأَنجَبَتْ بِنْتَاً، فَسَمَّيْتُهَا فَاطِمَة، وَظَلَلتُ عَلَى بَقِيَّةٍ مِنَ الفِسْقِ لَمْ تُفَارِقني: فَكُنْتُ كُلَّ لَيْلَةٍ أَشْرَبُ الخَمْر، حَتىَّ آذَانِ الفَجْر، حَتىَّ كَانَ ذَاتَ لَيْلَةٍ كُنْتُ كَعَادَتي أَشْرَبُ الخَمْر، فَإِذَا بِابْنَتي تَسْتَيْقِظُ في وَقْتٍ مُتَأَخِّرٍ مِنَ اللَّيْلِ وَتَأْتي فَتَكْسِرُ كَأْسَ الخَمْرِ مِنْ يَدِي؛ فَقُلتُ في نَفْسِي: إِنَّ اليَدَ الّتي كَسَرَتِ الكَأْسَ لَيْسَتْ يَدَ فَاطِمَة، فَقَرَّرْتُ الإِقْلاَعَ عَنْ شُرْبِ الخَمْر، لَكِنَّ القَرَارَ لَمْ يَكُنْ صَارِمَاً، حَتىَّ حَدَثَ الحَادِثُ الّذِي غَيَّرَ مجْرَى حَيَاتي: مَاتَتْ فَاطِمَة 00!!
فَعُدْتُ سِكِّيرَاً فَاسِقَاً أَشَدَّ مِمَّا كُنْت، حَتىَّ كَانَ ذَاتَ يَوْمٍ فَقُلتُ: وَاللهِ لأَسْكَرَنَّ اللَّيْلَةَ سَكْرَةً مَا سَكِرْتُ مِثلَهَا مِنْ قَبْل 00!! فَظَلَلتُ أَشْرَبُ وَأَشْرَبُ حَتىَّ سَقَطْتُ مَغْشِيَّاً عَلَيّ، فَرَأَيْتُ في غَشْيَتي كَأَنَّ القِيَامَةَ قَدْ قَامَتْ وَالنَّاسُ يحَاسَبُون، وَنَادَى مُنَادٍ أَيْنَ مَالِكُ بْنُ دِينَار 00؟
فَأَقْبَلتُ وَأَنَا تَرْتَعِدُ فَرَائِصِي، وَإِذْ بي وَحْدِي وَقَدِ اخْتَفَى النَّاسُ مِن حَوْلي، فَطَلَعَ عَلَيَّ تِنِّينٌ عَظِيمٌ يُرِيدُ أَنْ يَأْكُلَني، فَفَرَرْتُ مِنهُ حَتىَّ لَقِيتُ شَيْخَاً كَبِيرَاً فَقُلتُ لَهُ: أَنْقِذْني يَرْحَمُكَ الله 00؟
فَقَالَ لي: أَنَاْ شَيْخٌ كَبِير، لاَ أَسْتَطِيعُ ذَلِكَ وَلَكِن خُذْ هَذَا الطَّرِيقَ عَلَّكَ تَنْجُو، فَسَلَكْتُهُ وَظَلَلتُ أَجْرِي فَإِذَا بِالنَّارِ أَمَامِي، وَالتِّنِّينُ مِن خَلْفِي، فَعُدْتُ إِلى الشَّيْخِ وَقُلْتُ لَهُ: مَا العَمَل 00؟! فَقَال: عَلَيْكَ بِهَذَا الجَبَل؛ عَلَّكَ تَنْجُو، فَصَعَدْتُ الجَبَلَ فَوَجَدْتُ خُضْرَةً وَصِبْيَةً يَلعَبُون، فَلَمَّا رَأَوْني قَالُواْ: يَا فَاطِمَة، يَا فَاطِمَة، أَدْرِكِي أَبَاكِ؛ فَجَاءتْ فَأَخَذَتْني بِيَدِهَا اليُمْنى وَدَفَعَتِ التِّنِّينَ بِاليَدِ الأُخْرَى، وَقَعَدَتْ في حِجْرِي كَمَا كَانَتْ تَصْنَعُ في الدُّنيَا 00!! فَقُلتُ لهَا: يَا فَاطِمَةُ مَا هَذَا الثُّعْبَانُ العَظِيم 00؟ فَقَالَتْ: هَذَا عَمَلُكَ السَّيِّئُ يَا أَبَتِ 00!! فَقُلتُ: وَمَن هَذَا الشَّيْخُ الضَّعِيف 00؟
قَالَتْ: هَذَا عَمَلُكَ الصَّالحُ يَا أَبَتِ، أَنْتَ أَضْعَفتَهُ، وَلَوْلاَ أَنَّني مُتُّ لَكَ لَمَا وَجَدْتَ اليَوْمَ مَنْ يَدْفَعُ عَنْك، يَا أَبَتِ: أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُواْ أَنْ تخْشَعَ قُلُوبهُمْ لِذِكْرِ اللهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الحَقّ 00؟! فَاسْتَيْقَظْتُ مِنْ نَوْمِي وَأَنَا أَقُولُ آنَ يَا رَبّ، آنَ يَا رَبّ، ثمَّ اغْتَسَلْتُ وَذَهَبْتُ إِلى المَسْجِدِ لأُصَلِّي الفَجْر، فَوَجَدْتُ الإِمَامَ يَقْرَأُ بهَذِهِ الآيَة: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُواْ أَنْ تخْشَعَ قُلُوبهُمْ لِذِكْرِ اللهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الحَقّ﴾ ﴿الحَدِيد/16﴾ يَقُولُ مَالِكُ بْنُ دِينَار: فَفَهِمْتُ عَنْ رَبِّي: أَيْ أَدْرَكْتُ مُرَادَ اللهِ مِن هَذِهِ الأَحْدَاثِ فَانْتَبَهْت 0 [الرَّسَائِلُ الرَّبَّانِيَّةُ لِلأُسْتَاذِ عَمْرو خَالِد]
وَقَدْ يُصْبِحُ المَوْتُ أَقْسَى النِّكَاتِ وَمِن أَرَقِّ مَا قِيلَ في مَوْتِ البَنَاتِ قَوْلُ الشَّاعِر: فَمَوْتُكِ يَا مُهْجَتي نُكْتَةٌ * وَقَدْ يُصْبِحُ المَوْتُ أَقْسَى النِّكَاتِ فَيَا لَيْتَ لِلمَوْتِ مِثْلِيَ بِنْتٌ * لِيُدْرِكَ مَا هُوَ مَوْتُ البَنَاتِ
فَقْدُ الأُمّ اسْتَمِعْ لِمَا قَالَهُ أَحَدُ الأُمَرَاءِ في أُمِّه: خَفَضْتُ جَنَاحَ الذُّلِّ مِنْ رَحْمَتي بهَا * وَهَانَ لأُمِّيَ أَن أَذِلَّ وَأَخْضَعَا أَرُوحُ أَمِيرَاً في البِلاَدِ محَكَّمَاً * وَأَغْدُو شَفِيعَاً في الذُّنُوبِ مُشَفَّعَا عَلَى مِثْلِهَا فَليَبْكِ مَنْ كَانَ بَاكِيَا ذِكْرَيَاتُ حَنَانِ الأُمِّ بَعْدَ فَقْدِهَا أَئِنُّ فَتَشْعُرُ في صَدْرِهَا * كَأَنَّ أَنِينيَ وَخْزُ الإِبَرْ فَتُلْهِبُ خَدِّيَ مِنْ لَثْمِهَا * وَتمْسَحُ مِن أَدْمُعِي مَا انحَدَرْ
تَوَدُّ لَوَ انَّ الفِدَا مُمْكِنٌ * فَتَفْدِي حَيَاتِي بِنُورِ البَصَرْ وَدَارَ الزَّمَانُ بِأَحْدَاثِهِ * وَمَرَّ عَلَى عِقْدِنَا فَانْتَثَرْ وَجَرَّدَ أُمِّيَ مِنيِّ كَمَا * تُجَرِّدُ كَفُّ الخَرِيفِ الشَّجَرْ وَرُحْتُ أَخُوضُ غُمَارَ الحَيَاةِ * وَدُونَ الحَيَاةِ زِحَامُ البَشَرْ فَأَعْثُرُ بِالمَكْرِ وَالإِحْتِيَالِ * وَأُمْنى عَلَى عِفَّتي بِالضَّرَرْ حَيَاةٌ بِأَيَّامِهَا مَا يَسُوءُ * عَلَى أَنَّ في بَعْضِهَا مَا يَسُرْ بَلَوْنَا بِهَا خُلُقَ الأَصْدِقَاءِ * وَكَمْ قَدْ وَجَدْنَا بهَا مِن عِبَرْ خَبرْنَا الأَسَىكَيْفَ يُدْمِي القُلُوبَا * وَيَعْصِرُهَا قَبْلَ أَنْ يَنحَسِرْ إِذَا مَا تمَنىَّ رُجُوعَ الشَّبَابِ * أُنَاسٌ تمَنَّيْتُ عَهْدَ الصِّغَرْ انْشِغَالُ قَلْبِ الأُمِّ وَحَنِينُهَا إِلى أَبْنَائِهَا المُغْتَرِبِين
خُضْنَا البِحَارَ عَلَى المَعَاشِ فَلَيْتَني * أَلْقَيْتُ نَفْسِي فِيهِ لِلأَسْمَاكِ أَنْفَقْتِ عُمْرَكِ تَطْلُبِينَ رُجُوعَنَا * وَتجُولُ كُلَّ سَفِينَةٍ عَيْنَاكِ مَا مَرَّتِ النَّسَمَاتُ بي وَقْتَ الدُّجَى * إِلاَّ عَرَفْتُ بِطِيبِهَا رَيَّاكِ وَالبَدْرُ لَمْ يَظْهَرْ لِعَيْنيَ مَرَّةً * إِلاَّ ذَكَرْتُ بِوَجْهِهِ رُؤْيَاكِ أَشْقَى البَرِيَّةِ كُلِّهَا أُمٌّ قَضَتْ * أَيَّامَهَا في وِحْدَةِ النُّسَّاكِ مَاتَتْ مُلَوَّعَةَ الفُؤَادِ وَعَيْنُهَا * تجْتَالُ بَينَ البَابِ وَالشُّبَّاكِ
لَمَّا سَكَنْتِ مِنَ السَّمَاءِ بجَنَّةٍ * فَاضَتْ عَلَيْكِ العَينُ بِالأَنهَارِ عَجَبَاً لأُمٍّ تَسْتَقِرُّ بجَنَّةٍ * قَدْ غَادَرَتْ أَبْنَاءهَا في النَّارِ فَقْدُ الأَبّ
عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَرَامٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ قَال: " لَمَّا قُتِلَ أَبي جَعَلْتُ أَكْشِفُ الثَّوْبَ عَنْ وَجْهِهِ أَبْكِي وَيَنْهَوْني عَنْهُ، وَالنَّبيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لاَ يَنْهَاني، فَجَعَلَتْ عَمَّتي فَاطِمَةُ تَبْكِي؛ فَقَالَ النَّبيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم: " تَبْكِينَ أَوْ لاَ تَبْكِين، مَا زَالَتِ المَلاَئِكَةُ تُظِلُّهُ بِأَجْنِحَتِهَا حَتىَّ رَفَعْتُمُوه " [الإِمَامُ البُخَارِيُّ في كِتَابِ الجَنَائِزِ بِرَقْم: (1244)، وَالإِمَامُ مُسْلِمٌ في كِتَابِ فَضَائِلِ الصَّحَابَة بِرَقْم: 2471] عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَرَامٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ قَال:
" جِيءَ بِأَبي يَوْمَ أُحُدٍ قَدْ مُثِّلَ بِه، حَتىَّ وُضِعَ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَدْ سُجِّيَ ثَوْبَاً ـ أَيْ غُطِّيَ فَذَهَبْتُ أُرِيدُ أَن أَكْشِفَ عَنْهُ فَنهَانِي قَوْمِي، ثمَّ ذَهَبْتُ أَكْشِفُ عَنْهُ فَنهَانِي قَوْمِي، فَأَمَرَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَرُفِعَ، فَسَمِعَ صَوْتَ صَائِحَةٍ فَقَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم: " مَنْ هَذِه " 00؟ فَقَالُواْ: ابْنَةُ عَمْرٍو أَوْ أُخْتُ عَمْروٍ، قَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم: " فَلِمَ تَبْكِي " 00؟! أَوْ " لاَ تَبْكِي؛ فَمَا زَالَتِ المَلاَئِكَةُ تُظِلُّهُ بِأَجْنِحَتِهَا حَتىَّ رُفِع " 0
[الإِمَامُ البُخَارِيُّ في كِتَابِ الجَنَائِزِ بَاب: الدُّخُولِ عَلَى المَيِّتِ بَعْدَ المَوْتِ بِرَقْم: (1293)، وَالإِمَامُ مُسْلِمٌ في صَحِيحِهِ بِرَقْم: 2471] فَزْعَةُ الاَبْنِ عِنْدَ رُؤْيَةِ أَبِيهِ وَقَدْ مُثِّلَ بِه
عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَرَامٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ أَنَّ أَبَاهُ يَوْمَ أُحُدٍ قَتَلَهُ المُشْرِكُونَ ثمَّ مَثَّلُواْ بِه: فَجَدَعُواْ كِلاَهُمَا ـ أَيْ خِصْيَتَيْهِ ـ وَأُذُنَيْه، فَجَعَلْتُ أَنْظُرُ إِلَيْهِ وَإِلى مَا صَنَعُواْ بِهِ وَصِحْت، فَجَاءتِ الأَنْصَارُ فَسَجَّوْهُ بِثَوْب، ثُمَّ إِني كَشَفْتُ الثَّوْبَ فَلَمَّا رَأَيْتُ مَا صُنِعَ به صِحْت، فَجَاءتِ الأَنْصَارُ فَسَجَّوْهُ بِالثَّوْب، وَذَلِكَ بِعَين رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم، فَذَهَبَ الأَنْصَارُ حَتىَّ أَتَواْ رَسُولَ الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالُواْ: يَا رَسُول الله أَلاَ تَرَى مَا يَصْنَعُ جَابر 00؟! قَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم: " دَعُوه " 0
[وَثَّقَهُ الإِمَامُ الهَيْثَمِيُّ في " المجْمَعِ " ص: (19/ 3)، الإِمَامُ الطَّبَرَاني في الأَوْسَط]
المَوْتُ لَهُ رَوَائِح
عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ رَضِيَ اللهُ عَنهُ قَال: " لَمَّا حَضَرَ أُحُدٌ دَعَاني أَبي مِنَ اللَّيْلِ فَقَالَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ: مَا أُرَاني إِلاَّ مَقْتُولاً في أَوَّلِ مَنْ يُقْتَلُ مِن أَصْحَابِ النَّبيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم، وَإِني لاَ أَتْرُكُ بَعْدِي أَعَزَّ عَلَيَّ مِنْكَ غَيْرَ نَفْسِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم، فَإِنَّ عَلَيَّ دَيْنَاً فَاقْضِ وَاسْتَوْصِ بِأَخَوَاتِكَ خَيْرَاً، فَأَصْبَحْنَا فَكَانَ أَوَّلَ قَتِيل، وَدُفِنَ مَعَهُ آخَرُ في قَبْر، ثمَّ لَمْ تَطِبْ نَفْسِي أَن أَتْرُكَهُ مَعَ الآخَرِ فَاسْتَخْرَجْتُهُ بَعْدَ سِتَّةِ أَشْهُرٍ فَإِذَا هُوَ كَيَوْمِ وَضَعْتُهُ هُنَيَّةً ـ أَيْ مِنْ قَرِيبٍ ـ غَيْرَ أُذُنِه " 0
[الإِمَامُ البُخَارِيُّ في كِتَابِ الجَنَائِزِ بَاب: هَلْ يُخْرَجُ المَيِّتُ مِنَ القَبْرِ وَاللَّحْدِ لِعِلَّة؟ بِرَقْم: 1351] عَبْدُ اللهِ بْنُ أُبيِّ بْنُ سَلُول، وَكَيْفَ صَلَّى عَلَيْهِ رَغْمَ كُلِّ إِسَاءَاتِهِ الرَّسُول عَن عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ أُبَيِّ بْنِ سَلُولَ لَمَّا تُوُفِّيَ جَاءَابْنُهُ إِلى النَّبيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَال: يَا رَسُولَ الله، أَعْطِني قَمِيصَكَ أُكَفِّنْهُ فِيهِ وَصَلِّ عَلَيْهِ وَاسْتَغْفِرْ لَهُ 00؟ فَأَعْطَاهُ النَّبيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَمِيصَهُ فَقَال: " آذِني أُصَلِّي عَلَيْه " 00 فَآذَنَهُ، فَلَمَّا أَرَادَ أَنْ يُصَلِّيَ عَلَيْهِ جَذَبَهُ عُمَرُ فَقَالَ: أَلَيْسَ اللهُ نهَاكَ أَنْ تُصَلِّيَ عَلَى المُنَافِقِين 00؟!
فَقَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم: " أَنَا بَيْنَ خِيَرَتَيْن؛ قَالَ تَعَالى: ﴿اسْتَغْفِرْ لهُمْ أَوْ لاَ تَسْتَغْفِرْ لهُمْ، إِنْ تَسْتَغْفِرْ لهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللهُ لهُمْ﴾ ﴿التَّوْبَة / 80﴾ فَصَلَّى عَلَيْه، فَنَزَلَتْ: ﴿وَلاَ تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِّنْهُم مَّاتَ أَبَدَاً وَلاَ تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُواْ بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُواْ وَهُمْ فَاسِقُونَ﴾ 00!! ﴿التَّوْبَة / 84﴾ " 0 [الإِمَامُ البُخَارِيُّ في كِتَابِ الجَنَائِزِ بِرَقْم: (1269)، وَالإِمَامُ مُسْلِمٌ في كِتَابِ فَضَائِلِ الصَّحَابَة بِرَقْم: 2400] هَذَا هُوَ عُمَر
عَن عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ رَضِيَ اللهُ عَنهُ قَال: " لَمَّا مَاتَ عَبْدُ اللهِ بْنُ أُبَيٍّ بْنُ سَلُول، دُعِيَ لَهُ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِيُصَلِّيَ عَلَيْه، فَلَمَّا قَامَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَثَبْتُ إِلَيْهِ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ أَتُصَلِّي عَلَى ابْنِ أُبَيٍّ وَقَدْ قَالَ يَوْمَ كَذَا وَكَذَا: كَذَا وَكَذَا 00 أُعَدِّدُ عَلَيْهِ قَوْلَهُ 00؟!
فَتَبَسَّمَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَال: " أَخِّرْ عَنيِّ يَا عُمَر " 00 فَلَمَّا أَكْثَرْتُ عَلَيْهِ قَال: " إِني خُيِّرْتُ فَاخْتَرْت، لَوْ أَعْلَمُ أَني إِنْ زِدْتُ عَلَى السَّبْعِينَ يُغْفَرُ لَهُ لَزِدْتُ عَلَيْهَا " 0
فَصَلَّى عَلَيْهِ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ انْصَرَف، فَلَمْ يَمْكُثْ إِلاَّ يَسِيرَاً حَتىَّ نَزَلَتِ الآيَتَانِ مِنْ بَرَاءة: ﴿وَلاَ تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِّنْهُم مَّاتَ أَبَدَاً وَلاَ تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُواْ بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُواْ وَهُمْ فَاسِقُونَ﴾ 00!! ﴿التَّوْبَة/84﴾ فَعَجِبْتُ بَعْدُ مِنْ جُرْأَتي عَلَى رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَئِذٍ وَاللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَم " 0 [الإِمَامُ البُخَارِيُّ في كِتَابِ الجَنَائِزِ بَاب: مَا يُكْرَهُ مِنَ الصَّلاَةِ عَلَى المُنَافِقِينَ وَالاَسْتِغْفَار بِرَقْم: 1366] وَمِن أَجْمَلِ مَا يمْكِنُ أَنْ يُقَالَ في الأَبِ قَوْلُ هَذَا الشَّاعِر: أَبي خَانَني فِيكَ الرَّدَى فَتَقَوَّضَتْ * بِمَوْتِكَ أَحْلاَمِي كَبَيْتٍ مِنَ التِّبْنِ
فَأَرْفَعُ مجْدِي كَانَ أَنَّكَ لي أَبٌ * وَأَعْظَمُ فَخْرِي كَانَ قَوْلُكَ لي يَا ابْني عَلَى ذَلِكَ القَبْرِ السَّلاَمُ فَذِكْرُهُ * أَرِيجٌ بِهِ نَفْسِي عَنِ العِطْرِ تَسْتَغْني نَظُنُّ لَنَا الدُّنيَا وَمَا فَوْقَ ظَهْرِهَا * وَلَيْسَتْ لَنَا إِلاَّ كَمَا البَحْرُ لِلسُّفْنِ إِذَا مَا مَاتَ آدَمُ أَبُو البَشَر؛ فَهَلْ يَبْقَى أَحَدٌ مِنَ البَشَر 00؟ وَقَالَ آخَرُ يُعَزِّي صَاحِبَاً لَهُ مَاتَ وَالِدُهُ: أُعَزِّيكَ لاَ أَنيِّ أَظُنُّكَ جَازِعَاً * عَلَيْهِ وَلَكِنىِّ أَقُومُ بِوَاجِبيبِ وَكَيُفَ أُعَزِّي مَنْ بَرَى الدَّهْرَ خِبرَةً * وَأَدْرَكَ مَا في طِبِّهِ مِن عَجَائِبِ فَلاَ تَأْسَ مِن وَقْعِ الخُطُوبِ وَإِنْ جَنَتْ * عَلَيْكَ فَإِنَّ النَّاسَ مَرْعَى النَّوَائِبِ إِذَا مَا الرَّدَى أَوْدَى بِآدَمَ قَبْلَنَا * فَمَنْ بَعْدَهُ مِنْ نَسْلِهِ غَيرَ ذَاهِبِ
وَمَا مَاتَ مَن أَبْقَاكَ تَهْتِفُ بِاسْمِهِ * وَتَذْكُرُ عَنهُ صَالحَاتِ المَنَاقِبِ وَمَاتَ وَالِدُ أَحَدِ الشُّعَرَاءِ فَرَثَاهُ كَمَا يَقُولُونَ: بِشِعْرٍ يُقَطِّعُ أَقْسَى القُلُوب
قَالَ فِيه: وَكَمْ قَدْ عَبِثْتُ بِأَوْرَاقِهِ * وَنِمْتُ عَلَى صَدْرِهِ المُتعَبِ وَمَكْتَبُهُ بَلْ وَفِنْجَالُهُ * عَلَى حَالِهِ بَعْدُ لَمْ يُشْرَبِ وَحُجْرَتُهُ مُوقَدٌ نُورُهَا * كَأَنَّ أَبي بَعْدُ لَمْ يَذْهَبِ
عَلَى المَقَاعِدِ بَعْضٌ مِنْ مَلاَبِسِهِ * وَذَا كِتَابٌ مَعَاً كُنَّا قَرَأْنَاهُ ﴿نِزَار قَبَّاني﴾ إِنَّ التَّأَمُّلَ في الحَيَاةِ يَزِيدُ أَوْجَاعَ الحَيَاة
وَيَرْحَمُ اللهُ ذَلِكَ الشَّاعِرَ الَّذِي رَقَّ لِتِلكَ الفَتَاةِ التي تَذَكَّرَتْ مَوْتَ وَالِدِهَا الأَبَرِّ فَاغْرَوْرَقَتْ عَيْنَاهَا مِنَ الدَّمْعِ حَزَنَاً عَلَيْهِ فَصَبَّرَهَا وَقَال؛ لَمَّا رَأَى حُزْنَهَا قَدْ طَال: إِنَّ التَّأَمُّلَ في الحَيَاةِ يَزِيدُ أَوْجَاعَ الحَيَاة فَدَعِي الكَآبَةَ وَالأَسَى وَاسْتَرْجِعِي مَرَحَ الفَتَاة وَاعْلَمِي أَنَّهُ يحْزَنُ في قَبرِهِ لحُزْنِكِ، تمَامَاً كَمَا كَانَ يَسْعَدُ في حَيَاتِهِ لِسَعَادَتِك 00!! وَمَاتَ وَالِدُ أَحَدِ الشُّعَرَاء، فَلَمْ تَمْضِ سِوَى أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ حَتىَّ مَاتَ أَخُوه، فَقَالُواْ لَهُ: مَا أَصْبرَكَ عَلَى المَوْت 00 مَاتَ أَبُوكَ وَلَمْ تَمْضِ أَيَّامٌ حَتىَّ مَاتَ أَخُوك 00!! فَقَالَ لهُمْ: وَهَلْ تَبْقَى النَّضَارَةُ في الفُرُوعِ * إِذَا مَا أَيْبَسَ المَوْتُ الأُصُولاَ
وَأَخْتِمُ مَوْتَ الأَبِ بهَذَا الحَدِيث: عَن عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ أَنَّ النَّبيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَال: " مَن أَحَبَّ أَنْ يَصِلَ أَبَاهُ في قَبرِهِ فَليَصِلْ إِخْوَانَ أَبِيهِ مِنْ بَعْدَه " 0 [صَحَّحَهُ الْعَلاَّمَةُ الأَلبَانيُّ في الجَامِعِ الصَّحِيح، ابْنُ حَبَّانَ وَأَبُو يَعْلَى]
فَقْدُ الأَخّ قَالَ ثَابِتٌ الْبُنَانيّ: " جَاءَ رَجُلٌ إِلىَ صِلَةَ بْنِ أَشْيَمَ رَحْمَةُ اللهِ عَلَيْهِ بِنَعْيِ أَخِيه؛ فَقَالَ لَهُ رَحِمَهُ الله: " ادْنُ فَكُلْ؛ فَقَدْ نُعِيَ إِلَيَّ أَخِي مُنْذُ حِين: قَالَ جَلَّ وَعَلاَ: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُون﴾ ﴿الزُّمَر/30﴾ [الإِمَامُ الذَّهَبيُّ في سِيَرِ أَعْلاَمِ النُّبَلاَء 0 طَبْعَةِ مُؤَسَّسَةِ الرِّسَالَة 0 ص: 499/ 3]
عَائِشَةُ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا وَفَقْدُ أَخِيهَا وَعَنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبي مُلَيْكَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ قَال: لَمَّا مَاتَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبي بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ قَامَتْ أُخْتُهُ عَائِشَةُ رَضِيَ اللهُ عَنهَا عَلَى قَبرِهِ وَقَالَتْ: وَكُنَّا كَنَدْمَانيْ جُذَيمَةَ حِقْبَةً * مِنَ الدَّهْرِ حَتىَّ قِيلَ لَنْ نَتَصَدَّعَا فَلَمَّا تَفَرَّقْنَا كَأَنِّي وَمَالِكَاً * لِطُولِ اجْتِمَاعٍ لَمْ نَبِتْ لَيْلَةً مَعَا [التِّرْمِذِيُّ في سُنَنِهِ بِرَقْم: (1055) قَالَ الأَلبَانيّ: رِجَالُهُ رِجَالُ الصَّحِيح 0 المِشْكَاة: (1718)، وَالْبَيْتَانِ لمُتَمِّمِ بْنِ نُوَيْرَة]
ابْنُ عَبَّاسٍ وَفَقْدُ أَخِيه وَنُعِيَ أَخٌ لاَبْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ فَاسْتَرْجَعَ وَتَنَحَّى عَنِ الطَّريقِ فَصَلَّى رَكْعَتَين؛ فَقِيلَ لَهُ في ذَلِك: يَا ابْنَ عَبَّاس: أَتَسْتَقْبِلُ مَوْتَ أَخِيكَ بِالصَّلاَة 00؟ فَقَالَ لهُمْ رَضِيَ اللهُ عَنهُ: أَلَمْ تَقْرَءواْ قَوْلَهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالى: ﴿وَاسْتَعِينُواْ بِالصَّبرِ وَالصَّلاَة﴾ [البَقَرَة: 45] [ابْنُ جَرِيرٍ وَابْنُ كَثِير، وَالبَيْهَقِيُّ في " الشُّعَب " بِرَقْم: (9682)، وَسَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ في سُنَنِهِ 0 ص: 632/ 2]
عُمَرُ رَضِيَ اللهُ عَنهُ وَفَقْدُ أَخِيه وَلَمَّا اسْتُشْهِدَ زَيْدُ بْنِ الخَطَّابِ أَخُو عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ رَضِيَ اللهُ عَنهُ في مَعْرَكَةِ اليَمَامَةِ ـ وَكَانَ في صُحْبَةِ رَجُلٍ مِنْ بَني عَدِيّ ـ فَلَمَّا أَنْ مَاتَ زَيْدٌ رَجَعَ صَاحِبُهُ ذَاكَ إِلى المَدِينَة، فَلَما رَآهُ عُمَرُ دَمَعَتْ عَيْنَاهُ وَقَالَ لَهُ: ﴿خَلَّفْتَ زَيْدَاً ثَاوِيَاً وَأَتَيْتَني﴾ وَكَانَ عُمرُ رَضِيَ اللهُ عَنهُ كَثِيرَاً مَا يَقُول: " مَا هَبَّتِ الصِّبَا إِلاَّ وَأَنَا أَجِدُ مِنهَا رِيحَ زَيْد " 0 [الحَاكِمُ في المُسْتَدْرَكِ بِرَقْم: 5008، وَابْنُ عَبْدِ البرِّ في الاَسْتِيعَاب، وَالإِمَامُ الذَّهَبيُّ في سِيرِ أَعْلاَمِ النُّبَلاَء، وَالإِمَامُ البَيْهَقِيُّ في سُنَنِه]
مُوسَى عَلَيْهِ السَّلاَم، وَفَقْدُ أَخِيهِ هَارُونَ عَلَيْهِ السَّلاَم عَن عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ وَعَبْدِ اللهِ بْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا أَنَّهُمَا قَالاَ: " إِنَّ اللهَ جَلَّ وَعَلاَ أَوْحَى إِلىَ مُوسَى بْنِ عِمْرَانَ أَنيِّ مُتَوَفيِّ هَارُون؛ فَأْتِ بِهِ جَبَلَ كَذَا وَكَذَا؛ فَانْطَلَقَ مُوسَى وَهَارُونُ عَلَيْهِمَا السَّلاَمُ نَحْوَ ذَلِكَ الجَبَل، فَإِذَا هُمْ فِيهِ بِشَجَرَةٍ مَثَّلَهَا بِبَيْتٍ مَبْنيّ، وَإِذَا هُمْ فِيهِ بِسَرِيرٍ عَلَيْهِ فُرُش، وَإِذَا فِيهِ رِيحٌ طَيِّب، فَلَمَّا نَظَرَ هَارُونُ إِلىَ ذَلِكَ الجَبَلِ وَالْبَيْتِ وَمَا فِيهِ أَعْجَبَهُ وَقَال: يَا مُوسَى إِنيِّ لأَحِبُّ أَن أَنَامَ عَلَى هَذَا السَّرِير؛ قَالَ لَهُ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلاَم: فَنَمْ عَلَيْهِ؛
قَالَ هَارُونُ عَلَيْهِ السَّلاَم: إِنيِّ أَخَافُ أَنْ يَأْتيَ رَبُّ هَذَا الْبَيْتِ فَيَغْضَبُ عَلَيَّ؛ قَالَ لَهُ مُوسَى: لاَ تَرْهَبْ؛ أَنَا أَكْفِيكَ رَبَّ هَذَا الْبَيْت؛ فَنَمْ، فَقَالَ عَلَيْهِ السَّلاَم: يَا مُوسَى، يَا مُوسَى؛ بَلْ نَمْ مَعِي؛ فَإِنْ جَاءَ رَبُّ هَذَا الْبَيْتِ غَضِبَ عَلَيَّ وَعَلَيْكَ جَمِيعَاً، فَلَمَّا نَامَا: أَخَذَ هَارُونَ عَلَيْهِ السَّلاَمُ المَوْت، فَلَمَّا وَجَدَ حِسَّهُ قَال: يَا مُوسَى؛ خَدَعْتَني، فَلَمَّا قُبِضَ عَلَيْهِ السَّلاَمُ رُفِعَ ذَلِكَ الْبَيْتُ وَذَهَبَتْ تِلْكَ الشَّجَرَة، وَرُفِعَ السَّرِيرُ إِلىَ السَّمَاء، فَلَمَّا رَجَعَ مُوسَى إِلىَ بَني إِسْرَائِيلَ وَلَيْسَ مَعَهُ هَارُونُ قَالُواْ: إِنَّ مُوسَى قَتَلَ هَارُونَ وَحَسَدَهُ حُبَّ بَني إِسْرَائِيلَ لَهُ،
وَكَانَ هَارُونُ عَلَيْهِ السَّلاَمُ آلَفَ عِنْدَهُمْ وَأَلْيَنَ لَهُمْ مِنْ مُوسَى، وَكَانَ في مُوسَى عَلَيْهِ السَّلاَمُ بَعْضُ الْغِلَظِ عَلَيْهِمْ، فَلَمَّا بَلَغَهُ ذَلِكَ قَالَ لَهُمْ: وَيْحَكُمْ؛ إِنَّهُ كَانَ أَخِي، أَفَتَرَوْنَني أَقْتُلُه 00؟! فَلَمَّا أَكْثَرُواْ عَلَيْهِ قَامَ فَصَلَّى رَكْعَتَينِ ثُمَّ دَعَا اللهَ جَلَّ وَعَلاَ؛ فَنَزَلَ بِالسَّرِيرِ حَتىَّ نَظَرُواْ إِلَيْهِ بَينَ السَّمَاءِ وَالأَرْض، فَصَدَّقُوه " 0 [قَالَ الإِمَامُ الذَّهَبيُّ في التَّلْخِيص: صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَين، رَوَاهُ الحَاكِمُ في المُسْتَدْرَكِ بِرَقْم: 4109]
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَكُونُواْ كَالَّذِينَ آذَواْ مُوسَى فَبَرَّأَهُ اللهُ مِمَّا قَالُواْ﴾ ﴿الأَحْزَاب/69﴾ عَن عَلِيِّ بْنِ أَبي طَالِبٍ كَرَّمَ اللهُ وَجْهَهُ أَنَّهُ قَالَ في شَرْحِ هَذِهِ الآيَةِ الْكَرِيمَة: " صَعِدَ مُوسَى وَهَارُونُ عَلَيْهِمَا السَّلاَمُ الجَبَل، فَمَاتَ هَارُونُ عَلَيْهِ السَّلاَم؛ فَقَالَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ لِمُوسَى: أَنْتَ قَتَلْتَهُ؛ كَانَ أَشَدَّ حُبَّاً لَنَا مِنْك، وَأَلْيَنَ لَنَا مِنْك؛ فَآذَوْهُ في ذَلِك؛ فَأَمَرَ اللهُ المَلاَئِكَةَ فحَمَلَتْهُ، فَمَرُّواْ بِهِ عَلَى مجَالِسِ بَني إِسْرَائِيل، حَتىَّ عَلِمُواْ بِمَوْتِهِ، فَدَفَنُوه، وَلَمْ يَعْرِفْ قَبْرَهُ إِلاَّ الرَّخَم، وَإِنَّ اللهَ جَعَلَهُ أَصَمَّ أَبْكَم " 0 [صَحَّحَهُ الإِمَامُ الذَّهَبيُّ في التَّلْخِيص، رَوَاهُ الحَاكِمُ في المُسْتَدْرَكِ بِرَقْم: 4110]
أَبُو العَتَاهِيَةِ وَفَقْدُ أَخِيه وَلاَ تَفُوتُنَا طَبْعَاً في فَقْدِ الأَخِ قَصِيدَةُ أَبي العَتَاهِيَةِ الشَّهِيرَةُ الَّتي تَغَنَّتْ بهَا كُتُبُ الأَدَب: أَلاَ مَنْ لي بِأُنْسِكَ يَا أُخَيَّا * وَمَنْ لي أَن أَبُثَّكَ مَا لَدَيَّا كَفَى حُزْنَاً بمَوْتِكَ ثُمَّ أَنيِّ * نَفَضْتُ تُرَابَ قَبرِكَ عَنْ يَدَيَّا طَوَتكَ خُطُوبُ دَهْرِكَ بَعْدَ نَشْرٍ * كَذَاكَ خُطُوبُهُ نَشْرَاً وَطَيَّا وَكَانَتْ في حَيَاتِكَ لي عِظَاتٌ * فَأَنْتَ الْيَوْمَ أَوْعَظُ مِنْكَ حَيَّا دَعَوْتُكَ يَا أَخَيَّ فَلَم تجِبْني * فَرُدَّتْ دَعْوَتي يَأْسَا عَلَيَّا
بمَوْتِكَ مَاتَتِ اللَّذَّاتُ مِنيِّ * وَكَانَت حَيَّةً إِذْ كُنْتَ حَيَّا فَوَاأَسَفَا عَلَيْكَ وَحَرَّ شَوْقِي * إِلَيْكَ لَوَ انَّ ذَلِكَ رَدَّ شَيَّا °°°°°°°°°°°° أَخِي وَحَبِيبي أَيُّ رُزْءٍ أَصَابَني * فَجَفَّ لِوَقْعَتِهِ بحَلْقِيَ رِيقِيقِ وَصِرْتُ كَأَنيِّ في جَحِيمٍ مِنَ الأَسَى * وَإِنْ كُنْتُ مِنْ دَمْعِي شَبِيهَ غَرِيقِ °°°°°°°°°°°°
بِئْسَتِ الدَّارُ المُفَرِّقَة عَن يونسَ بن عبَيد رَضِيَ اللهُ عَنهُ قَال: " لَمَّا مَاتَ سَعِيدُ بْنُ أَبي الحَسَنِ حَزِنَ عَلَيْهِ الحَسَنُ ـ أَيْ أَخُوهُ ـ حُزْنَاً شَديدَاً، وَأَمْسَكَ عَنِ الكَلاَمِ حَتىَّ عُرِفَ ذَلِكَ في مجْلِسِهِ وَحَدِيثِه؛ فَكُلِّمَ في ذَلكَ فَقَال: " الحَمْدُ للهِ الَّذِي لَمْ يجْعَلِ الحُزْنَ عَارَاً عَلَى يَعْقُوب، ثُمَّ قَال: بِئْسَتِ الدَّار المُفَرِّقَة " 0 [الطَّبَقَاتُ الكُبرَى لاَبْنِ سَعْد 0 دَار صَادِر 0 بَيرُوت: 178/ 7]
دُمُوعُ الخَنْسَاءِ عَلَى أَخَوَيْهَا نَظَرَ عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ إِلى الخَنسَاءِ وَبهَا نُدُوبٌ في وَجْهِهَا ـ أَيْ شُحُوبٌ ـ فَقَال: " مَا هَذَا النُّدُوبُ يَا خَنْسَاء 00؟! قَالَتْ: مِنْ طُولِ البُكَاءِ عَلَى أَخَوَيَّ، فَقَالَ لها: إِنَّ أَخَوَيْكَ في النَّار، قَالَتْ: ذَلِكَ أَدْعَى لحُزْني عَلَيْهِمَا؛ إِنيِّ كُنْتُ أُشْفِقُ عَلَيْهِمَا مِنَ القَتْل، وَأَنَا اليَوْمَ أُشْفِقُ عَلَيْهِمَا مِنَ النَّارِ ثُمَّ أَنْشَدَتْ: وَقَائِلَةٍ وَالنَّعْشُ قَدْ فَاتَ خَطْوَهَا * لِتُدْرِكَهُ يَا لَهْفَ نَفْسِي عَلَى صَخْرِ أَلاَ ثَكِلَتْ أُمُّ الَّذِينَ غَدواْ بِهِ * إِلى القَبرِ مَاذَا يحْمِلونَ إِلى القَبرِ
وَأَعْظِمْ بِقَوْلهَا: أَلاَ يَا صَخْرُ لاَ أَنْسَاكَ حَتىَّ * أُفَارِقَ مُهْجَتي وَيُشَقُّ رَمْسِي يُذَكِّرُني طُلُوعُ الشَّمْسِ صَخْرَا * وَأَبْكِيهِ لِكُلِّ غُرُوبِ شَمْسِ وَلَوْلاَ كَثْرَةُ البَاكِينَ حَوْلي * عَلَى إِخْوَانهِمْ لَقَتَلْتُ نَفْسِي وَمَا يَبْكُونَ مِثْلَ أَخِي وَلَكِن * أُعَزِّي النَّفْسَ عَنهُ بِالتَّأَسِّي وَمِنْ شِعْرِهَا فِيهِ أَيْضَاً قَوْلُهَا: وَإِنَّ زَيْدَاً لَتَأْتَمُّ الهُدَاةُ بِهِ * كَأَنَّهُ عَلَمٌ في رَأْسِهِ نَارُ وَقَوْلُهَا: أَلاَ يَا صَخْرُ إِن أَبْكَيْتَ عَيْني * فَقَدْ أَضْحَكْتَني زَمَنَاً طَوِيلاَ
المُرُوءةُ وَنُبْلُ الأَخْلاَق وَدَخَلَتِ الخَنْسَاءُ عَلَى أُمِّ المُؤْمِنِينَ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهَا وَعَلَيْهَا صِدَار ـ أَيْ ثَوْبٌ قَصِيرٌ تَلبِسُهُ المَرْأَةُ لِتُغَطِّيَ بِهِ صَدْرَهَا ـ فَقَالَتْ لهَا: مَا هَذَا يَا خَنْسَاء 00؟! وَاللهِ لَقَدْ تُوفي رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَمَا لَبِسْتُه 00؟ قَالَتْ: إِنَّ لَهُ مَعْنىً دَعَاني إِلى لِبَاسِه؛ وَذَلِكَ أَنَّ أَبي زَوَّجَني سَيِّدَ قَوْمِه، وَكَانَ رَجُلاً مِتْلاَفَاً، فَأَسْرَفَ في مَالِهِ حَتىَّ نَفِد، ثُمَّ رَجَعَ بَعْدَ ذَلِكَ في مَالي فَأَتْلَفَهُ، ثُمَّ الْتَفَتَ إِليَّ فَقَال: إِلى أَيْنَ يَا خَنْسَاء 00؟
قلت: إِلى أَخِي صَخْر، فَأتَينَاهُ فَقَسَّمَ مَالَهُ شَطْرَيْن، ثمَّ خَيرَنَا في أَحْسَنِ الشَّطْرَيْن، فَرَجَعْنَا مِن عِنْدِهِ، فَلَمْ يَزَلْ زَوْجِي حَتىَّ أَذْهَبَ جَمِيعَهُ، ثمَّ التَفَتَ إِليَّ فَقَال: إِلى أَيْنَ يَا خَنْسَاء 00؟ قُلتُ: إِلى أَخِي صَخْر، فَقَسَّمَ الشَّطْرَ البَاقِيَ إِلى شَطْرَينِ وَخَيرَنَا في أَفْضَلَ الشَّطْرَين، فَقَالَتْ لَهُ زَوْجَتُهُ [أَيْ زَوْجَةُ صَخْر]: أَمَا تَرْضَى أَنْ تُشَاطِرَهُمْ مَالَكَ حَتىَّ تخَيرَهُمْ بَينَ الشَّطْرَين؟!