موسوعة الرقائق والأدب - ياسر الحمدانيصفحات 2624-2663
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كِتَابُ الرِّضَا بِالقَلِيل:

صفحات 2624-2663
عن هذه الطبعة
عَلَم
ياسر الحمداني
الكتاب
موسوعة الرقائق والأدب
المؤلف
ياسر بن أحمد بن محمود بن أحمد بن أبي الحمد الكويس الحمداني
عدد الأجزاء
1 [الكتاب مرقم آليا]

فَأَخَذَ بِيَدِي فَأَقَامَني، وَعَرَفَ الَّذِي بي؛ فَانْطَلَقَ بي إِلى رَحْلِهِ فَأَمَرَ لي بِعُسٍّ مِنْ لَبَن، فَشَرِبْتُ مِنْهُ، ثمَّ قَال: " عُدْ يَا أَبَا هِرّ " 00 فَعُدْتُ فَشَرِبْت، ثمَّ قَالَ " عُدْ " 00 فَعُدْتُ فَشَرِبْت، حَتىَّ اسْتَوَى بَطْني فَصَارَ كَالقَدَح ـ أَيْ مَلآنَاً ـ فَلَقِيتُ عُمَرَ وَذَكَرْتُ لَهُ الَّذِي كَانَ مِن أَمْرِي، وَقُلْتُ لَهُ: فَوَلَّى اللهُ ذَلِكَ مَنْ كَانَ أَحَقَّ بِهِ مِنْكَ يَا عُمَر، وَاللهِ لَقَدِ اسْتَقْرَأْتُكَ الآيَةَ وَلأَنَا أَقْرَأُ لهَا مِنْكَ، قَالَ عُمَر: وَاللهِ لأَن أَكُونَ أَدْخَلْتُك؛ أَحَبُّ إِليَّ مِن أَنْ يَكُونَ لي مِثْلُ حُمْرِ النَّعَمِ " وَعَنْ مجَاهِدٍ عَن أَبي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ أَنَّهُ قَال:

" آللهِ الَّذِي لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ ـ أَيْ وَاللهِ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ ـ إِنْ كُنْتُ لأَعْتَمِدُ بِكَبِدِي عَلَى الأَرْضِ مِنَ الجُوع ـ أَيْ يَنْبَطِحُ عَلَى الأَرْضِ وَهُوَ يَضْغَطُ عَلَى كَبِدِهِ بِوَرِكِهِ مِنْ شِدَّةِ الجُوع ـ وَإِنْ كُنْتُ لأَشُدُّ الحَجَرَ عَلَى بَطْني مِنَ الجُوع، وَلَقَدْ قَعَدْتُ يَوْمَاً عَلَى طَرِيقِهِمُ الَّذِي يخْرُجُونَ مِنْهُ، فَمَرَّ أَبُو بَكْر، فَسَأَلْتُهُ عَنْ آيَةٍ مِنْ كِتَابِ اللهِ مَا سَأَلْتُهُ إِلاَّ لِيُشْبِعَني: فَمَرَّ وَلَمْ يَفْعَلْ، ثُمَّ مَرَّ بي عُمَر، فَسَأَلْتُهُ عَنْ آيَةٍ مِنْ كِتَابِ اللهِ مَا سَأَلْتُهُ إِلاَّ لِيُشْبِعَني: فَمَرَّ فَلَمْ يَفْعَلْ، ثُمَّ مَرَّ بي أَبُو القَاسِمِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم، فَتَبَسَّمَ حِينَ رَآني، وَعَرَفَ مَا في نَفْسِي وَمَا في وَجْهِي، ثمَّ قَال:

" يَا أَبَا هِرّ " 00 قُلْتُ لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ الله 00؟ قَالَ الحَقْ ـ أَيِ اتْبَعْني ـ وَمَضَى، فَتَبِعْتُهُ، فَدَخَلَ فَاسْتَأْذَنَ ـ أَيْ فَاسْتَأْذَنَ لي ـ فَأُذِنَ لي، فَدَخَلَ فَوَجَدَ لَبَنَاً في قَدَح، فَقَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم: " مِن أَيْنَ هَذَا اللَّبَن " 00؟ قَالُواْ: أَهْدَاهُ لَكَ فُلاَنٌ أَوْ فُلاَنَة، قَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم: " أَبَا هِرّ " 00؟ قُلْتُ لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ الله 00؟

قَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم: " الحَقْ إِلى أَهْلِ الصُّفَّةِ فَادْعُهُمْ لي " 00 وَأَهْلُ الصُّفَّةِ أَضْيَافُ الإِسْلاَم، لاَ يَأْوُونَ إِلى أَهْلٍ وَلاَ مَالٍ وَلاَ عَلَى أَحَد، إِذَا أَتَتْهُ صَدَقَةٌ بَعَثَ بِهَا إِلَيْهِمْ وَلَمْ يَتَنَاوَلْ مِنْهَا شَيْئَاً، وَإِذَا أَتَتْهُ هَدِيَّةٌ أَرْسَلَ إِلَيْهِمْ وَأَصَابَ مِنْهَا وَأَشْرَكَهُمْ فِيهَا؛ فَسَاءَ ني ذَلِكَ ـ أَيْ لِكَثْرَتِهِمْ وَقِلَّةِ مَا عِنْدَنَا مِنَ اللَّبن ـ فَقُلْتُ ـ أَيْ في نَفْسِي ـ وَمَا هَذَا اللَّبَنُ في أَهْلِ الصُّفَّة 00؟! كُنْتُ أَحَقَّ أَنَا أَن أُصِيبَ مِنْ هَذَا اللَّبَنِ شَرْبَةً أَتَقَوَّى بِهَا، فَإِذَا جَاءَ ـ أَيْ أَهْلُ الصُّفَّة ـ أَمَرَني فَكُنْتُ أَنَا أُعْطِيهِمْ: وَمَا عَسَى أَنْ يَبْلُغَني مِنْ هَذَا اللَّبَن؟!

وَلَمْ يَكُنْ مِنْ طَاعَةِ اللهِ وَطَاعَةِ رَسُولِهِ بُدّ، فَأَتَيْتُهُمْ فَدَعَوْتُهُمْ فَأَقْبَلُواْ، فَاسْتَأْذَنُواْ فَأُذِنَ لهُمْ، وَأَخَذُواْ مجَالِسَهُمْ مِنَ البَيْت، قَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم: " يَا أَبَا هِرّ " 00 قُلْتُ لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ الله 00؟ قَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم: " خُذْ فَأَعْطِهِمْ " فَأَخَذْتُ القَدَح، فَجَعَلْتُ أُعْطِيهِ الرَّجُلَ فَيَشْرَبُ حَتىَّ يَرْوَى، ثُمَّ يَرُدُّ عَلَيَّ القَدَح، فَأُعْطِيهِ الرَّجُلَ فَيَشْرَبُ حَتىَّ يَرْوَى، ثُمَّ يَرُدُّ عَلَيَّ القَدَح، حَتىَّ انْتَهَيْتُ إِلى النَّبيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَدْ رَوِيَ القَوْمُ كُلُّهُمْ؛ فَأَخَذَ القَدَحَ فَوَضَعَهُ عَلَى يَدِهِ، فَنَظَرَ إِليَّ فَتَبَسَّم، فَقَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم:

" أَبَا هِرّ " 00 قُلْتُ لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ الله 00؟ قَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم: " بَقِيتُ أَنَا وَأَنْت " 00 قُلْتُ صَدَقْتَ يَا رَسُولَ الله، قَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم: " اقْعُدْ فَاشْرَبْ " فَقَعَدْتُ فَشَرِبْت، فَقَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم: " اشْرَبْ " 00 فَشَرِبْت، فَمَا زَالَ يَقُولُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم: " اشْرَبْ " حَتىَّ قُلْتُ: لاَ وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالحَقّ، مَا أَجِدُ لَهُ مَسْلَكَاً، قَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم: " فَأَرِني " ـ أَيْ فَأَعْطِني ـ فَأَعْطَيْتُهُ القَدَح، فَحَمِدَ اللهَ وَسَمَّى، وَشَرِبَ الفَضْلَة " 0 [الإِمَامُ البُخَارِيُّ في " فَتْحِ البَارِي " بِرَقْم: 6452] الجُوعُ وَالحِرْمَانُ الَّذِي رَآهُ الصَّحَابَةُ ** رضي الله عنهم **

عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ رَضِيَ اللهُ عَنهُ قَال: " بَيْنَمَا نحْنُ نُصَلِّي مَعَ النَّبيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذْ أَقْبَلَتْ عِيرٌ تحْمِلُ طَعَامَاً، فَالْتَفَتُواْ إِلَيْهَا حَتىَّ مَا بَقِيَ مَعَ النَّبيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلاَّ اثْنَا عَشَرَ رَجُلاً؛ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَة: ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لهْوَاً انْفَضُّواْ إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمَا﴾ ﴿الجُمُعَة/11﴾ " 0 [الإِمَامُ البُخَارِيُّ في " فَتْحِ البَارِي " بِرَقْم: (936)، وَالإِمَامُ مُسْلِمٌ في نُسْخَةِ " فُؤَاد عَبْد البَاقِي " بِرَقْم: 863]

عَنِ المِقْدَادِ بْنِ عَمْرٍو رَضِيَ اللهُ عَنهُ قَال: " أَقْبَلْتُ أَنَا وَصَاحِبَانِ لي، وَقَدْ ذَهَبَتْ أَسْمَاعُنَا وَأَبْصَارُنَا مِنَ الجَهْدِ ـ أَيْ مِنَ الجُوعِ وَالمِقْدَاد ـ فَجَعَلْنَا نَعْرِضُ أَنْفُسَنَا عَلَى أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم ـ أَيْ لِنَنْزِلَ ضُيُوفَاً عَلَيْهِمْ ـ فَلَيْسَ أَحَدٌ مِنْهُمْ يَقْبَلُنَا؛ فَأَتَيْنَا النَّبيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم، فَانْطَلَقَ بِنَا إِلى أَهْلِهِ، فَإِذَا ثَلاَثَةُ أَعْنُز، فَقَالَ النَّبيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم: " احْتَلِبُواْ هَذَا اللَّبَنَ بَيْنَنَا " 00 فَكُنَّا نحْتَلِبُ فَيَشْرَبُ كُلُّ إِنْسَانٍ مِنَّا نَصِيبَه، وَنَرْفَعُ لِلنَّبيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَصِيبَه، فَيَجِيءُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنَ اللَّيْلِ فَيُسَلِّمُ

تَسْلِيمَاً لاَ يُوقِظُ نَائِمَاً وَيُسْمِعُ اليَقْظَان، ثمَّ يَأْتي المَسْجِدَ فَيُصَلِّي، ثمَّ يَأْتي شَرَابَهُ فَيَشْرَب، فَأَتَاني الشَّيْطَانُ ذَاتَ لَيْلَةٍ وَقَدْ شَرِبْتُ نَصِيبي فَقَال: محَمَّدٌ يَأْتي الأَنْصَارَ فَيُتْحِفُونَهُ وَيُصِيبُ عِنْدَهُمْ، مَا بِهِ حَاجَةٌ إِلى هَذِهِ الجُرْعَة؛ فَأَتَيْتُهَا فَشَرِبْتُهَا، فَلَمَّا أَنْ وَغَلَتْ ـ أَيْ نَزَلَتْ ـ في بَطْني؛ وَعَلِمْتُ أَنَّهُ لَيْسَ إِلَيْهَا سَبِيل؛ نَدَّمَني الشَّيْطَانُ فَقَال: وَيْحَك؛ مَا صَنَعْت 00؟ أَشَرِبْتَ شَرَابَ محَمَّد؛ فَيَجِيءُ فَلاَ يَجِدُهُ فَيَدْعُو عَلَيْكَ فَتَهْلِك؛ فَتَذْهَبُ دُنْيَاكَ وَآخِرَتُك 00؟

وَعَلَيَّ شَمْلَةٌ إِذَا وَضَعْتُهَا عَلَى قَدَمَيَّ خَرَجَ رَأْسِي، وَإِذَا وَضَعْتُهَا عَلَى رَأْسِي خَرَجَ قَدَمَاي، وَجَعَلَ لاَ يَجِيئُني النَّوْم، وَأَمَّا صَاحِبَايَ فَنَامَا وَلَمْ يَصْنَعَا مَا صَنَعْت، فَجَاءَ النَّبيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَسَلَّمَ كَمَا كَانَ يُسَلِّم، ثُمَّ أَتَى المَسْجِدَ فَصَلَّى، ثُمَّ أَتَى شَرَابَه، فَكَشَفَ عَنْهُ فَلَمْ يَجِدْ فِيهِ شَيْئَا؛ فَرَفَعَ رَأْسَهُ إِلى السَّمَاء؛ فَقُلْتُ الآنَ يَدْعُو عَلَيَّ فَأَهْلِك، فَقَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم: " اللهُمَّ أَطْعِمْ مَن أَطْعَمَني، وَاسْقِ مَنْ سَقَاني " 00 فَعَمَدْتُ إِلى الشَّمْلَةِ فَشَدَدْتُهَا عَلَيّ، وَأَخَذْتُ الشَّفْرَةَ فَانْطَلَقْتُ إِلى الأَعْنُز، أَيُّهَا أَسْمَنُ فَأَذْبَحُهَا لِرَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم ـ أَيْ

لِيُطْعِمَهُ فَيُصِيبَ دَعْوَتَهُ فَيُطْعِمَهُ الله عَزَّ وَجَلّ ـ فَإِذَا هِيَ حَافِلَة ـ أَيْ مُمْتَلِئَةُ الضُّرُوع ـ وَإِذَا هُنَّ حُفَّلٌ كُلُّهُنّ؛ فَعَمَدْتُ إِلى إِنَاءٍ لآلِ محَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا كَانُواْ يَطْمَعُونَ أَنْ يحْتَلِبُواْ فِيه ـ أَيْ لِكِبَرِهِ وَسَعَتِه ـ فَحَلَبْتُ فِيهِ حَتىَّ عَلَتْهُ رَغْوَة، فَجِئْتُ إِلى رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَال: " أَشَرِبْتُمْ شَرَابَكُمُ اللَّيْلَة " 00؟

قُلْتُ يَا رَسُولَ الله؛ اشْرَبْ، فَشَرِبَ ثمَّ نَاوَلَني، فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللهِ اشْرَبْ؛ فَشَرِبَ ثمَّ نَاوَلَني، فَلَمَّا عَرَفْتُ أَنَّ النَّبيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ رَوِيَ وَأَصَبْتُ دَعْوَتَهُ؛ ضَحِكْتُ حَتىَّ أُلْقِيتُ إِلى الأَرْض؛ فَقَالَ النَّبيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم: " إِحْدَى سَوْآتِكَ يَا مِقْدَاد " 00 فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ الله؛ كَانَ مِن أَمْرِي كَذَا وَكَذَا، وَفَعَلْتُ كَذَا؛ فَقَالَ النَّبيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم: " مَا هَذِهِ إِلاَّ رَحمَةٌ مِنَ الله؛ أَفَلاَ كُنْتَ آذَنْتَني فَنُوقِظَ صَاحِبَيْنَا فَيُصِيبَانِ مِنْهَا " 00؟ فَقُلْتُ: وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالحَقّ؛ مَا أُبَالي إِذَا أَصَبْتَهَا وَأَصَبْتُهَا مَعَكَ مَن أَصَابهَا مِنَ النَّاس " 0 [رَوَاهُ الإِمَامُ مُسْلِمٌ في صَحِيحِهِ بِرَقْم: 2055 / عَبْد البَاقِي]

الحِرْمَانُ الَّذِي رَآهُ سُفْيَانُ الثَّوْرِيّ قَالَ أَبُو شِهَابٍ الحَنَّاط: " بَعَثَتْ أُخْتُ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ رَحِمَهَا اللهُ بِجِرَابٍ مَعِي إِلىَ سُفْيَانَ وَهُوَ بِمَكَّة، فِيهِ كَعْكٌ وَخُشْكَنَان [هُوَ مَا نُسَمِّيهِ في مِصْرَ بِالْكِشْك] فَقَدِمْتُ، فَسَأَلْتُ عَنهُ؛ فَقِيلَ لي: رُبَّمَا قَعَدَ عِنْدَ الْكَعْبَةِ مِمَّا يَلِي الحَنَّاطِين؛ فَأَتَيْتُهُ فَوَجَدْتُهُ مُسْتَلْقِيَاً، فَسلَّمْتُ عَلَيْه، فَلَمْ يُسَائِلْني تِلْكَ المُسَاءلَة، وَلَمْ يُسلِّمْ عَلَيَّ كَمَا كُنْتُ أَعْرِفُه؛ فَقُلْتُ: إِنَّ أُخْتَكَ بَعثَتْ مَعِي بِجِرَاب؛ فَاسْتَوَى جَالِسَاً وَقَال: عَجِّلْ بِهَا؛ فَكَلَّمْتُهُ في ذَلِكَ فَقَال: يَا أَبَا شِهَابٍ لاَ تَلُمْني؛ فَلِي ثَلاَثَةُ أَيَّامٍ لَمْ أَذُقْ فِيهَا ذوَاقَاً؛ فَعَذَرْتُه " 0 [الإِمَامُ الذَّهَبيُّ في سِيَرِ أَعْلاَمِ النُّبَلاَء 0 طَبْعَةِ مُؤَسَّسَةِ الرِّسَالَة 0 ص: 246/ 7]

الحِرْمَانُ الَّذِي رَآهُ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ حَدَّثَ حَرْملَةُ بْنُ يحْيىَ عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ رَحْمَةُ اللهِ عَلَيْهِ قَالَ لَهُ مُشِيرَاً إِلىَ خُبْز الشَّعِير: " هَذَا طَعَامِي مُنْذُ سِتِّينَ سَنَة " 0 [الإِمَامُ الذَّهَبيُّ في سِيَرِ أَعْلاَمِ النُّبَلاَء 0 طَبْعَةِ مُؤَسَّسَةِ الرِّسَالَة 0 ص: 462/ 8]

خَيرُ طَعَامِ الصَّحَابَة عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنهُ أَنَّ امْرَأَةً كَانَتْ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم، وَكَانَ لهَا مَزْرَعَة، فَكَانَتْ تَأْخُذُ جُذُورَ نَبَاتِ السَّلْق، فَتَجْعَلُهُ في قِدْر، ثمَّ تَجْعَلُ عَلَيْهِ قَبْضَةً مِنْ شَعِيرٍ تَطْحَنُهَا، يَقُولُ سَهْل: " وَكُنَّا نَنْصَرِفُ مِنْ صَلاَةِ الجُمُعَةِ فَنُسَلِّمُ عَلَيْهَا، فَتُقَرِّبُ ذَلِكَ الطَّعَامَ إِلَيْنَا فَنَلْعَقُه، وَكُنَّا نَتَمَنىَّ يَوْمَ الجُمُعَةِ لِطَعَامِهَا ذَلِك " 0 [الإِمَامُ البُخَارِيُّ في " فَتْحِ البَارِي " بِرَقْم: 938] وَالسَّلْقُ نَبَاتٌ أَخْضَرُ مُتَطَفِّلٌ شَأْنُهُ شَأْنُ الرِّجْلَة: البَقْلَةِ الحَمْقَاء 0

وَعَن أَنَسٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ أَنَّهُ قَال؛ يَصِفُ طَعَامَ الصَّحَابَةِ ذَاتَ يَوْمٍ وَهُمْ يحْفِرُونَ الخَنْدَقَ: " يُؤْتَوْنَ بمِلْءِ كَفٍّ مِنَ الشَّعِير؛ فَيُصْنَعُ لهُمْ بِإِهَالَةٍ سَنِخَةٍ ـ أَيْ بِقِطْعَةِ دُهْنٍ مُتَغَيِّرَةِ الرَّائِحَة ـ تُوضَعُ بَيْنَ يَدَيِ القَوْم، وَالقَوْمُ جِيَاع، وَهِيَ بَشِعَةٌ في الحَلْق، وَلَهَا رِيحٌ مُنْتِن " 00!! [رَوَاهُ الإِمَامُ البُخَارِيُّ في صَحِيحِهِ بِرَقْم: 4100 / فَتْح]

عَن أَبي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ أَنَّ سَائِلاً سَأَلَ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم: عَنِ الصَّلاَةِ في ثَوْبٍ وَاحِد 00؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم: " أَوَلِكُلِّكُمْ ثَوْبَان " 0 [الإِمَامُ البُخَارِيُّ في " فَتْحِ البَارِي " بِرَقْم: (358)، وَالإِمَامُ مُسْلِمٌ في نُسْخَةِ " فُؤَاد عَبْد البَاقِي " بِرَقْم: 515]

عَنْ محَمَّدِ بْنِ المُنْكَدِرِ رَضِيَ اللهُ عَنهُ قَال: " صَلَّى جَابِرٌ رَضِيَ اللهُ عَنهُ في إِزَارٍ قَدْ عَقَدَهُ مِنْ قِبَلِ قَفَاه، وَثِيَابُهُ مَوْضُوعَةٌ عَلَى المِشْجَب، قَالَ لَهُ قَائِل: تُصَلِّي في إِزَارٍ وَاحِد 00؟! فَقَال: إِنَّمَا صَنَعْتُ ذَلِكَ لِيَرَاني أَحْمَقٌ مِثْلُك؛ وَأَيُّنَا كَانَ لَهُ ثَوْبَانِ عَلَى عَهْدِ النَّبيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم " 0 [المِشْجَبُ وَالشِّجَاب: هَمَا عِيدَانٌ تُنْصَبُ لِتَعْلِيقِ الثِّيَابِ عَلَيْهَا أَوِ الْقُلَل، كَالشَّمَّاعَة 0 رَوَاهُ الإِمَامُ البُخَارِيُّ في صَحِيحِهِ بِرَقْم: 352 / فَتْح]

حَدَّثَ مُعَلَّى الْوَرَّاقُ عَنْ مَالِكِ بْنِ دِينَارٍ رَحِمَهُ اللهُ أَنَّهُ قَال: " خَلَطْتُ دَقِيقِي بِالرَّمَاد؛ فَضَعُفْتُ عَنِ الصَّلاَة " 0 [الإِمَامُ الذَّهَبيُّ في سِيَرِ أَعْلاَمِ النُّبَلاَء 0 طَبْعَةِ مُؤَسَّسَةِ الرِّسَالَة 0 ص: 365/ 5] انْظُرْ: هَذَا هُوَ كُلُّ مَا يَشْغَلُه؛ لاَ الأَمْرَاضُ الَّتي يُمْكِنُ أَنْ تُصِيبَ مَنْ يَأْكُلُه 00!!

إِحْسَاسُ الرَّسُولِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِفُقَرَاءِ المُسْلِمِين عَنْ فَضَالَةَ بْنِ عُبَيْدٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ عَنْ رَسولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم: أَنَّهُ كَانَ إِذَا صَلَّى بالنَّاسِ يخِرُّ رِجَالٌ مِنْ قَامَتِهِمْ في الصَّلاَة، مِنَ الخَصَاصَةِ ـ أَيْ مِنَ الفَقْرِ وَالجُوع ـ وَهُمْ أَصْحَابُ الصُّفَّة؛ حَتىَّ يَقُولَ الأَعْرَاب: هَؤُلاَءِ مجَانِين، فَإِذَا صَلَّى رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ انْصَرَفَ إِلَيْهِمْ فَقَال: " لَوْ تَعْلَمُونَ مَا لَكُمْ عِنْدَ الله؛ لأَحْبَبْتُمْ أَنْ تَزْدَادُواْ فَاقَةً وَحَاجَة " 00 وَفَاقَةً: أَيْ فَقرَاً 0 [صَحَّحَهُ الْعَلاَّمَةُ الأَلبَانِيُّ في الصَّحِيحِ وَالصَّحِيحَةِ بِرَقْمَيْ: 5265، 2169، وَفي سُنَنِ الإِمَامِ التِّرْمِذِيِّ بِرَقْم: 2368، وَالأُسْتَاذ شُعَيْب الأَرْنَؤُوط في صَحِيحِ ابْنِ حِبَّان]

عَنِ الإِمَامِ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللهُ وَجْهَهُ عَنِ النَّبيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ بَعَثَ مَعَهُ لَمَّا زَوَّجَهُ فَاطِمَةَ بِخَمِيلَةٍ وَوِسَادَةٍ مِن أَدَمٍ حَشْوُهَا لِيف، وَرَحَيَيْنِ وَسِقَاءٍ وَجَرَّتَيْن؛ فَقَالَ عَلِيٌّ كَرَّمَ اللهُ وَجْهَهُ لِفَاطِمَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهَا ذَاتَ يَوْم: وَاللهِ لَقَدْ سَنَوْتُ حَتىَّ لَقَدْ اشْتَكَيْتُ صَدْرِي ـ أَيْ أَصَابَني بَرْدٌ مِنْ سِقَايَةِ المَاء ـ وَقَدْ جَاءَ اللهُ أَبَاكِ بِسَبي؛ فَاذْهَبي فَاسْتَخْدِمِيهِ ـ أَيِ اطْلُبي مِنهُ خَادِمَاً ـ فَقَالَتْ: وَأَنَا وَاللهِ قَدْ طَحَنْتُ حَتىَّ مَجَلَتْ يَدَاي ـ أَيْ تَفَقَّأَتَا ـ فَأَتَتِ النَّبيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَال: " مَا جَاءَ بِكِ أَيْ بُنَيَّة " 00؟

قَالَتْ رَضِيَ اللهُ عَنهَا: جِئْتُ لأُسَلِّمَ عَلَيْكَ وَاسْتَحْيَتْ أَنْ تَسْأَلَهُ وَرَجَعَتْ؛ فَقَالَ ـ أَيْ زَوْجُهَا كَرَّمَ اللهُ وَجْهَهُ: مَا فَعَلْتِ 00؟ قَالَت: اسْتَحْيَيْتُ أَن أَسْأَلَهُ؛ فَأَتَيْنَاهُ جَمِيعَاً، فَقَالَ عَلِيٌّ كَرَّمَ اللهُ وَجْهَهُ: يَا رَسُولَ الله؛ وَاللهِ لَقَدْ سَنَوْتُ حَتىَّ اشْتَكَيْتُ صَدْرِي، وَقَالَتْ فَاطِمَةُ رَضِيَ اللهُ عَنهَا: قَدْ طَحَنْتُ حَتىَّ مَجَلَتْ يَدَاي، وَقَدْ جَاءكَ اللهُ بِسَبيٍ وَسَعَة؛ فَأَخْدِمْنَا؛ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم: " وَاللهِ لاَ أُعْطِيكُمَا وَأَدَعُ أَهْلَ الصُّفَّةِ تَطْوَى بُطُونُهُمْ لاَ أَجِدُ مَا أُنْفِقُ عَلَيْهِمْ، وَلَكِنيِّ أَبِيعُهُمْ وَأُنْفِقُ عَلَيْهِمْ أَثْمَانَهُمْ " 0 [صَحَّحَهُ الْعَلاَّمَة أَحْمَد شَاكِر في المُسْنَدِ بِرَقْم: 596، رَوَاهُ الإِمَامُ أَحْمَدُ في مُسْنَدِه]

كَيْفَ كَانَ أَحْيَانَاً طَعَامُهُمْ رَضِيَ اللهُ عَنهُمْ في اليَوْمِ تَمْرَة عَنْ جَابِرٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ قَال: " خَرَجْنَا وَنحْنُ ثَلاَثُ مِاْئَة، نحْمِلُ زَادَنَا عَلَى رِقَابِنَا، فَفَنيَ زَادُنَا، حَتىَّ كَانَ الرَّجُلُ مِنَّا يَأْكُلُ في كُلِّ يَوْمٍ تَمْرَة، قَالَ رَجُل: يَا أَبَا عَبْدِ الله، وَأَيْنَ كَانَتِ التَّمْرَةُ تَقَعُ مِنَ الرَّجُل 00؟! قَالَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ: لَقَدْ وَجَدْنَا فَقْدَهَا حِينَ فَقَدْنَاهَا، حَتىَّ أَتَيْنَا البَحْرَ فَإِذَا حُوتٌ قَدْ قَذَفَهُ البَحْر؛ فَأَكَلْنَا مِنْهُ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ يَوْمَاً مَا أَحْبَبْنَا " 0 [الإِمَامُ البُخَارِيُّ في " فَتْحِ البَارِي " بِرَقْم: (2983)، وَالإِمَامُ مُسْلِمٌ في نُسْخَةِ " فُؤَاد عَبْد البَاقِي " بِرَقْم: 1935]

وَفي رِوَايَةٍ أُخْرَى عَنْ جَابِرٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ أَيْضَاً قَال: " سِرْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَكَانَ قُوتُ كُلِّ رَجُلٍ مِنَّا في كُلِّ يَوْمٍ تَمْرَة، فَكَانَ يَمَصُّهَا ثمَّ يَصُرُّهَا في ثَوْبِه، وَكُنَّا نخْتَبِطُ بِقِسِيِّنَا وَنَأْكُلُ ـ أَيْ أَوْرَاقَ الشَّجَر ـ حَتىَّ قَرِحَتْ أَشْدَاقُنَا، فَأُقْسِمُ أُخْطِئَهَا رَجُلٌ مِنَّا يَوْمَاً؛ فَانْطَلَقْنَا بِهِ نَنْعَشُه ـ أَيْ نُسْنِدُهُ كَمَا يُسْنَدُ مَن أَشْرَفَ عَلَى المَوْت ـ فَشَهِدْنَا أَنَّهُ لَمْ يُعْطَهَا فَأُعْطِيَهَا " 0 [رَوَاهُ الإِمَامُ مُسْلِمٌ في صَحِيحِهِ بِرَقْم: 3014 / عَبْد البَاقِي]

وَفي رِوَايَةٍ أُخْرَى عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ رَضِيَ اللهُ عَنهُ أَيْضَاً قَال: " بَعَثنَا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَمَّرَ عَلَيْنَا أَبَا عبَيْدَةَ نَتَلقَّى عِيرَاً لِقُرَيْش، وَزَوَّدَنَا جِرَابَاً مِنْ تمْرٍ لَمْ يجِدْ لَنَا غَيرَه، فَكَانَ أَبُو عُبَيْدَةَ يُعْطِينَا تمْرَة تمْرَة ـ أَيْ يُعْطِينَا كُلَّ وَاحِدٍ تَمْرَة ـ فَقِيلَ كَيْفَ كُنْتُمْ تَصْنَعُونَ بهَا 00؟!! قَالَ نَمَصُّهَا كَمَا يَمَصُّ الصَّبيّ، ثُمَّ نَشْرَبُ عَلَيْهَا مِنَ المَاءِ فَتَكْفِينَا يَوْمَنَا إِلى اللَّيْل، وَكُنَّا نَضْرِبُ بِعِصِيِّنَا الخَبَط [أَيْ وَرَقَ الشَّجَرِ]، ثمَّ نَبُلُّهُ بِالمَاءِ فَنَأْكُلُه، وَانْطَلَقْنَا عَلَى سَاحِلِ البَحْر، فَرُفِعَ لَنَا عَلَى سَاحِلِ البَحْرِ كَهَيْئَةِ الكَثِيبِ الضَّخْم، فَأَتَيْنَاهُ فَإِذَا هِيَ دَابَّةٌ تُدْعَى العَنْبَر،

قَالَ أَبُو عُبَيْدَة: مَيْتَة، ثمَّ قَال: لاَ بَلْ نحْنُ رُسُلُ رَسُولِ اللهِ وَفي سَبِيلِ الله، وَقَدِ اضْطُرِرْتُمْ فَكُلُواْ، فَأَقَمْنَا عَلَيْهِ شَهْرَاً، وَنحْنُ ثَلاَثُ مِائَةٍ حَتىَّ سَمِنَّا، وَلَقَدْ رَأَيْتُنَا نَغْتَرِفُ مِنْ وَقْبِ عَيْنِهِ ـ أَيْ مِنْ نُقرَةِ عَيْنِهِ ـ بِالقِلاَلِ الدُّهْن، وَنَقْتَطِعُ مِنْهُ الفِدَرَ ـ أَيْ قِطَعَ اللَّحْمِ ـ كَالثَّوْرِ أَوْ كَقَدْرِ الثَّوْر، فَلَقَدْ أَخَذَ مِنَّا أَبُو عُبَيْدَةَ ثَلاَثَةَ عَشَرَ رَجُلاً فَأَقْعَدَهُمْ في وَقْبِ عَيْنِه، وَأَخَذَ ضِلَعَاً مِن أَضْلاَعِهِ فَأَقَامَهَا، ثُمَّ رَحَلَ أَعْظَمَ بَعِيرٍ مَعَنَا فَمَرَّ مِنْ تحْتِهَا ـ وَفي رِوَايَةٍ: نَظَرَ إِلى أَطْوَلِ رَجُلٍ في الجَيْشِ وَأَطْوَلِ جمَلٍ فَحَمَلَهُ عَلَيْهِ فَمَرَّ تحْتَه ـ وَتَزَوَّدْنَا مِنْ لحْمِهِ وَشَائِق

[أَيْ مَلَّحْنَاهُ وَجَفَّفْنَاهُ وَاتخَذْنَاهُ زَادَاً] فَلَمَّا قَدِمْنَا المَدِينَة؛ أَتَيْنَا رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَذَكَرْنَا ذَلِكَ لَه، فَقَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم: " هُوَ رِزْقٌ أَخْرَجَهُ اللهُ لَكُمْ، فَهَلْ مَعَكُمْ مِنْ لحْمِهِ شَيْءٌ فَتُطْعِمُونَا " 00 فَأَرْسَلْنَا إِلى رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْهُ فَأَكَلَه " 0 [الإِمَامُ مُسْلِمٌ في نُسْخَةِ " فُؤَاد عَبْد البَاقِي " بِرَقْم: (1935)، وَالبُخَارِيُّ نَحْوَهِ بِرَقْم: 4360، 4361، 4362 / فَتْح]

كَيْفَ كَانَ بَعْضُهُمْ رَضِيَ اللهُ عَنهُمْ يَمُوتُ وَلاَ يُوجَدُ لَهُ كَفَن عَن خَبَّابِ بْنِ الأَرَتِّ رَضِيَ اللهُ عَنهُ قَال: " هَاجَرْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَبْتَغِي وَجْهَ الله، وَوَجَبَ أَجْرُنَا عَلَى الله، فَمِنَّا مَنْ مَضَى لَمْ يَأْكُلْ مِن أَجْرِهِ شَيْئَا، مِنْهُمْ مُصْعَبُ بْنُ عُمَيْر،

قُتِلَ يَوْمَ أُحُد، فَلَمْ نَجِدْ مَا نُكَفِّنُهُ فِيهِ إِلاَّ نَمِرَة ـ أَيْ عَبَاءةً ـ كُنَّا إِذَا غَطَّيْنَا بِهَا رَأْسَهُ؛ خَرَجَتْ رِجْلاَه، فَإِذَا غَطَّيْنَا رِجْلَيْهِ خَرَجَ رَأْسُه؛ فَأَمَرَنَا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ نُغَطِّيَ رَأْسَهُ بِهَا، وَنَجْعَلَ عَلَى رِجْلَيْهِ مِن إِذْخِر، وَمِنَّا مَن أَيْنَعَتْ لَهُ ثَمَرَتُهُ فَهُوَ يَهْدِبُهَا " 0 يَهْدِبهَا: أَيْ يُهَذِّبهَا، وَالإِذْخِر: نَبَاتٌ طَيِّبُ الرَّائِحَة 0 [الإِمَامُ البُخَارِيُّ في " فَتْحِ البَارِي " بِرَقْم: 3914]

وَعَن خَبَّابِ بْنِ الأَرَتِّ رَضِيَ اللهُ عَنهُ قَال: " هَاجَرْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في سَبِيلِ الله، نَبْتَغِي وَجْهَ الله، فَوَجَبَ أَجْرُنَا عَلَى الله، فَمِنَّا مَنْ مَضَى لَمْ يَأْكُلْ مِن أَجْرِهِ شَيْئَا، مِنْهُمْ مُصْعَبُ بْنُ عُمَيْر، قُتِلَ يَوْمَ أُحُد، فَلَمْ يُوجَدْ لَهُ شَيْءٌ يُكَفَّنُ فِيه؛ إِلاَّ نَمِرَة ـ أَيْ عَبَاءةٌ ـ فَكُنَّا إِذَا وَضَعْنَاهَا عَلَى رَأْسِه؛ خَرَجَتْ رِجْلاَه، وَإِذَا وَضَعْنَاهَا عَلَى رِجْلَيْه؛ خَرَجَ رَأْسُه؛ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم: " ضَعُوهَا مِمَّا يَلِي رَأْسَه، وَاجْعَلُواْ عَلَى رِجْلَيْهِ الإِذْخِر " 00 وَمِنَّا مَن أَيْنَعَتْ لَهُ ثَمَرَتُه، فَهُوَ يَهْدِبُهَا " 00 أَيْ: يُهَذِّبُهَا وَيُشَذِّبُهَا 0

[الإِمَامُ مُسْلِمٌ في نُسْخَةِ " فُؤَاد عَبْد البَاقِي " بِرَقْم: 940] إِحْسَاسُ الغَنيِّ بِالفَقِير عَنْ نَافِعٍ قَال: " كَانَ ابْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ لاَ يَأْكُلُ حَتىَّ يُؤْتَى بمِسْكِينٍ يَأْكُلُ مَعَه " 0 [رَوَاهُ الإِمَامُ البُخَارِيُّ في صَحِيحِهِ بِرَقْم: 5393 / فَتْح] وَرُوِيَ عَنِ الحَسَنِ البَصْرِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنهُ أَنَّهُ قَال:

" واللهِ لَقَدْ أَدْرَكْنَا أَقْوَامَاً، وَصَحِبْنَا طَوَائِف؛ إِنْ كَانَ الرَّجُلُ مِنهُمْ لَيُمْسِي وَعِنْدَهُ مِنَ الطَّعَامِ مَا يَكْفِيه، وَلوْ شَاءَ لأَكَلَه، فَيَقُول: وَاللهِ لاَ أَجْعَلُ هَذَا كُلَّهُ في بَطْني، حَتىَّ أَجْعَلَ بَعْضَهُ لله؛ فَيَتَصَدَّقُ بِبَعْضِه، وَاللهِ لَقَدْ أَدْرَكْنَا أَقْوَامَاً وَصَحِبْنَا طَوَائِفَ: مَا كَانُواْ يُبَالُونَ أَشَرَّقَتِ الدُّنيَا أَمْ غَرَّبَتْ، وَاللهِ الَّذِي لاَ إِلَهَ غَيرُه: لَهِيَ أَهْوَنُ عَلَيْهِمْ مِنَ التُّرَابِ الَّذِي يَمْشُونَ عَلَيْه " 0 [الحِليَةُ لأَبي نُعَيم 0 دَارُ الكِتَابِ العَرَبي 0 بَيرُوت 0 ص: 272/ 6]

وَعَن عَبْدِ اللهِ المُزَنيِّ رَضِيَ اللهُ عَنهُ قَال: قَالَ رَجُلٌ لِلنَّبيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم: يَا رَسُولَ الله، وَاللهِ إِنيِّ لأُحِبُّك؛ فَقَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم: " انْظُرْ مَاذَا تَقُول " 00 قَالَ وَاللهِ إِنِّي لأُحِبُّك، فَقَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم: " انْظُرْ مَاذَا تَقُول " قَالَ وَاللهِ إِنِّي لأُحِبُّكَ، ثَلاَثَ مَرَّات؛ فَقَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم: " إِنْ كُنْتَ تُحِبُّني؛ فَأَعِدَّ لِلْفَقْرِ تَجْفَافَاً [أَيْ عُدَّةً] فَإِنَّ الفَقْرَ أَسْرَعُ إِلى مَنْ يحِبُّني، مِنَ السَّيْلِ إِلى مُنْتَهَاه " [صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْن0المُسْتَدْرَك: 7944، وَهُوَ في الكَنْزِ بِرَقْم: 16646، وَفي الشُّعَبِ بِرَقْم: 1471]

وَعَن أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ قَال: " أَتَى النَّبيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَجُلٌ فَقَال: إِنِّي أُحِبُّك؛ فَقَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم: " اسْتَعِدَّ لِلْفَاقَة " 0 [وَثَّقَهُ الإِمَامُ الهَيْثَمِيُّ في " المجْمَعِ " ص: (274/ 10)، وَالحَدِيثُ رَوَاهُ الإِمَامُ البَزَّار]

عَن أَبي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنهُ أَنَّهُ شَكَا إِلى رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَاجَتَه؛ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم: " اصْبرْ أَبَا سَعِيد؛ فَإِنَّ الْفَقْرَ إِلى مَنْ يحِبُّني مِنْكُمْ؛ أَسْرَعُ مِنَ السَّيْلِ عَلَى أَعْلَى الوَادِي، وَمِن أَعْلَى الجَبَلِ إِلى أَسْفَلِه " 0 [صَحَّحَهُ الأَلبَانيُّ في الصَّحِيحَةِ بِرَقم: 2828، وَقَالَ الهَيْثَمِيُّ في المجْمَعِ رِجَالُهُ رِجَالُ الصَّحِيح: 274/ 10، رَوَاهُ أَحْمَد]

وَعَن أَبي الحُوَارِيِّ عَن أَبي سُلَيْمَانَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ قَال: " الجُوعُ عِنْدَ اللهِ في خَزَائِنِه، لاَ يُعْطِيهِ إِلاَّ مَن أَحَبّ " 00!! [رَوَاهُ البَيْهَقِيُّ في " الشُّعَبِ " بِرَقْم: 5714، وَأَوْرَدَهُ الإِمَامُ الغَزَاليُّ في " الإِحْيَاءِ ": 963، رَوَاهُ أَبُو نُعَيْمٍ في الحِليَةُ]

عَنْ فَضَالَةَ بْنِ عُبَيْدٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ عَنِ النَّبيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَال: " اللَّهُمَّ مَن آمَنَ بِكَ، وَشَهِدَ أَنيِّ رَسُولُك: فَحَبِّبْ إِلَيْهِ لِقَاءَك، وَسَهِّلْ عَلَيْهِ قَضَاءَك، وَأَقْلِلْ لَهُ مِنَ الدُّنيَا، وَمَنْ لَمْ يُؤْمِنْ بِكَ، وَلَمْ يَشْهَدْ أَنيِّ رَسُولُك: َفلاَ تُحَبِّبْ إِلَيْهِ لِقَاءَك، وَلاَ تُسَهِّلْ عَلَيْهِ قَضَاءَك، وَأَكْثِرْ لَهُ مِنَ الدُّنيَا " 0 [صَحَّحَهُ الأُسْتَاذ شُعَيْب الأَرْنَؤُوط في صَحِيحِ الإِمَامِ ابْنِ حِبَّانَ بِرَقْم: 208، وَالْعَلاَّمَةُ الأَلْبَانيُّ في الصَّحِيحِ وَالصَّحِيحَةِ بِرَقْمَيْ: 2191، 1338]

كَيْفَ كَانُواْ يَكْرَهُونَ الغِنى لِمَا يَعْرِفُونَهُ مِنْ ثَوَابِ الفَقْرِ يَوْمَ القِيَامَة وَصَفَ أَحَدُ الحُكَمَاءِ الزَّاهِدَ فَقَال: " إِذَا جَاعَ لَيْلَةً؛ سَأَلَ اللهَ أَنْ يجْعَلهَا لَيْلَتَين " 0 [الإِمَامُ الغَزَاليُّ في " الإِحْيَاءِ " طَبْعَةُ دَارِ الوَثَائِقِ المِصْرِيَّة الأُولى 0 بَابُ فَضِيلَةِ الجُوعِ وَذَمِّ الشِّبَع: 964]

وَرَجَعَ فَتحٌ المَوْصِلِي إِلى أَهْلِهِ بَعْدَ العَتَمَةِ وَكَانَ صَائِمَاً، فَقَالَ عَشُّوني 00؟ قالُواْ: مَا عِنْدَنَا مِنْ شَيْءٍ نُعَشِّيكَ بِه، قَال: فَمَا لَكُمْ جُلُوسٌ في الظُّلْمَة 00؟! قَالُواْ: مَا عِنْدَنَا زَيْتٌ نُسْرِجُ به؛ وَالحَاصِلُ ـ أَيْ وَقَعَدَ ـ يَبْكِي مِنَ الفَرَحِ فَقَال: " يَا إِلهِي: مِثْلِي يُتْرَكُ بِلاَ عَشَاءٍ وَلاَ سِرَاج 00؟! بِأَيِّ يَدٍ كَانَتْ مِنيِّ إِلَيْك ـ أَيْ بِأَيِّ طَاعَةٍ بَلَغْتَ بي مِن أَجْلِهَا هَذِهِ المَنْزِلَة؟! فَمَا زَالَ يَبْكِي إِلى الصُّبْح " 0 [البَيْهَقِيُّ في الشُّعَب: 10119]

قَالَ الإِمَامُ الغَزَاليّ رَضِيَ اللهُ عَنهُ: " كَانَ لَنَا جَارٌ إِذَا أَمْسَى وَلَيْسَ عِنْدَهُمْ شَيْءٌ أَمْسَى فَرِحَاً، وَإِذَا أَمْسَى وَعِنْدَهُمْ شيْءٌ أَمْسَى مَغْمُومَاً؛ فَقَالَتْ لَهُ امْرَأَتُه: يَا فُلاَن، خَالَفْتَ النَّاس؟! فَقَالَ لَهَا: أَفْرَحُ لأَنيِّ أُمْسِي وَأَنَا لي بِآلِ محَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُسْوَة، وَإِذَا كَانَ عِنْدَنَا شَيْءٌ أُصْبِحُ مَغْمُومَاً؛ إِذْ لَمْ يَكُنْ لَنَا بِآلِ محَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُسْوَة " 0 [الحَدِيثُ في " شُعَبِ الإِيمَانِ " بِرَقْم: 10120، وَفي " الإِحْيَاءِ " بَابُ ذَمِّ الغِنى وَمَدْحِ الفَقْر: 1171]

فصول الكتاب · 6 فصل · 8447 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول موسوعة الرقائق والأدب - ياسر الحمداني · 8447 صفحة
ـ[موسوعة الرقائق والأدب]ـ
كِتَابُ الرِّضَا بِالقَلِيل:
كِتَابُ فَقْدِ الأَحِبَّة:
كِتَابُ هُمُومِ المُسْلِمِين:
كِتَابُ هُمُومِ العُلَمَاء
كِتَابُ قَصَائِدِ الأَطْفَال
جارٍ التحميل