كِتَابُ الرِّضَا بِالقَلِيل:
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ياسر الحمداني
- الكتاب
- موسوعة الرقائق والأدب
- المؤلف
- ياسر بن أحمد بن محمود بن أحمد بن أبي الحمد الكويس الحمداني
- عدد الأجزاء
- 1 [الكتاب مرقم آليا]
وَخَشِيَ أَنْ يحْزَنَ الصَّدِيقُ إِذَا رَآهُ عَلَى تِلْكَ الحَالَة؛ فَاسْتَخْفَى إِلى اللَّيْلِ ثُمَّ عَادَ إِلى دَارِه، فَطَرَقَ البَابَ فَقِيلَ مَن هَذَا 00؟
قَالَ فُلاَن ـ يَعْني نَفْسَه ـ فَأَظْهَرُواْ لَهُ سُرُورَاً عَظِيمَاً بِمَقْدِمِه، وَقَالُواْ: الحَمْدُ للهِ الَّذِي جَاءَ بِكَ في هَذَا الوَقْت؛ فَإِنَّكَ أَخَذْتَ مَالَكَ مَعَكَ وَمَا تَرَكْتَ لَنَا نَفَقَةً كَافِيَة، وَأَطَلْتَ سَفَرَكَ وَاحْتَجْنَا إِلى مَالٍ فَلَمْ نجِدْ، وَقَدْ وَضَعَتْ زَوْجَتُكَ اليَوْم، وَاللهِ مَا وَجَدْنَا مَا نَشْتَرِي بِهِ شَيْئَاً لِلنُّفَسَاء، فَأْتِنَا بِدَقِيقٍ وَدُهْنٍ نُسْرِجُ بِهِ عَلَيْنَا، فَإِنَّهُ لاَ سِرَاجَ عِنْدَنَا، فَلَمَّا سَمِعَ ذَلِكَ ازْدَادَ غَمَّا عَلَى غَمّ، وَكَرِهَ أَنْ يخْبرَهُمْ بحَالِهِ فَيُحْزِنَهُمْ بِذَلِك، فَأَخَذَ وِعَاءً لِلدُّهْن، وَوِعَاءً لِلدَّقِيق، وَخَرَجَ إِلى حَانُوتٍ أَمَامَ دَارِه، وَكَانَ فِيهِ رَجُلٌ يَبِيعُ الدَّقِيقَ وَالزَّيْتَ وَالعَسَل، وَكَانَ البَائِعُ قَدْ أَطْفَأَ
سِرَاجَهُ وَأَغْلَقَ حَانُوتَهُ وَنَام، فَنَادَاهُ فَعَرَفَه، فَخَرَجَ إِلَيْهِ وَعَانَقَهُ وَحَمِدَ اللهَ عَلَى سَلاَمَتِه، فَقَالَ لَهُ: افْتَحْ حَانُوتَكَ وَأَعْطِنَا مَا نحْتَاجُ إِلَيْهِ مِنْ دَقِيقٍ وَعَسَلٍ وَدُهْن، فَنزَلَ البَائِعُ إِلى حَانُوتِهِ وَأَوْقَدَ المِصْبَاح، وَوَقَفَ يَزِنُ لَهُ مَا طَلَب، فَبَيْنَمَا هُوَ كَذَلِكَ إِذْ حَانَتْ مِنَ التَّاجِرِ الْتِفَاتَة، فَرَأَى خُرْجَهُ الَّذِي هَرَبَ بِهِ خَادِمُه، فَلَمْ يَمْلِكْ نَفْسَهُ أَنِ انْقَضَّ عَلَيْهِ وَقَال: ادْفَعْ إِليَّ مَالي يَا عَدُوَّ الله، فَقَالَ لَهُ البَائِعُ مَا هَذَا يَا فُلاَن 00؟!
قَالَ هَذَا خُرْجِي، هَرَبَ بِهِ خَادِمِي وَأَخَذَ حِمَارِي وَجَمِيعَ مَالي، فَقَالَ البَائِع: وَاللهِ مَا لي عِلْم، غَيرَ أَنَّ رَجُلاً وَرَدَ عَلَيَّ بَعْدَ العِشَاءِ وَاشْتَرَى مِنيِّ عَشَاءه، وَأَعْطَاني هَذَا الخُرْجَ فَجَعَلْتُهُ في حَانُوتي وَدِيعَةً إِلى أَنْ يُصْبِح، وَالحِمَارُ في دَارِي، وَالرَّجُلُ في المَسْجِدِ نَائِم، فَحَمَلاَ الخُرْجَ وَمَضَيَا إِلى الرَّجُل، فَإِذَا الشَّابُّ نَائِمٌ في المَسْجِد، فَوَكَزَهُ التَّاجِرُ المَوْصِلِيُّ صَاحِبُ المَالِ بِرِجْلِه، فَقَامَ الشَّابُّ فَزِعَاً، فقال لَهُ التَّاجِرُ المَوْصِلِيّ: أَيْنَ مَالي يَا خَائِن 00؟
قَالَ هَا هُوَ في خُرْجِك، فَوَاللهِ مَا أَخَذْتُ مِنهُ ذَرَّة، قَالَ فَأَيْنَ الحِمَارُ وَآلَتُه 00؟
قَالَ هُوَ عِنْدَ هَذَا الرَّجُلِ الَّذِي مَعَك، فَسَأَلَهُ التَّاجِرُ أَيْنَ كُنْت 00!؟ قَالَ الرَّجُل: لَقَدِ انْتَظَرْنَاكَ طَوِيلاً فَلَمْ تجِئْ، حَتىَّ هَمَّتِ القَافِلَةُ بِمُوَاصَلَةِ السَّير، فَانْطَلَقْتُ في أَثَرِكَ فَلَمْ أَعْثُرْ عَلَيْك، ثمَّ نَظَرْتُ فَإِذَا القَافِلَةُ قَدْ سَارَتْ؛ فَعُدْتُ أَدْرَاجِيَ حَتىَّ أُؤَدِّيَ الأَمَانَةَ إِلى أَهْلِ بَيْتِك،
فَوَصَلْتُ إِلى المَوْصِلِ في ظُلْمَةِ اللَّيْل، فَقُلْتُ أَنَامُ في المَسْجِدِ إِلى الصُّبْحِ ثمَّ أَمْضِي لأَهْلِ بَيْتِك، فَعَفَا عَنهُ التَّاجِرُ المَوْصِلِيُّ وَخَلَّى سَبِيلَه، ثُمَّ مَضَى بخُرْجِهِ إِلى دَارِهِ فَوَجَدَ مَتَاعَهُ سَالِمَاً، فَوَسَّعَ عَلَى أَهْلِهِ وَأَخْبرَهُمْ بِقِصَّتِهِ؛ فَازْدَادُواْ سُرُورَاً عَلَى سُرُور، وَتَبرَّكُواْ بِذَلِكَ المَوْلُود، فَسُبْحَانَ مَنْ لاَ يخِيبُ مَنْ يَقْصِدُه، وَلاَ يَنْسَى مَنْ يَعْبُدُه " 0 [الأَبْشِيهِيُّ في كِتَابِ " المُسْتَطْرَف " بِشَيْءٍ مِنَ التَّصَرُّف، البَابُ السَّابِعُ وَالخَمْسُون: بَابِ اليُسْرِ بَعْدَ العُسْرِ] ارْحَمُواْ عَزِيزَ قَوْمٍ ذَلّ وَحَكَى أَبُو بَكْرٍ الطَّرْطُوشِيُّ في كِتَابِهِ " سِرَاجِ المُلُوكِ " عَن أَحَدِ الصَّالحِينَ قَال:
" كُنْتُ أَقْرَأُ عَلَى الشَّيْخِ أَبي حَفْصٍ جُزْءً امِنَ الحَدِيث، في حَانُوتِ رَجُلٍ عَطَّار، فَبَيْنَمَا أَنَا جَالِسٌ مَعَهُ في الحَانُوت؛ إِذْ جَاءَ رَجُلٌ مِنَ الطَّوَّافِين، مِمَّنْ يَبِيعُ العِطْرَ في طَبَقٍ يحْمِلُهُ عَلَى يَدِه، فَدَفَعَ إِلَيْهِ عَشْرَةَ دَرَاهِمَ وَقَالَ لَه: أَعْطِني بهَا أَشْيَاءَ سَمَّاهَا لَهُ مِنَ العِطْر، فَأَعْطَاهُ إِيَّاهَا فَأَخَذَهَا، ثُمَّ هَمَّ العَطَّارُ بِالقِيَامِ لِشَأْنِه؛ فَسَقَطَ الطَّبَقُ مِنْ يَدِه، فَانْسَكَبَ جَمِيعُ مَا فِيه، فَبَكَى وَجَزِعَ حَتىَّ رَحِمْنَاه؛ فَقَالَ أَبُو حَفْصٍ لِصَاحِبِ الحَانُوت: لَعَلَّكَ تُعِينُهُ عَلَى بَعْضِ هَذِهِ الأَشْيَاء 00؟
فَقَالَ سَمْعَاً وَطَاعَة، فَنزَلَ وَجَمَعَ لَهُ مَا قَدَرَ عَلَى جَمْعِه، وَأَقْبَلَ الشَّيْخُ عَلَى الطَّوَّافِ يُصَبِّرُهُ وَيَقُولُ لَه: لاَ تجْزَعْ، إِنَّ أَمْرَ الدُّنيَا أَيْسَرُ مِنْ ذَلِك، فَقَالَ الطَّوَّاف: أَيُّهَا الشَّيْخ، لَيْسَ جَزَعِي لِضَيَاعِ مَا ضَاع، لَقَدْ عَلِمَ اللهُ جَلَّ جَلاَلُهُ أَني كُنْتُ في القَافِلَةِ الفُلاَنِيَّة، فَضَاعَ لي هِمْيَانٌ فِيهِ أَرْبَعَةُ آلاَفِ دِينَار، وَمَعَهَا فُصُوصٌ قِيمَتُهَا كَذَلِكَ فَمَا جَزِعْت؛ حَيْثُ كَانَ لَدَيَّ مِنْ رَأْسِ المَالِ مَا يَصْلُحُ بِهِ حَالي، وَأُنْفِقُ مِنهُ عَلَى عِيَالي، وَلَكِنْ وُلِدَ لي هَذِهِ اللَّيْلَةِ وَلَد، فَاحْتَجْنَا لأُمِّهِ مَا يُحْتَاجُ لِلنُّفَسَاء، وَلَمْ يَكُن عِنْدِي بَعْدَ ذَهَابِ تجَارَتي غَيرُ مِاْئَةِ دِرْهَم، فَخَشِيتُ أَن أَشْتَرِيَ بهَا حَاجَةَ
النُّفَسَاءِ فَأَبْقَى بِلاَ رَأْسِ مَال، وَأَنَا قَدْ صِرْتُ شَيْخَاً كَبِيرَاً لاَ أَقْدِرُ عَلَى الكَسْب؛ فَقُلْتُ في نَفْسِي: أَشْتَرِي بِهَا شَيْئَاً مِنَ العِطْر، فَأَطُوفُ بِهِ صَدْرَ النَّهَارِ عَسَى أَنْ يُرْبحَني اللهُ شَيْئَاً أَسُدُّ بِهِ رَمَقَ زَوْجَتي، وَيَبْقَى رَأْسُ المَالِ كَمَا هُوَ، فَاشْتَرَيْتُ هَذَا العِطْر، فَحِينَ انْسَكَبَ الطَّبَقُ عَلِمْتُ أَنَّه لَمْ يَبْقَ لي إِلاَ الفِرَارُ مِنهُم؛ فَهَذَا هُوَ الَّذِي أَدَّى إِلى جَزَعِي، وَكَانَ رَجُلٌ مِنَ الجُنْدِ جَالِسَاً إِلى جَانِبي يَسْمَعُ الحَدِيث، فَقَالَ لأَبي حَفْص: يَا سَيِّدِي، أُرِيدُ أَنْ تَأْتيَ بهَذَا الرَّجُلِ إِلى مَنزِلي، فَأَتَيْنَاهُ فَأَدْخَلَنَا إِلى مَنزِلِه، ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى الطَّوَّافِ وَقَالَ لَه: عَجِبْتُ مِنْ جَزَعِك 00؟!
فَأَعَادَ عَلَيْهِ القِصَّة، فَقَالَ لَهُ الجُنْدِيّ: وَكُنْتَ في تِلْكَ القَافِلَة 00؟ قَالَ نَعَمْ، وَكَانَ مَعِي فِيهَا فُلاَنٌ وَفُلاَن، فَعَلِمَ الجُنْدِيُّ صِحَّةَ قَوْلِه؛ فَقَالَ لَهُ: وَمَا عَلاَمَةُ هِمْيَانِك؟ وَفي أَيِّ مَوْضِعٍ سَقَطَ مِنْك 00؟ فَوَصَفَ لَهُ المَكَانَ وَالعَلاَمَة، فَقَالَ لَهُ الجُنْدِيّ: إِذَا رَأَيْتَهُ تَعْرِفُه 00؟
قَالَ نَعَمْ، فَأَخْرَجَ الجُنْدِيُّ لَهُ هِمْيَانَاً وَوَضَعَهُ بَينَ يَدَيْه، فَصَاحَ الشَّيْخُ حِينَ رَآهُ وَقَال: هَذَا هِمْيَاني وَاللهِ، وَعَلاَمَةُ صِحَّةِ قَوْلي؛ أَنَّ فِيهِ مِنَ الفُصُوصِ كَيْتَ وَكَيْت، فَفَتَحَ الهِمْيَانَ فَوَجَدَهُ كَمَا ذَكَر، فَسَجَدَ الرَّجُلُ للهِ شُكْرَاً، ثمَّ قَامَ فَقَبَّلَ رَأْسَ الجُنْدِيِّ وَشَكَرَهُ عَلَى أَمَانَتِه، وَعَرَضَ عَلَيْهِ بَعْضَ المَالِ فَقَال: خُذْ مَالَكَ بَارَكَ اللهُ لَكَ فِيه، فَقَالَ الطَّوَّاف: إِنَّ هَذِهِ الفُصُوصَ قِيمَتُهَا مِثْلُ الدَّنَانِيرِ وَأَكْثَر، فَخُذْهَا عَنْ طِيبِ نَفْسٍ بِذَلِك 00؟
فَقَالَ الجُنْدِيّ: مَا كُنْتُ لآخُذَ عَلَى أَمَانَتي أَجْرَاً، وَلَقَدْ تحَسَّسْتُ الأَخْبَار؛ رَجَاءَ أَن أَسْمَعَ مَنْ يُنْشِدُهَا فَلَمْ أَجِدْ، فَتَرَكْتُهَا كَمَا هِيَ، حَتىَّ يَأْتيَ صَاحِبُهَا، وَهَا أَنْتَ ذَا قَدْ أَتَيْت، وَأَبى أَنْ يَأْخُذَ شَيْئَا، ثمَّ دَفَعَهَا لِلطَّوَّافِ كَامِلَةً فَأَخَذَهَا وَمَضَى، فَسُبْحَانَ الله 00 دَخَلَ الطَّوَّافُ وَهُوَ مِنَ الفُقَرَاءِ المَسَاكِين، وَخَرَجَ وَهُوَ مِنَ الأَغْنِيَاءِ المَتْرَفِين، وَكَانَ رَبُّك قَدِيرَا " 0 [الأَبْشِيهِيُّ في كِتَابِ " المُسْتَطْرَف " بِشَيْءٍ مِنَ التَّصَرُّف، البَابُ السَّابِعُ وَالخَمْسُون: بَابِ اليُسْرِ بَعْدَ العُسْرِ]
جَاءَ في دُرَّةِ الْغَوَّاصِ لأَبي محَمَّدٍ الْقَاسِمِ بْنِ عَلِيٍّ الحَرِيرِيِّ صَاحِبِ المَقَامَاتِ أَنَّ أَبَا الْعَبَّاسِ المُبَرِّدَ رَوَى أَنَّ بَعْضَ أَهْلِ الذِّمَّةِ سَأَلَ أَبَا عُثْمَانَ المَازِنيَّ في قِرَاءَةِ كِتَابِ سِيبَوَيْهِ عَنهُ، وَبَذَلَ لَهُ مِاْئَةَ دِينَارٍ في تَدْرِيسِهِ إِيَّاه؛ فَامْتَنَعَ المَازِنيُّ رَحِمَهُ اللهُ مِنْ ذَلِك؛ فَقَالَ لَهُ المُبَرِّد: جُعِلْتُ فِدَاك؛ أَتَرُدُّ هَذِهِ النَّفَقَةَ مَعَ فَاقَتِكَ وَاحْتِيَاجِكَ إِلَيْهَا 00؟!
فَقَالَ لَهُ المَازِنيّ: هَذَا الْكِتَابُ يَشْتَمِلُ عَلَى ثَلاَثِمِاْئَةِ حَدِيث، وَكَذَا آيَةً مِنْ كِتَابِ الله جَلَّ وَعَلاَ؛ فَلَسْتُ أَرَى أَن أُمَكِّنَ مِنهَا ذِمِّيَّاً؛ غَيْرَةً عَلَى كِتَابِ الله تَبَارَكَ وَتَعَالىَ وَحَمِيَّةً لَهُ 00!! فَاتَّفَقَ أَن غَنَّتْ جَارِيَةٌ بِحَضْرَةِ الْوَاثِقِ مِنْ شِعْرِ الْعَرْجِيّ: أَظَلُومُ إِنَّ مُصَابَكُمْ رَجُلاً * أَهْدَى السَّلاَمَ تَحِيَّةً ظُلْمُ
فَاخْتَلَفَ مَنْ بِالحَضْرَةِ في إِعْرَابِ رَجُلاً؛ فَمِنهُمْ مَنْ نَصَبَهُ وَجَعَلَهُ اسْمَ إِنَّ، وَمِنهُمْ مَنْ رَفَعَهُ عَلَى أَنَّهُ خَبَرُهَا، وَالجَارِيَةُ مُصِرَّةٌ عَلَى أَنَّ شَيْخَهَا أَبَا عُثْمَانَ المَازِنيَّ لَقَّنَهَا إِيَّاهُ بِالنَّصْب؛ فَأَمَرَ الْوَاثِقَ بِإِشْخَاصِهِ؛ قَالَ أَبُو المَازِنيّ: فَلَمَّا مَثُلْتُ بَيْنَ يَدَيْهِ قَال: مِمَّنِ الرَّجُل 00؟ قُلْتُ: مِنْ مَازِنٍ يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِين، قَال: أَيِّ المَوَازِن 00؟ قُلْتُ: مَنْ مَازِنِ رَبِيعَة؛ فَكَلَّمَني بِكَلاَمِ قَوْمِي وَقَال: بِاسْمُكَ 00؟
لأَنَّهُمْ يَقْلِبُونَ المِيمَ بَاءً وَالْبَاءَ مِيمَاً إِذَا كَانَتْ في الاِسْتِفْهَامِ أَوْ في الأَسْمَاء؛ فَكَرِهْتُ أَن أُجِيبَهُ عَلَى لُغَةِ قَوْمِي [لأَنَّ اسْمَهُ بَكْر]؛ لِئَلاَّ أُوَاجِهَ أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ بِالمَكْر؛ فَقُلْتُ: بَكْرٌ يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِين؛ فَفَطِنَ لِمَا قَصَدْتُهُ فَأَعْجَبَهُ مِنيِّ ذَلِك، ثُمَّ قَال: مَا تَقُولُ في قَوْلِ الشَّاعِر: أَظَلُومُ إِنَّ مُصَابَكُمْ رَجُلاً * أَهْدَى السَّلاَمَ تَحِيَّةً ظُلْمُ أَتَرْفَعُ رَجُلاً أَمْ تَنْصِبُهُ 00؟
فَقُلْتُ: الْوَجْهُ: النَّصْبُ يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِين؛ قَالَ وَلِمَ 00؟! فَقُلْتُ: إِنَّ " مُصَابَكُمْ " مَصْدَرٌ بِمَعْنىَ إِصَابَتَكُمْ؛ فَأَخَذَ الزَّيْدِيُّ في مُعَارَضَتي؛ فَقُلْتُ: هُوَ بِمَنْزِلَةِ قَوْلِكَ: إِنَّ ضَرْبَكَ زَيْدَاً ظُلْمٌ فَالرَّجُلُ مَفْعُولُ " مُصَابَكُمْ "؛ فَهُوَ مَنْصُوبٌ بِهِ؛ فَاسْتَحْسَنَهُ الْوَاثِقُ وَأَمَرَ لي بِأَلْفِ دِينَار؛ قَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ المُبَرِّد: فَلَمَّا عَادَ المَازِنيُّ عَظَّمَ اللهُ أَجْرَهُ وَرَفَعَ ذِكْرَهُ في الدُّنيَا وَالآخِرَةِ إِلىَ الْبَصْرَةِ قَالَ لي: كَيْفَ رَأَيْتَ 00؟ رَدَدْنَا للهِ مِاْئَةً؛ فَعَوَّضَنَا أَلْفَاً " 0 [ابْنُ حَجَّةَ الحَمَوِيُّ في ثَمَرَاتِ الأَوْرَاق]
رَوَى ابْنُ النَّجَّارِ عَن أَبي بَكْرٍ عَبْدِ اللهِ بْنِ نَصْرٍ التَّيْمِيِّ قَال: سَمِعْتُ عَبْدَ الْقَادِرِ الجِيلاَنيَّ يَقُول: " بَلَغَتْ بي الضَّائِقَةُ في الْغِلاَءِ إِلىَ أَنْ بَقِيْتُ أَيَّامَاً لاَ آكُلُ طَعَامَاً، بَلْ أَتَّبَّعُ المَنْبُوذَات؛ فَخَرَجْتُ يَوْمَاً إِلىَ الشَّطّ؛ فَوَجَدْتُ قَدْ سَبَقَني الْفُقَرَاء، فَضَعُفْتُ وَعَجَزْتُ عَنِ التَّمَاسُك؛ فَدَخَلْتُ مَسْجِدَاً وَقَعَدْتُ وَكِدْتُ أُصَافِحُ المَوْت، فَدَخَلَ شَابٌّ أَعْجَمِيٌّ وَمَعَهُ خُبْزٌ وَشِوَاء، وَجَلَسَ يَأْكُل، فَكُنْتُ أَكَادُ كُلَّمَا رَفَعَ لُقْمَةً أَن أَفْتَحَ فَمِي؛ فَالْتَفَتَ فَرَآني؛ فَقَال: " بِاسْمِ الله ": [أَيْ كُلْ مَعِي] فَأَبَيْتُ، فَأَقْسَمَ عَلَيَّ؛
فَأَكَلْتُ مُقَصِّرَاً، وَأَخَذَ يَسْأَلُني: مَا شُغْلُكَ وَمِن أَيْنَ أَنْت 00؟ فَقُلْتُ: مُتَفَقِّهٌ مِنْ جِيلاَن؛ قَال: وَأَنَا مِنْ جِيلاَن، فَهَلْ تَعْرِفُ لي شَابَّاً جِيلاَنِيَّاً اسْمُهُ عَبْدُ الْقَادِر، يُعْرَفُ بِسِبْطِ أَبي عَبْدِ اللهِ الصَّوْمعِيِّ الزَّاهِد؟ فَقُلْتُ: أَنَا هُو؛ فَاضْطَّرَبَ لِذَلِكَ وَتَغَيَّرَ وَجْهُهُ وَقَال: وَاللهِ يَا أَخِي لَقَدْ وَصلْتُ إِلىَ بَغْدَادَ وَمعِي بَقِيَّةُ نَفَقَةٍ لي؛ فَسَأَلْتُ عَنْكَ فَلَمْ يُرْشِدْني أَحَد،
إِلىَ أَنْ نَفِذَتْ نَفَقَتي، وَبَقِيتُ بَعْدَهَا ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ لاَ أَجِدُ ثَمَنَ قُوتي إِلاََّ مِنْ مَالِك؛ فَلَمَّا كَانَ هَذَا اليَوْمُ الرَّابِعُ قُلْتُ: قَدْ تجَاوَزَتْني ثَلاَثَةُ أَيَّامٍ وَحَلَّتْ ليَ المَيْتَة، فَأَخَذْتُ مِنْ وَدِيعَتِكَ ثَمَنَ هَذَا الخُبْزِ وَالشِّوَاء؛ فُكُلْ طَيِّبَاً فَإِنَّمَا هُوَ لَكَ وَأَنَا ضَيْفُكَ الآن؛ فَقُلْتُ: وَمَا ذَاك 00؟! قَال: أُمُّكَ وَجَّهَتْ مَعِي ثَمَانِيَةَ دَنَانِيرَ لأُسْلِمَهَا إِلَيْك، وَاللهِ مَا خُنْتُكَ فِيهَا إِلىَ اليَوْم؛ فَسَكَّنْتُهُ وَطَيَّبْتُ نَفْسَهُ وَدَفَعْتُ إِلَيْهِ مِنهَا شَيْئَا " 0 [الإِمَامُ الذَّهَبيُّ في سِيَرِ أَعْلاَمِ النُّبَلاَء 0 طَبْعَةِ مُؤَسَّسَةِ الرِّسَالَة 0 ص: 445/ 20]
وَقَالَ الإِمَامُ الحَافِظُ محَمَّدُ بْنُ طَاهِرِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَحْمَدَ المَقْدِسِيِّ يَحْكِي عَنْ نَفْسِهِ: " أَقَمْتُ بِتَنِّيسَ مُدَّةً [وَهِيَ جَزِيرَةٌ صَغِيرَةٌ كَانَتْ آنَذَاكَ تَقَعُ شَمَالَ دِمْيَاطَ بِالْقُرْبِ مِنْ سَاحِلِ الْبَحْر] عَلَى أَبي محَمَّدٍ بنِ الحَدَّادِ وَنُظَرَائِه، فَضَاق بي ـ أَيْ مَرَرْتُ بِضَائِقَةٍ شَدِيدَة ـ فَلَمْ يَبْقَ مَعِي غَيْرُ دِرْهَمٍ، وَكُنْت أَحْتَاجُ إِلىَ حِبْرٍ وَكَاغَد ـ الْكَاغَدُ نَوْعٌ مِنَ الأَلْوَاحِ الْوَرَقِيَّةِ كَانَ يُكْتَبُ عَلَيْهِ آنَذَاك ـ فَتَرَدَّدْتُ في صَرْفِهِ في الحِبْرِ أَوِ الْكَاغَدِ أَوِ الخُبْز،
وَمَضَى عَلَى هَذَا ثَلاَثَةُ أَيَّامٍ لَمْ أَطْعَمْ فِيهَا؛ فَلَمَّا كَانَ بُكْرَةَ الْيَوْمِ الرَّابِعِ قُلْتُ في نَفْسِي: لَوْ كَانَ ليَ الْيَوْمَ كَاغَدٌ: لَمْ يُمْكِنيِّ أَن أَكْتُبَ مِنَ الجُوع، فَجَعَلْتُ الدِّرْهَمَ في فَمِي، وَخَرَجْتُ لأَشْتَرِيَ خُبْزَاً، فَبَلَعْتُهُ؛ وَوَقَعَ عَلَيَّ الضَّحِك؛ فَلَقِيَني صَدِيقٌ وَأَنَا أَضْحَكُ فَقَال: مَا أَضْحَكَك 00؟ قُلْتُ: خَيْر، فَأَلَحَّ عَلِيّ، وَأَبَيْتُ أَن أُخْبِرَهُ؛ فَحَلَفَ بِالطَّلاَقِ لَتَصْدُقَنيِّ، فَأَخْبَرتُهُ؛ فَأَدْخَلَني مَنْزِلَهُ وَتَكَلَّفَ أَطْعِمَةً، فَلَمَّا خَرَجْنَا لِصَلاَةِ الظُّهْر؛ اجْتَمَع بِهِ بَعْضُ وُكَلاَءِ عَامِلِ تَنِّيسِ بْنِ قَادُوسَ فَسَأَلَهُ عَنيِّ [أَيْ سَأَلَ صَاحِبي عَنيِّ] 00؟
فَقَالَ هُوَ هَذَا، قَال: إِنَّ صَاحِبي [أَيْ رَيِّسِي صَاحِبُ تَنِّيس] مُنْذُ شَهْرٍ أَمَرَ بي أَن أُوَصِّلَ إِلَيْهِ كُلَّ يَوْمٍ عَشْرَةَ دَرَاهمَ قِيمَتُهَا رُبْعُ دِينَار، وَسَهَوْتُ عَنهُ، فَأَخَذَ مِنهُ ثَلاَثَمِاْئَة " 0 [الإِمَامُ الذَّهَبيُّ في سِيَرِ أَعْلاَمِ النُّبَلاَء 0 طَبْعَةِ مُؤَسَّسَةِ الرِّسَالَة 0 ص: 368/ 19] بَكَيْتُ وَصَارَتْ دُمُوعِيَ بَحْرَاً * وَلَنْ تُشْبِعَ الفُقَرَاءَ البُحُورْ فَيَا آكِلَ الجَوْزِ وَاللَّوْزِ مَهْلاً * أَكَلْتَ اللُّبَابَ فَجُدْ بِالقُشُورْ بُطُونُ خَزَائِنِكُمْ أُتْخِمَتْ * وَبَطْنُ الفَقِيرِ كَجَيْبِ الفَقِيرْ نَعُوذُ بِكَ اللهُمَّ مِنْ فَقْرٍ يُذِلُّنَا، أَوْ غِنىً يُضِلُّنَا 00
الرِّضَا بِالقَلِيل:
========= تَعْرِيفُ القَنَاعَةِ وَالرِّضَا إِنَّ الرِّضَى لُغَةً هُوَ القَبُول، أَمَّا القَنَاعَةُ فَهِيَ مِنَ الأَضْدَاد: فَتَأَتي بِمَعْني الرِّضَى وَالتَّسْلِيم ـ وَمِنهُ أُخِذَ الاَقْتِنَاع ـ كَمَا تَأْتِي بِمَعْنيً آخَرَ مُنَافٍ لِلرِّضَى وَالتَّسْلِيم: تَأْتِي بِمَعْني المَسْأَلَة، فَالَّذِي يَرْضَى بِقِسْمَةِ اللهِ يُقَالُ لَهُ قَانِع، وَالَّذِي يَسْأَلُ النَّاسَ أَيْضَاً يُقَالُ لَهُ قَانِع؛ وَمِنهُ قَوْلُهُ جَلَّ جَلاَلُه: ﴿وَأَطْعِمُواْ القَانِعَ وَالمُعْتَرّ﴾ [الحَجّ: 36]
فَالقَانِعُ هُنَا هُوَ السَّائِل، أَمَا المُعْتَرّ: فَهْوَ الْفَقِيرُ الَّذِي لاَ يَسْأَلُ النَّاسَ وَلَكِنْ يَعْتَرِيهِمْ، أَيْ: يَتَعَرَّضُ لَهُمْ حَتىَّ يَفْطِنُواْ إِلَيْهِ فَيُعْطُوه 0 ﴿لِسَانُ العَرَب: 297/ 8﴾ أَحِبَّتي الكِرَام: كَمَا أَنَّ الغَنيَّ لاَ سَبِيلَ أَمَامَهُ لِلنَّجَاة؛ إِلاَّ بِالإِنْفَاقِ في سَبِيلِ الله؛ فَالفَقِيرُ أَيْضَاً لاَ سَبِيلَ أَمَامَهُ لِلنَّجَاة؛ إِلاَّ بِالصَّبرِ عَلَى قَضَاءِ الله 00!!
وَهَذَا مَا سَوْفَ نَتَعَرَّضُ لَهُ في هَذَا البَابِ إِنْ شَاءَ الله 0 الرِّضَا بِالمَقْسُومِ عِبَادَة عَن أُسَامَةَ بْنِ عُمَيرٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ عَنِ النَّبيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَال: " إِنَّ اللهَ جَلَّ جَلاَلُهُ يَبْتَلِي عَبْدَهُ بمَا أَعْطَاه؛ فَمَنْ رَضِيَ بِمَا قَسَمَ اللهُ لَهُ؛ بَارَكَ لَهُ فِيهِ وَوَسَّعَه، وَمَنْ لَمْ يرْضَ؛ لَمْ يُبَارَكْ لَه " 0 [صَحَّحَهُ الْعَلاَّمَةُ الأَلبَانيُّ في الصَّحِيحِ وَالصَّحِيحَةِ بِرَقْمَيْ: 1869، 1658، وَالأُسْتَاذ شُعَيْب الأَرْنَؤُوط في المُسْنَدِ بِرَقْم: 20279]
عَن أَبي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ عَنِ النَّبيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَال: " يَا أَبَا هُرَيْرَة؛ كُنْ وَرِعَاً تَكُن أَعْبَدَ النَّاس، وَكُنْ قَنِعَاً تَكُن أَشْكَرَ النَّاس، وَأَحِبَّ لِلنَّاسِ مَا تحِبُّ لِنَفْسِكَ تَكُنْ مُؤْمِنَاً، وَأَحْسِنْ مجَاوَرَةَ مَنْ جَاوَرَكَ تَكُنْ مُسْلِمَاً، وَأَقِلَّ الضَّحِك؛ فَإِنَّ كَثْرَةَ الضَّحِكِ تُمِيتُ الْقَلْب " 0
[صَحَّحَهُ الْعَلاَّمَةُ الأَلبَانيُّ في " الجَامِعِ " بِرَقْم: (8709)، أَخْرَجَهُ الإِمَامُ البَيْهَقِيُّ في " شُعَبِ الإِيمَانِ " بِرَقْم: 5750] عَن أَبي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ عَنِ النَّبيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَال: " اتَّقِ المحَارِمَ تَكُن أَعْبَدَ النَّاس، وَارْضَ بِمَا قَسَمَ اللهُ لَكَ تَكُن أَغْنى النَّاس، وَأَحْسِنْ إِلى جَارِكَ تَكُنْ مُؤْمِنَاً، وَأَحِبَّ لِلنَّاسِ مَا تُحِبُّ لِنَفْسِكَ تَكُنْ مُسْلِمَاً، وَلاَ تُكْثِرْ الضَّحِك؛ فَإِنَّ كَثْرَةَ الضَّحِكِ تُمِيتُ الْقَلْب " 0 [حَسَّنَهُ الأَلبَانيُّ في سُنَنِ الإِمَامِ التِّرْمِذِيِّ بِرَقْم: 2305، وَفي الجَامِعِ بِرَقْم: 100، رَوَاهُ الإِمَامُ أَحْمَدُ بِرَقْم: 8034]
وَعَن أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَال: " يَا مَعْشَرَ الفُقَرَاء؛ أَعْطُواْ اللهَ الرِّضَا مِن قُلُوبِكُمْ؛ تَظْفَرُواْ بِثَوَابِ فَقْرِكُمْ، وَإِلاَّ فَلاَ " 0 [رَوَاهُ الدَّيْلَمِيُّ في مُسْنَدِهِ بِرَقْم: 8216، وَالغَزَاليُّ في المُكَاشَفَةِ وَالإِحْيَاء: 1555، وَهُوَ في الكَنْزِ بِرَقْم: 16655]
فَعَلَى المُسْلِمِ أَنْ يحْمَدَ اللهَ عَلَى مَا أَعْطَاه، قَلَّ أَوْ كَثُر، وَقَدِيمَاً قَالُواْ في الأَمْثَال: " الرِّضَا بِالمَقْسُومِ عِبَادَة " 0 تُرِيدُ أَنْ يَرْضَى اللهُ عَنْكَ وَأَنْتَ غَيرُ رَاضٍ عَنِ الله 00؟! سَمِعَ سُفيَانُ الثَّوْرِيُّ رَضِيَ اللهُ عَنهُ رَجُلاً يَقُول: " اللهُمَّ ارْضَ عَنيّ " 0 فَقَالَ لَهُ: يَا هَذَا؛ لَوْ رَضِيتَ عَنِ الله؛ لَرَضِيَ عَنْكَ الله 00!!
فَقَالَ الرَّجُل: وَكَيْفَ أَرْضَى عَنِ اللهِ يَا إِمَام 00؟!! قَالَ لَهُ سُفيَانُ الثَّوْرِيّ: " يَوْمَ تُسَرُّ بِالضَّرَّاء؛ سُرُورَكَ بِالنَّعْمَاء؛ فَقَدْ رَضِيتَ عَنِ الله " 0 وَفي أَخْبَارِ بَني إِسْرَائِيل: أَنَّهُمْ سَأَلُواْ نَبيَّ اللهِ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلاَم؛ فَقَالُواْ: سَلْ رَبَّكَ أَمْرَاً؛ إِذَا نحْنُ فَعَلْنَاهُ يَرْضَى بِهِ عَنَّا 00؟ فَقَالَ عَلَيْهِ السَّلاَم: إِلَهِي؛ قَدْ سَمِعْتَ مَا قَالُواْ 00؟ فَقَالَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالى: " قُلْ لهُمْ يَا مُوسَى؛ يَرْضَوْنَ عَنيِّ حَتىَّ أَرْضَى عَنهُمْ " 0 [أَبُو حَامِدٍ الغَزَاليُّ في " مُكَاشَفَةِ القُلُوب " بِالبَابِ الثَّالِثِ وَالسَّبْعُون 0 ص: 231] وَعَن أُمِّ المُؤْمِنِينَ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهَا عَنِ النَّبيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَال:
" مَنْ رَضِيَ عَنِ الله؛ رَضِيَ اللهُ عَنه " 0 [ضَعَّفَهُ الأَلبَانيُّ في " الجَامِعِ " بِرَقْم: (5600)، أَخْرَجَهُ ابْنُ عَسَاكِر 0 وَفي الكَنْز: 5956، كَشْفُ الخَفَاءِ بِرَقْم: 2582] وَقَالَ أَحَدُ الصَّالحِين: " مَنْ قَرَّتْ عَيْنُهُ بِاللهِ تَعَالى؛ قَرَّتْ بِهِ كُلُّ عَين، وَمَنْ لَمْ تَقَرَّ عَيْنُهُ بِالله؛ تَقَطَّعَ قَلْبُهُ عَلَى الدُّنيَا حَسَرَات " 00 [ابْنُ القَيِّمِ في " إِغَاثَةِ اللهْفَان " بِالطَّبْعَةِ الثَّانِيَةِ لِدَارِ المَعْرِفَة 0 بَيرُوت 0 ص: 72/ 1] وَجَاءَ رَجُل إِلى يُونُسَ بن عُبَيْد؛ يَشْكُو إِلَيْهِ ضِيقَ حَالِه؛ فَقَالَ لَهُ يُونُس: " أَيَسُرُّكَ أَنَّ بِبَصَرِكَ هَذَا ـ أَيْ تُعْطَى فِيه ـ مِائَةَ أَلفِ دِرْهَم 00؟ قَالَ الرَّجُلُ لاَ، قَالَ فَبِيَدَيْك 00؟ قَالَ لاَ، قَالَ فَبرِجْلَيْك 00؟
قَالَ لاَ، فَذَكَّرَهُ نِعَمَ اللهِ عَلَيْه، وَهُوَ يَقُولُ لاَ؛ فَقَالَ لَهُ يُونُس: أَرَى عِنْدَكَ مِئَاتِ الأُلُوفِ وَأَنْتَ تَشْكُو الحَاجَة " 0 [ابْنُ القَيِّمِ في " عُدَّةِ الصَّابِرِينَ وَذَخِيرَةِ الشَّاكِرِينَ " الشَّاكِرِينَ بِالبَابِ العِشْرِين] مَنْ رَضِيَ بِالقَلِيلِ مِنَ الرِّزْق؛ رَضِيَ اللهُ مِنهُ القَلِيلَ مِنَ العَمَل عَن عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو رَضِيَ اللهُ عَنهُ عَنِ النَّبيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَال: " قَدْ أَفْلَحَ مَن أَسْلَمَ وَكَانَ رِزْقُهُ كَفَافَاً وَقَنَّعَهُ الله " 0 [صَحَّحَهُ الْعَلاَّمَةُ الأَلبَانيُّ في السِّلْسِلَةِ الصَّحِيحَةِ بِرَقْم: (129)، وَفي سُنَنِ الإِمَامِ التِّرْمِذِيِّ بِرَقْم: 2348]
وَعَنْ فَضَالَةَ بْنِ عُبَيْدٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ عَنِ النَّبيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَال: " طُوبى لِمَن هُدِيَ إِلى الإسْلاَمِ وَكَانَ عَيْشُهُ كَفَافَا " 0 [صَحَّحَهُ الأَلبَانيُّ في سُنَنِ التِّرْمِذِيِّ بِرَقْم: 2349، في الصَّحِيحِ وَالصَّحِيحَة بِرَقْمَيْ: 3931، 3931، وَفي مُشْكِلَةِ الفَقْر] وَعَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ أَنَّهُ قَالَ لاَبْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ: " يَا بُنيّ؛ إِذَا طَلَبْتَ الغِنى فَاطْلُبْهُ بِالقَنَاعَة؛ فَإِنَّهُ مَنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ قَنَاعَة؛ لَمْ يُغْنِهِ مَال " 0 [أَخْرَجَهُ ابْنُ عَسَاكِرْ 0 وَهُوَ في " كَنْزِ الْعُمَّالِ " بِرَقْم: 8743] وَصَدَقَ مَنْ قَال: " مَنْ لَمْ يُغْنِهِ مَا يَكْفِيه؛ أَعْيَاهُ مَا يُغْنِيه " 0
وَرَوَى الإِمَامُ عَلِيٌّ كَرَّمَ اللهُ وَجْهَه؛ عَنِ النَّبيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَال: " مَنْ رَضِيَ مِنَ اللهِ بِالقَلِيلِ مِنَ الرِّزْق؛ رَضِيَ اللهُ مِنهُ بِالْقَلِيلِ مِنَ العَمَل " 0 [ضّعَّفَهُ الحَافِظُ العِرَاقِيُّ وَالذَّهَبيُّ في فَيْضِ القَدِير: 137/ 6، الكَنْزِ بِرَقْم: 6508، شُعَبُ الإِيمَانِ بِرَقْم: 10003] عَن عُبَيْدِ اللهِ الخَطْمِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنهُ عَنِ النَّبيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَال: " مَن أَصْبَحَ مِنْكُمْ آمِنَاً في سِرْبِه ـ أَيْ في أَهْلِه ـ مُعَافىً في جَسَدِه، عِنْدَهُ قُوتُ يَوْمِه: فَكَأَنمَا حِيزَتْ لَهُ الدُّنيَا بحَذَافِيرِهَا " 0
[حَسَّنَهُ الْعَلاَّمَةُ الأَلبَانيُّ في سُنَنيِ ابْنِ مَاجَةَ وَالتِّرْمِذِيِّ بِرَقْمَيْ: (4141، 2346)، وَفي الأَدَبِ المُفْرَدِ بِرَقْم:300] [حَسَّنَهُ الأَلبَانيُّ في ابْنِ مَاجَةَ بِرَقْم: 4141، وَفي التِّرْمِذِيِّ بِرَقْم: 2346، وَفي الأَدَبِ المُفْرَدِ بِرَقْم: 300، وَفي الجَامِعِ بِرَقْم: 10986، الكَنْز: 7083] السِّرْبُ أَيِ النَّفْسُ وَالأَهْلُ وَالمَال، فَيُقَال: آمِنُ السِّرْب وَآمِنٌ في سِرْبِه: أَيْ آمِنٌ في أَهْلِهِ وَمَالِه، وَتَأْتي أَيْضَاً بمَعْنى الصَّدْرِ فَيُقَال: آمِنُ السِّرْبِ أَيْ: طَيِّبٌ لاَ خُبْثَ فِيه 0
أَمَّا السَّرْب: فَهُوَ المَالُ وَالأَنعَام، فَيُقَال: آمِنُ السَّرْبِ وَآمِنٌ في سَرْبِهِ: أَيْ في مَالِهِ وَنَعَمِه: أَيْ لاَ يُغْزَى، وَالسَّرْبُ أَيْضَاً تَأْتي بِمَعْنى الطَّرِيقِ أَوِ المَسْلَك، وَتَأْتي أَيْضَاً بِمَعْنى القَطِيع، وَلاَ تَأْتي بمَعْنى النَّفْس 0 ﴿لِسَانُ العَرَب: 463، 464/ 1﴾ وَفي رِوَايَةٍ أُخْرَى عَن أَبي الدَّرْدَاءِ رَضِيَ اللهُ عَنهُ عَنِ النَّبيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ زَادَ قَوْلَه: " يَكْفِيكَ مِنهَا مَا سَدَّ جَوْعَتَك، وَوَارَى عَوْرَتَك، وَإِنْ كَانَ فَذَاك، وَإِنْ كَانَتْ دَابَّةٌ تَرْكَبُهَا فَبَخٍ " 0 [قَالَ الإِمَامُ الهَيْثَمِيُّ في " المجْمَعِ ": رِجَالُهُ وُثِّقُواْ عَلَى ضَعْفٍ فِيهِم 0 ص: (289/ 10)، أَخْرَجَهُ الإِمَامُ الطَّبرَانيُّ]
مَنْ رَضِيَ مِنَ الدُّنيَا بهَذَا لَمْ يحْتَجْ إِلى أَحَد إِنَّ القَنَاعَةَ مَالٌ لاَ نَفَادَ لَهُ * تُغْنِيكَ عَنْ كُلِّ ذِي قُرْبى وَذِي رَحِمِ وَالنَّفْسُ كَالطِّفْلِ إِنْ تَتْرُكْهُ شَبَّ عَلَى * حُبِّ الرَّضَاعِ وَإِنْ تَفْطِمْهُ يَنْفَطِمِ اصْبِرْ عَلَى مَا قَدْ بُلِيـ * ـتَ فَهَكَذَا شَاءَ القَدَرْ فَالعُمْرُ يجْرِي كَالرَّحَى * وَالعَيْشُ سَاعَاتٌ تَمُرّ فَاقْنَعْ بِعَيْشِكَ تَرْضَهُ * وَاتْرُكْ هَوَاكَ تَعِيشُ حُرّ فَلَرُبَّ حَتْفٍ سَاقَهُ * ذَهَبٌ وَيَاقُوتٌ وَدُرّ ﴿أَبُو الْعَتَاهِيَة 0 بِاسْتِثْنَاءِ الْبَيْتِ الأَوَّلِ فَهُوَ لِزَكِي قُنْصُل 0 بِتَصَرُّف﴾
وَكَانَ محَمَّدُ بْنُ وَاسِعٍ؛ يخْرِجُ خُبْزَاً يَابِسَاً فَيَبُلُّهُ بِالماءِ وَيَأْكُلُ وَيَقُول: " مَنْ رَضِيَ مِنَ الدُّنيَا بِهَذَا؛ لَمْ يحْتَجْ إِلى أَحَد " 0 [الإِمَامُ الغَزَاليُّ في " الإِحْيَاءِ " طَبْعَةِ دَارِ الوَثَائِقِ في كِتَابِ " فَضِيلَةِ الفُقَرَاءِ الرَّاضِينَ القَانِعِين " 0 ص: 1557] فَحَسْبُكَ مِن غِنىً شِبْعٌ وَرِيُّ ﴿عَمْرُو بْنُ قُمَيْئَة﴾
قَلِيلٌ يَكْفِيك؛ خَيرٌ مِنْ كَثِيرٍ لاَ تَقْدِرُ عَلَى حِسَابِه عَن أَبي طَلحَةَ الأَنْصَارِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنهُ عَنِ النَّبيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَال: " مَنْ قَالَ سُبْحَانَ اللهِ وَبِحَمْدِهِ مِاْئَةً: كَتَبَ اللهُ لَهُ أَلْفَ حَسَنَةٍ وَأَرْبَعَاً وَعِشْرِينَ حَسَنَة " 0 قَالُواْ: يَا رَسُولَ الله؛ إِذَنْ لاَ يَهْلِكُ مِنَّا أَحَد؛ قَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم: " بَلَى إِنَّ أَحَدَكُمْ لَيَجِيءُ بِالحَسَنَاتِ لَوْ وُضِعَتْ عَلَى جَبَلٍ أَثْقَلَتْهُ ثُمَّ تَجِيءُ النِّعَمُ فَتَذْهَبُ بِتِلْكَ الحَسَنَات، ثُمَّ يَتَطَاوَلُ الرَّبُّ بَعْدَ ذَلِكَ بِرَحْمَتِه " 00 أَيْ يَتَفَضَّلُ جَلَّ جَلاَلُهُ بَعْدَ ذَلِك [صَحَّحَهُ الإِمَامُ الذَّهَبيُّ في التَّلْخِيص، رَوَاهُ الحَاكِمُ في المُسْتَدْرَكِ بِرَقْم: 7638]
وَقَدْ وُجِدَ مَكْتُوبَاً في التَّوْرَاة: " يَا ابْنَ آدَم؛ إِنَّ الدُّنيَا كُلَّهَا لَوْ كَانَتْ لَك؛ لَمْ يَكُنْ لَكَ مِنهَا إِلاَّ القُوتُ الَّذِي تُقِيمُ بِهِ أَوَدَك، وَالثَّوبُ الَّذِي تَسْتُرُ بِهِ بَدَنَك؛ فَمَا بَالُكَ لاَ تَرْضَى بمَا يَكْفِيك، وَتُرِيدُ مَا لاَ تَقْدِرُ عَلَى حِسَابِه " 00؟! وَهَذَا المَعْني قَدْ وَرَدَ أَيْضَاً في حَدِيثٍ قُدُسِي، يَقُولُ فِيهِ رَبُ العِزَّةِ جَلَّ جَلاَلُه: " يَا ابْنَ آدَم: إِنَّ الدُّنيَا كُلَّهَا لَوْ كَانَتْ لَك؛ لَمْ يَكُنْ لَكَ مِنهَا إِلاَّ القُوت، وَإِذَا أَنَا أَعْطَيْتُكَ مِنهَا القُوت، وَجَعَلْتُ حِسَابَهَا عَلَى غَيرِك؛ فَأَنَا إِلَيْكَ محْسِن " 00!! [الإِمَامُ الغَزَاليُّ في " الإِحْيَاءِ " طَبْعَةِ دَارِ الوَثَائِقِ في كِتَابِ " فَضِيلَةِ الفُقَرَاءِ الرَّاضِينَ القَانِعِين " 0 ص: 1557]