كِتَابُ فَقْدِ الأَحِبَّة:
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ياسر الحمداني
- الكتاب
- موسوعة الرقائق والأدب
- المؤلف
- ياسر بن أحمد بن محمود بن أحمد بن أبي الحمد الكويس الحمداني
- عدد الأجزاء
- 1 [الكتاب مرقم آليا]
عَن أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ أَنَّ النَّبيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَال: " لاَ عَلَيْكُمْ أَلاَّ تَعْجَبُوا بِأَحَدٍ حَتىَّ تَنْظُرُوا بِمَ يخْتَمُ لَهُ؛ فَإِنَّ العَامِلَ يَعْمَلُ زَمَانَاً مِن عُمْرِهِ، أَوْ بُرْهَةً مِنْ دَهْرِهِ بِعَمَلٍ صَالحٍ؛ لَوْ مَاتَ عَلَيْهِ دَخَلَ الجَنَّة، ثُمَّ يَتَحَوَّلُ فَيَعْمَلُ عَمَلاً سَيِّئَاً، وَإِنَّ الْعَبْدَ لَيَعْمَلُ الْبُرْهَةَ مِنْ دَهْرِهِ بِعَمَلٍ سَيِّئٍ؛ لَوْ مَاتَ عَلَيْهِ دَخَلَ النَّار، ثمَّ يَتَحَوَّلُ فَيَعْمَلُ عَمَلاً صَالحَاً، وَإِذَا أَرَادَ اللهُ بِعَبْدٍ خَيْرَاً؛ اسْتَعْمَلَهُ قَبْلَ مَوْتِه " 00 قَالُواْ: يَا رَسُولَ اللهِ وَكَيْفَ يَسْتَعْمِلُهُ 00؟ قَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم: " يُوَفِّقُهُ لِعَمَلٍ صَالحٍ ثمَّ يَقْبِضُهُ عَلَيْه " 0
وَمَنْ مِثْلُ أَبي بَكْر 00؟ عَن أَبي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَلَسَ عَلَى المِنْبَرِ فَقَال: " إِنَّ عَبْدَاً خَيَّرَهُ اللهُ بَيْنَ أَنْ يُؤْتِيَهُ مِنْ زَهْرَةِ الدُّنْيَا مَا شَاءَ وَبَيْنَ مَا عِنْدَهُ فَاخْتَارَ مَا عِنْدَهُ " فَبَكَى أَبُو بَكْرٍ وَقَال: فَدَيْنَاكَ بِآبَائِنَا وَأُمَّهَاتِنَا؛ فَعَجِبْنَا لَهُ وَقَالَ النَّاس: انْظُرُواْ إِلى هَذَا الشَّيْخ؛ يُخْبِرُ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَن عَبْدٍ خَيَّرَهُ اللهُ بَيْنَ أَنْ يُؤْتِيَهُ مِنْ زَهْرَةِ الدُّنْيَا وَبَيْنَ مَا عِنْدَهُ وَهُوَ يَقُول: فَدَيْنَاكَ بِآبَائِنَا وَأُمَّهَاتِنَا 00؟! فَكَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هُوَ المُخَيَّرَ وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ هُوَ أَعْلَمَنَا بِه، وَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم:
" إِنَّ مِن أَمَنِّ النَّاسِ عَلَيَّ في صُحْبَتِهِ وَمَالِهِ أَبَا بَكْر؛ وَلَوْ كُنْتُ مُتَّخِذَاً خَلِيلاً مِن أُمَّتي: لاَتَّخَذْتُ أَبَا بَكْر 00 إِلاَّ خُلَّةَ الإِسْلاَم " 0 [الإِمَامُ البُخَارِيُّ في كِتَابِ المَنَاقِبِ بِرَقْم: (3904)، وَالإِمَامُ مُسْلِمٌ في كِتَابِ فَضَائِلِ الصَّحَابَة بِرَقْم: 2382] وَفي رِوَايَةٍ أُخْرَى لأَبي سَعِيد الخُدْرِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنهُ أَيْضَاً قَالَ فِيهَا: خَطَبَ النَّبيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَال: " إِنَّ اللهَ خَيَّرَ عَبْدَاً بَيْنَ الدُّنْيَا؛ وَبَيْنَ مَا عِنْدَهُ، فَاخْتَارَ مَا عِنْدَ الله " 00
فَبَكَى أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ رَضِيَ اللهُ عَنهُ؛ فَقُلتُ في نَفْسِي: مَا يُبْكِي هَذَا الشَّيْخ؛ إِنْ يَكُنِ اللهُ خَيَّرَ عَبْدَاً بَيْنَ الدُّنْيَا وَبَيْنَ مَا عِنْدَهُ فَاخْتَارَ مَا عِنْدَ الله 00؟! فَكَانَ رَسُولُ اللهِ رَضِيَ اللهُ عَنهُ هُوَ العَبْد، وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ أَعْلَمَنَا، ثُمَّ سَاقَ أَبُو سَعِيدٍ الحَدِيثَ بِنَحْوِه " 0 [رَوَاهُ الإِمَامُ البُخَارِيُّ في صَحِيحِهِ بِرَقْم: 466 / فَتْح] وَفي رِوَايَةٍ أُخْرَى عَنهُ أَيْضَاً رَضِيَ اللهُ عَنهُ عَنِ النَّبيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ في آخِرِ الحَدِيث: " وَلَوْ كُنْتُ مُتَّخِذَاً خَلِيلاً: لاَتَّخَذْتُ أَبَا بَكْرٍ خَلِيلاً، وَلَكِن أُخُوَّةُ الإِسْلاَم " 0 [الإِمَامُ مُسْلِمٌ في كِتَابِ فَضَائِلِ الصَّحَابَة بَاب: مِنْ فَضَائِلِ أَبي بَكْرٍ الصِّدِّيق بِرَقْم: 2382]
وَعَن أَبى سَعيدٍ الخُدْرِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنهُ قَال: " خَرَجَ عَلَينَا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَاً وَنحْنُ في المَسْجد، وَهْوَ عَاصِبٌ رَأْسَهُ بخِرْقَةٍ في المَرَض الَّذِي مَاتَ فِيه، فَأَهْوَى قِبَلَ المنْبر ـ أَيِ اتجَهَ نحْوَهُ ـ حَتىَّ اسْتَوَى عَلَيْهِ فَاتَّبَعْنَاهُ فَقَال: " وَالَّذي نَفْسي بِيَدِه: إِنيِّ لَقَائِمٌ عَلَى الحَوْضِ السَّاعَة، ثمَّ قَال: إِنَّ عَبْدَاً عُرِضَتْ عَلَيْهِ الدُّنيَا وَزِينَتُهَا، فَاخْتَارَ الآخِرَة " 00 فَلَمْ يَفْطِن لهَا أَحَدٌ إِلاَّ أَبُو بَكْر، فَذَرَفَتْ عَيْنَاه فَبَكَى وَقَال: بِأَبي أَنْتَ وَأُمِّي، بَلْ نَفْدِيكَ بِآبَائِنَا وَأُمَّهَاتِنَا وَأَنْفُسِنَا وَأَمْوَالِنَا، ثمَّ هَبَطَ فَمَا قَامَ عَلَيْهِ حَتىَّ السَّاعَة " 0 [قَالَ الإِمَامُ الذَّهَبيُّ في التَّلْخِيص: صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَين، رَوَاهُ ابْنُ أَبي شَيْبَةَ وَالحَاكِمُ في المُسْتَدْرَكِ بِرَقْم: 7756]
وَضْعُ السُّمِّ لِرَسُولِ اللهِ ** صلى الله عليه وسلم ** عَن عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ قَال: " لأَن أَحْلِفَ تِسْعَاً أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قُتِلَ قَتْلاً؛ أَحَبُّ إِليَّ مِن أَن أَحْلِفَ وَاحِدَةً أَنَّهُ لَمْ يُقْتَلْ " 0 [قَالَ الهَيْثَمِيُّ في " المجْمَعِ " رِجَالُهُ رِجَالُ الصَّحِيح 0 ص: (34/ 9)، وَالحَدِيثُ في " المُسْنَدِ " بِرَقْم: 4128] عَن ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَاتَ مِنَ اللَّحْمِ الَّذِي كَانَتِ الْيَهُودِيَّةُ سَمَّتْهُ؛ فَانْقَطَعَ أَبْهَرُهُ مِنَ السُّمِّ عَلَى رَأْسِ السَّنَة " 0 [حَسَّنَهُ الإِمَامُ الهَيْثَمِيُّ في " المجْمَع " ص: (35/ 9)، وَالحَدِيثُ رَوَاهُ الإِمَامُ الطَّبرَانيّ]
لَمْ يَكْفِ اليَهُودَ الخُبَثَاءَ لَعَنَهُمُ اللهُ أَنْ جَحَدُواْ بِآيَاتِ اللهِ بَعْدَمَا اسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلمَاً وَعُلُوَّا، بَلْ حَاوَلُواْ قَتْلَ النَّبيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَكْثَرَ مِنْ مَرَّة؛ حَتىَّ أَنهُمْ تَآمَرُواْ عَلَى قَتْلِهِ مَعَ امْرَأَةٍ مِنْ بَني جِلدَتهِمْ، فَدَعَتِ النَّبيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلى طَعَامٍ ـ وَهْيَ تَعْلَمُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا رَدَّ دَعْوَةَ أَحَدٍ قَطّ ـ فَأَجَابهَا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم، فَوَضَعَتْ لَهُ الخَبِيثَةُ سُمَّاً في الطَّعَام 00!!
فَلَمَّا أَنْ كَشَفَ اللهُ سِترَهُمْ، وَأَبَانَ لِرَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمْرَهُمْ: سَأَلهَا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَتْ لَهُ ـ وَانظُرْ إِلى مَكْرِ اليَهُودِ ـ مَا فَعَلنَا ذَلِكَ يَا رَسُولَ اللهِ إِلاَّ لِنَتَبَيَّنَ صِدْقَكَ مِنْ كَذِبِك؛ فَإِنْ كُنْتَ نَبِيَّاً لَمْ يُصِبْكَ شَيْء، وَإِنْ كُنْتَ كَاذِبَاً اسْتَرَحْنَا مِنْك، فَتَرَكَهَا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم 00!!
عَن أَبي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ قَال: لَمَّا فُتِحَتْ خَيْبَرُ أُهْدِيَتْ لِرَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَاةٌ فِيهَا سَمّ؛ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم: " اجْمَعُواْ لي مَنْ كَانَ هَا هُنَا مِنَ اليَهُود " 00 فَجُمِعُواْ لَهُ، فَقَالَ لهُمْ: رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم: " إِنيِّ سَائِلُكُمْ عَنْ شَيْءٍ فَهَلْ أَنْتُمْ صَادِقِيَّ عَنْه " 00؟ فَقَالُواْ نَعَمْ يَا أَبَا القَاسِم؛ فَقَالَ لهُمْ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم: " مَن أَبُوكُمْ " 00؟ قَالُواْ أَبُونَا فُلاَن؛ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم: " كَذَبْتُمْ، بَلْ أَبُوكُمْ فُلاَن " 00 فَقَالُواْ: صَدَقْتَ وَبَرَرْتَ، فَقَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم:
" هَلْ أَنْتُمْ صَادِقِيَّ عَنْ شَيْءٍ إِنْ سَأَلْتُكُمْ عَنه " 00؟ فَقَالُواْ نَعَمْ يَا أَبَا القَاسِم، وَإِنْ كَذَبْنَاكَ عَرَفْتَ كَذِبَنَا كَمَا عَرَفْتَهُ في أَبِينَا، قَالَ لهُمْ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم: " مَن أَهْلُ النَّار " 00؟ فَقَالُواْ: نَكُونُ فِيهَا يَسِيرَاً ثُمَّ تَخْلُفُونَنَا فِيهَا؛ فَقَالَ لهُمْ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم: " اخْسَئُواْ فِيهَا، وَاللهِ لاَ نخْلُفُكُمْ فِيهَا أَبَدَاً " 00 ثُمَّ قَالَ لهُمْ: " فَهَلْ أَنْتُمْ صَادِقِيَّ عَنْ شَيْءٍ إِنْ سَأَلْتُكُمْ عَنْه " 00؟ قَالُواْ نَعَمْ، فَقَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم: " هَلْ جَعَلْتُمْ في هَذِهِ الشَّاةِ سَمَّاً " 00؟
فَقَالُواْ نَعَمْ، فَقَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم: " مَا حَمَلَكُمْ عَلَى ذَلِك " 00؟
فَقَالُواْ: أَرَدْنَا إِنْ كُنْتَ كَذَّابَاً نَسْتَرِيحُ مِنْك، وَإِنْ كُنْتَ نَبِيَّاً لَمْ يَضُرَّك " 0 [رَوَاهُ الإِمَامُ البُخَارِيُّ في صَحِيحِهِ بِرَقْم: 5777 / فَتْح] عَن أَبي سَلَمَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ قَال: " كَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقْبَلُ الهَدِيَّةَ وَلاَ يَأْكُلُ الصَّدَقَة، فَأَهْدَتْ لَهُ يَهُودِيَّةٌ بِخَيْبَرَ شَاةً مَصْلِيَّة ـ أَيْ مَشْوِيَّة ـ سَمَّتْهَا، فَأَكَلَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْهَا وَأَكَلَ الْقَوْم، فَقَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم: " ارْفَعُوا أَيْدِيَكُمْ؛ فَإِنَّهَا أَخْبَرَتْني أَنهَا مَسْمُومَة " 00 فَمَاتَ بِشْرُ بْنُ الْبَرَاءِ بْنِ مَعْرُورٍ الأَنْصَارِيّ، فَأَرْسَلَ إِلى الْيَهُودِيَّة: " مَا حَمَلَكِ عَلَى الَّذِي صَنَعْتِ "!؟
قَالَتْ: إِنْ كُنْتَ نَبِيَّاً لَمْ يَضُرَّكَ الَّذِي صَنَعْت، وَإِنْ كُنْتَ مَلِكَاً ـ أَيْ كَاذِبَاً في نُبُوَّتِك ـ أَرَحْتُ النَّاسَ مِنْك، فَأَمَرَ بِهَا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقُتِلَتْ ـ أَيْ قِصَاصَاً في بِشْر ـ ثُمَّ قَالَ في وَجَعِهِ الَّذِي مَاتَ فِيه: " مَا زِلْتُ أَجِدُ مِنَ الأَكْلَةِ الَّتي أَكَلْتُ بِخَيْبَر، فَهَذَا أَوَانُ قَطَعَتْ أَبْهَرِي " 0 [وَالأَبْهَرُ: هُوَ شَرْيَانُ القَلب 0 حَسَّنَهُ وَصَحَّحَهُ الْعَلاَّمَةُ الأَلبَانيُّ في " سُنَنِ الإِمَامِ أَبي دَاوُد " بِرَقْم: (4512] وَعَن عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيرِ رَضِيَ اللهُ عَنهُ قَال:
" لَمَّا فَتَحَ اللهُ خَيْبرَ عَلَى رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقُتِلَ مَنْ قُتِلَ مِنهُمْ، أَهْدَتْ زَيْنَبُ بِنْتُ الحَارِثِ اليَهُودِيَّةُ شَاةً مَصْلِيَّةً ـ أَيْ مَشْوِيَّةً ـ وَسَمَّتْهُ فِيهَا ـ أَيْ وَضَعَتْ لَهُ فِيهَا السُّمَّ لِتَنْتَقِمَ لِيَهُودِ خَيْبر ـ وَأَكْثَرَتْ في الكَتِفِ وَالذِّرَاع، حِينَ أُخْبرَتْ أَنهُمَا أَحَبُّ أَعْضَاءِ الشَّاةِ إِلى رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم، فَلمَّا دَخَلَ رَسُول اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَعَه بِشْرُ بْنُ البرَاءِ بْنُ مَعْرُورٍ الأَنْصَارِيُّ قَدَّمَتْ إِلَيْهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَتَنَاوَل الكَتِفَ وَالذِّرَاعَ فَانْتَهَشَ مِنهُمَا، وَتَنَاوَلَ بِشرٌ عَظْمَا آخَرَ وَانْتَهَشَ منهُ، فَلَمَّا أَدْغَمَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
مَا في فيهِ ـ أَيْ مَضَغَهُ ـ أَدْغَمَ بِشْرٌ مَا في فِيه، فَقَالَ رَسُول اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم: " ارْفَعُواْ أَيْدِيَكُمْ؛ فَإِنَّ كَتِفَ الشَّاةِ تخْبرُني أَني قَدْ بُغِيتُ فِيهَا " ـ أَيْ غُدِرَ بِي فِيهَا ـ فَقَالَ بِشْرُ بْنُ البرَاء: وَالَّذِي أَكْرَمَكَ لَقَدْ وَجَدْت ذَلِكَ في أَكْلَتي الَّتي أَكَلْتُ وَإِنْ مَنَعَني ـ أَيْ مَا مَنَعَني ـ أَن أَلفِظَهَا إِلاَّ أَني كَرِهْتُ أَن أُنَغِّصَكَ طَعَامَك، فَلمَّا أَكَلْتَ مَا في فِيكَ لَمْ أَرْغَبْ بِنَفْسِيَ عَنْ نَفْسِك، وَرَجَوْت أَلاَّ تَكونَ أَدْغَمْتَهَا وَفيهَا بَغْي،
فَلَمْ يَقُمْ بِشْرٌ مِنْ مَكَانِهِ حَتىَّ عَادَ لَوْنُهُ كَالطَّيْلَسَان ـ أَيِ ازْرَقَّ ـ وَمَاطَلَهُ وَجَعُهُ حَتىَّ كَانَ مَا يَتَحَوَّلُ إِلاَّ حُوِّل ـ أَيْ لاَ يَتحَرَّكُ إِلاَّ إِذَا حُرِّكَ بمَسَاعَدَةِ آخَرِين ـ وَبقِيَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُدَّةَ ثَلاَثَ سِنِينَ حَتىَّ كَانَ وَجَعُهُ الَّذِي مَاتَ فِيه " 0 [الطَّبرَانيُّ وَابْنُ أَبي شَيبَة، وَفي " كَنْزِ العُمَّالِ " بِرَقْم: (18849)، وَأَقَرَّهُ الهَيْثَمِيُّ في " المجْمَعِ " ص: 153/ 6]
وَرَوَى الإِمَامُ البُخَارِيُّ عَن أُمِّ المُؤْمِنِينَ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهَا أَنهَا قَالَتْ: " كَانَ النَّبيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ في مَرَضِهِ الَّذِي مَاتَ فِيه: " يَا عَائِشَة: مَا أَزَالُ أَجِدُ أَلَمَ الطَّعَامِ الَّذِي أَكَلْتُ بِخَيْبَر، فَهَذَا أَوَانُ وَجَدْتُ انْقِطَاعَ أَبْهَرِي ـ أَيْ شَرْيَانَ قَلْبي ـ مِنْ ذَلِكَ السُّمِّ " 0 أَيْ: في نَفْسِ هَذَا الوَقْتِ مِنَ العَامِ وُضِعَ ليَ السُّمّ 0 [الإِمَامُ البُخَارِيُّ في كِتَابِ المَغَازِي بَاب: مَرَضِ النَّبيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَوَفَاتِه بِرَقْم: 4428]
عَن أُمِّ بِشْرِ بْنِ الْبَرَاءِ بْنِ مَعْرُورٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا قَالَتْ: " دَخَلْتُ عَلَى رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في وَجَعِهِ الَّذِي قُبِضَ فِيهِ فَقُلْتُ: بِأَبي أَنْتَ يَا رَسُولَ الله؛ مَا تَتَّهِمُ بِنَفْسِكَ فَإِنيِّ لاَ أَتَّهِمُ بِابْني إِلاَّ الطَّعَامَ الَّذِي أَكَلَهُ مَعَكَ بِخَيْبَر، وَكَانَ ابْنُهَا بِشْرٌ مَاتَ قَبْلَ النَّبيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم 00؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم: " وَأَنَا لاَ أَتَّهِمُ غَيرَهَا؛ هَذَا أَوَانُ انْقِطَاعِ أَبْهَرِي " 0 [قَالَ الإِمَامُ الذَّهَبيُّ في التَّلْخِيص: صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَين، رَوَاهُ الحَاكِمُ في المُسْتَدْرَكِ بِرَقْم: 4966]
رَحْمَةُ اللهِ عَلَيْكَ يَا بِشْر عَن عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ رَضِيَ اللهُ عَنهُ قَال: " إِن سَعْدَ بْنَ زُرَارَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ أَخَذَهُ وَجَع، تُسَمِّيهِ أَهْلُ المَدِينَةِ الذَّبْح؛ فَكَوَاهُ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَمَات؛ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم: " مِيتَةُ سُوءٍ لِيَهُود؛ لَيَقُولُون: لَوْلاَ دَفَعَ عَنْ صَاحِبِه، وَلاَ أَمْلِكُ لَهُ وَلاَ لِنَفْسِي شَيْئَا " 0 [قَالَ الإِمَامُ الذَّهَبيُّ في التَّلْخِيص: صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَين، رَوَاهُ الحَاكِمُ في المُسْتَدْرَكِ بِرَقْم: 7496] أَيْ أَنَّ مُصَابَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في بِشْرٍ كَانَ مُصَابَينِ لاَ مُصَابَاً وَاحِدَاً:
الأَوَّلُ هُوَ مَوْتُ بِشْر، وَالثَّاني هُوَ تَشْكِيكُ اليَهُودِ في نُبُوَّتِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِقَوْلهِمْ: لَوْ كَانَ حَقَّاً نَبِيَّاً لدَفَعَ عَنْ صَاحِبِهِ المَوْتَ أَوْ أَخْبرَه، وَلِكُلِّ أَجَلٍ كِتَاب 00!! وَهْيَ كَلِمَةٌ في الوَقتِ الَّذِي تَدُلُّ فِيهِ عَلَى خُبْثِ اليَهُود: فَإِنهَا تَدُلُّ أَيْضَاً عَلَى حِنْكَةِ المُصْطَفَى صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَفِكْرِهِ الثَّاقِب، وَرَأْيِهِ الصَّائِب 00!!
ثِقَلُ المَرَضِ بِرَسُولِ اللهِ ** صلى الله عليه وسلم ** وَعَن عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُتْبَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ قَال: " أَتَيْتُ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهَا فَقُلتُ: حَدِّثِيني عَنْ مَرَضِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم 00؟ قَالَتْ نَعَمْ: مَرِضَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَثَقُلَ فَأُغْمِيَ عَلَيْه، فَأَفَاقَ فَقَال: " ضَعُواْ لي مَاءً في المِخْضَبِ " فَفَعَلنَا، فَاغْتَسَلَ ثُمَّ ذَهَبَ ليَنُوءَ ـ أَيْ لِيَنهَضَ ـ فَأُغْمِيَ عَلَيْه، ثمَّ أَفَاقَ فَقَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم: " ضَعُواْ لي مَاءً في المِخْضَبِ " فَفَعَلنَا،
فَاغْتَسَلَ فَذَهَبَ ليَنوءَ فَأُغْمِيَ عَلَيْه، ثمَّ أَفَاقَ فَقَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم: " ضَعُواْ لي مَاءً في المِخْضَبِ " فَفَعَلنَا، فَاغْتَسَلَ ثمَّ ذَهَبَ ليَنوءَ فَأُغْمِيَ عَلَيْه، ثُمَّ أَفَاقَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَال: " أَصَلَّى النَّاس بَعْد " 00؟
فَقُلنَا: لاَ يَا رَسُولَ اللهِ هُمْ يَنتَظِرُونَك، وَالنَّاسُ عُكُوفٌ يَنْتَظِرُونَ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِيُصَلِّيَ بهِمُ العِشَاء الآخِرَة، فَاغْتَسَل ثمَّ ذَهَبَ لِيَنُوءَ فَأُغْمِيَ عَلَيْه، ثمَّ أَفَاقَ فَقَال: " أَصَلَّى النَّاسُ بَعْد "؟ قُلْتُ لاَ، فَأَرْسَلَ إِلى أَبى بَكْرٍ أَنْ يُصَلِّيَ بِالنَّاس، فَأَتَاهُ الرَسُولُ فَقَال: إِن رَسُول اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَأْمُرُكَ أَنْ تُصَلِّيَ بِالنَّاس، فَقَال: يَا عُمَر: صَلِّ بِالنَّاس، فَقَالَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ: أَنْتَ أَحَقّ؛ إِنمَا أَرْسَلَ إِلَيْكَ رَسُول اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم 00
فَصَلَّى بهِمْ أَبُو بَكْرٍ تِلْكَ الصَّلاَة، ثُمَّ إِنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَجَدَ مِنْ نَفْسِهِ خِفَّةً فَخَرَجَ لِصَلاَةِ الظهْرِ بَينَ العَبَّاسِ وَرَجُلٌ آخَر، فَقَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لهُمَا: " أَجْلِسَاني عَنْ يَمِينِه " 00 فَلَمَّا سَمِعَ أَبُو بَكْرٍ ذَهَبَ يَتَأَخَّر، فَأَمَرَهُ أَنْ يَثْبُتَ مَكَانَه، فَأَجْلَسْنَاهُ عَنْ يَمِينِه، فَكَانَ أَبُو بَكْرٍ يُصَلِّي بِصَلاَةِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ جَالِسٌ، وَالنَّاسُ يُصَلُّون بِصَلاَةِ أَبي بَكْر، قالَ عُبَيْدُ اللهِ بنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُتْبَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ: فَأَتَيْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ فَقُلْت: أَلاَ أَعْرِضُ عَليْكَ مَا حَدَّثَتْني عَائِشَة 00؟
قَالَ ـ أَيِ ابْنُ عَبَّاسٍ ـ هَاتِ 00؟ فَعَرَضْتُ عَلَيْهِ هَذَا فَلَمْ يُنْكِرْ مِنهُ شَيْئَاً، إِلاَّ أَنَّهُ قَال: أَخْبرَتْكَ مَنِ الرَّجُلُ الآخَر00؟ قُلتُ لاَ، قَالَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ: هُوَ عَلِيّ " 0 [رَوَاهُ الإِمَامُ البُخَارِيُّ في صَحِيحِهِ بِرَقْم: (687 / فَتْح)، وَالإِمَامُ مُسْلِمٌ في صَحِيحِهِ بِرَقْم: 418 / عَبْد البَاقِي]
عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنهُ عَنِ النَّبيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ ذَهَبَ إِلى بَني عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ لِيُصْلحَ بَيْنَهُمْ، فَحَانَتِ الصَّلاَة؛ فَجَاءَ المُؤَذِّنُ إِلى أَبي بَكْرٍ فَقَال: أَتُصَلِّي بِالنَّاسِ فَأُقِيم 00؟ قَالَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ نَعَمْ، فَصَلَّى أَبُو بَكْر، فَجَاءَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالنَّاسُ في الصَّلاَة، فَتَخَلَّصَ حَتىَّ وَقَفَ في الصَّفّ؛ فَصَفَّقَ النَّاس، وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ لاَ يَلْتَفِتُ في الصَّلاَة، فَلَمَّا أَكْثَرَ النَّاسُ التَّصْفِيقَ التَفَت، فَرَأَى رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم؛ فَأَشَارَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنِ امْكُثْ مَكَانَك،
فَرَفَعَ أَبُو بَكْرٍ يَدَيْهِ فَحَمِدَ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ عَلَى مَا أَمَرَهُ بِهِ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ ذَلِك، ثمَّ اسْتَأْخَرَ أَبُو بَكْرٍ حَتىَّ اسْتَوَى في الصَّفّ، وَتَقَدَّمَ النَّبيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَصَلَّى، ثمَّ انْصَرَفَ فَقَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم: " يَا أَبَا بَكْر؛ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَثْبُتَ إِذْ أَمَرْتُك 00؟! قَالَ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ: مَا كَانَ لاَبْنِ أَبي قُحَافَةَ أَنْ يُصَلِّيَ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم؛ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم: " مَا لي رَأَيْتُكُمْ أَكْثَرْتُمُ التَّصْفِيق " 00؟ مَنْ نَابَهُ شَيْءٌ في صَلاَتِهِ فَلْيُسَبِّحْ؛ فَإِنَّهُ إِذَا سَبَّحَ التُفِتَ إِلَيْه، وَإِنَّمَا التَّصْفِيقُ لِلنِّسَاء " 0 [رَوَاهُ الإِمَامُ مُسْلِمٌ في صَحِيحِهِ بِرَقْم: 421 / عَبْد البَاقِي]
إِشْفَاقُ الأَنْصَارِ عَلَى رَسُولِ اللهِ ** صلى الله عليه وسلم ** وَرَوَى سَعِيد بن عَبدِ اللهِ رَضِيَ اللهُ عَنهُ عَن أَبِيهِ قَال:
" لَمَّا رَأَتِ الأَنْصَارُ أَنَّ النَّبيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَزْدَادُ ثِقَلاً طَافُواْ بِالمَسْجِد، فَدَخَلَ العَبَّاسُ رَضِيَ اللهُ عَنهُ عَلى النَّبيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَعْلَمَهُ بِمَكَانهِمْ وَإِشْفَاقِهِمْ، ثُمَّ دَخَلَ عَلَيْهِ الفَضْل فَأَعْلَمَهُ بِمِثْلِ ذَلِك، ثُمَّ دَخَلَ عَلَيْهِ عَليٌّ كَرَّمَ اللهُ وَجْهَهُ فَأَعْلَمَهُ بمِثْلِهِ، فَمَدَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَدَهُ وَقَال: " هَا " 00 ـ أَيْ يُرِيدُ أَحَدَاً يجْلِسَهُ ـ فَتَنَاوَلوه، فَقَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم: " مَا تَقُولُون " 00؟
قَالُواْ: نَقُولُ نخْشَى أَنْ تمُوت، وَتَصَايَح نِسَاؤُهُمْ لاَجْتِمَاعِ رِجَالهِم إِلى النَّبيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم، فَثَارَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَخَرَجَ متَوَكِّئَاً عَلَى عَليٍّ وَالفَضْل، وَالعَبَّاس أَمَامَه، وَرَسُول اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَعْصُوبُ الرَّأْسِ يخُطِّ بِرِجْلَيْه، حَتىَّ جَلَسَ عَلَى أَسْفَلِ مَرْقَاةٍ مِنَ المِنْبر، وَثَابَ النَّاسُ إلَيه ـ أَيْ وَتَبِعَهُ النَّاس ـ فَحَمِدَ اللهَ وَأَثْنى عَلَيْهِ وَقَال: " أَيُّهَا النَّاس: إِنَّهُ بَلَغَني أَنَّكُم تخَافُونَ عَلَيَّ المَوْت، كَأَنَّهُ اسْتِنْكَارٌ مِنْكُمْ لِلمَوْت، وَمَا تُنْكِرُونَ مِنْ مَوْتِ نَبِيِّكُمْ؛ أَلَمْ أُنعَ إِلَيْكُمْ وَتُنعَ إِلَيْكُمْ أَنْفُسُكُمْ " 00؟
يُشِيرُ بِذَلِكَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلى قَوْلِهِ جَلَّ جَلاَلُه: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُون﴾ [الزُّمَر: 30] " هَلْ خُلِّدَ نَبي قَبْلِي فِيمَنْ بُعِثَ فَأُخَلَّدَ فِيكُمْ 00؟ أَلاَ إِنيِّ لاَحِقٌ برَبيِّ، وَإِنَّكُمْ لاَحِقُونَ بِه، وَإِنيِّ أُوصِيكُمْ بِالمُهَاجِرِينَ الأَوَّلِينَ خَيرَا، وَأُوصِي المُهَاجِرِينَ فِيمَا بَيْنَهُمْ؛ فَإِنَّ اللهَ جَلَّ جَلاَلُهُ قَال: ﴿وَالعَصْر {1﴾ إِنَّ الإِنْسَانَ لَفِي خُسْر ﴿2﴾ إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالحَاتِ وَتَوَاصَواْ بِالحَقِّ وَتَوَاصَواْ بِالصَّبر} ﴿العَصْر﴾
وَإِنَّ الأُمُورَ تجْرِي بإِذْنِ الله؛ فَلاَ يحْمِلنَّكُمُ اسْتِبطَاءُ أَمْرِ عَلَى اسْتِعْجَالِه، فَإِنَّ اللهَ جَلَّ جَلاَلُهُ لاَ يَعْجَلُ لِعَجَلَةِ أَحَد، وَمَن غَالَبَ اللهَ غَلَبَه، وَمَن خَادَعَ اللهَ خَدَعَه 00 ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَولَّيْتُم أَنْ تفْسِدُواْ في الأَرْضِ وَتَقْطِّعُواْ أَرْحَامَكُمْ﴾ [محَمَّد: 22] وَأُوصِيكُمْ بالأَنْصَارِ خَيرَا؛ فَإِنهُمُ الَّذِينَ تَبَوَّأُ واْ الدَّارَ وَالإِيمَانَ مِنْ قَبْلِكُمْ: أَنْ تحْسِنُواْ إِلَيْهِمْ، أَلَمْ يُشَاطِرُوكُمُ الثِّمَار 00؟ أَلَمْ يُوَسِّعُواْ عَلَيْكُمْ في الدِّيَار 00؟ أَلَمْ يُؤْثِرُوكُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَبهِمُ الخَصَاصَة 00؟
أَلاَ فَمَنْ وَليَ أَنْ يَحْكُمَ بَينَ رَجُلَينِ فَلْيَقبَلْ مِنْ محْسِنِهِمْ وَلْيَتَجَاوَزْ عَنْ مُسِيئِهِمْ، أَلاَ وَلاَ تَسْتَأْثِرُوا عَلَيْهِمْ، أَلاَ وَإِني فَرَط لَكمْ، وَأَنْتُمْ لاَحِقُونَ بي، أَلاَ وَإِنَّ مَوْعِدَكُمْ الحَوْض، حَوْضِي أَعْرَضُ مِمَّا بَينَ بُصْرَى الشَّامِ وَصَنعَاءَ اليَمَن، يَصُبُّ فِيهِ مِيزَاب الكَوثَر، مَاؤُهُ أَشَدُّ بَيَاضَاً مِنَ اللَّبن، وَأَلينُ مِنَ الزَّبَد، وَأَحْلَى مِنَ الشَّهْد، مَنْ شَرِبَ مِنهُ لَمْ يَظْمَأْ أَبَدَاً، حَصْبَاؤُهُ اللُّؤْلؤ، وَبَطْحَاؤُهُ المِسْك، مَن حُرِمَهُ في الموْقِفِ غَدَاً حُرِمَ الخَيرَ كُلَّه، أَلاَ فَمَن أَحَبَّ أَنْ يَرِدَهُ عَلَيَّ غَدَا فَليَكْفُفْ لِسَانَه وَيَدَهُ إِلاَّ ممَّا يَنْبَغِي، فَقَالَ العَبَّاس: يَا نَبيَّ اللهِ أَوْصِ بِقُرَيْش، فَقَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّم: إِنمَا أُوصِي بهَذا الأَمْرِ قُرَيْشَاً، وَالنَّاسُ تَبَعٌ لِقُرَيْش، بَرُّهُمْ لِبَرِّهِمْ، وَفَاجِرهُمْ لِفَاجِرِهِمْ، فَاسْتَوصُواْ آلَ قُرَيْش بِالنَّاسِ خَيرَا، يَا أَيُّهَا النَّاس: إِنَّ الذُّنُوبَ تُغَيِّرُ النِّعَم وتُبَدِّلُ القِسَم، فَإِذَا بَرَّ النَّاسُ بَرَّهُمْ أَئمَّتُهُمْ، وَإِذَا فَجَرَ النَّاسُ عَقُّوهُمْ، قَالَ اللهُ جَلَّ جَلاَلُه: ﴿وَكَذَلِكَ نُوَلى بَعْضَ الظَّالمِينَ بَعْضَاً بمَا كَانُواْ يَكْسِبُون﴾ ﴿الأَنعَام: 129﴾ [الإِحْيَاءُ 0 طَبْعَةُ دَارِ الوَثَائِقِ المِصْرِيَّةِ 0 ضَعَّفَهُ الحَافِظِ العِرَاقِيّ 0 وَفَاةُ النَّبيِّ: 1860] مَنْ ذَا يَقُومُ مُقَامَكَ يَا رَسُولَ الله ** صلى الله عليه وسلم ** عَن عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ قَال:
" لَمَّا اشْتَدَّ بِرَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَجَعُهُ قِيلَ لَهُ في الصَّلاَةِ فَقَال صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم: " مُرُواْ أَبَا بَكْرٍ فَليُصَلِّ بِالنَّاس " قَالَتْ عَائِشَة: إِنَّ أَبَا بَكْرٍ رَجُلٌ رَقِيقٌ إِذَا قَرَأَ غَلَبَهُ البُكَاء، قَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم: " مُرُوهُ فَيُصَلِّي " 00 فَعَاوَدَتْهُ، قَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم: " مُرُوهُ فَيُصَلِّي، إِنَّكُنَّ صَوَاحِبُ يُوسُف " 0 [الإِمَامُ البُخَارِيُّ في كِتَابِ الأذَانِ بَاب: أَهْلِ العِلمِ وَالفَضْلِ أَحَقُّ بِالإِمَامَة بِرَقْم: 682]
وَتَشْبِيهُهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَهُنَّ بِصَوَاحِبِ يُوسُفَ إِشَارَةٌ إِلى كَيْدِهِنَّ؛ حَيْثُ كَرِهَتْ رَضِيَ اللهُ عَنهَا أَنْ يَقُومَ أَبُوهَا مَقَامَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَيَتَشَاءَ مَ بِهِ النَّاس؛ وَلِذَا احْتَجَّتْ بِرِقَّةِ قَلبِهِ وَأَخْفَتْ مَا صَرَّحَتْ بِهِ في مَوَاطِنَ كَثِيرَة 00
عَن عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُتْبَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ عَن أُمِّ المُؤْمِنِينَ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهَا أَنَّهَا قَالَتْ: " لَقَدْ رَاجَعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في ذَلِك؛ وَمَا حَمَلَني عَلَى كَثْرَةِ مُرَاجَعَتِه؛ إِلاَّ أَنَّهُ لَمْ يَقَعْ في قَلْبي أَنْ يحِبَّ النَّاسُ بَعْدَهُ رَجُلاً قَامَ مَقَامَهُ أَبَدَاً، وَلاَ كُنْتُ أَرَى أَنَّهُ لَنْ يَقُومَ أَحَدٌ مَقَامَهُ إِلاَّ تَشَاءَ مَ النَّاسُ بِه؛ فَأَرَدْتُ أَنْ يَعْدِلَ ذَلِكَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَن أَبي بَكْر " 0 [رَوَاهُ الإِمَامُ البُخَارِيُّ في صَحِيحِهِ بِرَقْم: (4445 / فَتْح)، وَالإِمَامُ مُسْلِمٌ في صَحِيحِهِ بِرَقْم: 418 / عَبْد البَاقِي]
عَن أُمِّ المُؤْمِنِينَ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهَا قَالَتْ: " لَمَّا دَخَلَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْتيَ قَال: " مُرُواْ أَبَا بَكْرٍ فَلْيُصَلِّ بِالنَّاس " 00 فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ إِنَّ أَبَا بَكْرٍ رَجُلٌ رَقِيق؛ إِذَا قَرَأَ القُرْآنَ لاَ يمْلِكُ دَمْعَه، فَلَوْ أَمَرْتَ غَيْرَ أَبي بَكْر 00؟ قَالَتْ: وَاللهِ مَا بي إِلاَّ كَرَاهِيَةُ أَنْ يَتَشَاءَ مَ النَّاسُ بِأَوَّلِ مَنْ يَقُومُ في مَقَامِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم؛ فَرَاجَعْتُهُ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلاَثَاً فَقَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم: " لِيُصَلِّ بِالنَّاسِ أَبُو بَكْر، فَإِنَّكُنَّ صَوَاحِبُ يُوسُف " 0 [الإِمَامُ مُسْلِمٌ في كِتَابِ الصَّلاَةِ بَاب: اسْتِخْلاَفِ الإِمَامِ إِذَا عَرَضَ لَهُ عُذْرٌ مِنْ مَرَضٍ وَسَفَر بِرَقْم: 418]
يَأْبى اللهُ وَيَأْبى المُسْلِمُونَ إِلاَّ أَبَا بَكْر عَن أُمِّ المُؤْمِنِينَ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا عَنِ النَّبيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَال: " قَالَ لي رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في مَرَضِهِ: " ادْعِي لي أَبَا بَكْرٍ أَبَاكِ، وَأَخَاكِ حَتىَّ أَكْتُبَ كِتَابَاً؛ فَإِنيِّ أَخَافُ أَنْ يَتَمَنىَّ مُتَمَنٍّ وَيَقُولَ قَائِلٌ أَنَا أَوْلىَ، وَيَأْبىَ اللهُ وَالمُؤْمِنُونَ إِلاَّ أَبَا بَكْر " 0 [رَوَاهُ الإِمَامُ مُسْلِمٌ في صَحِيحِهِ بِرَقْم: 2387 / عَبْد البَاقِي]
عَن عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللهُ عَنهُ وَعَن أَبِيهِ عَنِ النَّبيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَال: " ائْتِني بِدَوَاةٍ وَكَتِفٍ أَكْتُبُ لَكُمْ كِتَابَاً لَنْ تَضِلُّواْ بَعْدَهُ أَبَدَا " 0 ثُمَّ وَلاَّنَا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَفَاه، ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَيْنَا فَقَال: " يَأْبىَ اللهُ وَالمُؤْمِنُونَ إِلاَّ أَبَا بَكْر " 0 [صَحَّحَهُ الإِمَامُ الذَّهَبيُّ في التَّلْخِيص، رَوَاهُ الحَاكِمُ في المُسْتَدْرَكِ بِرَقْم: 6016]
وَفي رِوَايَةٍ أُخْرَى عَن عَبْدِ اللهِ بْنِ زَمْعَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ قَالَ فِيهَا: " جَاءَ بِلاَلٌ في أَوَّلِ شَهرِ رَبِيعٍ الأَوَّل، فَأَذَّن بِالصَّلاَةِ فَقَال رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم: " مُرُواْ أَبَا بَكرٍ يُصَلي بالنَّاس " 00 فَخَرَجْتُ فَلَمْ أَرَ بحَضْرَةِ البَابِ إِلاَّ عُمَر، في رِجَالٍ لَيْسَ فِيهِمْ أَبُو بَكْر، فَقُلْتُ: قُمْ يَا عُمَرُ فَصَلِّ بِالنَّاس، فَقَامَ عُمَر، فَلَمَّا كَبرَ وَكَانَ رَجُلاً صَيِّتَاً؛ سَمِعَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَوْتَهُ بِالتَّكْبِيرِ فَقَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم: " أَيْنَ أَبُو بَكْر 00؟ يَأْبى اللهُ ذَلِكَ وَالمُسْلِمُونَ [قَالهَا ثَلاَثَاً] 00!!