موسوعة الرقائق والأدب - ياسر الحمدانيصفحات 6318-6357
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كِتَابُ قَصَائِدِ الأَطْفَال

صفحات 6318-6357
عن هذه الطبعة
عَلَم
ياسر الحمداني
الكتاب
موسوعة الرقائق والأدب
المؤلف
ياسر بن أحمد بن محمود بن أحمد بن أبي الحمد الكويس الحمداني
عدد الأجزاء
1 [الكتاب مرقم آليا]

أَنْتَ الَّذِي لَمَّا رُفِعْتَ إِلى السَّمَا * بِكَ قَدْ سَمَتْ وَتَزَيَّنَتْ لِلِقَاكَا أَنْتَ الَّذِي مِنْ نُورِكَ البَدْرُ اكْتَسَى * وَالشَّمْسُ قِنْدِيلٌ أَمَامَ ضِيَاكَا نَادَيْتَ أَشْجَارَاً أَتَتْكَ مُطِيعَةً * وَشَكَا الْبَعِيرُ إِلَيْكَ حِينَ رَآكَا وَالمَاءُ فَاضَ بِرَاحَتَيْكَ وَسَبَّحَتْ * صُمُّ الحَصَى للهِ في يُمْنَاكَا وَالجِذْعُ حَنَّ إِلَيْكَ حِينَ تَرَكْتَهُ * وَعَلَى سِوَاهُ أُوقِفَتْ قَدَمَاكَا مَاذَا يَقُولُ المَادِحُونَ وَمَا عَسَى * أَنْ يجْمَعَ الكُتَّابُ مِنْ مَعْنَاكَا صَلَّى عَلَيْكَ اللهُ يَا عَلَمَ الهُدَى * مَا اشْتَاقَ مُشْتَاقٌ إِلىَ رُؤْيَاكَا اللهُمَّ صَلِّ عَلَى سَيِّدِنَا محَمَّدٍ عَدَدَ أَورَاقِ الشَّجَر، وَعَدَدَ حَبَّاتِ المَطَر، وَعَدَدَ مَا خَلَقْتَ مِنَ البَشَر 00 ثمَّ أَمَّا بَعْد

فَسَوْفَ نَتَعَرَّضُ إِنْ شَاءَ اللهُ في هَذَا الكِتَاب: لأَهَمِّ الأَسْبَاب: الَّتي تُزَيِّنُ الزِّنَا وَالعِيَاذُ بِاللهِ في عَينِ الشَّبَاب، هَلْ هِيَ غَلاَءُ المُهُورِ أَمْ قِلَّةُ الحِجَاب، أَمْ أَنَّهَا قِلَّةُ العِفَّةِ بَينَ الشَّبَاب، هَذَا هُوَ المَوْضُوعُ الَّذِي يَتَنَاوَلُهُ الكِتَاب 0 فَهَذَا الكِتَابُ يَدُور: عَنِ التّبَرُّجِ وَالسُّفور، وَغَلاَءِ المُهُور، وَأَسْبَاب تَفَشِّي الزّنا والفُجُور، في ضَوْءِ الآيَةِ الثَّانِيَةِ وَالثَّلاَثِينَ مِنْ سُورَةِ النُّور 0 هَذَا 00 وَعَلَى اللهِ قَصْدُ السَّبِيل، عَلَيْهِ تَوَكَّلنَا وَهُوَ نِعْمَ الوَكِيل 0 ﴿الفَقِيرُ إِلى عَفْوِ رَبِّهِ وَدُعَائِكُمْ / يَاسِر الحَمَدَاني﴾ إِنْ تَسْلَمْ فَذَلِكَ مَهْرِي

عَن أَنَسٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ قَال: " خَطَبَ أَبُو طَلْحَةَ أُمَّ سُلَيْم؛ فَقَالَتْ لَه: مَا مِثْلُكَ يَا أَبَا طَلْحَةَ يُرَدّ، وَلَكِنيَّ امْرَأَةٌ مَسْلَمَةٌ؛ وَأَنْتَ رَجُلٌ كَافِر، وَلاَ يَحِلُّ ليَ أَن أَتَزَوَّجَك؛ فَإِنْ تُسْلِمْ فَذَلِكَ مَهْرِي، لاَ أَسْأَلُكَ غَيْرَه؛ فَأَسْلَمَ فَكَانَتْ لَه " 0 [قَالَ الأُسْتَاذ شُعَيْب الأَرْنَؤُوط في صَحِيحِ الإِمَامِ ابْنِ حِبَّان: صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ الإِمَامِ مُسْلِم، وَرَوَاهُ الإِمَامُ الطَّبرَانيُّ في الكَبِير] عَلَّقَ مَوْلاَنَا فَضِيلَةُ الشَّيخ / السَّيِّد سَابِق عَلَى هَذَا المَوْضُوعِ فَقَال: " دَلَّتْ هَذِهِ الأَحَادِيثُ عَلَى جَوَازِ جَعْلِ المَهْرِ شَيْئَاً قَليلاَ، وَأَيْضَاً عَلَى

جَوَازِ الاَنْتِفَاعِ بِتَحْفِيظِ وَتَعْلِيمِ القُرْآنِ الكَرِيمِ وَجَعْلِ ذَلِكَ مَهْرَا "00!! [فِقهُ السُّنَّةِ الطَّبْعَةُ الأُولى دَار فَتْح لِلإِعْلاَمِ العَرَبِي: 102/ 2] إِذَا أَرَادَ فَلاَ تَسْأَلْ عَنِ السَّبَبِ وَهَذِهِ قِصَّةٌ إِلى كُلِّ شَابٍّ مُقبِلٍ عَلَى الزَّوَاجِ لِيَعْلَمَ أَنَّ الظُّرُوفَ مَهْمَا كَانَتْ مُتَعَسِّرَةً فَتَوْفِيقُ اللهِ بِالمِرْصَاد، فَقَط يحْسِنُ صِلَتَهُ بِالله 00 إِذَا أَرَادَ فَلاَ تَسْأَلْ عَنِ السَّبَبِ وَإِذَا العِنَايَةُ لاَحَظَتكَ عُيُونُهَا نمْ فَالمخَاوِفُ كُلُّهُنَّ أَمَانُ أَخْرَجَ أَحْمَدُ وَالطَّبَرَانِيُّ عَنْ رَبِيعَةَ الأَسْلمِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنهُ أَنَّهُ قَال: " كُنْتُ أَخْدُمُ النَّبيَّ فَقَالَ لي يَوْمَاً: " يَا رَبِيعَةُ أَلاَ تَزَوَّج " 00؟!

قُلتُ مَا أُرِيدُ أَن أَتَزَوَّج؛ مَا عِنْدِي يُقَيِّمُ المَرْأَة ـ أَيْ قِيمَةُ مَهْرِهَا ـ وَمَا أُحِبُّ أَنْ يُشْغِلَني عَنْكَ شَيْء، فَأَعْرَضَ عَنيِّ، ثُمَّ قَالَ ليَ الثَّانِيَةَ " يَا رَبِيعَةُ أَلاَ تَزَوَّج " 00؟! فَقُلتُ مَا أُرِيدُ أَن أَتَزَوَّجُ مَا عِنْدِي يُقَيِّمُ المَرْأَة وَمَا أُحِبُّ أَنْ يُشْغِلَني عَنْكَ شَيْء، فَأَعْرَضَ عَنيِّ، ثُمَّ رَجَعْتُ إِلى نَفسِي فَقُلتُ وَاللهِ لَرَسُولُ اللهِ أَعْلَمُ مِنيِّ بمَا يَصْلُحُ لِي في الدُّنيَا وَالآخِرَة، وَاللهِ لَئِنْ قَالَ لِي أَلاَ تَتَزَوَّجُ لأَقُولَنَّ نَعَمْ يَا رَسُولَ اللهِ مُرْنِي بمَا شِئت، فَقَالَ لي " يَا رَبِيعَةُ أَلاَ تَزَوَّج " 00؟!

فَقُلتُ بَلَى مُرْنِي بمَا شِئتَ يَا رَسُولَ الله فَقَالَ انْطَلِقْ إِلى آلِ فُلاَن ـ حَيٍّ مِنَ الأَنْصَارِ ـ فَقُلْ لهُمْ إِنَّ رَسُولَ اللهِ أَرْسَلَني إِلَيْكُمْ يَأمُرُكُمْ أَنْ تُزَوِّجُونِي فُلاَنَة، فَذَهَبْتُ إِلَيْهِمْ فَقُلتُ لهُمْ إِنَّ رَسُولَ اللهِ أَرْسَلَني إِلَيْكُمْ يَأمُرُكُمْ أَنْ تُزَوِّجُونِي فُلاَنَة، فَقَالُواْ مَرْحَبَاً بِرَسُولِ اللهِ وَرَسُولِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَاللهِ لاَ يَرْجِعُ رَسُولُ رَسُولِ اللهِ إِلاَّ بحَاجَتِهِ، فَزَوَّجُوني وَأَلطَفُوني وَمَا سَأَلُوني البَيِّنَة ـ أَيْ عَامَلُونِي بِلُطفٍ وَأَكْرَمُواْ نُزُلي وَلَمْ يَطلُبُواْ مِنيِّ أَمَارَةً عَلَى مَا قُلت ـ فَرَجَعْتُ إِلى رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَزِينَاً ـ وَحُزْنُهُ رَضِيَ اللهُ عَنهُ كَانَ لِفَرْطِ كَرَمِهِمْ مَعَهُ

كَمَا قَالَ الشَّاعِر: أَخْجَلتَني بِنَدَى يَدَيْكَ فَسَوَّدَتْ مَا بَيْنَنَا تِلكَ اليَدُ البَيْضاءُ يَقُولُ رَضِيَ اللهُ عَنهُ: فَرَجَعْتُ حَزِينَاً فَقُلتُ يَا رَسُولَ اللهِ أَتَيْتُ قَوْمَاً كِرَامَاً فَزَوَّجُوني وَأَلطَفُوني وَمَا سَأَلُوني بَيِّنَة، وَلَيْسَ عِنْدِي صَدَاق؛ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَا بُرَيْدَةُ (أَخُو رَبِيعَة) اجْمَعُواْ لَهُ وَزْنَ نَوَاةٍ مِنْ ذَهَب، فَجَمَعُواْ لَهُ وَزْنَ نَوَاةٍ مِنْ ذَهَب، يَقُولُ رَبِيعَة: فَأَخَذتُ مَا جَمَعُواْ لي فَأَتَيْتُ النَّبيَّ

صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ اذهَبْ بِهَذَا إِلَيْهِمْ فَقُلْ لهُمْ هَذَا صَدَاقُهَا، فَأَتَيْتُهُمْ فَقُلتُ لهُمْ هَذَا صَدَاقُهَا، فَقَبِلُوهُ وَرَضُواْ وَقَالُواْ كَثِيرٌ طَيِّب، ثُمَّ رَجَعْتُ إِلى رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَزِينَاً؛ فَقَالَ يَا رَبِيعَةُ مَا لَكَ حَزِين 00؟!! قُلتُ يَا رَسُولَ اللهِ مَا رَأَيْتُ قَوْمَاً أَكْرَمَ مِنهُمْ، رَضُواْ بمَا آتَيْتُهُمْ وَأَحْسَنُواْ وَقَالُواْ كَثِيرٌ طَيِّب، وَلَيْسَ عِنْدِي مَا أُولِمُ بِه، فَقَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِبُرَيْدَةُ اجْمَعُواْ لَهُ شَاةً؛ فَجَمَعُواْ لي كَبْشَاً عَظِيمَاً سَمِينَاً فَأَوْلمْتُ وَدَعَوْتُ رَسُولَ الله "00!! [صَحَّحَهُ الهَيْثَمِيّ 0 حَيَاةُ الصَّحَابَةِ الطَّبْعَةُ الأُولى: 491/ 2] ﴿إِنَّهُمْ حَقَّاً كَانُواْ عُظَمَاء﴾

وبعدَ هذا تجدُ مَنْ يَقولُ لك: " مَاذا تقول " 00؟! أفأَكونُ أَنَا وزيراً أو مَسْئولاً كبيراً وَأُزَوِّجُ ابنتي إِنسَانَاً مُعْدِماً فقِيراً 00؟! ـ وَلِمَ لاَ يَا أَخِي؛ أَديسونْ مخْترِعُ الكَهْربَاء والمصْبَاحِ الكَهْرَبِيِّ وَالذِي اخْترَعَ مَا يَزِيدُ على (1200) اخْترَاع كانَ يَعْمَلُ بائِعَاً لِلصُّحُف 00!! الفقر ليْسَ عَيْبَاً يَا أَخِي؛ وَالإمامُ أحمدُ بْنُ حَنبَلَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ كَانَ يَعْمَلُ حَمَّالاً وَمَعَ ذَلِكَ اجْتَهَدَ في العلم حَتىَّ أصبح إمامَاً لأَهْلِ السُّنة 00!!

وَبِيلِيه لاَعِبُ الكُرَة الشَّهِير، الَّذِي وَصَلَتْ شُهْرَتُهُ الآفَاقَ أَيَّامَ السَّبْعِينِيَّاتْ ـ كَمَارَاضُونَا الآن ـ وَالذِي أَصْبَحَ حَالِيَاً وَزِيرَ الشَّبَابِ في البِرَازِيل: مَاذَا كَانَ يَعْمَلُ في بِدَايَةِ أَمْرِهِ وَقَبْلَ اشْتِغَالِهِ بِالكُرَة 00؟ مَاسِحَ أَحْذِيَة 00!!! وَشُرُويْدَرُ المُسْتَشَارُ الأَلمَانِيُّ أُمُّهُ كَانَتْ تَعْمَلُ فَرَّاشَةً بِإِحْدَى المُؤَسَّسَاتِ 00!! أَحَدٌ مِن هَؤُلاَءِ لَمْ يَتَوَارَ مِنَ القَوْمِ خَجَلاً مِن أَصْلِهِ، بَلْ عَلَى العَكْسِ تمَامَاً كَانُواْ يَعُدُّونَ هَذَا شَرَفَاً لَهُمْ 00!!! جِيلٌ عِنْدَمَا تُقَلِّبُ بَصَرَكَ فِيهِ ثُمَّ تَعُودُ فَتُقَلِّبُهُ في جِيلِ اليَوْمِ يَنقَلِبُ إِلَيْكَ البَصَرُ خَاسِئَاً وَهُوَ حَسِير 00!!

دينُنَا أَيُّهَا الإِخوَةُ والأَخَوَات: دِينُ عَادات، قبْلَ أَنْ يَكونَ دِينَ عِبَادات ـ أَيْ دِينُ أَخْلاَقٍ وَمُعَامَلاَت ـ مَا أَنْزَلَ اللهُ بِهَا مِنْ سُلطَان، لم تَرِدْ في السُّنَّةِ وَلاَ في القُرْآن 00!! فَمِنَ المُؤسِفِ أَنَّ القُرآنَ اليَوْمَ أَصْبَحَ لاَ يُقرَأُ إِلاَّ في المَآتِم 00!! إِنَّ اللهَ مَا أَهْلَكَ بَني إِسْرَائِيلُ إِلاَّ أَنَّهُمْ كَانُواْ مَا يَتَّفِقُ منْ دِينِهِم مَعَ هَوَاهُمْ يَأْخُذُونَه، وَمَا لاَ يَتَّفِقُ مِنْ دِينِهِم مَعَ هَوَاهُمْ يَنبُذُونَه 00!!

يَا مَنْ تَزْعُمُ حُبَّ رَسُولِ الله: إِنَّ المحِبَّ لمَنْ يحِبُّ مُطِيعُ أَخِي المُسْلِم: لاَ تَكُنْ مِثلَ فُلاَن؛ دَاخِلَ المَسْجِدِ يَقرَأُ القُرْآن، وَخَارِجَ المَسْجِدِ شَيْطَان، فالعبرة ليست بِمَنْ يَقرَأُ أَوْ يَسْتَمِع، إنما العبرة بمنْ ينتفعُ بما يَقرَأُ أَو يَسْتَمِع 00!! ﴿الرَّجُلُ الَّذَي رَفَضَ مُصَاهَرَةَ الخَلِيفَة﴾

وَتحْضرُني في هَذا المَقامِ قِصَّةٌ حَدَثتْ عَلى عَهْدِ بَني أُمَيَّةَ تنبِّؤنا أَنَّ النُّقودَ والنفوذَ لَيْسَا كلَّ شيْءٍ في الحَيَاة، فالدِّينُ خَيْرٌ وَأبْقى 00 حَدَّثَ أَبُو بَكْرٍ بْنُ أَبي دَاوُدَ قَال: " كَانَتْ بِنْتُ سَعِيدٍ قَدْ خَطَبَهَا عَبْدُ المَلِكِ لاِبْنِهِ الوَلِيدِ فَأَبَى عَلَيْه؛ فَلَمْ يَزَلْ يحْتَالُ عَبْدُ المَلِكِ عَلَيْهِ حَتىَّ ضَرَبَهُ مِاْئَةَ سَوْطٍ في يَوْمٍ بَارِد، وَصَبَّ عَلَيْهِ جَرَّةَ مَاءٍ وَأَلْبَسَهُ جُبَّةَ صُوف 00

ثُمَّ قَال: حَدَّثَني أَحْمَدُ ابْنُ أَخِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ وَهْب، حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ وَهْب، عَن عَطَّافِ بْنِ خَالِد، عَنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ حَرْمَلَة، عَنِ ابْنِ أَبي وَدَاعَةَ [اسْمُهُ كَثِيرٌ] قَال: كُنْتُ أُجَالِسُ سَعِيدَ بْنَ المُسَيَّبِ رَضِيَ اللهُ عَنه، فَفَقَدَني أَيَّامَاً، فَلَمَّا جِئْتُهُ رَضِيَ اللهُ عَنهُ قَال: أَيْنَ كُنْت 00؟ قُلْت: تُوُفِّيَتْ أَهْلِي فَاشْتَغَلْتُ بِهَا؛ فَقَال: أَلاَ أَخْبَرْتَنَا فَشَهِدْنَاهَا 00؟ ثُمَّ قَال: هَلِ اسْتَحْدَثْتَ امْرَأَةً 00؟ فَقُلْتُ: يَرْحَمُكَ الله، وَمَنْ يُزَوِّجُني وَمَا أَمْلِكُ إِلاََّ دِرْهَمَيْنِ أَوْ ثَلاَثَة؟ قَالَ رَضِيَ اللهُ عَنه: أَنَا؛ فَقُلْتُ: وَتَفْعَل 00؟

قَالَ نَعَمْ، ثُمَّ تَحَمَّدَ وَصَلَّى عَلَى النَّبيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَزَوَّجَني عَلَى دِرْهَمَيْنِ أَوْ ثَلاَثَة؛ فَقُمْتُ وَمَا أَدْرِي مَا أَصْنَعُ مِنَ الفَرَح، فَصِرْتُ إِلىَ مَنْزِلي وَجَعَلْتُ أَتَفَكَّرُ فِيمَن أَسْتدِين، فَصَلَّيْتُ المَغْرِبَ وَرَجَعْتُ إِلىَ مَنْزِلِي وَكُنْتُ وَحْدِي صَائِمَاً؛ فَقَدَّمْتُ عَشَائِي أُفْطِرُ وَكَانَ خُبْزَاً وَزَيْتَاً، فَإِذَا بَابي يُقْرَع؛ فَقُلْتُ: مَن هَذَا 00؟ فَقَالَ سَعِيد؛ فَأَفْكَرْتُ في كُلِّ مَنِ اسْمُهُ سَعِيدٌ إِلاََّ ابْنَ المُسَيَّب؛ فَإِنَّهُ لَمْ يُرَ أَرْبَعِينَ سَنَةً إِلاََّ بَيْنَ بَيْتِهِ وَالمَسْجِد؛ فَخَرَجْتُ فَإِذَا سَعِيدٌ رَضِيَ اللهُ عَنه؛ فَظَنَنْتُ أَنَّهُ قَدْ بَدَا لَه؛ فَقُلْتُ: يَا أَبَا محَمَّد؛ أَلاَ أَرْسَلْتَ إِلَيَّ فَآتِيَك 00؟

قَالَ لاَ، أَنْتَ أَحَقُّ أَنْ تُؤْتَى، إِنَّكَ كُنْتَ رَجُلاً عَزَبَاً فَتَزَوَّجْت؛ فَكَرِهْتُ أَنْ تَبِيتَ اللَّيْلَةَ وَحْدَك، وَهَذِهِ امْرَأَتُك 00 فَإِذَا هِيَ قَائِمَةٌ مِن خَلْفِهِ في طُولِهِ، ثمَّ أَخَذَ بيَدِهَا فَدَفَعَهَا في البَابِ وَرَدَّ البَاب؛ فَسَقَطَتِ المَرْأَةُ مِنَ الحِيَاء؛ فَاسْتَوْثَقْتُ مِنَ البَابِ ثمَّ وَضَعْتُ القَصْعَةَ في ظِلِّ السِّرَاجِ لَكِي لاَ تَرَاهُ ـ أَيْ وَضَعَ قَصْعَةَ الزَّيْتِ وَالخُبزَ في خَيَالِ قَاعِدَةِ السِّرَاجِ كَيْ لاَ تَرَاهُ فَتَجْزَعُ لِشَظَفِ عَيْشِي وَتَوَاضُعِ طَعَامِي ـ ثُمَّ صَعِدْتُ السَّطْحَ فَرَمَيْتُ الجِيرَان، فَجَاؤُوني فَقَالُواْ: مَا شَأْنُك 00؟

فَأَخْبَرْتُهُمْ وَنَزَلُواْ إِلَيْهَا، وَبَلَغَ أُمِّي فَجَاءتْ وَقَالَتْ: وَجْهِي مِنْ وَجْهِكَ حَرَامٌ إِنْ مَسَسْتَهَا قَبْلَ أَن أُصْلِحَهَا إِلىَ ثَلاَثَةِ أَيَّام [وَفي رِوَايَةٍ: وَجْهِي مِنْ وَجْهِكَ حَرَامٌ إِن أَفْضَيْتَ إِلَيْهَا حَتىَّ أَصْنَعَ بِهَا صَالِحَ مَا يُصْنَعُ بِنِسَاءِ قُرَيْش] فَأَقَمْتُ ثَلاَثَاً ثمَّ دَخَلْتُ بهَا، فَإِذَا هِيَ مِن أَجْمَلِ النَّاسِ وَأَحْفَظِ النَّاسِ لِكِتَابِ اللهِ عَزَّ وَجَلّ، وَأَعْلَمِهِمْ بِسُنَّةِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم، وَأَعْرَفِهِمْ بِحَقِّ الزَّوْج، فَمَكَثْتُ شَهْرَاً لاَ آتي سَعِيدَ بْنَ المُسَيَّب، ثُمَّ أَتَيْتُهُ وَهُوَ في حَلْقَتِهِ، فَسَلَّمْتُ فَرَدَّ عَلَيَّ السَّلاَمَ وَلَمْ يُكَلِّمْني حَتىَّ تَقَوَّضَ المَجْلِس، فَلَمَّا لَمْ يَبْقَ غَيْرِي قَال: مَا حَالُ ذَلِكَ الإِنْسَان 00؟

قُلْتُ: خَيْرٌ يَا أَبَا محَمَّد 00 عَلَى مَا يُحِبُّ الصَّدِيقُ وَيَكْرَهُ العَدُوّ 0 قَال: إِنْ رَابَكَ شَيْءٌ فَالْعَصَا، فَانْصَرَفْتُ إِلىَ مَنْزِلي، فَوَجَّهَ إِلَيَّ بِعِشْرِينَ أَلْفَ دِرْهَم " 0 [الإِمَامُ الذَّهَبيُّ في سِيَرِ أَعْلاَمِ النُّبَلاَء 0 طَبْعَةِ مُؤَسَّسَةِ الرِّسَالَة 0 ص: 234/ 4] عَسَى رَبُّنَا أَنْ يَرْزُقَنَا خَيْرَاً مِنهَا إِنَّا إِلى رَبِّنَا رَاغِبُون 0 أَلاَ فَلْيَتَعَلَّمِ الآبَاءُ كَيْفَ يَتَخَيَّرُونَ لِنُطَفِهِمْ؛ فَرَحِمَ اللهُ سَعِيدَ بْنَ المُسَيَّبَ لِمَا فَعَلَهُ مَعَ أَبي وَدَاعَة؛ فَمَا أَنْبَلَهُ وَأَكْرَمَ طِبَاعَه، اللَّهُمَّ أَعِدَّ لَهُ مِنَ الْكَرَامَة؛ مَا لاَ يَحْلُمُ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَة 0

لَكَ اللهُ يَا أَبَا وَدَاعَة 00 يَبْدُو أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْعَابِدِين؛ فَأَبىَ اللهُ إِلاَّ أَنْ يَجْمَعَ لَهُ الجَمَالَ وَالمَالَ وَالحَسَبَ وَالدِّين، إِنَّكَ لَذُو حَظٍّ عَظِيم 00!! عَسَى رَبُّنَا أَنْ يَرْزُقَنَا خَيْرَاً مِنهَا إِنَّا إِلى رَبِّنَا رَاغِبُون 00 أَلاَ فَلْيَتَعَلَّمِ الآبَاءُ كَيْفَ يَتَخَيَّرُونَ لِنُطَفِهِمْ؛ فَرَحِمَ اللهُ سَعِيدَ بْنَ المُسَيَّبَ لِمَا فَعَلَهُ مَعَ أَبي وَدَاعَة؛ فَمَا أَنْبَلَهُ وَأَكْرَمَ طِبَاعَه، اللَّهُمَّ أَعِدَّ لَهُ مِنَ الْكَرَامَة؛ مَا لاَ يَحْلُمُ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَة 0 اللهُمَّ أَنعِمْ عَلَى عِبَادِكَ الصَّالحِينَ مِنَ الشَّبَابِ العُزَّابِ كَمَا أَنعَمْتَ عَلَى أَبي وَدَاعَة 0 [أ 0 هـ]

الدُّرُوسُ المُسْتَفَادَةُ وَالمُسْتَهْدَفَةُ مِن القِصَّة: انظُرْ أَخِي (رَحمَكَ اللهُ) كَيْفَ زَوَّجَ هَذَا الرَّجُلُ العَظِيمُ ابْنَتَهُ عَلَى دِرْهَمَيْن، لمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِ أَحَدٌ مِمَّن عَاصَرَهُ مِن أئِمَّةِ الفِقهِ وَكِبَارِ التَّابِعِين في عَصْرِه، بَلْ عَدُّواْ ذَلِكَ مِنْ مَنَاقِبِه 00!! وَيُقَالُ أَنَّ الخَبَرَ لمَّا وَصَلَ إِلى قَصْرِالخِلاَفَةِ غَضِبَ ابْنُ أَمِيرِ المُؤمِنين، وغضِبَ

أميرُ المؤمنين لِغَضَبِ ابْنِه؛ فأَمْسَكَ بسَعِيدٍ وألقاهُ في غَيَابَةِ السِّجن، سَمِعَ بِالحَادِثَةِ عُمَرُ بنُ عَبدِ العَزِيزْ ـ وَكَانَ وَقتَئِذٍ وَالِيَاً عَلَى المَدِينَة ـ فرَكِبَ إِلى عَبْدِ المَلِكِ وهَدَّدَهُ بترك ولاَيةِ المدينة إنْ لَمْ يخرج سعيداً مِنَ السِّجن، وَلَمْ يَبْرَحِ الأرْضَ حَتىَّ أَخَذّ مِنهُ مَرْسُومَاً بذلِك، وبينما عُمَرُ في طريقه إِلى السِّجْنِ كان سعيدٌ يلفظ أنفاسَهُ الأخيرة، نعَمْ مَاتَ وَلكنَّهُ مَاتَ رَجُلاً، وَلاَ عَاشَ مَن عَاشَ كَلبَاً، وَلاَ مَاتَ مَنْ مَاتَ أَسَدَاً 00!! لئِنْ كانَ لَمْ يُعْطَ الخُلودَ فإنهُ بسِيرَتِهِ الغرَّاءِ في النَاسِ خَالِدُ وَيَقولُ هَذا الغُلاَمُ الَّذِي تَزَوَّجَهَا فوَجَدْتهَا أَعْلَمَ بالفِقهِ مِنْ سَعِيد 00!!

اللَهُمَّ أَنعِمْ عَلَيَّ بِفَتَاةٍ كَهَذِهِ الحَسْنَاء، تمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاء، أَجِدُ فِيهَا الأُمَّ الحَنُونَ وَالاَبْنَ البَارَّ وَالتِّلمِيذَ المُؤَدَّب، وَقَبْلَ كُلِّ هَذَا وَذَاكَ الزَّوْجَةَ الوَفِيَّة، لَيْسَتْ وَاحِدَةً مِنْ بَنَاتِ هَذِهِ الأَيَّام، كُلُّ مَا يَهُمُّهَا المُوضَةُ وَمُشَاهَدَةُ الأَفلاَم سَارَتْ مُغَرِّبةً وَسِرْتُ مُشَرِّقاً شَتَّانَ بَينَ مُشَرِّقٍ وَمُغَرِّبِ

إِنَّ الخَطَأَ الَّذِي تَقَعُ فِيهِ أَكْثَرُ الفَتَيَاتِ عِنْدَ الزَّوَاجِ أَنهُنَّ يَبْحَثْنَ عَنِ السَّعَادَةِ في الزَّوْجِ الغَنيّ، أَوْ صَاحِبِ المَنْصِبِ أَوْ المَشْهُور، وَيَنْسَونَ أَنَّ اللهَ تَعَالى قَسَّمَ المَوَاهِبَ كَمَا قَسَّمَ الأَرْزَاق: فَالقَلبُ الطَّيِّبُ نِعْمَةٌ حُرِمَ مِنهَا كَثِيرٌ مِن أَصْحَابِ النُّقُودِ وَالنُّفُوذ، وَالمُرُوءةُ أَيْضَاً نِعْمَةٌ حُرِمَ مِنهَا كَثِيرٌ مِن أَصْحَابِ النُّقُودِ وَالنُّفُوذ 00!! لَيْتَ الفَتَاةَ المِصْرِيَّةَ كَمَا تُقَدِّرُ المَظَاهِرَ وَالمَادِّيَّاتِ تُقَدِّرُ المَبَادِئَ وَالقِيَمَ النَّبِيلَة، فَمِنْ سُوءِ الحَظِّ أَنَّ الجَمِيلَةَ لَيْسَتْ أَصِيلَة، وَأَنَّ الأَصِيلَةَ لَيْسَتْ جَمِيلَة 00!!

لَيْتَهَا تَعْرِفُ أَنَّ الحُبَّ يُسْعِدُ من غَيرِ مَال، أَمَّا المالُ فَلاَ يُمْكِنُ أَنْ يُسْعِدَ من غير حُبّ 00!! فَلَو كَانَ المَالُ يَنفَع فىكلِّ شَيْءٍ لَنَفَعَت قَارونَ أَمْوالُه، وَلَو كَانَ المَالُ هُوَ كُلُّ شَيءٍ لَقَبلنَا لِبَنَاتِنَا فرعَونَ وَهَامَان، وَرَفَضنَا مُوسَى بنَ عِمْرَان 00!! كَمْ كُنْتُ أَتمَنى فَتَاةً: عَاقِلَةً وَجَمِيلَةً وَأَصِيلَة، لِدَرَجَةٍ تجْعَلُني أَتَسَاءَلُ: مَا الَّذِي أَعْجَبَني فِيهَا 00؟! هَلْ أَصْلُهَا، أَمْ شَكلُهَا، أَمْ عَقلُهَا، أَمْ كُلُّهَا 00؟!! فَتَاةً: تَقِفُ بجَانبي وَأَنَا لاَ أَزَالُ في بِدَايَةِ الطَّرِيق، طَرِيقِ الشَّوْكِ وَالعَذَاب، لاَ فَتَاةً: تَأتِيني بَعْدَ وُصُوليَ إِلى المَجْدِ وَتَقُولُ لي إِنِّي مُعْجَبَةٌ بِكَ وَبِأُسْلُوبِكَ الجَذَّاب 00!!

فَتَاةً: أَجِدُ فِيهَا القَلبَ الكَبِير، وَالعَقلَ الكَبِير، وَأَلقَى مِنهَا كُلَّ احْترَامٍ وَتَقدِير 00!! تِلكَ الَّتي أَنتَظِرُهَا عَلَى أَحَرِّ مِنْ جَمْرِ الغَضَى، وَسَأَجْعَلُ يَوْمَ مجِيئِهَا عِيدَاً 0 فَإِنَّ امْرَأَةً وَاحِدَةً قَدْ تُسْعِدُ الرَّجُلَ طِيلَةَ حَيَاتِه، وَامْرَأَةٌ وَاحِدَةٌ قَدْ تُتعِسُهُ طِيلَةَ حَيَاتِه، وَلَقَدْ عِشْتُ حَيَاةً تَعِيسَةً قَبْلَ الزَّوَاجِ وَلَيْسَ مِنَ المَعْقُولِ أَن أَعِيشَهَا مَرَّتَين 00!! آهٍ ثُمَّ آهٍ ثُمَّ آه؛ تَعَبٌ كُلُّهَا الحَيَاة 00 لَوْ كُلُّ مَا يَتَمَنى المَرْءُ يُدْرِكُهُ مَا كُنْتَ تَلقَى امْرَءَاً في الكَوْنِ مَهْمُومَا يَبْدُو أَنَّ الغَنيَّ فَقَط هُوَ الَّذِي مِن حَقِّهِ أَنْ يَقطِفَ مَا شَاءَ مِنَ الوُرُود، أَمَّا الفَقِيرُ فَلَوْ شَمَّ وَرْدَةً لَقِيلَ لَهُ قَدْ جَاوَزْتَ الحُدُود 00!!

الحَسْنَاء، تمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاء، أَجِدُ فِيهَا الأُمَّ الحَنُونَ وَالاَبْنَ البَارَّ وَالتِّلمِيذَ المُؤَدَّب، وَقَبْلَ كُلِّ هَذَا وَذَاكَ الزَّوْجَةَ الوَفِيَّة، لَيْسَتْ وَاحِدَةً مِنْ بَنَاتِ هَذِهِ الأَيَّام، كُلُّ مَا يَهُمُّهَا المُوضَةُ وَمُشَاهَدَةُ الأَفلاَم سَارَتْ مُغَرِّبةً وَسِرْتُ مُشَرِّقاً شَتَّانَ بَينَ مُشَرِّقٍ وَمُغَرِّبِ إِنَّ الخَطَأَ الَّذِي تَقَعُ فِيهِ أَكْثَرُ الفَتَيَاتِ عِنْدَ الزَّوَاجِ أَنهُنَّ يَبْحَثْنَ عَنِ السَّعَادَةِ في الزَّوْجِ الغَنيّ، أَوْ صَاحِبِ المَنْصِبِ أَوْ المَشْهُور، وَيَنْسَونَ أَنَّ اللهَ تَعَالى قَسَّمَ المَوَاهِبَ كَمَا ﴿رَبِّ لاَ تَذَرْني فَرْدَاً وَأَنْتَ خَيْرُ الوَارِثِين﴾ لاَ تحرِمنيَ يا رَبِّي مِنِ امرَأَةٍ عَيْني تقَرُّ بِهَا في الخلقِ وَالخلقِ

أَنْسَى بِهَا مُرَّ مَا قَدْ مَرَّ مِنْ محَنٍ وَيَكْتَسِي العُودُ بَعْدَ الجدْبِ بالوَرَقِ إِنَّكَ عَلَى مَا تَشَاءُ قَدِير، وَبحَالِ الشَّبَابِ بَصِير، وَأَنتَ نِعْمَ المَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِير 00!! ثَانِيَاً: التَّبَرُّجُ وَالسُّفُور ﴿إنَّ كيْدَ الشّيطَانِ كَانَ ضَعِيفاً وَلَكِنَّ كَيدَهنَّ عَظِيم﴾ مِنَ الجَدِيرِ بِالذِّكرِ أَيُّهَا الأَحِبَّةُ أَنْ نَعْلَمَ أَنَّ غَلاَءَ المُهُور: لَيْسَ هُوَ السَّبَبَ الوَحِيدَ في تفشِّي الزِّنَا والفُجُور، فَهُنَاكَ التَّبَرُّجُ والسُّفُور، والذي كَلاَمُنَا بِإِذنِ اللهِ حَوْلَهُ سَيَدُور، في ضَوْءِ الجُزْءِ الثَّانِي مِنْ سُورَةِ النّور: ﴿وَليَسْتَعْفِفِ الذينَ لاَ يَجِدُونَ نِكَاحَاً حَتىَّ يُغْنِيَهُمُ الله مِنْ فَضْلِه﴾

لقدْ حَارَ فِكري في أوّل الأمْرِ: بأيّ الفِئَتَيْنِ أبدأ ـ بالرّجال أم النّساء ـ فكما أنّ الزّنا مُشتركٌ بين الرّجل والمرأةِ فالعفافُ أيضاً مُشتَرَكٌ بين الرّجُلِ والمرأة، ثُمّ قرَّرْتُ أَخِيرَاً ـ بَعدَمَا فَكرت كَثيرَاً ـ أَن أَبدَأَ بِالنّسَاء؛ أَلاَ ترَى يَا أَخي أنَّ اللهَ (سُبْحَانَهُ وَتَعَالى) عندما أتى على أَحَطِّ وَأَخبَثِ مَخْلُوقَاتِهِ الشّيطانِ الرَّجِيمِ قَالَ: ﴿إنَّ كيْدَ الشّيطَان كَانَ ضَعيفَاً﴾ 00!! [النِّسَاء: 76] وَلمَّا أَتَى عِندَ النِّسَاءِ قَالَ ﴿إنّ كَيْدَكُنَّ عَظِيم﴾ 00!! [يُوسُف: 14]

ألاَ ترى يا أخي أنّ الله (سُبْحَانَهُ وَتَعَالى) عِنْدَمَا تَكَلَّمَ عَنِ الفِتَنِ ذَكَرَ أَوَّلَ مَا ذَكَرَ فِتنَةَ النِّسَاء، رَغْمَ أَنَّ المَالَ والبَنِينَ زِينَةُ الحَيَاةِ الدُّنيَا، إِلاَّ أَنَّهُ قَدَّمَهُنَّ عَلَيْهِمَا فَقَالَ (سُبْحَانَهُ وَتَعَالى): ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالبَنِينَ وَالقَنَاطِيرِ المُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالفِضَّة﴾ [آلُ عِمْرَان: 14] ألاَ ترى يا أخي أنّ الله (سُبْحَانَهُ وَتَعَالى) عِنْدَمَا تَكَلَّمَ عَنِ الزّنا قدّم الزّانية على الزّانِي فَقَالَ ﴿وَالزّانيَةُ وَالزَّاني﴾ لَمَّا كانَتِ المَرْأَةُ عَادَةً هِيَ الَّتي تَتَّخِذُ الزِّنَا حِرْفَةً لهَا، وَقَالَ ﴿السَّارِقُ والسَّارِقَة﴾ لمَّا كَانَ الرّجَالُ أَقْوَى وَأَقْدَر عَلَى السّرقةِ مِنَ النِّسَاء 00!!

لِذا سَوْفَ نَبْدَأُ بِالعَفَافِ عِنْدَ النّساء: المُتَمَثِّلِ في الحِجَاب، الَّذِي قَالواْ عَلَيْهِ خِيَامٌ علّقت فوق الرّقاب 00!! ﴿اسْتَمِعْ عِنْدَمَا تَكُونُ المُتَحَدِّثَةُ عَنِ الحِجَابِ امْرَأَة﴾ إِنَّ التَّضيِيقَ عَلَى الحِجَاب وَمحارَبَةَ الزِّيِّ الإسلاَميِّ ليْسَا جَدِيدَيْن، فَقَد بَدَءَا مُنْذُ الثّلاَثِينيّاتِ عَلَى يَدِ بَعْضِ الأَوْغَاد، وَإنْ كَانتِ الآنَ قَدْ وَضَعَتِ الحربُ أَوزَارَهَا أَوْ تَكَاد 0

كَانتْ تعِيشُ في هَذِهِ الأثناءِ فَتَاةٌ مفكِّرَةٌ أديبة؛ أَرَادَتْ أَنْ تُدْليَ بِدَلوِهَا في هَذا الأمْرِ فقالت ـ تؤيِّدُ تَعليمَ المرأَة وَتَعَارض مَنْ يَربط بَينَ ذَلكَ وَبَينَ خَلع الحجَاب ـ أَيَّامَ كَانَتِ القَضِيَّةُ عَلَى أَشُدِّهَا وَمَثَارَ جَدَلِ الكَثيرينَ مِنَ المُفَكِّرينَ في كُلِّ مَكَانْ، وَحَتىَّ نَضَعَ أيْدِيَنَا في عُجَالَةٍ عَلَى حَقِيقَةِ الأمْرِ فَفِكرةُ تَعْليمِ المَرْأَةِ في حَدِّ ذاتها لاَ شيةَ فيها، إنما المُشكلة تكمُنُ فيمَا يَتَرَتَّبُ عَلى ذلِكَ مِنْ مَفَاسِدَ كَاحتكاكها بالرّجال وَافتتانِهِمْ بها 0000000 إِلخ 0

انْظُرْ ـ سُبْحَانَ الله ـ هُمْ يُرِيدُونَ مِنْ تِلكَ الفَتَاةِ أَنْ تَكشِفَ جَسَدَهَا وهِيَ لاَ تُرِيدُ أنْ تَكشِفَه، أمَّا اليَوْمَ ـ وَقَدِ انْقلبتِ الموازينُ ـ هُم يُرِيدُونَهَا أَنْ تغَطِّيَ جَسَدَهَا وهِيَ لاَ تُرِيدُ أَنْ تغطِّيَهُ 00!! وَهَكَذَا الفتاة عِنْدَمَا يكونُ لَدَيْهَا دِينٌ يخَافُ الكُلُّ عليها، أمّا عِنْدَمَا لاَيكونُ لَدَيْهَا دينٌ يَخَافُ الكُلُّ مِنهَا، وَخَفْ مِمَّنْ لاَ يخَافُ اللهَ؛ حَتىَّ أَنَّ أَحَدَ الشُّعَرَاءِ وَصَلَ بِهِ الأَمْرُ حَدَّ أَنْ قَالَ عَنِ الفَتَاةِ عِنْدَمَا يَكُونُ لَدَيْهَا دِين: رَبِّ الفَتَاةَ وَأَلْقِهَا بَيْنَ الذّئَاب وَلاَ تُبَالِ اسْمَعْ يَا مُؤمِنْ لِتَرَى وتذوقَ طعْمَ الكلاَمِ عن الحجاب، لاَ سِيَّمَا عِنْدَمَا تَكُونُ المُتَحَدِّثَةُ عَنهُ امْرَأَةً في رَيْعَانِ الشَّبَابْ، وَمَتي00؟!

أَيَّامَ سَعد زَغلُول، فَاستَمعُوا لما تَقُول 00 يَا أَهلَ العُقُولْ: أعْمَلْتُ أَقْلاَمِي وَحِينَاً مَنْطِقِي في النُّصْحِ والمَأْمُولُ لَمْ يَتَحَقَّقِ أَيَسُوؤُكُمْ أَنْ تسْمَعُواْ لِبَنَاتِكُمْ صَوْتاً يَهُزُّ صَدَاهُ عِطْفَ المَشْرِقِ أَيَسُرُّكُمْ أَنْ تَسْتمِرَّ بَنَاتُكُمْ رَهْنَ الإِسَارِ وَرَهْنَ جَهْلٍ مُطْبِقِ هَلْ تَطْلبُونَ مِنَ الفَتَاةِ سُفُورَهَا حَسَنَاً وَلَكِن أَيْنَ بَيْنَكُمُ التَّقِي لاَ تَتَّقِي الفَتَيَاتُ كَشْفَ وُجُوهِهَا لَكِنْ فَسَادَ الطبْعِ مِنْكُمْ تَتَّقِي فدَعُواْ النِّسَاءَ وَشَأْنَهُنَّ فَإِنَّمَا يَدْرِي الخَلاَصَ مِنَ الشَّقاوَةِ مَنْ شَقِي ليْسَ السُّفورُ مَعَ العَفَافِ بضَائِرٍ وَبدُونِهِ فَرْطُ التَّحَجُّبِ لاَ يَقِي

فالعفافُ هُوَ الأصل والحِجَابُ هو الصُّورة؛ لِذا فَمِنَ المُؤسِف أَنْ نَخْلَعَ الحِجَابَ لِمُجَرَّدِ أنْ رَأَيْنَا محَجَّبَةً والعياذ بالله (000000) ونقولُ إِنَّ أُوْلَئِكَ المُحَجَّبَاتِ كلُّهُنَّ كَذَا وكَذَا، تمَامَاً كالذينَ يَترُكُونَ الصَّلاَةَ لمُجَرَّدِ أَنْ رَأَواْ إنْسَاناً مُصَلِّيَاً سَرَقَ وَيَقُولُونَ إِنَّ المُصَلِّينَ كُلُّهُمْ لُصُوص 00!! فيا إخواني (حَفِظَكُمُ اللهُ) الحقُّ لاَ يُعْرَفُ بالرِّجَالِ وَإنما الرّجالُ هُمُ الذين يُعْرَفُون بالحَقّ 0 [أ 0 هـ] يقُولُ رسُولُ الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم:

" صنفان من أهل النّار لم أَرَهُمَا: قومٌ معهم سياطٌ كأذناب البقرِ يضربون بها النّاس ـ زمن البَشَوَاتِ أيَّامَ العبيد والسُّخْرَة ـ ونسَاءٌ كاسياتٌ عاريات ـ يعني أَنَّ الواحدةَ مِنهُنَّ بِرَغمِ أَنَّهَا لاَبِسَةٌ تَبْدُو بِغَيْرِ ثِيَاب؛ لِشَفَافِيَةِ ثَوْبِهَا أو لِشِدَّةِ ضِيقِه أَو لِفَرْطِ قِصَرِه ـ مَائِلاَتٌ مُمِيلاَتْ، رُءوسُهُنَّ كأسنمة البخت لاَ يَدْخُلنَ الجَنَّةَ وَلاَ يَجِدْنَ رِيحَهَا، وَإِنَّ رِيحَهَا لتُوجَدُ مِنْ مَسِيرَةِ كَذَا وَكَذَا " 00!! [أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ في صَحِيحِهِ بِرَقْم: 2128 ـ وَالكَنْز: 45013] وَفي رِوَايَةٍ لِلطَّبرَانيِّ: " وَنِسَاءٌ كَاسِيَاتٌ عَارِيَات، مَائِلاَتٌ مُمِيلاَت، العَنُوهُنَّ فَإِنَّهُنَّ مَلعُونَاتْ " 00!!

وَعَن أُمِّ المُؤمِنِينَ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ أَنَّهَا قَالَت: " دَخَلَتْ أَسْمَاءُ بِنْتُ أَبي بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ عَلَى رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعَلَيْهَا ثِيَابٌ رِقَاق؛ فَأَعْرَضَ عَنهَا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَالَ يَا أَسْمَاء: إِنَّ المَرْأَةَ إِذَا بَلَغَتِ المَحِيضَ لَمْ يَصْلُحْ أَنْ يُرَى مِنهَا إِلاَّ هَذَا وَهَذَا، وَأَشَارَ إِلى وَجْهِهِ وَكَفَّيْه " 00!! [صَحَّحَهُ شَيْخُنَا الأَلبَانِيُّ في سُنَنِ أَبي دَاوُود: 4104 / الشُّعَب: 7796]

وَعَن عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ عَنِ النَّبيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَال: " إِنَّ خَيْرَ شَبَابِكُمْ مَنْ تَشَبَّهَ بِشُيُوخِكُمْ، وَشَرُّ شُيُوخِكُمْ مَنْ تَشَبَّهَ بِشَبَابِكُمْ، وَشَرُّ نِسَائِكُمْ مَنْ تَشَبَّهَ بِرِجَالِكُمْ، وَشَرُّ رِجَالِكُمْ مَنْ تَشَبَّهَ بِنِسَائِكُمْ " 00!! [الشُّعَب: 7806] وَعَنهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَال: " لَعَنَ اللهُ المُتَشَبِّهِينَ مِنَ الرِّجَالِ بِالنِّسَاء، وَالمُتَشَبِّهَاتِ مِنَ النِّسَاءِ بِالرِّجَالِ "00!! ... [رَوَاهُ الإِمَامُ البُخَارِيُّ تحْتَ رَقم: 5885] ﴿مَتي كَانَتِ المرأة مستعبدةً يَا دُعَاُة الحُرِّيَّة﴾

أَينَ أَدعِيَاءُ الفِكر وَدُعَاُة تحريرِ المَرأةِ لِتَرَى أَعْينُهُمْ مَا تُعَانِيهِ المرأة الأجنبيّة من الاَغتصابْ؛ بسبب غِيَابِ الحِجَابْ، أين آذانُهُمْ لتسْمَعَ صَرَخَاتِهَا من الذّئاب البشريَّة، إِنَّ المَرأةَ الأجنبيَّةَ الآنَ لاَ تَسْتَطِيعُ أَنْ تخْرجَ منْ بيتها بعدَ التَّاسِعَة مساءً؛ الخَوْفُ من الاَغتصَابِ أَقعَدَهُنَّ في بُيُوتِهِنَّ وَاضطرَّهُنَّ للعمل بقولِهِ (سُبْحَانَهُ وَتَعَالى): ﴿وَقَرْنَ في بُيُوتِكُنَّ﴾ [الأَحْزَاب: 33] برغم أنّهُم كُفَّارْ، لاَ يؤمنون بجنّةٍ ولاَ يؤمنون بنار؛ ذلِك لأنّهُ لاَ يَصِحُّ إِلاَّ الصَّحِيح، أَيْنَ أنتمْ يَا دُعَاةَ الحُريَّة، وَمَتي كَانتِ المَرْأَةُ مستعبدةً حَتىَّ تُحَرِّرُوهَا يَا مَلاَئكةَ الرَّحْمَة 00؟!! هَلِ اللهُ قَد ظَلَمَهَا وَأَنتم سَوْفَ تُخَلّصُونها من هَذَا الظُّلم00؟!

لَستُم بأَخوَفَ منَ الله عَلَى عبَاده يَا مَرضَى العقول، لَمْ يَزَالواْ بالمَرْأَةِ حَتى خلّعوها ثِيَابَهَا وَوَدُّواْ لو يخَلِّعُونَهَا دِينَهَا إِنِ استطاعوا؛ ذلك لأنّهمْ يَعلَمُونَ أَنَّ كَأسَاً وَامرَأَةً أَشَدُّ فَتكَاً في الأُمَّةِ المحَمَّدِيَّةِ مِن أَلْفِ مِدْفَع، ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ وَالله يَقُولُ الحَقَّ 00!! اللهُمَّ لاَ تُرِنَا في أُمَّةِ الإِسْلاَم أَسوَأَ مِمَّا رَأَينَا تارةً بمِجَلاَتِ العُرْيِ وَتَارَةً بأفلاَمِ الجِنْسِ عَبْر بُؤْرَةِ الفَسَادِ ومُسْتَنْقعِ الرَّذيلَةِ التّليفزيون، الَّذِي كَانَ بمَقدُورِهِم أَنْ يمْلَئُوهُ لبناً لَكنّهم مَلَئوهُ خَمْرَاً 00!!

كَيْفَ بالله عَلَيْك ـ يَا مُسْلِمُ يَا مَنْ تُوَحِّدُ الله ـ تَأْمَنُ عَلَى ابْنَتِكَ سَيْلَ الْقُبُلاَتِ السَّاخِنَة، والزِّنَا الصَّرِيحَ الَّذِي تَرَاهُ عَلى شَاشَاتِهِ في الْفِيلِمِ أَوِ المُسَلْسَل 00 وِبِقُبْلَةٍ تُغْوِي المُرَاهِقَ يَنْتَهِي الْفِيلْمُ السَّعِيد وَالْبِنْتُ كَمَا تَعْرِفُونَ بِسَبْعِ شَهَوَاتْ، ثُمَّ نَقُولُ كَيْفَ تَسَلَّلَ الْفَسَادُ إِلى بُيُوتِنَا 00؟! إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَاد 00 اللهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْنَا وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ نمِيلَ مَيْلاً عَظِيمَا؛ قَاتَلَهُمُ الله 00 صَعَالِيكٌ أَرَادُواْ كَسْبَ مَالٍ مِنَ الجهَّالِ فَاتخَذوهُ سُوقَا

فصول الكتاب · 6 فصل · 8447 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول موسوعة الرقائق والأدب - ياسر الحمداني · 8447 صفحة
ـ[موسوعة الرقائق والأدب]ـ
كِتَابُ الرِّضَا بِالقَلِيل:
كِتَابُ فَقْدِ الأَحِبَّة:
كِتَابُ هُمُومِ المُسْلِمِين:
كِتَابُ هُمُومِ العُلَمَاء
كِتَابُ قَصَائِدِ الأَطْفَال
جارٍ التحميل