كِتَابُ الرِّضَا بِالقَلِيل:
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ياسر الحمداني
- الكتاب
- موسوعة الرقائق والأدب
- المؤلف
- ياسر بن أحمد بن محمود بن أحمد بن أبي الحمد الكويس الحمداني
- عدد الأجزاء
- 1 [الكتاب مرقم آليا]
وَكَانَ الفُضَيْلُ بْنُ عِيَاضٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ يَقُولُ لِنَفْسِه: أَيَّ شَيْء تخَافِين 00 أَتخَافِين أَنْ تجُوعِي؟! لاَ تخَافي؛ أَنْتِ أَهْوَنُ عَلَى اللهِ مِنْ ذَلِك، إِنَّمَا يجُوعُ محَمَّدٌ وَأَصْحَابُه 00!! [الإِمَامُ الغَزَاليُّ في الإِحْيَاءِ الطَبْعَة الأُولى لِدَارِ الوَثَائِقِ المِصْرِيَّة بَابُ فَضِيلَةِ الجُوع: 963]
وَقَالَ بِشْرُ بْنُ الحَارِثِ رَضِيَ اللهُ عَنهُ: " مَا سَأَلتُ أَحَدَاً قَطُّ شَيْئَاً إِلاَّ سَرِيَّاً السَّقْطِيّ؛ لأَنَّهُ قَدْ صَحَّ عِنْدِي زُهْدُهُ في الدُّنيَا: فَهُوَ يَفْرَحُ بخُرُوجِ الشَّيْءِ مِنْ يَدِهِ وَيَتَبرَّمُ بِبَقَائِهِ عِنْدَه؛ فَأَكُونَ عَوْنَاً لَهُ عَلَى مَا يحِبّ " 0 [الإِمَامُ الغَزَاليُّ في " الإِحْيَاءِ " بَابُ آدَابِ الفَقِيرِ في قَبُولِ العَطَاء 0 دَارُ الوَثَائِقِ المِصْرِيَّة: 1565]
بَعَثَ عَمَرُ رَضِيَ اللهُ عَنهُ إِلى أُمِّ المُؤْمِنِينَ زَيْنَبَ بِعَطَائِهَا فَقَالتْ: مَا هَذَا؟ قَالواْ: بَعَثَ إِلَيْكِ بِهِ عُمَرُ بْنُ الخَطَّاب؛ قَالتْ: غَفَرَ اللهُ لهُ، ثُمَّ اسْتَلَمَتْ سِتْرَاً كَانَ لَهَا، فَقَطَّعَتْهُ وَجَعَلَتْهُ صُرَرَاً، وَقَسَّمَتهُ في أَهْلِ بَيْتِهَا وَرَحِمِهَا وَأَيْتَامِهَا، ثُمَّ رَفَعَتْ يَدَيْهَا وَقَالتْ: " اللهُمَّ لاَ يُدْرِكْني عَطَاءُ عُمَرَ بَعْدَ عَامِي هَذَا؛ فَكَانَتْ أَوَّلَ نِسَاءِ النَّبيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لحَاقَاً بِه " 0 [الإِمَامُ الغَزَاليُّ في الإِحْيَاءِ بَابِ ذَمِّ المَال: (1133)، الحِليَةُ لأَبي نُعَيم 0 طَبْعَةُ دَارِ الكِتَابِ العَرَبي ص: 54/ 2]
كَيْفَ كَانُواْ يَفْرَحُونَ بِالبَلاَء عَن أَبي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنهُ قَال: " دَخَلْتُ عَلَى النَّبيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ يُوعَك؛ فَوَضَعْتُ يَدِي عَلَيْه، فَوَجَدْتُ حَرَّهُ بَينَ يَدِي فَوْقَ اللِّحَاف، فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللهِ مَا أَشَدَّهَا عَلَيْك!!
قَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم: " إِنَّا ـ أَيْ مَعْشَرَ الأَنْبِيَاءِ ـ كَذَلِك، يُضَعَّفُ لَنَا البَلاَء، وَيُضَعَّفُ لَنَا الأَجْر " قُلْتُ: يَا رَسُولَ الله، أَيُّ النَّاسِ أَشَدُّ بَلاَءً 00؟ قَالَ الأَنْبِيَاء، قُلْتُ يَا رَسُولَ اللهِ ثُمَّ مَنْ 00؟ قَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم: " ثمَّ الصَّالحُون؛ إِنْ كَانَ أَحَدُهُمْ لَيُبْتَلَى بِالفَقْر؛ حَتىَّ مَا يجِدُ أَحَدُهُمْ إِلاَّ العَبَاءةَ يحْوِيهَا ـ أَيْ يَمْلِكُهَا ـ وَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمْ لَيَفْرَحُ بِالبَلاَءِ كَمَا يَفْرَحُ أَحَدُكُمْ بِالرَّخَاء " 0 [صَحَّحَهُ الْعَلاَّمَةُ الأَلبَانيُّ في " سُنَنِ الإِمَامِ ابْنِ مَاجَةَ " بِرَقْم: (4024)، وَفي " الصَّحِيحَةِ " بِرَقْم: 144]
قَالَ الْفُضَيْلُ بْنُ عِيَاضٍ رَحْمَةُ اللهِ عَلَيْه: " لاَ يَبلُغُ الْعَبْدُ حَقِيقَةَ الإِيمَان: حَتىَّ يَعُدَّ الْبَلاَءَ نِعمَةً، وَالرَّخَاءَ مُصِيبَةً، وَحَتىَّ لاَ يُحِبَّ أَنْ يُحْمَدَ عَلَى عِبَادَةِ الله " 0 [الإِمَامُ الذَّهَبيُّ في سِيَرِ أَعْلاَمِ النُّبَلاَء 0 طَبْعَةِ مُؤَسَّسَةِ الرِّسَالَة 0 ص: 435/ 8]
أَبُو الدَّرْدَاء، وَحَيَاةُ الفُقَرَاء عَن أَبي الدَّرْدَاءِ رَضِيَ اللهُ عَنهُ عَنِ النَّبيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَال: " إِنَّ وَرَاءكُمْ عَقَبَةً كَؤُودَاً، لاَ يَجُوزُهَا المُثْقَلُون " 0 وَفي رِوَايَةٍ: " لاَ يَنْجُو مِنهَا إِلاَّ كُلُّ مُخِفّ " 0 [صَحَّحَهُ الإِمَامُ الذَّهَبيُّ في التَّلْخِيص، وَالْعَلاَّمَةُ الأَلبَانيُّ في التَّرْغِيبِ وَفي الصَّحِيحِ وَالصَّحِيحَةِ بِرَقْمَيْ: 2001، 2480]
يَعْني أَنَّ الدُّنيَا كَالعَقَبَةِ المُرْتَفِعَة: مَن خَفَّفَ حِمْلَهُ اجْتَازَهَا، وَمَن أَثْقَلَ حِمْلَهُ عَجَزَ عَنْ صُعُودِهَا، أَوْ كَالبَحْر: مَن خَفَّفَ حِمْلَهُ اجْتَازَهُ وَمَن أَثْقَلَ حِمْلَهُ غَرِق 00 عَن عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ قَال: " إِنَّكُمْ في زَمَانٍ، يُغْبَطُ الرَّجُلُ فِيهِ عَلَى كَثْرَةِ مَالِهِ وَكَثْرَةِ عِيَالِه، وَسَيَأْتي عَلَيْكُمْ زَمَانٌ؛ يُغْبَطُ الرَّجُلُ فِيهِ عَلَى قِلَّةِ عِيَالِه " 0 [قَالَ الإِمَامُ الهَيْثَمِيُّ في " المجْمَع " رِجَالُهُ رِجَالُ الصَّحِيح 0 ص: (285/ 7)، وَالحَدِيثُ رَوَاهُ الطَّبرَانيُّ في الكَبِيرِ]
صَفْحَةٌ مِنَ المَجَاعَاتِ الَّتي مَرَّ بِهَا المُسْلِمُونَ في الدَّوْلَةِ الْفَاطِمِيَّةِ وَالأَيُّوبِيَّة ضَرَبَ أَرْضَ مِصْرَ قَحْطٌ وَمجَاعَةٌ في عَهْدِ الخَلِيفَةِ الْعُبَيْدِيِّ المُسْتَنْصِرِ بِالله؛ حَتىَّ أَكَلَ النَّاسُ الجِيَفَ بَلْ وَلُحُومَ الآدَمِيِّيِنَ وَالْقِطَطَ وَالْكِلاَب، وَكَانَ مِن أَغْرَبِ عَمَّا أَفْضَى إِلَيْهِ أَمْرُ النَّاسِ في تِلْكَ الْفَتْرَةِ مَا قَرَأْنَاهُ في سِيَرِ أَعْلاَمِ النُّبَلاَءِ لِلإِمَامِ الذَّهَبيِّ حَيْثُ قَال: " خَرَجَتِ امْرَأَة وَبِيَدِهَا مُدُّ لُؤْلُؤ لِتَشْتَرِيَ بِهِ مُدَّ قَمْح؛ فَلَمْ يَلْتَفِتْ إِلَيْهَا أَحَد؛ فَرَمَتْهُ وَقَالَتْ: مَا نَفَعْتَني وَقْتَ الحَاجَة؛ فَمَا كَانَ لَهُ مِنْ يَلْتَقِطُه " 0 [الإِمَامُ الذَّهَبيُّ في سِيَرِ أَعْلاَمِ النُّبَلاَء 0 طَبْعَةِ مُؤَسَّسَةِ الرِّسَالَة 0 ص: 191/ 15، 316/ 18]
وَقَالَ ابْنُ الأَثِيرِ في نَفْسِ الْفَتْرَةِ أَيْضَاً: اشْتَدَّ الْغلاَءُ حَتىَّ حُكِيَ أَنَّ امْرَأَةً أَكَلَتْ رَغِيفَاً بِأَلْفِ دِينَار، بَاعَتْ مَا قِيمَتُهُ أَلفُ دِينَارٍ بِثَلاَثمِاْئَةِ دِينَار؛ فَاشْتَرَتْ بِهَا جُوَالِقَ قَمْح؛ فَانْتَهَبَهُ النَّاس؛ فَنَهَبَتْ هِيَ مِنهُ فَحَصَلَ لَهَا مَا خَبَزَ رَغِيفَاً " 0 [الإِمَامُ الذَّهَبيُّ في سِيَرِ أَعْلاَمِ النُّبَلاَء 0 طَبْعَةِ مُؤَسَّسَةِ الرِّسَالَة 0 ص: 192/ 15] وَفي عَهْدِ الصَّالِحِ إِسْمَاعِيلَ ضَرَبَ المَدِينَةَ قَحْطٌ شَدِيدٌ حَتىَّ أَكَلُواْ الجِيَف؛ حَتىَّ قِيلَ إِنَّ رَجُلاً مَاتَ في الحَبْسِ فَأَكَلُوه " 0 [الإِمَامُ الذَّهَبيُّ في سِيَرِ أَعْلاَمِ النُّبَلاَء 0 طَبْعَةِ مُؤَسَّسَةِ الرِّسَالَة 0 ص: 190/ 23]
النِّعْمَةُ قَدْ تَكُونُ بَلاَءً، وَالبَلاَءُ قَدْ يَكُونُ نِعْمَة إِنَّ الغِنى لَيْسَ مُكَافَأَةً مِنَ اللهِ يُعْطِيهَا مَن أَحَبّ، وَإِلاَّ كَانَ أَوْلى النَّاسِ بهَذَا الحُبِّ المُصْطَفَى صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم، كَمَا أَنَّ الفَقرَ لَيْسَ غَضَبَاً يُسَلِّطُهُ اللهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِن عِبَادِهِ كَلاَّ 00 فَالغِنى قَدْ يَكُونُ نِقْمَةً، وَالفَقْرُ قَدْ يَكُونُ نِعْمَة 00!! يَعْتَرِضُونَ عَلَى الفَقْرِ ﴿وَلَوْ عَلِمَ اللهُ فِيهِمْ خَيرَاً لأَسْمَعَهُمْ﴾ ﴿الأَنفَال: 23﴾
عَن عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ رَضِيَ اللهُ عَنهُ عَنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ رَبُّ العِزَّةِ جَلَّ جَلاَلُهُ أَنَّهُ قَال: " إِنَّ مِن عِبَادِي المُؤْمِنِينَ مَنْ لاَ يُصْلِحُهُ إِلاَّ الفَقْر، وَلَوْ أَغْنَيْتُهُ لأَفْسَدَهُ ذَلِك، وَإِنَّ مِن عِبَادِي المُؤْمِنِينَ مَنْ لاَ يُصْلِحُهُ إِلاَّ الغِنى، وَلَوْ أَفْقَرْتُهُ لأَفْسَدَهُ ذَلِك " 0 [ضَعَّفَهُ الأَلبَانيُّ في الضَّعِيفِ بِرَقْم: 75، وَابْنُ الجَوْزِيِّ في العِلَلَ المُتَنَاهِيَة: 45/ 1] ﴿وَرُبمَا صَحَّتِ الأَجْسَامُ بِالعِلَلِ﴾
فَبِرَغْمِ أَنَّ الفَقْرَ مُذْ كَان، عَدُوُّ الإِنْسَان، إِلاَّ أَنَّهُ هُنَا: قَامَ مَقَامَ الصَّدِيقِ في المَنْفَعَة 00!! وَلَرُبَّمَا انْتَفَعَ الفَتى بِعَدُوِّهِ * كَالسُّمِّ أَحْيَانَاً يَكُونُ دَوَاءَا ﴿الطِّغْرَائِيّ﴾ وَرُبَّ امْرِئٍ إِذَا قُلْتَ لَهُ: " قَلِيلٌ يَكْفِيكَ خَيرٌ مِنْ كَثِيرٍ يُطْغِيكَ " قَال: " لَن أَتْرُكَ الطُّغْيَانَ يَسْتَبِدُّ بي، وَلكِنْ سَأُنْفِقُ مِنهُ عَلَى الفُقَرَاءِ وَالمَسَاكِين 00؟! مَا أَدْرَاكَ يَا مِسْكِين 00 ﴿إِنَّ اللهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لاَ تَعْلَمُون﴾ ﴿النَّحْل: 74﴾
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيم: ﴿وَمِنْهُم مَّن عَاهَدَ اللهَ لَئِنْ آتَانَا مِن فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ {75﴾ فَلَمَّا آتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُواْ بِهِ وَتَوَلَّواْ وَهُمْ مُعْرِضُون ﴿76﴾ فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقَاً في قُلُوبِهِمْ إِلى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُواْ اللهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُواْ يَكْذِبُونَ ﴿77﴾ أَلَمْ يَعْلَمُواْ أَنَّ اللهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنجْوَاهُمْ وَأَنَّ اللهَ عَلاَّمُ الغُيُوبِ} ﴿التَّوْبَة﴾ ﴿فَلاَ يَأْمَنُ مَكْرَ اللهِ إِلاَّ القَوْمُ الخَاسِرُون﴾ ﴿الأَعْرَاف: 99﴾ أَمَّا إِنِ احْتَجَّ محْتَجٌّ بِقَوْلِهِ جَلَّ جَلاَلُهُ في نَفْسِ الحَدِيثِ السَّابِق: " وَإِنَّ مِن عِبَادِي المُؤْمِنِينَ مَنْ لاَ يُصْلِحُهُ إِلاَّ الغِنى، وَلَوْ أَفْقَرْتُهُ لأَفْسَدَهُ ذَلِك " 0
فَمَا أَدْرَاكَ أَنَّ اللهَ أَرَادَ بِالغِنى إِصْلاَحَك؟ فَرُبمَا أَغْنَاكَ لِتُفْسِدَ في الأَرْضِ وَاللهُ لاَ يحِبُّ الفَسَاد؛ أَلَمْ تَسْمَعْ قَوْلَهُ جَلَّ جَلاَلُه: ﴿إِنمَا نمْلِي لهُمْ لِيَزْدَادُواْ إِثمَاً﴾ ﴿آل عِمْرَان: 178﴾ عَنْ فَضَالَةَ بْنِ عُبَيْدٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ عَنِ النَّبيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَال: " اللهُمَّ مَن آمَنَ بِكَ وَشَهِدَ أَنيِّ رَسُولُك؛ فَحبِّبْ إِلَيْهِ لِقَاءَك، وَسَهِّلْ عَلَيْهِ قَضَاءَك، وَأَقلِلْ لهُ مِنَ الدُّنيَا، وَمَنْ لَمْ يُؤْمِنْ بِكَ وَيَشْهَدْ أَنيِّ رَسُولُك؛ فَلاَ تحَبِّبْ إِلَيْهِ لِقَاءَك، وَلاَ تُسَهِّلْ عَلَيْهِ قَضَاءَك، وَكَثِّرْ لَهُ مِنَ الدُّنيَا " 0 [وَثَّقَهُ الإِمَامُ الهَيْثَمِيُّ في " المجْمَع " ص: (286/ 10)، وَالحَدِيثُ رَوَاهُ الإِمَامُ الطَّبرَانيُّ]
وَعَن أَنَسٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ أَيْضَاً عَنِ النَّبيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَال: " إِنَّ الكَافِرَ إِذَا عَمِلَ حَسَنَةً؛ أُطْعِمَ بِهَا طُعْمَةً مِنَ الدُّنْيَا، وَأَمَّا المُؤْمِن: فَإِنَّ اللهَ يَدَّخِرُ لَهُ حَسَنَاتِهِ في الآخِرَة، وَيُعْقِبُهُ رِزْقَاً في الدُّنْيَا عَلَى طَاعَتِه " 0 [رَوَاهُ الإِمَامُ مُسْلِمٌ في صَحِيحِهِ بِرَقْم: 2808 / عَبْد البَاقِي]
قَالَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالى في سُورَةِ الوَاقِعَةِ عَن أَصْحَابِ الشِّمَال: ﴿وَأَصْحَابُ الشِّمَالِ مَا أَصْحَابُ الشِّمَال {41﴾ في سَمُومٍ وَحَمِيم ﴿42﴾ وَظِلٍّ مِنْ يحْمُوم ﴿43﴾ لاَ بَارِدٍ وَلاَ كَرِيم ﴿44﴾ إِنَّهُمْ كَانُواْ قَبْلَ ذَلِكَ مُترَفِين} ﴿الوَاقِعَة﴾ وَعِنْدَمَا تَكَلَّمَ اللهُ عَنِ الإِفْسَادِ في الأَرْضِ ذَكَرَ أَوَّلَ مَا ذَكَرَ المُتْرَفِين فَقَالَ جَلَّ جَلاَلُه: ﴿وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُواْ فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا القَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرَا﴾ ﴿الإِسْرَاء: 16﴾
الغِنى قَدْ يَكُونُ اسْتِدْرَاجَاً مِنَ الله عَن عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ عَنِ النَّبيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَال: " إِذَا رَأَيْتَ اللهَ يُعْطِي العَبْدَ مِنْ الدُّنْيَا عَلَى مَعَاصِيهِ مَا يحِبّ؛ فَإِنَّمَا هُوَ اسْتِدْرَاج " 00 ثُمَّ تَلاَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم: ﴿فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتىَّ إِذَا فَرِحُواْ بمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً﴾ ﴿الأَنعَام: 44﴾ [صَحَّحَهُ الْعَلاَّمَةُ الأَلبَانيُّ في الصَّحِيحِ وَالصَّحِيحَة بِرَقْمَيْ: 561، 413، وَحَسَّنَهُ الأُسْتَاذ شُعَيْب الأَرْنَؤُوط في المُسْنَدِ بِرَقْم: 17311]
عَن أَبي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ عَنِ النَّبيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَال: " إِنَّهُ لَيَأْتي الرَّجُلُ العَظِيمُ السَّمِينُ يَوْمَ القِيَامَةِ لاَ يَزِنُ عِنْدَ اللهِ جَنَاحَ بَعُوضَة؛ اقْرَأُواْ: ﴿فَلاَ نُقِيمُ لهُمْ يَوْمَ القِيَامَةِ وَزْنَا﴾ ﴿الكَهْف/105﴾ [الإِمَامُ البُخَارِيُّ في " فَتْحِ البَارِي " بِرَقْم: (4729)، وَالإِمَامُ مُسْلِمٌ في نُسْخَةِ " فُؤَاد عَبْد البَاقِي " بِرَقْم: 2785] إِذَا أَحَبَّ اللهُ عَبْدَاً ابْتَلاَه قَدْ يُنعِمُ اللهُ بِالبَلْوَى وَإِن عَظُمَتْ * وَيَبْتَلِي اللهُ بَعْضَ النَّاسِ بِالنِّعَمِ ﴿أَبُو تَمَّام﴾
وَسُبْحَانَ القَائِل: ﴿فَأَمَّا الإِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلاَهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبيِّ أَكْرَمَن {15﴾ وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلاَهُ رَبُّهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ ﴿16﴾ كَلاَّ} ﴿الفَجْر﴾ قَالَ ابْنُ كَثِيرٍ في هَذِهِ الآيَة: " يَقُولُ جَلَّ جَلاَلُهُ مُنْكِرَاً عَلَى الإِنْسَانِ في اعْتِقَادِهِ إِذَا وَسَّعَ اللهُ جَلَّ جَلاَلُهُ عَلَيْهِ في الرِّزْقِ لِيَخْتَبرَهُ في ذَلِك؛ فَيَعْتَقِدُ أَنَّ ذَلِكَ مِنَ اللهِ إِكْرَامٌ لَه، وَلَيْسَ كَذَلِك 00
وَإِذَا ابْتَلاَهُ اللهُ وَامْتَحَنَهُ، وَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ: أَيْ ضَيَّقَهُ؛ يَعْتَقِدُ العَبْدُ أَنَّ ذَلِكَ مِنَ اللهِ إِهَانَةٌ لَهُ، ثُمَّ قَالَ جَلَّ جَلاَلُه: " كَلاَّ " 00 أَي لَيْسَ الأَمْرُ كَمَا زَعَم، لاَ في هَذَا وَلاَ في ذَاك؛ فَإِنَّ اللهَ جَلَّ جَلاَلُهُ يُعْطِي المَالَ مَن أَحَبَّ وَمَنْ لاَ يحِبّ " 0 [ابْنُ كَثِيرٍ في تَفْسِيرِهِ لِسُورَةِ الفَجْر 0 طَبْعَةُ دَارِ الفِكْر 0 بَيرُوت: 510/ 4]
عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ عَنِ النَّبيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَال: " إِنَّ اللهَ قَسَمَ بَيْنَكُمْ أَخْلاَقَكُمْ كَمَا قَسَمَ بَيْنَكُمْ أَرْزَاقَكُمْ، وَإِنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ يُعْطِي الدُّنْيَا مَنْ يحِبُّ وَمَنْ لاَ يحِبّ، وَلاَ يُعْطِي الدِّينَ إِلاَّ لمَن أَحَبّ، فَمَن أَعْطَاهُ اللهُ الدِّينَ فَقَدْ أَحَبَّه، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِه؛ لاَ يُسْلِمُ عَبْدٌ حَتىَّ يَسْلَمَ قَلْبُهُ وَلِسَانُه، وَلاَ يُؤْمِنُ حَتىَّ يَأْمَنَ جَارُهُ بَوَائِقَه " 00 قَالُواْ: وَمَا بَوَائِقُهُ يَا نَبيَّ الله 00؟
قَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم: " غَشَمُهُ وَظُلْمُه، وَلاَ يَكْسِبُ عَبْدٌ مَالاً مِنْ حَرَامٍ فَيُنْفِقَ مِنْهُ؛ فَيُبَارَكَ لَهُ فِيه، وَلاَ يَتَصَدَّقُ بِهِ؛ فَيُقْبَلَ مِنْه، وَلاَ يَتْرُكُ خَلْفَ ظَهْرِهِ؛ إِلاَّ كَانَ زَادَهُ إِلى النَّار؛ إِنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلّ: لاَ يَمْحُو السَّيِّئَ بِالسَّيِّئ، وَلَكِنْ يَمْحُو السَّيِّئَ بِالحَسَن، إِنَّ الخَبِيثَ لاَ يَمْحُو الخَبِيث " 0 [قَالَ الهَيْثَمِيُّ في المجْمَع: رِجَالُهُ رِجَالُ الصَّحِيحِ وَفي بَعْضِهِمْ خِلاَف: 228/ 10، وَصَحَّحَهُ الحَاكِمُ في المُسْتَدْرَكِ بِرَقْم: 7301، رَوَاهُ الطَّبرَانيُّ وَأَحْمَدُ في المُسْنَدِ بِرَقْم: 3490، وَالبَيْهَقِيُّ في " الشُّعَب " بِرَقْم: 5524] إِقْبَالُ الدُّنيَا عَلَى العَبْدِ لَيْسَ لِرِضَى اللهِ عَلَيْه
عَن عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ رَضِيَ اللهُ عَنهُ أَنَّهُ قَال ـ حِينَ فَتَحَ اللهُ عَلَى المُسْلِمِينَ مَمْلَكَةَ الفُرْسِ بِمَا فِيهَا مِنْ قُصُورٍ وَخَزَائِن: " اللهُمَّ قَدْ عَلِمْتَ أَنَّ رَسُولَكَ كَانَ يحِبُّ أَنْ يُصِيبَ مَالاً، فَيُنْفِقَهُ في سَبِيلِكَ وَعَلَى عِبَادِكَ، فَزَوَيْتَ ذَلِكَ عَنهُ نَظَرَاً مِنْكَ لَهُ وَاخْتِيَارَا، اللهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ يَكُونَ هَذَا مَكْرَاً مِنْكَ بِعُمَر، ثُمَّ بَكَى وَتَلاَ قَوْلَهُ جَلَّ جَلاَلُه: ﴿أَيحْسَبُونَ أَنَّمَا نمِدُّهُمْ بِهِ مِن أَمْوَالٍ وَبَنِينَ {55﴾ نُسَارِعُ لهُمْ في الخَيرَاتِ بَلْ لاَ يَشْعُرُون} ﴿المُؤْمِنُون﴾ [ابْنُ القَيِّمِ في " عُدَّةِ الصَّابِرِينَ وَذَخِيرَةِ الشَّاكِرِينَ " بِالبَابِ الثَّالِثِ وَالعِشْرِين، البَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ بِرَقْم: 12815]
إِنَّ اللهَ جَلَّ جَلاَلُهُ قَدْ يَرْضَى عَن عَبْدِهِ؛ فَيَحْرِمُهُ في الدُّنيَا لِيُعْطِيَهُ في الآخِرَة، وَقَدْ يَغْضَبُ عَلَى عَبْدِهِ؛ فَيُعْطِيهُ في الدُّنيَا لِيَحْرِمَهُ في الآخِرَة؛ فَلاَ تَنْظُرَنَّ إِلى الغَنيِّ فَتَسْتَكْثِرَ عَليْهِ مِنَ النِّعَم؛ فَإِنَّ اللهَ سَائِلُهُ يَوْمَ القِيَامَةِ مِن أَيْنَ اكْتَسَبَهَا 00؟ وَفِيمَا أَنْفَقَهَا 00؟ عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ الأَنْصَارِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنهُ عَنِ النَّبيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَال: " مَنْ كَانَتْ الدُّنْيَا هَمَّهُ؛ فَرَّقَ اللهُ عَلَيْهِ أَمْرَه، وَجَعَلَ فَقْرَهُ بَينَ عَيْنَيْه، وَلَمْ يَأْتِهِ مِنْ الدُّنْيَا إِلاَّ مَا كُتِبَ لَه، وَمَنْ كَانَتْ الآخِرَةُ نِيَّتَه؛ جَمَعَ اللهُ لَهُ أَمْرَه، وَجَعَلَ غِنَاهُ في قَلْبِه، وَأَتَتْهُ الدُّنْيَا وَهِيَ رَاغِمَةٌ " 0 [صَحَّحهُ الْعَلاَّمَةُ الأَلبَانيُّ في سُنَنِ الإِمَامِ ابْنِ مَاجَةَ بِرَقْم: (4105)، وَالأُسْتَاذ شُعَيْب الأَرْنَؤُوط في صَحِيحِ الإِمَامِ ابْنِ حِبَّانَ بِرَقْم: 680]
وَعَن أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ أَنَّ النَّبيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَال: " مَنْ كَانَتْ الآخِرَةُ هَمَّهُ: جَعَلَ اللهُ غِنَاهُ في قَلْبِهِ وَجَمَعَ لَهُ شَمْلَه، وَأَتَتْهُ الدُّنْيَا وَهِيَ رَاغِمَة، وَمَنْ كَانَتْ الدُّنْيَا هَمَّهُ: جَعَلَ اللهُ فَقْرَهُ بَيْنَ عَيْنَيْه، وَفَرَّقَ عَلَيْهِ شَمْلَه، وَلَمْ يَأْتِهِ مِنْ الدُّنْيَا إِلاَّ مَا قُدِّرَ لَه " 0 [صَحَّحَهُ الْعَلاَّمَةُ الأَلبَانيُّ في سُنَنِ التِّرْمِذِيِّ بِرَقْم: (2465)، وَفي الصَّحِيحِ وَالصَّحِيحَةِ بِرَقْمَيْ: 11456، 949]
عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ عَنِ النَّبيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَال: " مَنْ جَعَلَ الهُمُومَ هَمَّاً وَاحِدَاً: هَمَّ المَعَاد؛ كَفَاهُ اللهُ هَمَّ دُنْيَاه، وَمَنْ تَشَعَّبَتْ بِهِ الهُمُومُ في أَحْوَالِ الدُّنْيَا؛ لَمْ يُبَالِ اللهُ في أَيِّ أَوْدِيَتِهَا هَلَك " 0 [حَسَّنَهُ الْعَلاَّمَةُ الأَلبَانيُّ في الجَامِعِ بِرَقْم: (11134)، كَمَا حَسَّنَهُ في سُنَنِ الإِمَامِ ابْنِ مَاجَةَ بِرَقْمَيْ: 257، 4106] بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيم: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لاَ يُبْخَسُونَ {15﴾ أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ في الآَخِرَةِ إِلاَّ النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُواْ فِيهَا وَبَاطِلٌ مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} ﴿هُود﴾
﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِن أَصَابَهُ خَيرٌ اطْمَأَنَّ بِه، وَإِن أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ؛ خَسِرَ الدُّنيَا وَالآخِرَة، ذَلِكَ هُوَ الخُسْرَانُ المُبِين﴾ ﴿الحَجّ: 11﴾ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيرٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ عَن عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ أَنَّهُ قَالَ في هَذِهِ الآيَة: " كَانَ الرَّجُلُ يَقْدَمُ المَدِينَة، فَإِنْ وَلَدَتِ امْرَأَتُهُ غُلاَمَاً وَنُتِجَتْ خَيْلُهُ ـ أَيْ وَلَدَتْ ـ قَال: هَذَا دِينٌ صَالِح، وَإِنْ لَمْ تَلِدِ امْرَأَتُهُ وَلَمْ تُنْتَجْ خَيْلُه: قَالَ هَذَا دِينُ سَوء " 0 [الإِمَامُ البُخَارِيُّ في " فَتْحِ البَارِي " بِرَقْم: 4742] لاَ حِيلَةَ في الرِّزْق
وَمِن عَجَائِبِ الرِّزْقِ وَالأَجَل؛ أَنَّ كِلاَهمَا لاَ تَنْفَعُ فِيهِ الحِيَل، فَلاَ حِيلَةَ في الرِّزقِ وَلاَ شَفَاعَةَ في المَوْت؛ وَإِلاَّ مَاتَ عَاجِزُ الرَّأْيِ مِنْ قِلَّةِ الحِيلَة، وَلَمَا انهَالَتْ عَلَى أَهْلِ الحُمْقِ وَالفِسْقِ شَآبِيبُه!!
فَمِنَ الدَّلِيلِ عَلَى القَضَاءِ وَحُكْمِهِ * بُؤْسُ اللَّبِيبِ وَطِيبُ عَيْشِ الأَحْمَقِ ﴿الإِمَامُ الشَّافِعِيّ﴾ الرِّزْقُ يَتْرُكُ طَرْقَ بَابِ أُولي النُّهَى * وَيَبِيتُ بَوَّابَاً بِبَابِ الأَحْمَقِ
فَاللهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِفَضْلِهِ * وَاللهُ يَعْلَمُ حَيْثُ يجْعَلُ رِزْقَهُ ﴿يَاسِرٌ الحَمَدَاني﴾ وَلَوْ كَانَتِ الأَرْزَاقُ بِالعَقْلِ قَدْرُهَا * هَلَكْنَ إِذَنْ مِنْ جَهْلِهِنَّ البَهَائِمُ ﴿أَبُو تَمَّام 0 بِتَصَرُّف﴾ مَلِكُ المُلُوكِ إِذَا وَهَبْ * لاَ تَسْأَلَنَّ عَنِ السَّبَبْ
فَسُبْحَانَ مَنْ يُدَبِّرُ شُؤُونَ عِبَادِهِ وَيُقَسِّمُ أَرْزَاقَهُمْ، حَتىَّ المَلَكُ المُوَكَّلُ بِالأَرْزَاق؛ لَيْسَ لَهُ مِنَ الأَمْرِ شَيْء، وَلَوْ أُذِنَ لَهُ لَقَال: لاَ الأَمْرُ أَمْرِي وَلاَ التَّدْبِيرُ تَدْبِيرِي * وَلاَ الأُمُورُ الَّتي تجْرِي بِتَقْدِيرِي تَبَارَكْتَ يَا رَبّ 00 فَمَا شِئْتَ يَجْرِي وَإِنْ لَمْ أَشَأْ * وَمَا شِئْتُ ما لَمْ تَشَأْ لَمْ يَكُن فَسُبْحَانَ رَبِّى عَلَى حِكْمَةٍ * يحَارُ لَهَا كُلُّ إِنْسٍ وَجِنّ
حِوَارٌ بَينَ العَقْلِ وَالحَظّ وَمِمَّا قِيلَ في ذَلِكَ مِنَ الأَمْثَالِ وَالأَسَاطِير: " اسْتَأْذَنَ العَقْلُ عَلَى الحَظِّ فَلَمْ يَأْذَنْ لَهُ؛ فَقَال العَقْل: لِمَ لَمْ تَأْذَنْ لي 00؟! قَالَ الحَظّ: لأَنَّكَ تحْتَاجُ إِليَّ وَلاَ أَحْتَاجُ إِلَيْك " 0
[لمَيْدَانيُّ في " مجْمَعِ الأَمْثَالِ " بِطَبْعَةِ دَارِ المَعْرِفَة 0 بَيرُوت 0 ص: 459/ 2] وَالنَّاسُ في طَلَبِ المَعَاشِ وَإِنَّمَا * بِالحَظِّ يُرْزَقُ مِنهُمُ مَنْ يُرْزَقُ كَمْ ضَيِّقٍ في العَقْلِ رِزْقُهُ وَاسِعٌ * كَمْ وَاسِعٍ في العَقْلِ رِزْقُهُ ضَيِّقُ ﴿صَالحُ بْنُ عَبْدِ الْقُدُّوس﴾
يَا طَالِبَ الرِّزْقِ لَيْسَ الرِّزْقُ بِالحِيلِ * الرِّزْقُ في اللَّوْحِ مَكْتُوبٌ مَعَ الأَجَلِ فَلَوْ صَبَرْنَا لَكَانَ الرِّزْقُ يَطْلُبُنَا * لَكِنَّهُ خُلِقَ الإِنْسَانُ مِن عَجَلِ
فَلوْ كَانَتِ الأَرْزَاقُ تَأْتِي بِقُوَّةٍ * لَمَا أَكَلَ العُصْفُورُ شَيْئَاً مَعَ النَّسْرِ الطُّيُورُ وَالبَهَائِمُ تَعْمَل، وَابْنُ آدَمَ يُرِيدُ أَنْ يُرْزَقَ مِن غَيرِ أَنْ يَعْمَل
وَيُرْوَى أَنَّ رَجُلاً كَانَ يَعْمَلُ حَطَّابَاً، يَكُدُّ وَيَتْعَبُ وَيَعْرَق؛ لِيَأْتيَ آخِرَ اليَوْمِ إِلى أَوْلاَدِهِ بِالقُوتِ وَقَدْ هَدَّهُ التَّعَب، فَمَكَثَ أَيَّامَاً لاَ يخْرُجُ إِلى عَمَلِه؛ حَتىَّ جَاعَ أَوْلاَدُهُ وَبَدَتْ عَلَيْهِمْ أَمَارَاتُ الفَاقَةِ وَالجُوع؛ فَشَكَا أَقْرِبَاؤُهُ إِلى رَجُلٍ حَكِيمٍ كَانَ يَتَرَدَّدُ عَلَيْه، فَأَتَاهُ وَقَالَ لَه: مَا الَّذِي أَقْعَدَكَ في البَيْتِ يَا فُلاَن 00؟!
قَالَ كُنْتُ أَحْتَطِبُ ذَاتَ يَوْمٍ كَعَادَتي، فَرَأَيْتُ في أَحَدِ الأَمَاكِنِ البَعِيدَةِ عَنِ العُمْرَان، غرَابَاً جَنَاحَاهُ مَكْسُورَان، مُقَطَّعَ السِّيقَان، عَاجِزاً عَنِ الطَّيرَان، يَبْدُو كَالمَيِّتِ وَمَا هُوَ بِمَيِّت، لَكِني كُنْتُ عَلَى يَقِينٍ مِن أَنَّهُ سَيَمُوتُ إِن عَاجِلاً أَوْ آجِلاً، فَمَضَى بي مِنَ الأَيَّامِ مَا مَضَى، ثمَّ أَتَيْتُ إِلى ذَلِكَ المَكَان؛ فَقُلتُ أَنْظُرُ مَا فَعَلَ الغُرَاب، فَوَجَدْتُهُ كَمَا هُوَ عَلَى قَيْدِ الحَيَاةِ لَمْ يمُتْ؛
فَقُلْتُ في نَفْسِي: إِنَّ لِهَذَا الغُرَابِ لَشَأْناً؛ فَقَعَدْتُ مِنهُ غيرَ بَعِيدٍ، وَقُلْتُ أَنْظُرُ حَالَهُ العَجِيب، فَبَيْنَمَا شَمْسُ الأَصِيلِ قَدْ آذَنَتْ بِالمَغِيبِ؛ إِذْ بَعَثَ اللهُ غُرَابَاً يَبْحَثُ في الأَرْض، فَأَعْطَى ذَلِكَ الغُرَابَ العَاجِزَ كِسْرَةً مِنَ الخُبْز، كَانَ يَقْضِمُ عَلَيْهَا بِفَمِه؛ فَقُلْتُ في نَفْسِي: وَاللهِ إِنَّ الَّذِي رَزَقَ هَذَا الغُرَابَ العَاجِز؛ لَقَادِرٌ عَلَى أَنْ يَرْزُقَني، فَرَجَعْتُ إِلى بَيْتي وَقَعَدْتُ فِيهِ كَمَا تَرَى 00!!! هُنَا قَالَ لَه الحَكِيم، وَقَدِ اسْتَوْعَبَ تمَامَاً مَا سَمِعَ: وَلِمَ اخْتَرْتَ لِنَفْسِكَ أَنْ تَكُونَ الغُرَابَ العَاجِز؟! وَلِمَ تخْتَرْ أَنْ تَكُونَ الغُرَابَ القَوِيّ 00؟!! شَاعِرٌ وَأَمِير
أَمَا تَرَيْنَ الدُّجَى لُمَّتْ غَدَائِرُهُ * سُودَاً فَحَوَّلَهَا نُورُ الضُّحَى شُقُرَا وَالرِّيحُ تَنْفُخُ نَايَاتِ الْغُصُونِ عَلَى * سَمْعِ الْوُرُودِ فَتُخْرِجُهُ نَدَىً عَطِرَا إِيَّاكِ أَنْ تَجْعَلِي في الحُبِّ خَمْرَتَنَا * خَلاًّ أَوَ انْ تَجْعَلِي فِرْدَوْسَنَا سَقَرَا ﴿الشَّاعِرُ الْقَرَوِيّ / رَشِيد سَلِيمٌ الخُورِي﴾ °°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°° إِنيِّ امْرُؤٌ مُغْرَمٌ بِالحُسْنِ يَا قَمَرِي * لاَ حَظَّ لي مِنهُ إِلاَّ لَذَّةَ النَّظَرِ °°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°° وَكُنْتُ أَمْشِي عَلَى رِجْلَيْنِ كَالْبَشَرِ * فَصِرْتُ أَمْشِي عَلَى رِجْلٍ مِنَ الشَّجَرِ °°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°° لاَ دَرَّ دَرُّ بَيَاضِ الشَّيْبِ إِنَّ لَهُ * في أَعْيُنِ الغِيدِ مِثْلَ الوَخْزِ بِالإِبَرِ °°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°
قَالَ بَلَى يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِين، فَقَالَ لَهُ: مَا أَرَاكَ إِلاَّ قَدْ سَعَيْتَ لَهُ؛ فَكَرِهَ عُرْوَةُ أَنْ يُكَذِّبَ شِعْرَه؛ فَخَرَجَ مِن عِنْدِه، فَأَرْسَلَ الخَلِيفَةُ في إِثْرِهِ رَسُولاً يَلْحَقُ بِهِ فَلَمْ يُدْرِكْهُ، فَبَعَثَ إِلَيْهِ بِأَلفِ دِينَار، فَلَمَّا أَتَاهُ الرَّسُول قَالَ لَهُ عُرْوَة: قُل لأَمِيرِ المُؤْمِنِين: الأَمْرُ عَلَى مَا قُلْتُ يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِين؛ قَدْ سَعَيْتُ إِلَيْهِ فَأَعْيَتْني مُطَالَبَتي، وَقَعَدْتُ عَنهُ فَأَتَاني بِلاَ تَعَبِ 00!! [الأَبْشِيهِيُّ في " المُسْتَطْرَفِ مِنْ كُلِّ فَنٍّ مُسْتَظْرَف " بِشَيْءٍ مِنَ التَّصَرُّف 0 الفَصْلُ الثَّاني في القَنَاعَةِ وَالرِّضَا بِمَا قَسَمَ الله] فَمَهْمَا زِدْتَ في طَلَبِكْ * فَرِزْقُكَ سَوْفَ يَلْحَقُ بِكْ
وَشَكَا رَجُلٌ إِلى أَحَدِ الصَّالحِينَ كَثْرَةَ عِيَالِهِ فَقَالَ لَه: انْظُرْ مِن عِيَالِكَ مَنْ كَانَ رِزْقُهُ لَيْسَ عَلَى اللهِ فَحَوِّلهُ إِلى مَنزِلي00!! وَمِنَ الأَعْرَابِ مَنْ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَاليَوْمِ الآَخِر وَأُصِيبَ أَعْرَابيٌّ في نَاقَتِهِ الَّتي مِنهَا قُوتُهُ وَقُوتُ عِيَالِه؛ فَرَفَعَ يَدَيْهِ إِلى السَّمَاءِ وَقَال: أَيْ رَبّ، رِزْقِي أَنَا وَعِيَالي عَلَيْك؛ فَاصْنَعْ مَا شِئْت 00!!
وَيَرْحَمُ اللهُ مَنْ قَال: حَتىَّ مَتى أَنْتَ في حِلٍّ وَتَرْحَالِ * وَطُولِ سَعْيٍ وَإِدْبَارٍ وَإِقبَالِ وَلَوْ قَنِعْتَ أَتَاكَ الرِّزْقُ في دَعَةٍ * إِنَّ الغِنى في القُنُوعِ وَلَيْسَ في المَالِ فَدَعْ أُمُورَكَ تجْرِي في أَعِنَّتِهَا * وَلاَ تَبِيتَنَّ إِلاَ خَاليَ البَالِ مَا بَينَ غَمْضَةِ عَينٍ وَانْتِبَاهَتِهَا * يُبَدِّلُ اللهُ مِن حَالٍ إِلى حَالِ
﴿وَفي دَعَةٍ: أَيْ في رَاحَةٍ بِدُونِ تَعَب 0 أَبُو الْعَتَاهِيَةِ بِتَصَرُّف، بِاسْتِثْنَاءِ الْبَيْتِ الأَخِير﴾ لَوْ كَانَ المَالُ يَنْفَعُ في كُلِّ شَيْءٍ لَنَفَعَتْ قَارُونَ أَمْوَالُه
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ: ﴿إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ، وَآتَيْنَاهُ مِنَ الكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتحَهُ لَتَنُوءُ بِالعُصْبَةِ أُولي القُوَّة إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لاَ تَفرَحْ إِنَّ اللهَ لاَ يحِبُّ الفَرِحِين {76﴾ وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللهُ الدَّارَ الآخِرَةَ وَلاَ تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنيَا، وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللهُ إِلَيْك، وَلاَ تَبْغِ الفَسَادَ في الأَرْض؛ إِنَّ اللهَ لاَ يحِبُّ المُفْسِدِين ﴿77﴾ قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي، أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللهَ قَدْ أَهْلَكَ مِنْ قَبْلِهِ مِنَ القُرُونِ مَن هُوَ أَشَدُّ مِنهُ قُوَّةً وَأَكثَرُ جَمْعَا، وَلاَ يُسْئَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ المجْرِمُون ﴿78﴾ فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ في زِينَتِه، قَالَ الذِينَ يُرِيدُونَ الحَيَاةَ الدُّنيَا
يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيم ﴿79﴾ وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُواْ العِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللهِ خَيرٌ لمَن آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحَاً، وَلاَ يُلَقَّاهَا إِلاَّ الصَّابِرُون ﴿80﴾ فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللهِ وَمَا كَانَ مِنَ المُنْتَصِرِين ﴿81﴾ وَأَصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْاْ مَكَانَهُ بِالأَمْسِ يَقُولُونَ وَيْكَأَنَّ اللهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمِنْ يَشَاءُ مِن عِبَادِهِ وَيَقْدِر، لَوْلاَ أَنْ مَنَّ اللهُ عَلَيْنَا لخَسَفَ بِنَا، وَيْكَأَنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الكَافِرُون ﴿82﴾ تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لاَ يُرِيدُونَ عُلُوَّاً في الأَرْضِ وَلاَ فَسَادَا، وَالعَاقِبَةُ لِلمُتَّقِين} ﴿القَصَص﴾