موسوعة الرقائق والأدب - ياسر الحمدانيصفحات 6564-6603
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كِتَابُ قَصَائِدِ الأَطْفَال

صفحات 6564-6603
عن هذه الطبعة
عَلَم
ياسر الحمداني
الكتاب
موسوعة الرقائق والأدب
المؤلف
ياسر بن أحمد بن محمود بن أحمد بن أبي الحمد الكويس الحمداني
عدد الأجزاء
1 [الكتاب مرقم آليا]

وفجأةً وبقدرٍ من الله مُسْبَقٍ انفجرت إحدى إِطَارَاتِ السيارة ونحن نسير بسرعة شديدةٍ فانحرفت السيارة عن الطريقِ وهوت في منحدر جانبيٍّ فانقلبت عدة مراتٍ حَتىَّ أصبحت رأسا على عقبْ، وأصبحنا في حالٍ لاَ يعلمها إِلاَّ الله، فاجتمع الناس حول السَّيَّارةِ المنكوبة وقام أهل المَعْرُوفِ بإخراجنا من بين الحطام والزجاج المتناثرِ لكن أَيْنَ أُخْتُنَا المُؤمِنَة 00؟!!

لقد خرجنا جميعا سالمين ـ اللهُمَّ إِلاَّ مِنْ بعض الإصابات البسيطة ـ إِلاَّ أختي المؤمنةِ الصابرة، أختي الطيبة، أَخْرَجُوهَا مَيْتَةً في مَنْظَرٍ يُقَطِّعُ الأَكْبَادَ وَيمَزِّقُ الفُؤادْ، نعم لقد مَاتَتْ، مَاتَتِ الَّتي كنا نستهزئ بها، اختارها الله مِنْ بَيْنِنَا، وَلَوْ عَلِمَ اللهُ فِينَا خَيْرَاً لاَخْتَارَ لَنَا أَنْ نمُوتَ عَلَى مَا مَاتَتْ عَلَيْه، وَلَكِنَّهُ أَخَّرَنَا لِنَتَّعِظَ وَنَعْمَلَ لهَذَا اليَوْمِ وَلمِثلِ هَذَا فَليَعْمَلِ العَامِلُون، وإني لأرجو أن تكون في عداد الشهداء الأبرار، وأسأل الله جَلَّ جَلاَلُهُ أن يعليَ مكانتها في جنات النعيم 0

أما أنا فقد بكيْتُ على نفسي قبل أن أبكيَ على أختي مُرَّ البُكَاءِ وانكشف عن عَيْنيَّ الغطاءُ فأبصرت حقيقة نفسي وما كنت فيه من الغفلة والضياع، وَعلمت أن الله (سُبْحَانَهُ وَتَعَالى) قد أراد بيَ خيراً إِذ كتب لي عمرا جديداً لأَبْدَأَ حياةً جديدة ملؤها الإيمانُ والعملُ الصالح 0 أما أختي الحبيبة فَكُنْتُ كلما تذكرتها أذرف دموع الحزن والندم وأتساءل في نفسي: هل سيغفر الله لي 00؟!! فأجد الجواب في كتاب الله (** عز وجل **) في قوله تعالى (سُبْحَانَهُ وَتَعَالى): ﴿قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لاَ تقنطوا من رحمة الله؛ إن الله يغفر الذنوب جميعا إنه هو الغفور الرحيم﴾ (الزُّمَرْ: 53) (العَائِدُونَ إِلى الله الجُزْءُ الثَّالِثْ بِتَصَرُّفْ لِلشِّيخْ / محمَّد عَبْد العَزِيزْ المُسْنَد) ﴿توبة الممثل المغربي المشهور سعيد الزياني﴾

في مكةَ أم القرى ـ شرفها اللهُ ـ وَفي جوار بيت الله الحرام، وفي العشر الأخيرة من رمضان، حدثنا الممثل سابقا وَالداعية حالياً الأخ / سعيد الزياني عن قصة رجوعه إِلى الله وهدايتهِ فقالْ: " نشأت في بيت مسلم، ولما بلغت سن المراهقة كنت أحلم ـ كما يحلم كل الشباب المراهقِ في مِثلِ سِني ـ بتحقيق شيئين: الشهرة، والمال؛ وَذَلِكَ أَنيِّ كنت أبحث عن السعادة وأسعى إِلى الحصول عليها بأية طريقة كانت 0 التحقت في بداية الأمربالإذاعة المغربيَّةِ وشاركتُ في تقديم بعض الفقرات الَّتي تربط بين البرامج، ثم تقدمت فأصبحت أقدم البرامج ثمَّ اكتسبت خبرة في هذا المجال فَاتجهت إِلى التلفزيون وتدرجت فِيه حَتىَّ أصبحت مقدِّما من الدرجة الأولى ـ وهى أعلى درجة يحصل عليها مذيع أو مقدم

ـ كَمَا أصبحت أقدم نشرات الأخبارِ والكثيرَ من برامج السهرةِ والمنوعاتْ، وبرامج الشباب، واشتهرت شهرة كبيرة لَم يسبقني إليها أحد، وأصبح اسْمي علىكل لسانٍ وصوتي في كل بيت، وعلى الرغم من هذه الشهرةِ إِلاَّ أنى كنت غير سعيد بهذا، كنت أشعر بضيق شديد في صدري؛ فقلت في نفسي لعلي أجد السعادة في الغناءِ وبالفعلْ: ساعدتني شهرتي في الإذاعة والتلفزيون أن أقدم من خلاَل أحد البرامج التلفزيونية أغنيةً قصيرة كانت هي البداية لدخولِي عالم الغناء 0 ودخلت عالَم الغناءِ مِن أَوْسَعِ أَبْوَابِهِ وحققت فِيهِ شهرةً وَاسِعَة، ونزل إِلى الأسواق الآلاَف من الأشرطة الغنائية الَّتي عَلَيْهَا اسْمِي 0

وعلىالرغم من ذلك كله كنت أشعر بالتعاسة والشقاءِ وأحسُّ بالملل وضيق الصدرِ، وصدق الله (جَلَّ جَلاَلُهُ) إذ يقول: ﴿فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلاَم، ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجاًكأنما يصعَّد في السماء﴾ 00!! (الأَنعَامْ: 125) فقلت بنفسي إن السعداء هم الممثلون والممثلاَتْ؛ فأردت مُشاركَتَهم في تلك السعادة؛ فاتجهت إِلى التمثيلِ وأصبحت ممثلاَ من الدرجة الأولى، فكنت لاَ أمثل ألاَ أدوار البطولة في جميع الأعمال الَّتي أقدمها، والحقيقة وبِدون مبالغة أصبحت شخصا متميزا في بلدي: فلاَ أركب إِلاَّ أغلى السياراتِ وأفخمها، ولاَ ألبس إِلاَّ الملاَبس الثمينة، وَمكانتي الاَجتماعية أصبحت راقيةً جِدَّاً فأصدقائي هُمْ كبارالشخصيات من الأمراء وغيرهم، كنت أتنقل بين قصورِ الأُمَرَاءِ من قصر إِلى قصرٍ وتفتح لي الأبواب وكأني صاحب تلك القصورْ 00!!

ولكن على الرغم من ذلك كلهِ كنت أشعر بأني لم أصل بَعْدُ إِلى السعادةِ الَّتي أبحث عنها 0 وفِي يوم من الأيامِ أجرى معي أحد الصحفِيين لقاء صحفِياً طويلاً وَأَنَا في أَوْجِ شُهْرَتي، وكان من بين الأسئلة الَّتي وجهها إليّ هذا السؤال: " الفنان سعيد الزياني: من المصادفات أن اسمك ينطبق على حياتك فاسمك سعيدٌ وأنت بحَقٍّ سَعِيدْ، ما تقول في ذلك " 00؟ وكان الجوابْ: " في الحقيقة أن ما تعتقده ويعتقده كثير من الناس غير صحيح، فأنا لست سعيدا في حياتي، واسْمي في الحقيقةِ لاَ يزال ناقصا، فهو من ثلاَثةِ حُرُوفٍ فَقَطْ، وهي: (س، ع، ي: سعي) فَأنا ما زلت أسعى بحثَاً عن الحرف الأخيرْ ـ حرف الدالْ ـ ليكتمل اسْمي وتكتمل سعادتي، وإلى الآن لم أجدهُ وحين أجده سوف أخبركْ 00!! وَأُكَرِّرُ وَأَقُولْ لَقد أُجْرِىَ هذا اللقاءُ معي وأنا في أَوْجِ شهرتي وثرائي 00!!

ومرت الأيام والشهورُ بَلْ والأعوامُ وَأَنَا عَلَى هَذَا الحَالْ، كان لي شقيق أَكْبَرُ هاجر إِلى بلجيكا وَكان إنسانا عاديا إِلاَّ أنه كان أكثر مني استقامةً وَالتزاماً، وهناك التقى ببعض الدعاة فتأثر بهِ وعاد إِلى اللهِ على يَدَيْه 0 فكرت في القيام برحلة سياحية إِلى بلجيكا أزور فِيها أخي وَأواصل رحلتي بَعْدَ ذَلِكَ إِلى مختلفِ بلاَدِ العالَمْ 0 سافرت إِلى بلجيكا والتقيت هناكَ بأخي، ولَكِنيِّ فوجئت بهيئته متغيرةً وحياته مختلفةً، والأهم من ذلكَ السعادة الَّتي كانت تشع في بيته وحياته، فَتأثرت بما رأيتْ كثيراً، إِضافة إِلى العلاَقات الوثيقة الَّتي تربط بينَهُ وبَيْنَ الشباب المسلم في تلك المدينة، قابلوني بالأحضانِ ورحبوا بي وَكَأَنَّهُمْ يَعْرِفُونَني مِنْ سَنَوَاتْ، ووجهوا ليَ الدعوة لحضورمجالسهم واجتماعاتهم والتعرف عليهم بصورة قوية 0

أجبت الدعوةَ وكنت أشعر وأنا أجلس معهم بشعور غريبْ: كنت أشعر بسعادةٍ عظيمة تغمرني لم أشعر بها من قبل، ومع مرور الأيامِ قمت بمَدِّ إجازتي لكي تستمر هذه السعادة الَّتي طالما بحثت عنها 0 كنت أشعر بالسعادة مع هؤلاَء الأَتقِيَاءِ تزداد يوما بعد يوم، والضيق والهم والشقاءُ الَّذِي كَانَ يُلاَزِمُني يتناقصُ يوما بعد يوم؛ حَتىَّ امتلأ صدري بنور الإيمانِ وعرفت الطريق إِلى الله الَّذِي كنت بَعِيدَاً عنه مع ما كنت أملكه من الشهرةِ وَالمالْ، وأدركت من تلك اللحظة أن السعادة الحَقِيقِيَّةَ ليست في ذلك المتاع الزائلْ، إنما هي في طاعة الله جَلَّ جَلاَلُهُ لأَنَّهُ (سُبْحَانَهُ وَتَعَالى) يَقُولْ: ... ﴿من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانواْ يعملون﴾ 000 (النَّحْل: 97)

وَلِقَوْلِهِ (سُبْحَانَهُ وَتَعَالى): ... ﴿ومن أعرض عن ذكرى فإن له معيشة ضنكا ونحشره يوم القيامة أعمى﴾ 00000000000000000 (طه: 124) امتدَّت إِجازتي عِنْدَ أخي أكثر من سنتين، وَأَرسَلت خِطَابَاً إِلى ذَلِكَ الصحفِيِّ الَّذِي سألني عَنِ السَّعَادَةِ وَقُلتُ لَه:

الأخ (00000) رئيس تحرير صحيفة (000000) السلاَم عليكم ورحْمة الله وبركاته، أَوَدُّ أَوَّلاً أن أذكِّرَكَ بالسؤال الَّذِي كُنْتَ قَدْ سألتني فِيه عن السعادة، وذلك في يوم (0000000) المُوَافِقْ: (000/ 000/000) وَأَجَبتكَ قَائِلاً: (0000000) ووعدتك أن أخبرك متي ما وجدت حرف " الدال " والآن يسعدني ويشرفني أن أخبرك بأني قد عَثَرْتُ أَخِيرَاً عَلَى حرف الدال المتممِ لاَسمي، وَذَلِكَ في الدين وَالدعوةِ إِلى الله، وَأَصْبَحْت الآن سَعِيدَاً بحقّ، شاع الخبرُ بين الناسْ، وبدأ أعداء الدينِ والمنافقون يطلقون عليَّ الإشاعاتِ ويرمونني بالتهمْ: فمنهم من قالَ إن سعيداً قَدِ اختلَّ عقلهُ وصار مجنوناً، ومنهم من قالَ إنه أصبح عميلاً لأمريكا 00!!

إِلى غير ذلك من الإشاعات المغرضة، كنت أستمع إلَى هذه الإشاعاتِ فأتذكر دائما ما قوبل به الأنبياء والرسل في بَدْءِ الدَّعْوَةِ عَلَى مرِّ العصور والدهورِ وعلى رأسهم نبينا محمد (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) وصحابته الكرام (رَضِيَ اللهُ عَنهُمْ) أجمعينَ فأزدادَ ثباتاً وإيماناً ويقيناً وأدعو الله دائماً بِهَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَة: ﴿ربنا لاَ تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحْمة إنك أنت الوهاب﴾ 000000000000000000000000000 (آلِ عِمْرَان: 8) ثَبَّتَكَ اللهُ بِالقَوْلِ الثَّابِتِ يَا أَخِي، وَلَوْ كَانَ طَرِيقُ الجَنَّةِ مَفرُوشَاً بِالوُرُودِ لَسَلكَهُ النَّاسُ جَمِيعَاً، وَلكِنْ كُلُّهُ أَهْوَالٌ وَمُعَانَاةٌ وَدُمُوعْ، وَالفَائِزُ حَقّاً هُوَ مَنْ يَضْحَكُ في النِّهَايَة 00!!

وَلَكِنيِّ أَهِيبُ بِكَ وَبِأَمْثَالِكَ مِنَ المَوْهُوبِينَ وَالمُبْدِعِينَ الذِينَ حَقَّقُواْ شُهْرَةً وَاسِعَةً في مجَالِ الفِسْقِ وَالفُجُورِ خُمُولهُمْ وَخُمُودُهُمْ بَعْدَ التَّوْبَة: لِمَ لاَ تَكُونُ عَظِيمَاً في الدِّينِ كَمَا كُنْتَ عَظِيمَاً في الدُّنيَا، لِمَ لاَ تَكُونُ دَاعِيَةً مَشْهُورَاً كَالشِّيخْ / محَمَّدْ حَسَّان مَثَلاً، أَوِ الشِّيخْ / كِشْك، أَوْ عَالمَاً مَشْهُورَاً مِن عُلَمَاءِ المُسْلِمِينَ كَالدُّكتُورْ / زَغْلُولِ النَّجَّارِ الَّذِي أَسْلَمَ عَلَى يَدَيْهِ فَقَطْ مِنْ جُنُودِ الأَمْرِيكَانِ المُعَسْكَرَةِ بِالسُّعُودِيَّةِ عَشْرَةُ آلاَفِ جُنْدِيّ، أَجْلاَهُمُ اللهُ كَمَا أَجْلَى قُرَيْظَةَ وَالنَّضِيرَ عَنِ الحُصُون 0 ﴿توبة مفحط مشهور﴾

يا شباب الإسلاَم: لن تجدوا السعادة في التفحيط ـ وَهُوَ كَمَا أَظُنُّهُ المَيْسِرُ أَوِ التَّدْخِين أَوْ مُعَاكَسَةُ الفَتَيَاتِ بِالسَّيَّارَاتْ ـ ولاَ في السفر والمخدراتْ، لن تجدوها إِلاَّ في الاَستقامةِ على دين الله " 00!!

هذا ما قاله المفحط المشهور سابقا/أبو خالد، بعد أنْ منّ الله عليه بالهدايةِ بعد رحلة طويلة مؤلمةٍ مليئة بالعجائب والمغامرات، يحدثنا عنها فِيقولْ: " أنا شاب نشأت في بيتٍ محافظ نوعاً ما، كنت متفوقا في دراستي، وفي بداية المرحلة الثانوية حاول مجموعة من الشباب الصالحِ ضمِّي إليهم أنا وصديقٍ لي خوفا علينا من رفقاء السوء، لَكِنْ نظرا لصغر سني وجهلي بما ينفعني رفضت الاَنضمام إليهمْ، وكنت أحاول التهرب منهم، ومن الطبيعي أن يتلقفني رفقاء السوءِ وما أكثرهم في هذا الزمان وفي كل زمان، ومما زاد الأمر خطورة أن والدي (عفا الله عنه) اشترى لي سيارة، وإنني بهذه المناسبة أذكّر الآباء وأولياء الأمور بأن يتقوا الله في أولاَدهم ولاَ يهيئوا لهم أسباب الفساد والاَنحراف وَعَلَى رَأسِهَا السيارة، لاَ سيما من كانوا في سن المراهقة، هذه نصيحة مجرب، المهمُّ تطورتِ الأمورُ واشترى لي

أبي سيارةً جديدة، وازداد عدد الشلة " شلة المصالح " ورسبت سنتين متتاليتينِ في السنة الأولى من المرحلة الثانويةِ بسبب الهروب المستمر من المدرسة، وفي تلك السنة كانت ظاهرة التفحيط قد بلغت أوج قوتها وانتشارها فتعلمتُهَا على أيدي رفقاء السوء، وأنا حين أذكر التفحيط أذكر ما يجر إليه من مشكلاَت ومصائبَ كَالمخدراتِ وَالسَّرِقَةِ وَفواحش أُخْرَى، فكما أن الخمر أم الخبائثِ فالتفحيطُ أبوها 00!!

ولكن بحمد الله وفضله ثمَّ بفضل أبي وإِخواني الذين أَفاقواْ من سباتهم وانتبهوا لي حيث سارع أحد إخواني بنقلي إِلى مدرسةٍ أخرى فبدأتُ في اهْتِمَامِي بالدراسةِ وابتعدت كثيراً عَن الخبائث الَّتي تصاحب التفحيط كالمخدرات وغيرها، وإن كنت مُقِيمَاً على التفحيط ومعاصٍ أخرى أسأل اللهَ أَنْ يَتُوبَ عَلَيَّ مِنهَا، فَوَاصلت مسيرتي في التفحيط حَتىَّ أصبحت رمزا من رموزه المشهورين الذين يشار إليها بالبنان، وكثرحولي الأصدقاء والمحبون والمعجبون، حَتىَّ الأموال والسيارات كنت أستطيع أن أحصل عليها بكل يسر وسهولة عن طريق المعجبين 00!!

ولَكِنيِّ مع هذا كله لم أجد السعادة الَّتي كنت أبحث عنها، أبتسم وأضحك في نهاري وفِي الليل أبكي على حَالِي مَعَ اللهِ مُرَّ البُكَاء، كنت أشعرأن بداخلي مناديا يناديني وَيَقولُ هذه ليست رسالتك في الحياة، أَنْتَ لمْ تخْلَقْ لهَذَا، فإذا خرجت من المنزلِ أجد التشجيع والتبجيل والتعظيم فضلاَ عن تضليل الشيطان وكيده فأتجاهل ذلك المنادي الصارم، وإني اليوم أوجه هذا السؤال لكل شاب ملتزم: أين أنتم عنا وعن أمثالنا مِنَ الضَّائِعِين، لماذا تركتمونا نتخبط في هَذَا الزَّمَنِ العصيبْ 00؟! ألاَ تزكون عَلَى هِدَايَتِكُمْ بِالنَّصِيحَةِ لَنَا00؟!! ألاَ تشكرون نعمة الله عليكم فتهدون غيركم 00؟!! أين أنتم من الشباب الضائعْ 00؟!!

والله لاَ أذكر أن أحداً من الصالحين جاء لمناصحتي وإنقاذي من الضلاَل والضياع الَّذِي كُنتُ فِيهِ إِلاَّ الرَّفِيقُ السَّابِقُ الَّذِي منّ الله عليه بالهداية، فحاول نصحي وهدايتي 00!! المهم أَنيِّ واصلت دراستي باجتهادٍ وتخرجت من الثانوية بتقديرْ "جيد" مع إصراري على التفحيطِ حَتىَّ أن رجال المرور لما جاءوا يبحثون عني في المدرسة فُوجِئُواْ بِتعجُّبِ المديرِ وَقَوْلِهِ لهُمْ " إن هذا الطالب من أحسن الطلاَب خلقا وحضورا " ثمَّ انتقلت لِلمرحلة الجامعيةِ والتحقت بالجامعة، وكان قريب لي يدرس في أمريكا يضغط علي لإكمال دراستي هناك عنده فكنت أرفض بشدة، فما زال منادي الخير يناديني ويذكرني بالله ولكن موعد الهداية لم يحن بعد 0

اتسعت شهرتي كمفحطٍ حَتىَّ أَنَّ بعض الصحفِيين جاءني ليجري معي مقابلة صحفِية فرفضْت؛ لأني كنت أشعر في قرارة نفسي أَنيِّ أسير في طريقٍ خاطئ؛ لِم يجري معي مقابلة صحفِية 00؟! هَلْ أَنَا مِنَ العُلَمَاء 00؟! ... هل أنا من الدعاة الذين نذروا أنفسهم للهِ وجعلواْ دَعْوَتَهُمْ وقفاً له سبحانه 00؟! هل أنا من المجاهدين في سبيله 00؟! ... ماذا قدمت لديني وأمتي00؟! ولكن هذا هُوَ حال الكثير من كتّابِنَا للأسف الشديدْ: إنهم يَترُكُونَ العُلَمَاءَ وَالعُظمَاءَ وَيجْرُونَ وَرَاءَ أَخْبَارِ السَّاقِطِينَ وَالسَّاقِطَاتِ وَيُرَوِّجُونَ بضاعتهم على حساب أوقات الناس وعقولهم 00!!

وتطور الأمرُ وأصبحت أملك سيارة خاصة للتفحيط، حصلت عليْهَا من أَحَدِ المعجبين وعَن طريق الحرامْ، ولاَ عَجَبَ فالتفحيط يجر إِلى أكبر من ذلك، وفي تلك الفترة الَّتي بلغتُ فِيها قمة الشهرةِ قدّرَ الله (سُبْحَانَهُ وَتَعَالى) وتوفيَ صديق لي من كبار المفحطينَ بحادث سَيَّارَةٍ مُرَوِّعٍ فتبتُ إِلى اللهِ واستقمت أياما ثم عَادَت بَعْدَ ذَلِكَ رِيمَة إِلى عَادَتِهَا القَدِيمَة وكأن شيئا لم يكن 00!! ثم إِنيِّ وجدت بَعْدَ ذَلِكَ " شلة " متطورة ومتحضرة: " شلة بانكوك ومانيلاَ " كما يّدعون، ثمَّ بدأت أسافر إِلى الخارجِ أطلب السعادة في أحضان المومساتِ وشرب المسكراتْ، ولكن القضية هيَ هيَ لَمْ تَتَغَيَّرْ: سكر وضحك بِالنهارْ، وهم وغم وحزن بِالليل، قال جَلَّ جَلاَلُه: {ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا، ونحشره يوم القيامة أعمى (**)

قَالَ رَبِّي لمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرَا () قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ اليَوْمَ تُنْسَى () وَكَذَلِكَ نجْزِي مَن أَسْرَفَ وَلمْ يُؤمِنْ بِآيَاتِ رَبِّهِ وَلَعَذَابُ الآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَى} 00000000000 (طه: 124: 127) وقد كنت في أيام الدراسة الجامعية تعرفت على شاب أصغر مني سنا، فكانت علاَقتنا تزداد يَوْمَاً بَعْدَ يَوْم، حَتىَّ أَنَّا أَصْبَحْنَا لاَ نستطيع أَنْ نَفترِقَ أكثر من أسبوعْ، ولم تكن وَلِلأَسَفِ تلك الصداقة للهِ وإنما كَانَتْ للتعاون على الإثم والعدوان، وَاتِّبَاعِ طَرِيقِ الشَّيْطَان، وَمع ذَلِكَ فَلَمْ تَكُ تخلو من بعض الخير 00!!

وفِي السنة الثالثة بدأ منادي الخير يقوى بِدَاخِلِي وتَذكرني بعض أصدقائي الذين منّ اللهُ عليهم بالهدايةِ فبدءوا يتعهدونني بالزيارة، ومن جهةٍ أخرى أشرق نورُ الإِيمَانِ في بيتنا فَهَذِهِ أختي بدأت طريقَهَا في الاَلتزامِ فبدأَتْ تنصحني وترغبني في الهداية، وَوَالله يا أحبة لقد كان المنادي يقوى بِدَاخِلِي وَأَخَذَتِ الظروفُ في التحسنِ وَلكنَّ موعد الهداية لم يحن بعد 00!!

وفي ذلك العام ذهبت بالأهل إِلى مكة في العشرِالأواخرِ مِنْ شهر رمضانَ ـ وَكُلّنَا يَعْرِفُ مَكَّةَ في مِثلِ هَذَا الوَقتِ مِنَ العَامْ ـ عشت حياة جديدة أقلعت فِيها عن كثير من المعاصي واستبدلت بالدخَّان السواكَ وبالأغاني القرآنَ وحافظت على صلاَة الفَجْرِ والقيامِ وَعَلَى الرفقة الطيبة، هذه هي السعادة الحقيقيةُ الَّتي كُنْتُ أبحث عنها طوالَ عمري: حياة نقية، طاهرة زكية، ما أحلاَها من لذةٍ عندما تشعرأنك تنتصرعلى نفسك الأمارة بالسوءِ وتدحض الشيطانَ وترضى الرحمن 00!! قد تظنونها النهاية، لاَ واللهِ فما زال وَقتُ الهداية لم يحن بعد 0

عدت إِلى الرياض وأنا عازمٌ على السير في هَذَا الطريق، وكنت اللهَ في المسجد الحرامِ وأسأله أحد أمرين: إما أن يفتح على قلب صاحبي فِيصحبَني في هذا الطريقِ أو أنْ يفرق بيننا، وَبِالفِعْلِ كَأَنَّهُ (** عز وجل **) استجاب لِدعائي: فبعد يوم واحدٍ من لقائي بصاحبي حدث بيننا خلاَفٌ وَافتَرقنَا، ولكن ويا للأسف: لَم أجدِ البديل من الرفقاء الصالحين 00!!

وأقبلتِ الإِمتحاناتُ وَبدأتُ المذاكرةَ وكنت محافظا على الصلاَة مقلعاً عن الكبائرِ مقيما على الصغائرِ فدعاني قريبي الَّذِي يدرس في أمريكا مرة ثانية للذهاب إليه في الصَّيفِ وتعلّم الإنجليزية هناك لصعوبتها عليّ في الجامعةِ فقلت في نفسي هذه فرصة سانحة لأبتعد عن الجو الَّذِي أعيش فِيهِ ثم أعود بعد ذَلِكَ وأسلكُ الطريقَ المسْتقيمْ، ولكن أبى الله (** عز وجل **) إِلاَّ أن يتم أمره ومشيئته ـ وَمَا ظَلَمَنَا اللهُ وَلكِنَّا نحْنُ الظَّالمُون ـ ففِي يوم من أيام الاَختباراتِ دخلتُ قاعةَ الاَمتحان وقد نسيت في جيبي وَرَقَةً تتعلق بمادة الاَختبارْ، وبعد ساعة من الزمن لمحَ المراقب تلك الورقةَ فأدخل يده في جيبي وأخرجها وَسجّل عليّ محضرا بالغش ومن ثم حرماني من دخول الاَمتحان في الموادِّ المتبقية، عندها شعرت بالظلمِ وأظلمت الدنيا في عينيَّ وظننت أن ذلك شرٌّ لي ولكنَّ الله لاَ يقضي

إِلاَّ خيراً وإن كان بالنسبة لنا قد يكون شرا، فالشر المحضُ لاَ ينسب إِلى الله أبدا 0 خرجت من قاعة الاَمتحان غاضبا مهموماً وانطلقت أبحث عما يزيل عني ذلك الهمَّ فانهمكت في سماع الغناء ومشاهدة الأفلاَمِ والمبارياتِ وشربِ الدُّخَانِ فلم أزدد إِلاَّ هما على هم 00!! كانت تلك الحادثةُ يومَ السَّبت، ورحلتي إِلى أمريكا يوم الأربعاء، وفي مساء يَوْمِ السبت جاء الفَرَجُ من اللهِ بَعْدَ طُولِ انْتِظَارْ، وتنزلت رحمتهُ عَلَى غَيرِ موعدٍ وَكَانَ اللِّقَاءْ: مع الطهر والنقاء، والاَستجابة الحقيقية لداعي الخَير: فبينما أنا أتناول طعام العشاء في أحد المطاعمِ إذ بداعي الخير يناديني مرة أخرى ولكن في هذه الليلةِ كَانَ يُنَادِيني بقوَّةٍ وَإِلحاحٍ وَيقول لي: " أتذهب إِلى بلاَد الكفار تجالس المومساتِ وتتعاطى المسكراتْ 00؟!!

كيف لو أتاكَ وأنتَ هُنَاكَ هادم اللذاتِ ومفرق الجماعاتْ 00؟! أما آن لك أن تعودَ إِلى طريق الاَستقامة أَمَا آنَ لَكَ أَنْ تَعْمَلَ شَيْئَاً لِيَوْمِ القِيَامَة 00؟! فخرجت من المطعم كالتائه الَّذِي يبحث عن أهله، وكَالأم الَّتي تبحث عن ولِيدها، وَكَالمريض الَّذِي يبحث عن الدَّوَاء، فَانطلقت بِسيارتي أهيم على وجهي من شارعٍ إِلى شارعٍ، وَفَتَحْتُ درج سيارتي فوجدت شريطا للشيخ محمد المحيسني كانَ قَدْ أَهْدَاهُ لي من قبلُ أحد الأصدقاءِ ـ جزاه الله عني خيرَاً ـ فاستمعت إِلى قراءةِ الشيخ وكان يقرأ بخشوعٍ ويبكى والناسُ وراءهُ يبكونَ فلم أتمالك نفسي من البكاءِ وَنزلت هذه الآيات على قلبي وكأني أسمعها لأول مرة 00!!

بكيت بكاء مراً، ثم أوقفت السَيَّارَةَ على جانب الطريقِ وأخرجت عُلبَةَ السجائرِ وأشرطةَ اللهو والباطلِ وأعدمتهَا بدون محاكمة، وعزمت على التوبة النصوحِ والاَستقامةِ على دين اللهِ، وأَن أكونَ داعيةَ خيرٍ بعد أن كنت داعيةَ شرٍّ وفسادْ 0 عدت إِلى البيتِ فاستقبلني أبي وَقَدْ لاَحظ في وجهي نُورَاً وَتغيراً وخشوعاً فاحتضنني وضمَّني إِلى صدرِهِ بِشِدَّةٍ فبكيت بين يديهِ واعتذرت له عمَّا سببته له هو ووالدتي وإِخْوَتِي من مَتَاعِبَ ومشكلاَتْ؛ ففرحوا بتوبتي فرحا شديداً، وبعد التوبةِ كان من الطبيعيِّ أن يضاعفَ الشيطان جهودَه ويكلف أولياءه وَجُنودَهُ بالعمل من أجل إِضلاَلي وإِعادتي إِلى حَظِيرَتِه، ولكن الله (سُبْحَانَهُ وَتَعَالى) ثبتني فواجهت تعنيف الشيطان من داخلي وهو يقول لِي لِم لَمْ تذهبْ يا غبيُّ إِلى الخارج حيث الحريةُ والاَنطلاَقُ 00؟!

ولَكِنيِّ كنت قد قطعت على نفسي خُطُوط الرجعة، فأول مكان ذهبت إليه بعد توبتي هو محل الحلاَقة حيث أزلت شعر رأسي بالكليةِ، حَتىَّ صديقي المُقَرَّبِ جاءني يذكرني بالأيام الماضية من حياتي ويرغبني فِيها فَلم أستجب لهُ وصبرت على الغَمِّ وَالهَمِّ الَّذِي أصابني في بداية الأمر حَتىَّ استحال ذلك وانقلبَ سُرُورَاً وطمأنينة وراحة بالْ، وصدق الإمام ابن القيمِ (رحمه الله) حين قالَ إنما يجد المشقة في ترك المألوفات والعوائدِ من تركها لغير الله، أما من تركها مخلصا من قلبهِ لله فإنه لاَ يجد في تركها مشقةً إِلاَّ في أول وهلة، ليُمْتَحَنَ أصادق هو في تركها أم كاذبْ، فإنْ صبر على المشقةِ قليلاَ استحالت لذةً، وتعرفت على مجموعة من الشباب الأخيارِ، وتفضل الله عليَّ بمنَّةٍ أخرى لَمْ تخْطُرْ لِي عَلَى بَالْ: ألاَ وهي هداية صديقي العزيز على يدي 00!!

وازدَادَ إيماني ويقيني بالله (سُبْحَانَهُ وَتَعَالى) وفي ختام حديثي أوجهها نصيحةً صادقة إِلى جميع الشبابِ فأقولُ يا شباب الإسلاَمْ: لن تجدوا السعادة في السفر، ولاَ في المخدراتِ والتخبط، لن تجدوها أو تشموا رائحتها إِلاَّ في الاَلتزام بِتَعَالِيمِ الإِسْلاَمِ وَخدمة دين اللهِ بِالأمر بالمعروف والنهي عن المنكرْ 0 شَبَابَ الجِيلِ لِلإِسْلاَمِ عُودُواْ فَأَنْتُمْ رُوحُهُ وَبِكُمْ يَسُودُ وَأَنْتُمْ سِرُّ نَهْضَتِهِ قَدِيمَاً وَأَنْتُمْ فَجْرُهُ الزَّاهِي الجَدِيدُ أسأل اللهَ لي ولكم الثباتَ وصلى الله على نبينا محَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَمَنْ تَبِعَهُ بِإِحْسَانٍ إِلى يَوْمِ الدِّين 00000000000000000000000 (أبو خالد) (العَائِدُونَ إِلى الله الجُزْءُ الثَّالِثْ بِتَصَرُّفْ لِلشِّيخْ / محمَّد عَبْد العَزِيزْ المُسْنَد) ﴿بُشْرَى مِنْ رَسُولِ اللهِ إِلى الشَّبَابْ﴾

أَخِي الكَرِيمْ: إِنَّ الدُّنيَا سَاعَة؛ فَاجْعَلهَا طَاعَة، وَالنَّفسُ طَمَّاعَة؛ فَعَلِّمْهَا القَنَاعَة، وَاعْلَمْ أَنَّ مَنْ تمَنَّعَ في الدُّنيَا تمَتَّعَ في الآخِرَة، وَشِبْعٌ بَعْدَ جُوعْ: خَيْرٌ مِنْ جُوعٍ بَعْدَ شِبْع، وَاتَّقُواْ يَوْمَ يَنظُرُ الإنسَانُ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ وَيَقُولُ الكَافِرُ يَا لَيْتَني كُنتُ تُرَابَا 00!! وَأَخِيرَاً أَيُّهَا الأَحْبَابْ: أَخْتِمُ هَذَا الكِتَاب: بِبُشْرَى مِنْ رَسُولِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلى الشَّبَابْ، يَقولُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم:

عَن أَبي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ عَنِ النَّبيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَال: " ثَلاثَةٌ كُلُّهُمْ حَقٌّ عَلَى اللهِ عَوْنُهُ: الغَازِي في سَبِيلِ الله، وَالمُكَاتَبُ الَّذِي يُرِيدُ الأَدَاء، وَالنَّاكِحُ الَّذِي يُرِيدُ التَّعَفُّف " 0 [حَسَّنَهُ الْعَلاَِّمَةُ الأَلبَانيُّ في سُنَنِ الأَئِمَّةِ ابْنِ مَاجَةَ وَالتِّرْمِذِيِّ وَالنَّسَائِيّ، وَالأُسْتَاذ شُعَيْب الأَرْنَؤُوط في صَحِيحِ الإِمَامِ ابْنِ حِبَّان]

وَأَختِمُ رِسَالَّتي بِهَذِهِ القِصَّةِ العَظِيمَة؛ عَسَى اللهُ أَنْ يَنفَعَ بِهَا شَبَابَ وَبَنَاتِ المُسْلِمِين: خَرَجَ سُلَيْمَانُ بنُ يَسَارٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ وَكَانَ مِن أَجْمَلِ النَّاسِ وَجْهَاً في رِحْلَةِ حَجّ، وَكَانَ مَعَهُ أَخٌ لَهُ في الله، فَضَرَبَ لِسُلَيْمَانَ خَيْمَةً وَأَجْلَسَهُ فِيهَا وَذَهَبَ إِلى المَدِينَةِ لِيَنْظُرَ أَيُّهَا أَزكَى طَعَامَاً فَيَأتِيَهُ بِرِزْقٍ مِنه، فَبَصُرَتْ بِسُلَيْمَانَ بَيْنَمَا هُوَ في الخَيْمَةِ أَعْرَابِيَّةٌ ـ تُعَدُّ لجَمَالهَا وَسْطَ النِّسَاء: كَالقَمَرِ في السَّمَاء ـ فَأَعْجَبَهَا فَدَخَلَتْ عَلَيْهِ الخَيْمَةَ وَأَسْفَرَتْ عَنْ وَجْهِهَا، فَظَنَّهَا ضَيْفَةً تُرِيدُ القِرَى فَقَالَتْ لَهُ لاَ أُرِيدُ القِرَى وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ مَا أُرِيدْ، فَنَظَرَ إِلَيْهَا وَقَدْ أَدْرَكَ مَا تُرِيدُ فَبَكَى

بُكَاءً شَدِيدَاً حَتىَّ كَادَ يُغْشَى عَلَيْه، فَلَمَّا يَئِسَتْ مِنهُ تَرَكَتهُ وَانْصَرَفَتْ، فَلمَّا أَن عَادَ صَاحِبُهُ وَرَآهُ بِهَذِهِ الحَالَةِ أَخَذَتهُ اللهْفَةُ عَلَى صَاحِبِهِ فَسَأَلَهُ مُتَلَهِّفَاً مَا يُبْكِيكَ يَا سُلَيْمَان 00؟! فَأَصَرَّ عَلَى الكِتمَانِ فَلَمْ يَزَلْ بِهِ حَتىَّ أَخْبَرَهُ بخَبَرِ الأَعْرَابِيَّة، فَأَطْرَقَ صَدِيقُهُ مَلِيَّاً ثُمَّ بَكَى بُكَاءً مُرَّاً، فَقَالَ لَهُ سُلَيْمَانُ مَا يُبْكِيكْ 00؟!

قَالَ أَبْكِي لأَنِّي لَوْ كُنتُ مَكَانَكَ لمَا صَبَرْتُ عَلَى مَا صَبَرْتَ عَلَيْه، فَظَلاَ يَبْكِيَان حَتىَّ بَلَغَا البَلَدَ الحَرَامَ فَطَافَا بِالبَيْتِ ثُمَّ نَامَا في زَاوِيَةٍ مِنْ زَوَايَاه، فَبَيْنمَا سُلَيْمَانُ مُسْتَغْرِقَاً في نَوْمِهِ إِذ بِرَجُلٍ يَأتِيهِ في المَنَامِ عَلَيْهِ ثِيَابٌ بِيضٌ كَأَنَّهُ آوتِيَ شَطرَ الحُسْنِ فَقَالَ لَهُ أَأَنتَ يُوسُفُ قَالَ أَنَا يُوسُف، فَقَالَ لَهُ سُلَيْمَانُ إِنَّ عِفَّتَكَ مَعَ امْرَأَةِ العَزِيزِ لأَمْرٌ عُجَابْ، قَالَ لَهُ يُوسُفُ وَأَعْجَبُ مِنهَا عِفَّتَكَ مَعَ الأَعْرَابِيَّةِ يَا سُلَيْمَانُ 00!!! (الإِحْيَاء 0 بَاب شَهْوَةِ الفَرْج) وَلاَحِظ يَا أَخِي يَرْحَمُكَ اللهُ أَنَّ القرْآنَ كَمَا ضَرَبَ المَثَلَ في العِفَّةِ لِلرِّجَالِ بِيُوسُفَ ضَرَبَ اللهُ المَثَلَ في العِفَّةِ لِلنِّسَاءِ بمَرْيَم 00!!

فاستوصوا بالشّباب خيراً معشر الآباءْ، ولاَ تحمّلوهم ما لاَ طاقة لهم به وَاعْلَمُواْ أَنّ الله يرحم من عباده الرّحماءْ 0 اللهُمَّ أَعِنْ شَبَابَ المُسْلِمِينَ غَيْرَ القَادِرِينَ عَلَى الزَّوَاجِ يَا رَبَّ العَالَمِين 0 هَذَا 00 وَمَا تَوْفِيقِي إِلاَّ بِالله، وَآخِرُ دَعْوَانَا أَنِ الحَمْدُ للهِ رَبِّ العَالمِين 0 ﴿الفَقِيرُ إِلى عَفوِ رَبِّهِ وَدُعَائِكُمْ / يَاسِرُ الحَمَدَاني﴾




** [رِسَالَة العَائِدُون إِلى اللهِ الجُزْءُ الثَّالِث بِتَصَرُّف لِلشِّيخ: عَبدِ العَزيزِ المسْنَد] ﴿بُشْرَى مِنْ رَسُولِ اللهِ إِلى الشَّبَاب﴾

أَخِي الكَرِيم: إِنَّ الدُّنيَا سَاعَة؛ فَاجْعَلهَا طَاعَة، وَالنَّفسُ طَمَّاعَة؛ فَعَلِّمْهَا القَنَاعَة، وَاعْلَمْ أَنَّ مَنْ تمَنَّعَ في الدُّنيَا تمَتَّعَ في الآخِرَة، وَشِبْعٌ بَعْدَ جُوع: خَيْرٌ مِنْ جُوعٍ بَعْدَ شِبْع، وَاتَّقُواْ يَوْمَ يَنظُرُ الإنسَانُ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ وَيَقُولُ الكَافِرُ يَا لَيْتَني كُنتُ تُرَابَا 00!! وَأَخِيرَاً أَيُّهَا الأَحْبَاب: أَخْتِمُ هَذَا الكِتَاب: بِبُشْرَى مِنْ رَسُولِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلى الشَّبَابْ، يَقولُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم:

عَن أَبي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ عَنِ النَّبيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَال: " ثَلاثَةٌ كُلُّهُمْ حَقٌّ عَلَى اللهِ عَوْنُهُ: الغَازِي في سَبِيلِ الله، وَالمُكَاتَبُ الَّذِي يُرِيدُ الأَدَاء، وَالنَّاكِحُ الَّذِي يُرِيدُ التَّعَفُّف " 0 [حَسَّنَهُ الْعَلاَِّمَةُ الأَلبَانيُّ في سُنَنِ الأَئِمَّةِ ابْنِ مَاجَةَ وَالتِّرْمِذِيِّ وَالنَّسَائِيّ، وَالأُسْتَاذ شُعَيْب الأَرْنَؤُوط في صَحِيحِ الإِمَامِ ابْنِ حِبَّان] فَاستَوصُوا بالشَّبَابِ خَيرَاً مَعشَرَ الآبَاء، وَلاَ تُحَمُّلوهُم مَا لاَ طَاقَةَ لَهُم بِهِ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللهَ يَرحَمُ مِن عِبَادِهِ الرُّحَمَاء 0 اللهُمَّ أَعِنْ شَبَابَ المُسْلِمِينَ غَيْرَ القَادِرِينَ عَلَى الزَّوَاجِ يَا رَبَّ العَالَمِين 0 هَذَا 00 وَمَا تَوْفِيقِي إِلاَّ بِالله، وَآخِرُ دَعْوَانَا أَنِ الحَمْدُ للهِ رَبِّ العَالمِين ﴿الفَقِيرُ إِلى عَفوِ رَبِّهِ وَدُعَائِكُمْ / يَاسِرُ الحَمَدَاني﴾

البَيْتُ السَّعِيد

البَابُ الأَوَّل ﴿اخْتِيَارُ شَرِيكِ الحَيَاة﴾ دَوْرُ الأَهْلِ في اخْتِيَارِ الزَّوْجِ الصَّالحِ لاَبْنَتِهِمْ عَن عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطَّابِ رَضِيَ اللهُ عَنهُ قَالَ حِينَ تَأَيَّمَتِ ابْنَتُهُ حَفْصَة: " أَتَيْتُ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ فَعَرَضْتُ عَلَيْهِ حَفْصَة؛ فَقَالَ سَأَنْظُرُ في أَمْرِي، فَلَبِثْتُ لَيَاليَ، ثمَّ لَقِيَني فَقَال: قَدْ بَدَا لي أَنْ لاَ أَتَزَوَّجَ يَوْمِي هَذَا؛ فَلَقِيتُ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ فَقُلْت: إِنْ شِئْتَ زَوَّجْتُكَ حَفْصَةَ بِنْتَ عُمَر؛ فَصَمَتَ أَبُو بَكْرٍ فَلَمْ يَرْجِعْ إِليَّ شَيْئَاً، وَكُنْتُ أَوْجَدَ عَلَيْهِ مِنيِّ عَلَى عُثْمَان، فَلَبِثْتُ لَيَاليَ ثمَّ خَطَبَهَا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَنْكَحْتُهَا إِيَّاه، فَلَقِيَني أَبُو بَكْرٍ فَقَال: لَعَلَّكَ وَجَدْتَ عَلَيَّ حِينَ عَرَضْتَ عَلَيَّ حَفْصَةَ فَلَمْ أَرْجِعْ إِلَيْكَ شَيْئَاً 00؟ قُلْتُ نَعَمْ، قَالَ أَبُو بَكْر: فَإِنَّهُ لَمْ يمْنَعْني أَن أَرْجِعَ إِلَيْكَ فِيمَا عَرَضْتَ عَلَيّ؛ إِلاَّ أَنيِّ كُنْتُ عَلِمْتُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ ذَكَرَهَا؛ فَلَمْ أَكُنْ لأُفْشِيَ سِرَّ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم، وَلَوْ تَرَكَهَا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَبِلْتُهَا " 0 [رَوَاهُ الإِمَامُ البُخَارِيُّ في صَحِيحِهِ بِرَقْم: 5123 / فَتْح]

فصول الكتاب · 6 فصل · 8447 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول موسوعة الرقائق والأدب - ياسر الحمداني · 8447 صفحة
ـ[موسوعة الرقائق والأدب]ـ
كِتَابُ الرِّضَا بِالقَلِيل:
كِتَابُ فَقْدِ الأَحِبَّة:
كِتَابُ هُمُومِ المُسْلِمِين:
كِتَابُ هُمُومِ العُلَمَاء
كِتَابُ قَصَائِدِ الأَطْفَال
جارٍ التحميل