كِتَابُ هُمُومِ العُلَمَاء
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ياسر الحمداني
- الكتاب
- موسوعة الرقائق والأدب
- المؤلف
- ياسر بن أحمد بن محمود بن أحمد بن أبي الحمد الكويس الحمداني
- عدد الأجزاء
- 1 [الكتاب مرقم آليا]
فَبَدَلاً مِن أَنْ يَقُولُواْ: يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَمَا أُوتيَ؛ قَالُواْ: أَهَؤُلاَءِ مَنَّ اللهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا 00؟! وَيْلَكُمْ أَسْخَنَ اللهُ أَعْيُنَكُمْ 00 اللهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِفَضْلِهِ * وَاللهُ يَعْلَمُ حَيْثُ يجْعَلُ رِزْقَهُ ﴿يَاسِرٌ الحَمَدَاني﴾
نَظَرُواْ صَنِيعَ اللهِ بي فَعُيُونهُمْ * في جَنَّةٍ وَقُلُوبُهُمْ في نَارِ ﴿محَمَّدٌ التِّهَامِي﴾ حَسَدَاً مِن عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ 00 إِنْ يحْسُدُوني فَإِنيِّ غَيرُ لاَئِمِهِمْ * قَبْلِي مِنَ النَّاسِ أَهْلُ الفَضْلِ قَدْ حُسِدُواْ فَدَامَ لي وَلهُمْ مَا بي وَمَا بِهِمُ * وَمَاتَ أَكْثَرُهُمْ غَيْظَاً بمَا يجِدُ ﴿بَشَّارُ بْنُ بُرْد﴾ وَلَكِن أَعُودُ فَأَقُول: هَلْ يحْسُدُ النَّاسُ شَيْئَاً غَيرَ محْمُودِ * لاَ عَاشَ مَن عَاشَ يَوْمَاً غَيرَ محْسُودِ
﴿المِصْرَاعُ الأَوَّلُ لِيَاسِرٍ الحَمَدَاني، وَالآخَرُ لِدِعْبِلٍ الخُزَاعِيّ﴾ وَالعَجِيبُ أَنَّكَ مَهْمَا تَنْصَحُهُمْ وَتَعِظُهُمْ؛ أَنْ يَتَّقُواْ اللهَ في شَأْنِ النَّاشِئَةِ مِنَ المَوْهُوبِينَ النَّابِغِين؛ لاَ يَزِيدُهُمْ ذَلِكَ إِلاَّ طُغْيَانَاً كَبِيرَا؛ فَالوَاحِدُ مِنهُمْ؛ أَضْحَكُ مِنْ ضَرْطِهِ وَيَضْرِطُ مِنْ ضَحِكِي 00!! أَلَيْسَ في جَهَنَّمَ مَثْوَىً لِلمُتَكَبِّرِين 00؟! فَأَفْضَلُهُمْ اليَوْمَ أَعْوَرٌ بَينَ عُمْيَان؛ وَلِذَا صَارَ الأَعْمَش؛ كَحَّالاً في هَذَا الزَّمَان 00!! فَذُؤْبَانُهُمْ يَدْعُونَهَا أُسُدَ الشَّرَى * وَقَدْ مَنَحُواْ اسْمَ الحُوتِ لِلسَّرَطَانِ أَسَامٍ وَأَلقَابٌ يَغُرُّ سَرَابُهَا * وَلَيْسَ بِهَا شَيْءٌ سِوَى اللَّمَعَانِ فَلَلْمَوْتُ خَيرٌ مِن حَيَاةٍ ذَمِيمَةٍ * إِذَا الْقِرْدُ كَانَ جَلاَلَةَ السُّلْطَانِ
﴿الْبَيْتَانِ الأَوَّلاَنِ لمحَمَّدٍ الأَسْمَر بِتَصَرُّف﴾ وَالحَظُّ حِينَ يُوَاتي * يَعْمَلُ الأَعْمَى سَاعَاتياتِ ﴿يَاسِرٌ الحَمَدَاني 0 وَهُوَ في أَصْلِهِ مَثَلٌ محْدَث﴾ مِمَّا يُزَهِّدُ قَلْبي فِيكِ يَا بَلَدِي * أَسْمَاءُ مُعْتَمِدٍ تَعْلُو وَمُعْتَضِدِ أَلْقَابُ مَمْلَكَةٍ في غَيرِ مَوْضِعِهَا * كَالقِطِّ يحْكِي انْتِفَاخَاً صُورَةَ الأَسَدِ ﴿ابْنُ رَشِيقٍ بِتَصَرُّف﴾ وَكَمْ مِنْ مَشْهُورِينَ لَيْسُواْ بمَوْهُوبِين، وَكَمْ مِنْ مَوْهُوبِينَ لَيْسُواْ بمَشْهُورِين 00!!
حَتىَّ النُّحَاةَ قَصَدْتهُمْ فَوَجَدْتهُمْ * ذُرِّيَّةً هِيَ بَعْضُهَا مِنْ بَعْضِ ﴿يَاسِرٌ الحَمَدَاني﴾ ألاَ صَدَقَ ابْنُ الرُّومِيِّ مَنْ قَال: إِنَّ لَيْتَاً وَإِنَّ لَوَّاً عَنَاءُ
وَأَقْسَى هَذِهِ المحَاوَلاَتِ المَرِيرَة؛ صَدْمَتي في الشَّخْصِيَّاتِ الشَّهِيرَة، وَأَشَدُّ مَا يَكُونُ وَقْعُ الصَّدْمَةِ في الْقُلُوب؛ عِنْدَمَا تُصْدَمُ في الإِنْسَانِ المَوْهُوب 00 فَقُولُواْ لي بِاللهِ عَلَيْكُمْ: عَلَى أَيِّ بَابٍ أَطْلُبُ الإِذْنَ بَعْدَمَا * حُجِبْتُ عَنِ البَابِ الَّذِي أَنَا حَاجِبُه ﴿التُّوتُ الْيَمَانيّ﴾ بِالمِلْحِ نُصْلِحُ مَا نخْشَى تَغَيُّرَهُ * فَكَيْفَ بِالمِلْحِ لَوْ حَلَّتْ بِهِ الغِيرُ الْوَاحِدُ مِنهُمْ قَدْ يَعْتَذِرُ عَنْ بَعْضِ لِقَاءَاتِ التِّلِيفِزْيُون، وَمَعَ ذَلِكَ لَمْ يُفَكِّرْ في التَّنوِيهِ بِأَصْدِقَائِهِ رَغْمَ عِلْمِهِ أَنَّهُمْ مَوْهُوبُون؛ أَيْنَ مَا قَرَأْنَاهُ عَنْ شَهَامَةِ الْعَرَب، وَمَا عُرِفُواْ بِهِ مِنَ الإِيثَار 00؟!
أَيْنَ مَا دَرَسْنَاهُ في الأَدَب؛ عَنِ المُرُوءةِ مِنَ الأَخْبَارِ وَالأَشْعَار 00؟! يَرْحَمُ اللهُ ذَلِكَ الحَكِيمَ الَّذِي مَرَّ عَلَيْهِ صَدِيقَانِ كَانَا لاَ يَفْتَرِقَان؛ فَسَأَلَ رِفَاقَهُ: مَا بَالُهُمَا كَمُوسَى وَهَارُونَ لاَ يَفْتَرِقَان 00؟! فَقِيلَ لَهُ: صَدِيقَان؛ فَقَال: " فَمَا بَالي أَرَى أَحَدَهُمَا غَنِيَّاً وَالآخَرَ فَقِيرَا " 00؟!! يَرحَمُ اللهُ زَمَانَاً؛ كَانَ الأُدَبَاءُ فِيهِ ثَمَراً بِلاَ شَوْك؛ فَقَدْ أَصْبَحُواْ الْيَوْمَ شَوْكَاً بِلاَ ثَمَر، وَكَانَتْ قُلُوبهُمْ رَقِيقَةً؛ فَصَارَتْ أَقْسَى مِنَ الحَجَر، وَكَانَ شِعَارُهُمْ: لاَ عَاشَ مَن عَاشَ لِنَفْسِهِ فَقَطْ، أَمَّا شِعَارُهُمْ في هَذَا الزَّمَان: نَفْسِي نَفْسِي وَمِنْ بَعْدِيَ الطُّوفَان، فَنيَ الْعَصِيرُ وَبَقِيَ الثَّجِير 00!!
وَكُنَّا نَسْتَطِبُّ إِذَا مَرِضْنَا * فَصَارَ سِقَامُنَا بِيَدِ الطَّبِيبِ اخْتَفَى سُوقُ الأَدَب، وَطَفَا سُوءُ الأَدَب 00 عَلَى مَنْ تَقْرَأُ مَزَامِيرَكَ يَا دَاوُد 00؟! غَزَلْتُ لهُمْ غَزْلاً رَقِيقَاً فَلَمْ أَجِدْ * لِغَزْليَ نَسَّاجَاً فَكَسَّرْتُ مِغْزَلي
وَلَوْ أَنَّ قَوْمِي أَنْطَقَتْني رِمَاحُهُمْ * نَطَقْتُ وَلَكِنَّ الرِّمَاحَ قِصَارُ ﴿عَمْرُو بْنُ مَعْدِي كَرِب 0 بِتَصَرُّف﴾
وَهَكَذَا: فَحِينَمَا ذَهَبْتُ أَتَلَفَّتُ ذَاتَ اليَمِينِ وَذَاتَ الشِّمَال؛ حَتىَّ أَجِدَ أَخَاً أَوْ نِصْفَ أَخٍ يَقِفُ بجَانِبي في محْنَتي ـ وَالمَرْءُ كَثِيرٌ بِأَخِيه، وَرُبَّ أَخٍ لَكَ لَمْ تَلِدْهُ أُمُّك ـ لَمْ أَجِدْ 00 وَلَوْ أَنىِّ عَثَرْتُ عَلَى صَدِيقٍ * لأَنْسَتْني الصَّدَاقَةُ بَعْضَ هَمِّي
صَحِبْتُ بمِصْرَ بَعْضَ النَّاسِ جَهْلاً * بِهِ وَنَبَذْتُهُ مِنْ بَعْدِ عِلْمِ زَعَمْتُ بِأَنَّهُ خِلٌّ وَفىٌّ * فَكَذَّبَتِ اللَّيَالي فِيهِ زَعْمِي صَدَقَ المُتَنَبيِّ عِنْدَمَا قَال: شَرُّ البِلاَدِ مَكَانٌ لاَ صَدِيقَ بِهِ * وَشَرُّ مَا يَكْسِبُ الإِنْسَانُ مَا يَصِمُ أَيْنَ مَنْ كَانُواْ كِرَامَا * أَيْنَ أَخْلاَقُ الْقُدَامَى كَمْ رَأَيْنَا في بِلاَدِ النِّيلِ آلاَمَاً جِسَامَا مِن عَذَابٍ وَصِعَابٍ * كَسَّرَتْ مِنَّا الْعِظَامَا لَيْسَ يَلْقَى مُبْدِعُوهَا * مِن أُوْلي الأَمْرِ اهْتِمَامَا كَمْ لَيَالٍ قَدْ سَهِرْنَا * لَمْ نَذُقْ فِيهَا مَنَامَا لاَ تَلُمْني في كَلاَمِي * أَدْرَكَ الْبَدْرُ التَّمَامَا إِنَّهَا يَا صَاحِ سَاءَتْ * مُسْتَقَرَّاً وَمُقَامَا ﴿يَاسِرٌ الحَمَدَاني﴾
مَا أَيْسَرَ أَنْ يَقُولَ المُفَكِّرُ أَوِ الأَدِيب: لاَ نُرِيدُ لِلْعُمْيَانِ أَنْ يُبْصِرُواْ، وَلَكِنَّ الرَّغبَةَ في مَرْضَاةِ الله؛ هِيَ الَّتي تحْمِلُنَا عَلَى تحَمُّلِ المُعَانَاة 00!! هَذَا 00 وَوَاللهِ مَا حَكَيْنَا كُلَّ مَا رَأَيْنَا، وَمَا اعْتَدَيْنَا وَلاَ جَنَيْنَا، وَمِن غَيرِ ذَنْبٍ جُنيَ عَلَيْنَا 00!! فَهَذَا قَلِيلٌ مِنْ كَثِير، وَمَا خَفِيَ أَعْظَم 00!! وَتَتَخَيَّلِ البَلاَء: الَّذِي لَقِيتُهُ بِهَؤُلاَء؛ تَتَوَاضَعُ لَهُمْ رَغْمَ عِلْمِكَ أَنَّ الكِبرَ عَلَى أَهْلِ الكِبرِ صَدَقَة!! أَهَنْتُ لهُمْ نَفْسِي لأُكْرِمَهَا بِهِمْ * وَلَنْ يُكْرِمَ النَّفْسَ الَّذِي لاَ يُهِينُهَا ﴿بَيْتٌ قَالَهُ أَعْرَابيّ﴾ وَلَرُبَّمَا انْتَفَعَ الفَتى بِعَدُوِّهِ * كَالسُّمِّ أَحْيَانَاً يَكُونُ دَوَاءَا ﴿الطِّغْرَائِيّ﴾
إِنَّ الهَوَانَ لاَ يَهُونُ إِلاَّ عَلَى الأَذِلاَّء 00
وَلاَ يَنْسَى لهِيبَ السَّوْطِ إِلاَّ * إِذَا مَا شَاهَدَ العَلَفَ الحِمَارُ
وَإِنَّ الضَّغْنَ بَعْدَ الضَّغْنِ يَبْدُو * رُوَيْدَا بَاعِثَاً دَاءً دَفِينَا ﴿عَمْرُو بْنُ كُلْثُوم 0 بِتَصَرُّف﴾ فَالأَدِيبُ الحَسَّاسُ كَالمِرْآة: إِن أَرَيْتَهَا حَسَنَاً؛ أَرَتْكَ حَسَنَاً، وَإِن أَرَيْتَهَا قَبِيحَاً؛ أَرَتْكَ مَا أَرَيْتَهَا، أَوْ كَالأَرْض: إِنْ زَرَعْتَهَا تُفَّاحَاً أَنْبَتَتْ لَكَ تُفَّاحَاً، وَإِنْ زَرَعْتَهَا حَنْظَلاً؛ أَنْبَتَتْ لَكَ مَا زَرَعْتَهُ فِيهَا!! فَتَاللهِ لَقَدْ كَانَا * بِأَيْدِيهِمْ أَنْ نَكُونَا كَخَاتَمِ سُلَيْمَانَا * لَكِنَّهُمْ جَعَلُونَا مِثْلَ عَصَا ابْنِ عِمْرَانَا * تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَا ﴿يَاسِرٌ الحَمَدَاني﴾
هَذَا 00 وَإِنْ كَانَ مَطْلَبي فَقَطْ أَنْ تَنهَضَ المُرُوءةُ بِأَحَدِهِمْ فَيَتَوَسَّطَ لي عِنْدَ أَيَّةِ قَنَاةٍ مِنَ القَنَوَاتِ الفَضَائِيَّة، الَّتي يَظْهَرُ فِيهَا بِصُورَةٍ دَوْرِيَّة، أَوْ لَدَى أَيِّةِ إِذَاعَةٍ محَلِّيَّة، أَوْ أَيَّةِ صَحِيفَةٍ مُعَارِضَةٍ أَوْ قَوْمِيَّة، وَلَكِنَّهُمُ اثَّاقَلُواْ إِلى الأَرْض 00!! لاَ أَدْرِي وَاللهِ مَاذَا أَقُول 00؟ غَيرَ أَن أُرَدِّدَ قَوْلَ الشَّاعِر: وَكُلٌّ يَرَى طُرُقَ الشَّجَاعَةِ وَالنَّدَى * وَلَكِنَّ طَبْعَ النَّفْسِ لِلنَّفْسِ قَائِدُ ﴿المُتَنَبيِّ﴾ لَيْتَهُمْ كَانُواْ قُرُودَاً فَحَكَوْا * شِيَمَ الفَضْلِ كَمَا تحْكِي القُرُودْ ﴿ابْنُ الرُّومِي﴾ وَلَكِن أَعُودُ فَأَقُول: إِذَا لَمْ تَكُنْ لِلمَرْءِ نَفْسٌ كَرِيمَةٌ * فَكَيْفَ سَتَسْعَى نَفْسُهُ لِلمَكَارِمِ ﴿يَاسِرٌ الحَمَدَاني﴾
وَمَنْ لَمْ يجْعَلِ اللهُ لَهُ نُورَاً؛ فَمَا لَهُ مِنْ نُور 00!! يَتَحَدَّثُونَ عَنِ المَبَادِئِ وَالقِيَمْ * وَبِلاَ ضَمَائِرَ هُمْ وَلَيْسَ لهُمْ ذِمَمْ ﴿يَاسِرٌ الحَمَدَاني﴾
فَمَا أَدْرِي وَاللهِ كَيْفَ انحَطُّواْ إِلى الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ الحِطَّة، وَهُمْ أَسَاتِذَةٌ في الأَدَب 00!! قَوْمٌ تَوَاصَواْ بِتَرْكِ البرِّ بَيْنَهُمُ * تَقُولُ ذَا شَرُّهُمْ بَلْ ذَاكَ بَلْ هَذَا ﴿أَبُو نُوَاس﴾ الَّذِي يَقْدِرُ مِنهُمْ لاَ يُقَدِّر، وَالَّذِي يُقَدِّرُ مِنهُمْ لاَ يَقْدِر، هَذَا لَوْ كَانَ فِيهِمْ مَنْ يُقَدِّر 00!! وَالَّذِي يَسْتَطِيع مِنهُمْ؛ لَيْسَتْ عِنْدَهُ مُرُوءة، وَالَّذِي عِنْدَهُ مُرُوءة؛ لاَ يَسْتَطِيع، هَذَا 00 لَوْ وَجَدْتَ فِيهِمْ مَن عِنْدَهُ مُرُوءَ ة 00!!
بِيئَةٌ وَبِيئَة، وَمَعَادِنُ رَدِيئَة 00 حَقَّاً وَاللهِ صَدَقَ المُتَنَبيِّ إِذْ يَقُول: بِلاَدٌ مَا اشْتَهَيْتَ رَأَيْتَ فِيهَا * فَلَمْ يَنْقُصْ بِهَا إِلاَّ الْكِرَامُ
إِلى اللهِ أَشْكُو أَنَّ كُلَّ قَبِيلَةٍ * * مِنَ النَّاسِ أَفْني المَوْتُ خِيرَةَ أَهْلِهَا
فَلَمْ أَسَلْ قَطُّ عَنْ قَوْمٍ عَرَفْتُهُمُ * بِالجُودِ وَالفَضْلِ إِلاَّ قِيلَ قَدْ زَالُواْالُ ﴿أَبُو العَتَاهِيَة 0 بِتَصَرُّفٍ يَسِير﴾ عَنْ رُوَيْفِعِ بْنِ ثَابِتٍ الأَنْصَارِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنهُ عَنِ النَّبيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَال: " تَذْهَبُونَ الخَيِّرَ فَالخَيِّر " 0 [صَحَّحَهُ الإِمَامُ الذَّهَبيُّ في التَّلْخِيص، وَحَسَّنَهُ الْعَلاَّمَةُ الأَلْبَانيُّ الصَّحِيحِ وَالصَّحِيحَةِ بِرَقْمَيْ: 2935، 1781، رَوَاهُ الحَاكِم]
عَن عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ عَنِ النَّبيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَال: " إِنَّ اللهَ تَبَارَكَ وَتَعَالىَ: جَعَلَ الدُّنيَا كُلَّهَا قَلِيلاً، وَمَا بَقِيَ مِنهَا إِلاَّ الْقَلِيلُ مِنَ الْقَلِيل، وَمَثَلُ مَا بَقِيَ مِنهَا كَالثَّغَب [بَقِيَّةُ المَاء]، شُرِبَ صَفْوُهُ، وَبَقِيَ كَدَرُه " 0 [صَحَّحَهُ الإِمَامُ الذَّهَبيُّ في التَّلْخِيص، رَوَاهُ الحَاكِمُ في المُسْتَدْرَكِ بِرَقْم: 7904] وَهَكَذَا بَكَيْنَا مَرَّتَين: مَرَّةً عَلَى الأَحْيَاءِ غَيرِ الأَوْفِيَاء، وَأُخْرَى عَلَى الأَوْفِيَاءِ غَيرِ الأَحْيَاء 00 وَمَا حَيَاةُ امْرِئٍ أَمْسَتْ مَدَامِعُهُ * مَقْسُومَةً بَينَ أَحْيَاءٍ وَأَمْوَاتِ نَظْرَةُ المجْتَمَعِ إِلى المَوْهُوبِ غَيرِ المُؤَهَّل
فَالمَرْءُ في الدُّوَلِ النَّامِيَةِ بمَكَانَتِهِ الاَجْتِمَاعيَةِ وَمَرْكَزِهِ المَرْمُوق، حَتىَّ وَلَو كَانَ أَحْمَقَ منْ دَبَّ وَدَرَج، لاَ بِذَاتِهِ حَتىَّ لَوْ كَانَ أَعْظَمَ حَكِيمٍ فَوْقَ صَعِيدِ الأَرْضِ وَتحْتَ أَدِيمِ السَّمَاء؛ وَلِذَا سَفَّهُواْ كَلاَمَ العُظَمَاء، وَعَظَّمُواْ كَلاَمَ السُّفَهَاء؛ ذَلِكَ لأَنهُمْ؛ يَنْظُرُونَ أَوَّلَ مَا يَنْظُرُونَ إِلى شَهَادَةِ القَائِلِ وَلَيْسَ إِلى قَوْلِه؛ فَالمُؤَهَّلُ غَيرُ المَوْهُوبِ عِنْدَهُمْ؛ أَفْضَلُ بِكَثِيرٍ مِنَ المَوْهُوبِ غَيرِ المُؤَهَّل، وَلَوْ فَعَلَ لهُمْ مَا لَمْ يَفْعَلْهُ بَشَر؛ لَقَالُواْ كَذَّابٌ أَشِر 00!!
يُذَكِّرُني هَذَا وَاللهِ؛ بِالآيَةِ الكَرِيمَةِ الَّتي تَقُول: ﴿وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِم بَابَاً مِنَ السَّمَاءِ فَظَلُّواْ فِيهِ يَعْرُجُونَ {14﴾ لَقَالُواْ إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَّسْحُورُونَ} ﴿الحِجْر﴾ فَكَأَنيِّ بِلُقْمَانَ الحَكِيمِ الَّذِي سَارَتْ بخَبرِهِ الرُّكْبَان، وَصَارَ مَضْرِبَ الأَمْثَال، لَوْ ظَهَرَ لَقَالُواْ: " مِن أَيِّ جَامِعَةٍ تخَرَّجَ السَّفِيه " 00؟! بَلْ وَكَأَنيِّ بِالمُتَنَبيِّ لَوْ مَا انْتَفَضَ فَزَالَ القَبرُ وَالكَفَنُ ـ وَكَانَ قَدْ أُشِيعَ في مجْلِسِ كَافُورٍ الإِخْشِيدِيِّ أَنَّهُ قَدْ مَات؛ فَبَعَثَ إِلَيْهِ، بَعْدَ غَضْبَتِهِ عَلَيْهِ؛ بِأَبْيَاتٍ يَقُولُ لَهُ فِيهَا: يَا مَنْ نُعِيتُ عَلَى بُعْدٍ بِمَجْلِسِهِ * كُلٌّ بِمَا زَعَمَ النَّاعُونَ مُرْتَهَنُ
كَمْ قَدْ قُتِلْتُ وَكَمْ قَدْ مُتُّ عِنْدَكُمُ * ثُمَّ انْتَفَضْتُ فَزَالَ القَبرُ وَالكَفَنُ كَأَنِّي بِهَذَا العِمْلاَقِ ـ عَلَى عِظَمِ مَكَانَتِهِ ـ لَوْ انْتَفَضَ فَزَالَ القَبْرُ وَالكَفَنُ؛ لأَعَادُوهُ إِلى قَبْرِهِ وَقَالُواْ لَهُ: مَا الَّذِي أَخْرَجَك 00؟! إِنَّهُ لَمْ يَعُدْ زَمَانَك 00!! وَأَمَّا الفَيْلَسُوفُ الضَّرِير / أَبُو العَلاَءِ المَعَرِّيّ ـ الَّذِي تَطَيَّرُواْ بِهِ وَطَائِرُهُمْ مَعَهُمْ ـ فَكَأَني بِهِ لَوْ بُعِثَ مِنْ قَبرِهِ؛ لأَلقَوْهُ أَرْبَعَاً وَعِشْرِينَ سَاعَةً في التَّخْشِيبَةِ بحجَّةِ عَدَمِ حَمْلِ إِثْبَات شَخْصِيَّة 00!!
هِجْرَةُ العُلَمَاء أَصْبَحْتُ في الدُّنيَا أَرُوحُ وَأَغْتَدِي * وَإِخَالُني في غَيرِ أَرْضِي أَحْرُثُ ﴿ابْنُ الرُّومِي﴾ أَعِيشُ في وَطَني لَكِنْ كَمُغْتَرِبٍ * فِيهِ وَقَدْ قَلَّ في أَهْلِيهِ أَمْثَالي ﴿رَبُّ السَّيْفِ وَالْقَلَم / محْمُود سَامي البَارُودِي بِتَصَرُّف﴾ فَكَمْ حُرِمْنَا وَكَمْ ظُلِمْنَا * وَكَمْ رَأَيْنَا مِنَ الحَوَادِثْ فَأَتْعَسُ الخَلْقِ فَيْلَسُوفٌ * وَكَاتِبٌ مُصْلِحٌ وَبَاحِثْ ﴿يَاسِرٌ الحَمَدَاني﴾
حَقَّاً وَاللهِ: " أَوَّلُ مَا يَضِيعُ العَالِمُ بَينَ أَهْلِه " 00!! أَلُو الْفَضْلِ في أَوْطَانِهِمْ غُرَبَاءُ * تَفِرُّ وَتَنأَى عَنهُمُ القُرَبَاءُ ﴿أَبُو العَلاَءِ المَعَرِّيّ﴾ حَدَّثَ الأَشْجَعِيُّ عَنْ مُوسَى بْنِ طَلْحَةَ عَنِ الحَسَنِ الْبَصْرِيِّ رَحْمَةُ اللهِ عَلَيْهِ أَنَّهُ قَال: " إِنَّ أَزْهَدَ النَّاسِ في الْعَالِمِ جِيرَانُه " 0 [الإِمَامُ الذَّهَبيُّ في سِيَرِ أَعْلاَمِ النُّبَلاَء 0 طَبْعَةِ مُؤَسَّسَةِ الرِّسَالَة 0 ص: 517/ 8] وَانْظُرْ إِلى هِجْرَةِ العُلَمَاءِ مِنَ الدُّوَلِ النَّامِيَة، نَظَرَاً لِمَا يُعَانُونَ فِيهَا مِنَ الذُّلِّ وَالهَوَان، وَتَدَهْوُرِ حُقُوقِ الإِنْسَان، هَلْ لَوْ كَانْ في بِلاَدِهِمْ خَير، كَانَ يَهْجُرُهَا الطِّير 00؟!
يُشِيرُونَ بِالبَنَانِ إِلى عُظَمَاءِ الغَرْب، وَإِذَا مَا مَنَّ اللهُ عَلَيْهِمْ بِعَظِيم؛ بَدَءُ واْ يَبْحَثُونَ فِيهِ عَنِ القِطَطِ الفَاطِسَةِ وَيخْتَلِقُونَ لَهُ الأَخْطَاء، كَاليَهُودِيِّ الَّذِي إِذَا لَقِيَ لحْمَاً رَخِيصَاً قَالَ إِنَّهُ مُنْتِن 00!! وَاللهِ لَوْ وَجَدْتُ مَنْ يَتَبَنىَّ أَفْكَارِي؛ لجَعَلْتُ مِنَ الحَرَكَةِ الأَدَبِيَّةِ الَّتي هِيَ كَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ خَاوِيَةٍ عَلَى عُرُوشِهَا؛ أَفْضَلَ مِنْ قَصْرٍ مَشِيد 00!! قَدْ يَقُولُ قَائِل: لَوْ كَانَ ذَا حِيلَةٍ لَتَحَوَّل 00 لاَ يَسْكُنُ المَرْءُ في أَرْضٍ يُهَانُ بِهَا * إِلاَّ مِنَ العَجْزِ أَوْ مِنْ قِلَّةِ الحِيَلِ
وَفي الأَرْضِ مَنأَىً لِلكَرِيمِ عَنِ الأَذَى * وَفِيهَا لِمَنْ عَانىَ مِنَ الظُّلْمِ مخْرَجُ ﴿الشَّنْفَرَى بِتَصَرُّف﴾ لاَ تَصْبُوَنَّ إِلى وَطَن فِيهِ تُضَامُ وَتُمْتَهَن وَارْبَأْ بِنَفْسِكَ أَنْ تُقِيمَ بِحَيْثُ يَغْشَاكَ الدَّرَن وَارْحَلْ عَنِ الدَّارِ الَّتي قَدْ تَعْتَرِيكَ بِهَا المحَن وَطُفِ البِلاَدَ فَأَيُّهَا أَرْضَاكَ فَاخْترْهُ سَكَن ﴿الحَرِيرِي صَاحِبُ المَقَامَات﴾
قَالَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ المَلاَئِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُواْ فِيمَ كُنْتُمْ قَالُواْ كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ في الأَرْضِ قَالُواْ أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُواْ﴾ ﴿النِّسَاء/97﴾ ﴿وَمَنْ يُهَاجِرْ في سَبِيلِ اللهِ يَجِدْ في الأَرْضِ مُرَاغَمَاً كَثِيرَاً وَسَعَةً وَمَنْ يخْرُجْ مِن بَيْتِهِ مُهَاجِرَاً إِلى اللهِ وَرَسُولِهِ ثمَّ يُدْرِكْهُ المَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللهِ وَكَانَ اللهُ غَفُورَاً رَّحِيمَا﴾ ﴿النِّسَاء: 100﴾ أَمْ صَرَّ الغَزْوُ عَلَيْكَ إِسْتَه 00؟!
عَنْ مُعَاوِيَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ عَنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَال: " لاَ تَنْقَطِعُ الهِجْرَةُ حَتىَّ تَنْقَطِعَ التَّوْبَة، وَلاَ تَنْقَطِعُ التَّوْبَةُ حَتىَّ تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِهَا " [صَحَّحَهُ الْعَلاَّمَةُ الأَلبَانيُّ في الجَامِعِ بِرَقْم: 13426، رَوَاهُ الإِمَامُ أَحْمَدُ في المُسْنَدِ بِرَقْم: 16463 / إِحْيَاءُ التُّرَاث] إِنَّ السَّفَرَ في الحَقِيقَةِ لَيْسَ أَمْرَاً يَسِيرَاً، بَلْ يحْتَاجُ مَالاً كَثِيرَاً: مَالٌ أُسَافِرُ بِهِ وَأُنْفِقُ مِنهُ في غُرْبَتي، وَمَالٌ يُنْفِقُ مِنهُ أَهْلِي في غَيْبَتي 00
وَمَنْ يَدْرِي إِذَا سَافَرْتُ أَرْضَاً * أُرِيدُ العَيْشَ أَيَّهُمَا أُلاَقِي أَفَالعَيْشَ الَّذِي أَنَا أَرْتجِيهِ * أَمِ الفَقْرَ الَّذِي أَنَاْ فِيهِ بَاقِ ﴿المُثَقِّبُ الْعَبْدِيّ 0 بِتَصَرُّف﴾ وَهَلْ يَصُونُ النَّاسُ دَمَاً ضَيَّعَهُ أَهْلُه 00؟! سُبْحَانَ العَالِمِ بِأَحْوَالِ عِبَادِهِ؛ فَقَالَ لَهُمْ في نَفْسِ السُّورَة: ﴿إِلاَّ المُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالوِلْدَانِ لاَ يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلاَ يَهْتَدُونَ سَبِيلاَ {98﴾ فَأُولَئِكَ عَسَى اللهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللهُ عَفُوَّاً غَفُورَا} ﴿النِّسَاء﴾ مَا ضَرَّ لَوْ وَسِعَتْنَا بِلاَدُنَا 00؟!
إِنَّ العَيْبَ في الحَقِيقَةِ لَيْسَ في البِلاَد، وَإِنَّمَا في طِبَاعِ العِبَاد، وَفي الظُّلْمِ وَالاِسْتِبْدَاد 00 لَعَمْرُكَ مَا ضَاقَتْ بِلاَدٌ بِأَهْلِهَا * وَلَكِنَّ أَخْلاَقَ الرِّجَالِ تَضِيقُ ﴿عَمْرُو بْنُ الأَهْتَمِ﴾ فَالأَدِيبُ في الدُّوَلِ المُتَخَلِّفَة: كُلَّمَا طَارَ كَسَرُواْ جَنَاحَه 0 كَمْ قَدْ ظُلِمْتُ كَثِيرَاً فِيكِ يَا بَلَدِي * وَلَمْ أَجِدْ قَوْلَةَ الإِنْصَافِ مِن أَحَدِ ﴿يَاسِرٌ الحَمَدَاني﴾
لَقَدْ لَقِيتُ فِيهَا بَلاَءً مخْتَلِفَاً أَلوَانُه، لَوْ تحَدَّثْتُ بِهِ لَقِيلَ مجْنُون، وَلَوْ سَكَتُّ لأُصِبْتُ فِعْلاً بِالجُنُون؛ وَلِذَا مَلأَتْ كِتَابيَ الشُّجُون، فَإِنَّا للهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُون؛ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنهَا فَإِن عُدْنَا فَإِنَّا ظَالمُون 0 عَن أَبي مُوسَى الأَشْعَرِيَّ رَضِيَ اللهُ عَنهُ عَنِ النَّبيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَال: " إِنَّ بَيْنَ يَدَيِ السَّاعَةِ أَيَّامَاً؛ يُرْفَعُ فِيهَا العِلْم، وَيَنْزِلُ فِيهَا الجَهْل " 0 [رَوَاهُ الإِمَامُ البُخَارِيُّ في صَحِيحِهِ بِرَقْم: (7065 / فَتْح)، وَالإِمَامُ مُسْلِمٌ في صَحِيحِهِ بِرَقْم: 2672 / عَبْد البَاقِي]
عَن عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ رَضِيَ اللهُ عَنهُ عَنِ النَّبيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَال: " إِنَّ اللهَ لاَ يَقْبِضُ الْعِلْمَ انْتِزَاعَاً يَنْتَزِعُهُ مِنَ الْعِبَاد، وَلَكِنْ يَقْبِضُ الْعِلْمَ بِقَبْضِ العُلَمَاء؛ حَتىَّ إِذَا لَمْ يَبْقَ عَالِمٌ اتَّخَذَ النَّاسُ رُءُوسَاً جُهَّالاً، فَسُئِلُواْ فَأَفْتَوْا بِغَيرِ عِلْمٍ فَضَلُّواْ وَأَضَلُّواْ " 0 [رَوَاهُ الإِمَامُ البُخَارِيُّ في صَحِيحِهِ بِرَقْم: (100 / فَتْح)، وَالإِمَامُ مُسْلِمٌ في صَحِيحِهِ بِرَقْم: 2673 / عَبْد البَاقِي]
وَلأَنَّ الْعُلَمَاءَ وَرَثَةُ الأَنْبِيَاء: يَكُونُ بِقَبْضَِ النَّبيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوَّلُ رَفْعِ الْعِلْم 00 عَن عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ الأَشْجَعِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنهُ عَنِ النَّبيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ نَظَرَ إِلىَ السَّمَاءِ يَوْمَاً فَقَال: " هَذَا أَوَانُ يُرْفَعُ الْعِلْم " [صَحَّحَهُ الأُسْتَاذ شُعَيْب الأَرْنَؤُوط في صَحِيحِ الإِمَامِ ابْنِ حِبَّان، وَالإِمَامُ الذَّهَبيُّ في التَّلْخِيص، وَالْعَلاَّمَةُ الأَلبَانيُّ في سُنَنِ الإِمَامِ التِّرْمِذِيّ] عَن أَبي أُمَيَّةَ اللَّخْمِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنهُ عَنِ النَّبيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَال: " إِنَّ مِن أَشْرَاطِ السَّاعَةِ أَنْ يُلْتَمَسَ الْعِلْمُ عِنْدَ الأَصَاغِر " 0 [صَحَّحَهُ الْعَلاَّمَةُ الأَلْبَانيُّ في الصَّحِيحِ وَالصَّحِيحَةِ بِرَقْمَيْ: (2207، 695)، وَرَوَاهُ الإِمَامُ الطَّبرَانيُّ في الْكَبِير]
إِلى كَمْ مُقَامِي في بِلاَدٍ كَهَذِهِ * تَسَاوَى بِهَا آسَادُهَا وَكِلاَبُهَا أُقَلِّدُهَا الدُّرَّ الثَّمِينَ وَإِنَّهُ * لَعَمْرُكَ شَيْءٌ أَنْكَرَتْهُ رِقَابُهَا ﴿بَهَاءُ الدِّينِ الزُّهَير﴾ أَبَيْتُ جِوَارَهَا أَرْضَا * بِغَيرِ الظُّلْمِ لاَ تَرْضَى بِلاَدٌ ظُلْمُهَا أَمْسَى * عَلَى أَبْنَائِهَا فَرْضَا فَلَوْ عَرَضَ الزَّمَانُ عَلَى * رِجَالِ بِلاَدِنَا عَرْضَا وَقَالَ مَنَحْتُكُمْ يَا قَوْ * مُ طُولَ الأَرْضِ وَالعَرْضَا بِشَرْطٍ وَاحِدٍ أَنْ لاَ * يُنَازِعَ بَعْضُكُمْ بَعْضَا لَكَانَ جَوَابهُمْ في صَوْ *تِ رَجُلٍ وَاحِدٍ رَفْضَا
نَظَرْتُ فَلمْ أَجِدْ في مِصْـ * ـرَ إِلاَّ الحِقْدَ وَالبُغْضَا فَدَاءُ عَدَائِنَا اسْتَعْصَى * وَبَيْتُ إِخَائِنَا انْقَضَّا مَسَكْتُ يَدَ الإِخَاءِ فَمَا * وَجَدْتُ بِقَلْبِهِ نَبْضَا هُمُومٌ في نَوَاحِي الصَّدْرِ * يَزْحَمُ بَعْضُهَا بعْضَا فَقَلْبي صَارَ مُسْتَشْفَى * وَكُلُّ جَوَارِحي مَرْضَى ﴿الشَّاعِرُ القَرَوِي / رَشِيد سَلِيمٌ الخُورِي﴾
الأَحْلاَمُ وَالأَمَانيّ وَلِذَا قُلْتُ أَخِيرَاً، بَعْدَمَا فَكَّرْتُ كَثِيرَاً: مَن أَرَادَ هُنَا تحْقِيقَ الأَحْلاَم؛ فَعَلَيْهِ أَنْ يَنَام؛ فَأَخْلَدْتُ إِلى الأَحْلاَمِ وَالأُمْنِيَّات، وَقَضَيْتُ بِضْعَ سِنِينَ أُخْرَيَات: أَحْيى عَلَى أَمَلِي وَكَمْ مِنْ شَاعِرٍ * يحْيى كَمَا أَحْيى عَلَى الأَوْهَامِ وَإِذَا الحَقِيقَةُ أَعْجَزَتْكَ فَرُبَّمَا * أَدْرَكْتَ مَا أَعْيَاكَ بِالأَحْلاَمِ ﴿محَمَّدٌ الأَسْمَر أَوْ محْمُود غُنيم﴾
وَأَحْيَانَاً تخَفِّفُ الأَحْلاَم؛ بَعْضَ مَا في اليَقَظَةِ مِن آلاَم، غَيرَ أَنَّهُ وَبَعْدَ اليَقَظَةِ تَتَضَاعَفُ الآلاَم 00 إِنَّ الأَمَانيَ وَالأَحْلاَمَ تَضْلِيلُ ﴿كَعْبُ بْنُ زُهَيْر﴾ وَلاَ عَيبَ في الأَحْلاَمْ * إِلاَّ أَنَّهَا أَحْلاَمْ فَالحُبُّ الحَقِيقِي لاَ * يُوجَدُ إِلاَّ في الأَفلاَمْ ﴿يَاسِرٌ الحَمَدَاني﴾
هَذَا هُوَ بِاخْتِصَارٍ مِشْوَارِي مَعَ العِلْم، أُوذِينَا مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَنَا وَمِنْ بَعْدِ مَا جَاءنَا 00 عِشْرُونَ عَامَاً في طَريقِيَ سَائِرٌ * وَالمَرْءُ قَدْ يَبْلَى مَعَ الأَيَّامِ وَحَسِبْتُ آلاَمِي انْتَهَتْ لَمَّا انْتَهَى * فَإِذَا النِّهَايَةُ أَعْظَمُ الآلاَمِ ﴿إِيلِيَّا أَبُو مَاضِي أَوْ محَمَّدٌ الأَسْمَر﴾ كَقَوْمٍ سَرَواْ طِيلَةَ اللَّيْل، وَلَكِن أَصْبَحُواْ؛ وَلَمْ يحْمَدِ القَوْمُ السُّرَى 00!!
تمَنىَّ أُنَاسٌ أَنْ يَنَالُواْ مَكَانَتي * وَلَمْ يَعْلَمُواْ كَيْفَ اجْتَرَعْتُ مَرِيرَهَا ﴿يَاسِرٌ الحَمَدَاني 0 يُقَالُ جَرَعَ الدَّوَاءَ وَتجَرَّعَهُ وَاجْتَرَعَهُ، الْكُلُّ صَحِيح 0 لِسَانُ الْعَرَب﴾ كُنْتُ أَفْرَغُ مِنْ كِتَابٍ لأَبْدَأَ في كِتَاب، وَمَا كُنْتُ أَنَامُ حَتىَّ يَنَامَ ظَالِعُ الكِلاَب، أَوْ يَتَبَيَّنَ الخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْر 00!! دَهْرٌ مَضَى وَأَنَا في المَكْتَبَاتِ صَبي * قَصِيدَةُ الشِّعْرِ أُمِّي وَالْكِتَابُ أَبي بَيْنَ المَرَاجِعِ أَقْضِي الْيَوْمَ في نَهَمٍ * حَتىَّ لَقَدْ عَرَفَتْني أَرْفُفُ الْكُتُبِ ﴿يَاسِرٌ الحَمَدَاني﴾ أَضُمُّ الْكِتَابَ إِلى أَضْلُعِي * كَأَنيِّ مَلَكْتُ الثُّرَيَّا مَعِي
لَكَ اللهُ يَا حَافِظ؛ كَأَنَّكَ تُعَبِّرُ عَمَّا يجِيشُ في صَدْرِي وَأَنْتَ تَقُول: أَفَتِلْكَ عَاقِبَتي وَذَاكَ مَآلي * خُطُّواْ المَضَاجِعَ وَادْفِنُواْ آمَاليالِ لاَ تَخْدَعُوني بِالمُنى وَحَدِيثِهَا * قَدْ كَانَ ذَلِكَ في الزَّمَانِ الخَاليالِ فَلَقَدْ بَرِمْتُ بِمِصْرَ حِينَ وَجَدْتُّهَا * قَبرَ النُّبُوغِ وَمَسْرَحَ الجُهَّالِ بَلَدٌ تَسَرْبَلَ بِالحَرِيرِ جَهُولُهُ * وَمَشَى الأَدِيبُ بِهِ بِلاَ سِرْبَالِ إِنْ شِئْتَ أَنْ تحْيَا بِمِصْرَ فَلاَ تَكُن * حَيَّ الضَّمِيرِ تَعِشْ خَلِيَّ البَالِ وَاظْفَرْ بِذِي جَاهٍ فَعِشْ في ظِلِّهِ * أَوْ عِشْ بِلاَ جَاهٍ وَلاَ أَمْوَالِ اللهُ يَشْهَدُ لَوْ أَرَدْتُّ بَلَغْتُهُ * لَكِنَّ مَاءَ الوَجْهِ عِنْدِي غَاليالِ
وَمِنَ العَجَائِبِ وَالعَجَائِبُ جَمَّةٌ * قُرْبُ الدَّوَاءِ وَمَا إِلَيْهِ وُصُولُ كَالنُّوقِ في البَيْدَاءِ يَقْتُلُهَا الظَّمَا * وَالمَاءُ فَوْقَ ظُهُورِهَا محْمُولُ
صَبَرْنَا إِلى أَنْ مَلَّ مِنْ صَبْرِنَا الصَّبْرُ * وَقُلْنَا غَدَاً أَوْ بَعْدَهُ يَنْجَلِي الأَمْرُ سَلاَمٌ عَلَى الدُّنيَا سَلاَمٌ عَلَى الوَرَى * إِذَا مَا عَلاَ الْعُصْفُورُ وَانخَفَضَ النَّسْرُ سَيَذْكُرُني قَوْمِي إِذَا عِيبَ جَهْلُهُمْ * وَفي اللَّيْلَةِ الظَّلْمَاءِ يُفْتَقَدُ البَدْرُ ﴿البَيْتُ الأَخِيرُ فَقَطْ لأَبي فِرَاسٍ الحَمَدَانيِّ بِتَصَرُّف﴾
الذَّنْبُ يَرْجِعُ لِلصَّحَافَة * وَإِلى وَزَارَاتِ السَّخَافَة كَمْ قَدَّمُواْ لِلنَّاسِ فَنَّاً هَابِطَاً بِاسْمِ الثَّقَافَة كَمْ عَبْقَرِيٍّ ضَيَّعُوهُ كَانَ يُعْرَفُ بِالحَصَافَة مَا حَاوَلَتْ تِلْكَ الجِهَاتُ الْبَحْثَ عَنهُ وَاكْتِشَافَة أَكَلَ الْبُقُولَ وَغَيْرُهُ أَكَلَ الْقَطَائِفَ وَالْكُنَافَة كَمْ بَينَ مِصْرٍ وَالتَّقَدُّمِ يَا صَدِيقِي مِنْ مَسَافَة ﴿يَاسِرٌ الحَمَدَاني﴾
أَلاَ فَابْكُواْ: فَتىً غَضَّ الإِهَابِ دَفَنْتُمُوهُ * بِآمَالٍ لَهَا طَلْعٌ نَضِيدُ زَمَانٌ ضَاعَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِيهِ * فَلاَ المَأْمُونُ فِيهِ وَلاَ الرَّشِيدُ ﴿يَاسِرٌ الحَمَدَاني، بِاسْتِثْنَاءِ المِصْرَاعِ الثَّاني مِنَ الْبَيْتِ الأَوَّلِ فَهُوَ لاَبْنِ الرُّومِي﴾ دَوْرُ الأَغْنِيَاءِ في رِعَايَةِ العُلَمَاء لَقَدْ كَانَتْ بهَذَا البَيْتِ المَرِيرِ خَاتمَةُ الكِتَاب، وَلَكِنْ كَعَادَةِ القُرَّاءِ الَّذِينَ أَكْثرُهُمْ مِنَ الشَّبَاب: لاَ يحِبُّونَ النِّهَايَةَ الأَلِيمَة، حَتىَّ وَإِنْ كَانَتْ صَادِقَة، وَلِذَا أَسُوقُ إِلَيْكُمْ بَعْضَ العِبَارَاتِ المُنِيرَةِ الزَّاهِيَة، بَعْدَ تِلْكَ العَبرَاتِ المَرِيرَةِ الدَّامِيَة 00
إِنَّ القَارِئَ بِطَبِيعَتِهِ ضَعِيفُ الكَاهِل، وَلَعَلَّهُ أَمْسَكَ بِالْكِتَابِ لِيَهْرَبَ مِنَ الهُمُومِ وَالمَشَاكِل، لاَ لِيَقْرَأَ فِيهِ عَنهَا؛ فَلَدَيْهِ مَا يَكْفِيهِ مِنهَا؛ وَلِذَا أُضِيفُ وُرَيْقَاتٍ يَسِيرَة، إِلى هَذِهِ الخَاتمَةِ الأَخِيرَة؛ لأَرْسِمَ بهَا الاَبْتِسَامَةَ عَلَى شَفَتَيْه، وَأُقِرَّ بِذَلِكَ عَيْنَيْه، وَأُدْخِلَ السُّرُورَ عَلَيْه 00 وَلَكِنْ يَعَزُّ عَلَيَّ أَنْ تَكُونَ كُلُّ ثَرْوَتِنَا في الآلاَمِ وَالأَحْلاَم، وَأَنْ يَنْقَضِيَ الأَمْرُ عَلَى مجَرَّدِ كَلاَم، عَلَيْكَ يَا أَخِي؛ كُلَّمَا رَأَيْتَ بَاحِثَاً مَوْهُوبَاً، أَوْ عَالِمَاً محْبُوبَاً، وَرَأَيْتَ أَنَّكَ بِهِ مَبْهُور؛ أَنْ تَتَذَكَّرَ أَنَّ في الدُّوَلِ الفَقِيرَةِ أَلْفُ بَاحِثٍ هُوَ أَفْضَلُ مِنهُ غَيرُ مَشْهُور، ادْعُ اللهَ لَهُمْ وَأَنْتَ سَاجِد، وَكُنْ لَهُمْ خَيرَ مُسَاعِد 00
هَذَا عَنْ جُهْدِ المُقِلّ، الَّذِي لاَ يَسْتَطِيعُ غَيرَهُ محْدُودُ الدَّخْل، أَمَّا مِنَ النَّاحِيَةِ السَّرِيعَةِ وَالْعَمَلِيَّة: فَهَذَا كَمَا قُلْنَا آنِفَاً عَلَى الطَّبَقَةِ الثَّرِيَّة، فَمِنَ المُؤْسِفِ أَنْ تَسْبِقَنَا الدُّولُ الكَافِرَة؛ في تَبَنيِّ المَوْهُوبِينَ وَالعَبَاقِرَة، إِنَّ الأَعْمَالَ الخَيرِيَّةَ في الدُّوَلِ المُتَقَدِّمَات؛ تَقُومُ عَلَى الجُهُودِ الذَّاتِيَّةِ وَالتَّبرُّعَات، وَلَيْسَ عَلَى الحُكُومَات 00 لَيْتَ رِجَالَ الأَعْمَالِ العَرَب؛ يَلْتَفِتُونَ قَلِيلاً إِلى أَوْطَانهِمْ، وَيَنْظُرُونَ بِعَينِ الرَّحْمَةِ إِلى المُبْدِعِينَ الَّذِينَ يَمُوتُونَ مِنَ التَّعَب، وَرُبَّمَا لاَ يجِدُ أَهْلُوهُمْ ثمَنَ أَكْفَانهِمْ، أَلاَ تَأْخُذُهُمْ فِيهِمْ رَأْفَة 00؟!
لَيْتَهُمْ يُنْشِؤُونَ جَمْعِيَّةً خَيرِيَّةً لِتَبَنِّيهِمْ مَادِّيَّاً وَأَدَبِيَّاً؛ فَهُمْ أَوْلى مِنَ المُعَوَّقِينَ ذِهْنِيَّاً، وَالمَوْهُوبِينَ فَنِيَّاً، وَالأُمَّةُ في حَاجَةٍ إِلى عُقُولِهِمُ الجِسَام، لاَ سِيَّمَا في مِثْلِ هَذِهِ الأَيَّام، الَّتي تُبَاعُ فِيهَا وَتُشْتَرَى أُمَّةُ الإِسْلاَم 00
هَلْ لاَعِبُ الكُرَةِ وَالمُغَنيِّ عِنْدَنَا؛ أَفْضَلُ مِنَ المُفَكِّرِ أَوِ الكَاتِبِ الإِسْلاَمِيّ؛ حَتىَّ نُنْشِئَ مَدَارِسَ لِرِعَايَةِ المَوْهُوبِينَ رِيَاضِيَّاً، وَنَتْرُكَ المَوْهُوبِينَ عِلْمِيَّاً وَفِكْرِيَّاً وَأَدَبِيَّاً 00؟!