موسوعة الرقائق والأدب - ياسر الحمدانيصفحات 4700-4739
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كِتَابُ فَقْدِ الأَحِبَّة:

صفحات 4700-4739
عن هذه الطبعة
عَلَم
ياسر الحمداني
الكتاب
موسوعة الرقائق والأدب
المؤلف
ياسر بن أحمد بن محمود بن أحمد بن أبي الحمد الكويس الحمداني
عدد الأجزاء
1 [الكتاب مرقم آليا]

قَالَ كَرَّمَ اللهُ وَجْهَهُ: مَا آمُرُكُمْ وَلاَ أَنهَاكُمْ؛ أَنْتُمْ أَبْصَر، فَلَمَّا قُبِضَ عَلِيٌّ كَرَّمَ اللهُ وَجْهَهُ بَعَثَ الحسن إِلى بْنِ مُلْجَمٍ فأُدْخِلَ عَلَيْه؛ فَقَالَ لَهُ بْنُ مُلْجَم: هَلْ لَكَ في خَصْلَة؛ إِنيِّ واللهِ ما أَعْطَيْتُ اللهَ عَهْدَاً إِلاَّ وَفَيْتُ بِه، إِنيِّ كُنْتُ أَعْطَيْتُ اللهَ عَهْدَاً أَن أَقْتُلَ عَلِيَّاً وَمُعَاوِيَةَ أَوْ أَمُوتَ دُونَهُمَا؛ فَإِنْ شِئْتَ خَلَّيْتَ بَيْني وَبَيْنَه، وَلَكَ اللهُ عَلَيَّ إِنْ لَمْ أُقْتَلْ أن آتِيَكَ حَتىَّ أَضَعَ يَدِي في يَدِك؛ فَقَالَ لَهُ الحَسَن رَضِيَ اللهُ عَنهُ: لاَ وَاللهِ أَوْ تُعَايِنَ النَّار، فَقَدَّمَهُ فَقَتَلَهُ، ثمَّ أَخَذَهُ النَّاسُ فَأَدْرَجُوهُ في بَوَارِي ـ أَيْ في حُصُرٍ ـ ثمَّ أَحْرَقُوهُ بِالنَّار، وَقَدْ كَانَ عَلِيٌّ كَرَّمَ اللهُ وَجْهَهُ قَال:

يَا بَني عَبْدِ المُطَّلِب؛ لاَ أَلْفَيَنَّكُمْ تخُوضُونَ دِمَاءَ المُسْلِمِين، تَقُولُونَ قُتِلَ أَمِيرُ المُؤْمِنِينَ قُتِلَ أَمِيرُ المُؤْمِنِين؛ أَلاَ لاَ يُقْتَلْ بي إِلاَّ قَاتِلِي، وَأَمَّا البُرْكُ بْنُ عَبْدِ الله؛ فَقَعَدَ لِمُعَاوِيَة، فَخَرَجَ لِصَلاَةِ الْغَدَاة، فَشَدَّ عَلَيْهِ بِسَيْفِهِ، وَأَدْبَرَ مُعَاوِيَةُ هَارِبَاً، فَوَقَعَ السَّيْفُ في إِلْيَتِهِ ـ أَيْ إِلْيَةِ مُعَاوِيَةَ ـ فَقَالَ البُرْك: إِنَّ عِنْدِي خَبرَاً أُبَشِّرُكَ بِه؛ فَإِن أَخْبرْتُكَ أَنَافِعِي ذَلِكَ عِنْدَك 00؟ قَالَ وَمَا هُوَ 00؟

قَال: إِنَّ أَخَاً لي قَتَلَ عَلِيَّاً في هَذِهِ اللَّيْلَة؛ قَالَ ـ أَيْ مُعَاوِيَة: فَلَعَلَّهُ لَمْ يَقْدِرْ عَلَيْه؛ قَالَ بَلَى؛ إِنَّ عَلِيَّاً يخْرُجُ لَيْسَ مَعَهُ أَحَدٌ يحْرُسُه؛ فَأَمَرَ بِهِ مُعَاوِيَة رَضِيَ اللهُ عَنهُ فَقُتِل، فَبَعَثَ إِلى السَّاعِدِيِّ وَكَانَ طَبِيبَاً، فَنَظَرَ إِلَيْهِ فَقَال: إِنَّ ضَرْبَتَكَ مَسْمُومَة؛ فَاخْتَرْ مِنيِّ إِحْدَى خَصْلَتَين: إِمَّا أَن أَحْمِيَ حَدِيدَةً فَأَضَعَهَا مَوْضِعَ السَّيْف، وَإِمَّا أَسْقِيَكَ شَرْبَةً تَقْطَعُ مِنْكَ الْوَلَدَ وَتَبرَأُ مِنهَا؛ فَإِنَّ ضَرْبَتَكَ مَسْمُومَة؛ فَقَالَ لَهُ مُعَاوِيَة: أَمَّا النَّارُ فَلاَ صَبرَ لي عَلَيْهَا، وَأَمَّا انْقِطَاعُ الْوَلَد؛ فَإِنَّ في يَزِيدَ وَعَبْدِ اللهِ وَوَلَدِهِمَا مَا تَقَرُّ بِهِ عَيْني؛ فَسَقَاهُ تِلْكَ اللَّيْلَةَ الشَّرْبَةَ

فَبَرِأَ فَلَمْ يُولَدْ بَعْدُ لَه، فَأَمَرَ مُعَاوِيَةُ رَضِيَ اللهُ عَنهُ بَعْدَ ذَلِكَ بِالمَقْصُورَاتِ ـ أَيْ بِالْقَاعَاتِ المحَصَّنَة ـ وَقِيَامِ الشُّرَطِ عَلَى رَأْسِه، وَقَالَ عَلِيٌّ لِلْحَسَنِ وَالحُسَين

رَضِيَ اللهُ عَنهُمْ: أَيْ بَنيّ؛ أُوصِيكُمَا بِتَقْوَى اللهِ وَإِقَامِ الصَّلاَةِ لِوَقْتِهَا، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ ثَمَّ محِلِّهَا ـ أَيْ في مِيعَادِهَا ـ وَحُسْنِ الْوُضُوء؛ فَإِنَّهُ لاَ تُقْبَلُ صَلاَةٌ إِلاَّ بِطَهُور، وَأُوصِيكُمْ بِغَفْرِ الذَّنْبِ وَكَظْمِ الْغَيْظِ وَصِلَةِ الرَّحِم، وَالحِلْمِ عَنِ الجَهْلِ وَالتَّفَقُّهِ في الدِّينِ وَالتَّثَبُّتِ في الأَمْر، وَتَعَاهُدِ الْقُرْآنِ وَحُسْنِ الجِوَار، وَالأَمْرِ بِالمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ وَاجْتِنَابِ الْفَوَاحِش، ثُمَّ نَظَرَ إِلى محَمَّدِ بْنِ الحَنَفِيَّةِ فَقَال: هَلْ حَفِظْتَ مَا أَوْصَيْتُ بِهِ أَخَوَيْك 00؟

قَالَ نَعَمْ؛ قَالَ فَإِنيِّ أُوصِيكَ بِمِثْلِهِ وَأُوصِيكَ بِمِثْلِه، وَأُوصِيكَ بِتَوْقِيرِ أَخَوَيْكَ لِعَظَمِ حَقِّهِمَا عَلَيْكَ وَتَزْيِينِ أَمْرِهِمَا، وَلاَ تَقْطَعْ أَمْرَاً دُونهُمَا، ثمَّ قَالَ لهُمَا: أُوصِيكُمَا بِهِ؛ فَإِنَّهُ شَقِيقُكُمَا وَابْنُ أَبِيكُمَا، وَقَدْ عَلِمْتُمَا أَنَّ أَبَاكُمَا كَانَ يحِبُّه، ثُمَّ أَوْصَى: بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيم؛ هَذَا مَا أَوْصَى بِهِ عَلِيُّ بْنُ أَبي طَالِبٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ، أَوْصَى: أَنَّهُ يَشْهَدُ أَلاَّ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لُهُ، وَأَنَّ محَمَّدَاً عَبْدَهُ وَرَسُولُه، أَرْسَلَهُ رَسُولَهُ بِالهُدَى وَدِينِ الحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ المُشْرِكُون، ثُمَّ إِنَّ صَلاَتي وَنُسُكِي وَمحْيَايَ وَممَاتي للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ لاَ شَرِيكَ

لَه، وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا مِنَ المُسْلِمِين، ثُمَّ أُوصِيكُمَا يَا حَسَنُ وَيَا أَهْلِي وَوَلَدِي، وَمَنْ بَلَغَهُ كِتَابي: بِتَقْوَى اللهِ رَبِّكُمْ، وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُون، وَاعْتَصِمُواْ بحَبْلِ اللهِ جَمِيعَاً وَلاَ تَفَرَّقُوا؛ فَإِنيِّ سَمِعْتُ أَبَا الْقَاسِمِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُول: " إِنَّ صَلاَحَ ذَاتَ الْبَين؛ أَعْظَمُ مِن عَامَّةِ الصَّلاَةِ وَالصِّيَام " 0

وَانْظُرُواْ إِلى ذَوِي أَرْحَامِكُمْ فَصِلُوهُمْ؛ يُهَوِّنُ اللهُ عَلَيْكُمُ الحِسَاب، وَاللهَ اللهَ في الأَيْتَام؛ لاَ يَضِيعُنَّ بحَضْرَتِكُمْ، وَاللهَ اللهَ في الصَّلاَة؛ فَإِنهَا عَمُوُد دِينِكُمْ، وَاللهَ اللهَ في الزَّكَاة؛ فَإِنهَا تُطْفِئُ غَضَبُ الرَّبُّ عَزَّ وَجَلّ، وَاللهَ اللهَ في الْفُقَرَاءِ وَالمَسَاكِين؛ فَأَشْرِكُوهُمْ في مَعَايِشِكُمْ، وَاللهَ اللهَ في الْقُرْآن؛ فَلاَ يَسْبِقَنَّكُم وَمَعْنَاهُ بِهِ غَيرُكُمْ، وَاللهَ اللهَ في الجِهَادِ في سَبِيلِ اللهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ، وَاللهَ اللهَ في بَيْتِ رَبِّكُمْ عَزَّ وَجَلَّ؛ لاَ يَخْلُوَنَّ مَا بَقِيتُمْ؛ فَإِنَّهُ إِنْ تُرِكَ لَمْ تُنَاظَرُواْ ـ أَيْ لَمْ تُمْهَلُواْ ـ وَاللهَ اللهَ في أَهْلِ ذِمَّةِ نَبِيِّكُمْ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم؛ فَلاَ يُظْلَمُنَّ بَينَ

ظَهْرَانَيْكُمْ، وَاللهَ اللهَ في جِيرَانِكُمْ؛ فَإِنَّهُمْ وَصِيَّةُ نَبِيِّكُمْ؛ قَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم: " مَا زَالَ جِبْرِيلُ يُوصِيني بِالجَار، حَتىَّ ظَنَنْتُ أَنَّهُ سَيُوَرِّثُه " 0 وَاللهَ اللهَ في أَصْحَابِ نَبِيِّكُمْ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَإِنَّهُ وَصَّى بِهِمْ، وَاللهَ اللهَ في الضَّعِيفَين: نِسَائِكُمْ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ؛ فَإِنَّ آخِرَ مَا تَكَلَّمَ بِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ قَال: أُوصِيكُمْ بِالضَّعِيفَين: النِّسَاء وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ، الصَّلاَةَ الصَّلاَة 00 لاَ تخَافُنَّ في اللهِ لَوْمَةَ لاَئِم؛ يَكْفِكُمْ مِن أَرَادَكُمْ وَبَغَى عَلَيْكُمْ 00 ﴿وَقُولُواْ لِلنَّاسِ حُسْنَاً﴾ ﴿البَقَرَة/83﴾

كَمَا أَمَرَكُمُ الله، وَلاَ تَتْرُكُواْ الأَمْرَ بِالمَعْرُوفِ وَالنَّهْيَ عَنِ المُنْكَر؛ فَيُوَلىَّ أَمْرَكُمْ شِرَارُكُمْ، ثُمَّ تَدْعُونَ فَلاَ يُسْتَجَابُ لَكُمْ، عَلَيْكُمْ بِالتَّوَاصُلِ وَالتَّبَاذُلِ ـ أَيْ تَبَادُلِ السَّخَاء، وَالْبَذْلِ وَالْعَطَاء ـ وَإِيَّاكُمْ وَالتَّقَاطُعَ وَالتَّدَابُرَ وَالتَّفَرُّق 00 ﴿وَتَعَاوَنُواْ عَلَى البرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى الإِثْمِ وَالعُدْوَانِ وَاتَّقُواْ اللهَ إِنَّ اللهَ شَدِيدُ العِقَاب﴾ ﴿المَائِدَة/2﴾

وَأَمَّا عَمْرُو بْنُ أَبي بَكْر؛ فَقَعَدَ لِعَمْرِو بْنِ الْعَاصِ رَحِمَهُ اللهُ في تِلْكَ اللَّيْلَةَ الَّتي ضُرِبَ فِيهَا مُعَاوِيَةَ فَلَمْ يَخْرُجْ؛ وَكَانَ اشْتَّكَى بَطْنَهُ فَأَمَرَ خَارِجَةَ بْنَ أَبي حَبِيبٍ ـ وَكَانَ صَاحِبَ شُرْطَتِهِ، وَكَانَ مِنْ بَني عَامِرِ بْنِ لُؤَيّ ـ فَخَرَجَ يُصَلِّي بِالنَّاس، فَشَدَّ عَلَيْهِ وَهُوَ يَرَى أَنَّهُ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ فَضَرَبَهُ بِالسَّيْفِ فَقَتَلَه؛ فَأُخِذَ وَأُدْخِلَ عَلَى عَمْرِو، فَلَمَّا رَآهُمْ يُسَلِّمُونَ عَلَيْهِ بِالإِمْرَةِ قَالَ مَن هَذَا 00؟ قَالُواْ عَمْرُو بْنُ الْعَاص، قَالَ فَمَنْ قَتَلْت 00؟

قَالُواْ خَارِجَة، قَال: أَمَا وَاللهِ يَا محْمُودُ مَا ضَمِدْتُ غَيرَك ـ أَيْ مَا حَقَدْتُ عَلَى سِوَاك ـ قَالَ عَمْرو: أَرَدْتَني وَاللهُ أَرَادَ خَارِجَة، فَقَدَّمَهُ فَقَتَلَه " 0 [قَالَ الإِمَامُ الهَيْثَمِيُّ في " المجْمَع ": هُوَ مُرْسَلٌ وَإِسْنَادُهُ حَسَن 0 ص: (144/ 9)، رَوَاهُ الطَّبرَانيُّ في الكَبِيرِ ص: (168)، وَحَدِيثُ " مَا زَالَ جِبْرِيلُ يُوصِيني بِالجَار " رَوَاهُ البُخَارِيُّ في صَحِيحِهِ بِرَقْم: (6015 / فَتْح)، وَمُسْلِمٌ في صَحِيحِهِ بِرَقْم: 2625 / عَبْد البَاقِي] رَوَى عَمْرُو بْنُ حُبْشِيٍّ عَنِ الحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ رَضِيَ اللهُ عَنهُ أَنَّهُ قَال:

" خَطَبَنَا الحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ بَعْدَ قَتْلِ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللهُ وَجْهَهُ فَقَال: لَقَدْ فَارَقَكُمْ رَجُلٌ بِالأَمْس؛ مَا سَبَقَهُ الأَوَّلُونَ بِعِلْمٍ، وَلاَ أَدْرَكَهُ الآخِرُون، إِنْ كَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَيَبْعَثُهُ وَيُعْطِيهِ الرَّايَةَ فَلاَ يَنْصَرِفُ حَتىَّ يُفْتَحَ لَه " 0 [صَحَّحَهُ الْعَلاَّمَة أَحْمَد شَاكِر في المُسْنَدِ بِرَقْم: 1720، رَوَاهُ الإِمَامُ أَحْمَد] عَنْ محَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ الحُسَينِ رَضِيَ اللهُ عَنهُ قَال: " تُوُفيَ عَلِيٌّ وَهُوَ ابْنُ ثَمَانٍ وَخَمْسِين " 0 [قَالَ الإِمَامُ الهَيْثَمِيُّ في " المجْمَعِ " رِجَالُهُ رِجَالُ الصَّحِيح 0 ص: 145/ 9] وَقَالَ أَبُو الأَسْوَدِ الدُّؤَليُّ في رِثَاءِ الإِمَامِ عَلِيّ:

قَتَلْتُمْ خَيرَنَا حَسَبَاً وَدِينَا * فَلاَ قَرَّتْ عُيُونُ الشَّامِتِينَا أَفي الشَّهْرِ الحَرَامِ فَجَعْتُمُونَا * بخَيرِ النَّاسِ طُرَّاً أَجْمَعِينَا قَتَلْتُمْ خَيرَ مَنْ رَكِبَ المَطَايَا * وَمَنْ قَرَأَ المَثَانيَ وَالمِئِينَا [قَالَ الإِمَامُ الهَيْثَمِيُّ في " المجْمَع ": هُوَ مُرْسَلٌ وَإِسْنَادُهُ حَسَن 0 ص: (144/ 9)، رَوَاهُ الطَّبرَانيُّ في الكَبِيرِ ص: 168] وَعَنْ يحْيى بْنِ بَكِيرٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ قَال: " قُتِلَ عَلِيُّ بْنُ أَبي طَالِبٍ يَوْمَ الجُمُعَة، يَوْمَ سَبْعَ عَشْرَةَ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ سَنَةَ أَرْبَعِين " 0 [وَثَّقَهُ الإِمَامُ الهَيْثَمِيُّ في " المجْمَع " 0 ص: (145/ 9)، وَالحَدِيثُ رَوَاهُ الإِمَامُ الطَّبرَانيّ]

وَعَن أَبي بَكْرِ بْنِ أَبي شَيْبَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ قَال: " قُتِلَ عَلِيٌّ سَنَةَ أَرْبَعِين، وَكَانَتْ خِلاَفَتُهُ خَمْسَ سِنِينَ وَسِتَّةَ أَشْهُر " [وَثَّقَهُ الإِمَامُ الهَيْثَمِيُّ في " المجْمَع " 0 ص: (146/ 9)، وَالحَدِيثُ رَوَاهُ الإِمَامُ الطَّبرَانيّ]

وَفَاةُ سَيِّدَةِ نِسَاءِ المُؤْمِنِين: فَاطِمَة رَضِيَ اللهُ عَنهَا لَمَّا دُفِنَتْ فَاطِمَةُ رَضِيَ اللهُ عَنهَا قَامَ عَلِيٌّ كَرَّمَ اللهُ وَجْهَهُ عِنْدَ قَبرِهَا فَقَالَ: لِكُلِّ اجْتِمَاعٍ مِن خَلِيْلَينِ فُرْقَةٌ * وَكُلُّ الَّذِي دُونَ المَمَاتِ قَلِيلُ وَإِنَّ افْتِقَادِي وَاحِدَاً بَعْدَ وَاحِدٍ * دَلِيلٌ عَلَى أَلاَّ يَدُومَ خَلِيلُ [الحَاكِمُ في المُسْتَدْرَكِ بِرَقْم: (4768)، وَابْنُ حَجَرٍ العَسْقَلاَني 0 في " لِسَانِ المِيزَانِ " بِرَقْم: 699]

اسْتِشْهَادُ الحُسَينِ رضي الله عنه عَن أُمِّ المُؤْمِنِينَ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهَا عَنِ النَّبيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَال: " لَقَدْ دَخَلَ عَلَيَّ البَيْتَ مَلَكٌ لَمْ يَدْخُلْ عَلَيَّ قَبْلَهَا، فَقَالَ لي: إِنَّ ابْنَكَ هَذَا حُسَيْنَاً مَقْتُول، وَإِنْ شِئْتَ أَرَيْتُكَ مِنْ تُرْبَةِ الأَرْضِ الَّتي يُقْتَلُ بِهَا؛ فَأَخْرَجَ تُرْبَةً حَمْرَاء " 0 [صَحَّحَهُ الْعَلاَّمَةُ الأَلْبَانيُّ في السِّلْسِلَةِ الصَّحِيحَةِ بِرَقْم: 822، رَوَاهُ الإِمَامُ أَحْمَد]

عَن أُمِّ المُؤْمِنِينَ أُمِّ سَلَمَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا عَنِ النَّبيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ اضْطَجَعَ ذَاتَ لَيْلَةٍ لِلنَّوْم؛ فَاسْتَيْقَظَ وَهُوَ حَائِر، ثمَّ اضْطَجَعَ فَرَقَد، ثمَّ اسْتَيْقَظَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ حَائِرٌ دُونَ مَا رَأَيْتُ بِهِ المَرَّةَ الأُولىَ، ثُمَّ اضْطَجَعَ فَاسْتَيْقَظَ وَفي يَدِهِ تُرْبَةٌ حَمْرَاء يُقَبِّلُهَا؛ فَقُلْتُ: مَا هَذِهِ التُّرْبَةُ يَا رَسُولَ الله؟ قَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم: " أَخْبَرَني جِبْرِيل عَلَيْهِ السَّلاَمُ أَنَّ هَذَا: [أَيِ الحُسَينُ رَضِيَ اللهُ عَنهُ]: يُقْتَلُ بِأَرْضِ الْعِرَاق؛ فَقُلْتُ لجِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلاَم: " أَرِني تُرْبَةَ الأَرْضِ الَّتي يُقْتَلُ بِهَا 00 فَهَذِهِ تُرْبَتُهَا " 0 [قَالَ الإِمَامُ الذَّهَبيُّ في التَّلْخِيص: صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَين، رَوَاهُ الحَاكِمُ في المُسْتَدْرَكِ بِرَقْم: 8202]

عَن أُمِّ الْفَضْلِ بِنْتِ الحَارِثِ رَضِيَ اللهُ عَنهَا أَنَّهَا دَخَلَتْ عَلَى رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ الله؛ إِنيِّ رَأَيْتُ حُلْمَاً مُنْكَرَاً اللَّيْلَة، قَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم: " مَا هُوَ " 00؟ قَالَتْ: إِنَّهُ شَدِيد؛ قَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم: " مَا هُوَ " 00؟ قَالَتْ: رَأَيْتُ كَأَنَّ قِطْعَةً مِنْ جَسَدِكَ قُطِعَتْ في حِجْرِي؛ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم: " رَأَيْتِ خَيرَاً: تَلِدُ فَاطِمَةُ إِنْ شَاءَ اللهُ غُلاَمَاً فَيَكُونُ في حِجْرِك " 0

فَوَلَدَتْ فَاطِمَةُ رَضِيَ اللهُ عَنهَا الحُسَينَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ فَكَانَ في حِجْرِي كَمَا قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم: فَدَخَلْتُ يَوْمَاً إِلى رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَوَضَعْتُهُ في حِجْرِه، ثُمَّ حَانَتْ مِنيِّ الْتِفَاتَةٌ فَإِذَا عَيْنَا رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تُهْرِيقَانِ مِنَ الدُّمُوع؛ فَقُلْتُ: يَا نَبيَّ الله؛ بِأَبي أَنْتَ وَأُمِّي مَالَك 00؟! قَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم: " أَتَاني جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلاَمُ فَأَخْبَرَني أَنَّ أُمَّتي سَتَقْتُلُ ابْني هَذَا " 0 فَقُلْتُ: هَذَا 00؟! فَقَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم: " نَعَمْ " 0 وَأَتَاني بِتُرْبَةٍ مِنْ تُرْبَتِهِ حَمْرَاء " 00 أَيْ بِهَا آثَارُ دَمِهِ رَضِيَ اللهُ عَنهُ 0 [صَحَّحَهُ الْعَلاَّمَةُ الأَلْبَانيُّ في الصَّحِيحِ وَالصَّحِيحَةِ بِرَقْمَيْ: (61، 821)، رَوَاهُ الحَاكِم]

عَنِ الإِمَامِ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللهُ وَجْهَهُ قَال: " دَخَلْتُ عَلَى النَّبيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَاتَ يَوْمٍ وَعَيْنَاهُ تَفِيضَان؛ قُلْتُ: يَا نَبيَّ الله؛ أَغْضَبَكَ أَحَد، مَا شَأْنُ عَيْنَيْكَ تَفِيضَان 00؟ قَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم: " بَلْ قَامَ مِن عِنْدِي جِبْرِيلُ قَبْلُ فَحَدَّثَني أَنَّ الحُسَينَ يُقْتَلُ بِشَطِّ الفُرَات، هَلْ لَكَ إِلى أَن أُشِمَّكَ مِنْ تُرْبَتِه " 0 قُلْتُ: نَعَمْ؛ فَمَدَّ يَدَهُ فَقَبَضَ قَبْضَةً مِنْ تُرَابٍ فَأَعْطَانِيهَا؛ فَلَمْ أَمْلِكْ عَيْنيَّ أَنْ فَاضَتَا " 0 [صَحَّحَهُ الْعَلاَّمَة أَحْمَد شَاكِر في المُسْنَدِ بِرَقْم: 460، وَالأَلْبَانيُّ في الصَّحِيحَةِ بِرَقْم: 1171، رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالبزَّارُ وَأَبُو يَعْلَى]

عَن عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ قَال: " رَأَيْتُ النَّبيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيمَا يَرَى النَّائِمُ بِنِصْفِ النَّهَار، وَهُوَ قَائِمٌ أَشْعَثَ أَغْبَرَ بِيَدِهِ قَارُورَةٌ فِيهَا دَم؛ فَقُلْتُ: بِأَبي أَنْتَ وَأُمِّي يَا رَسُولَ الله؛ مَا هَذَا 00؟ قَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم: " هَذَا دَمُ الحُسَيْنِ وَأَصْحَابِه، لَمْ أَزَلْ أَلْتَقِطُهُ مُنْذُ الْيَوْم " 0 فَأَحْصَيْنَا ذَلِكَ اليَوْم؛ فَوَجَدُوهُ قُتِلَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ في ذَلِكَ اليَوْم " 0 [صَحَّحَهُ الْعَلاَّمَة أَحْمَد شَاكِر في المُسْنَدِ بِرَقْم: (2553)، وَالإِمَامُ الْبُوصِيرِي في زَوَائِدِهِ، وَقَالَ فِيهِ الإِمَامُ الذَّهَبيُّ في التَّلْخِيص: صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ الإِمَامِ مُسْلِم، رَوَاهُ الإِمَامُ أَحْمَد]

وَحَسْبي وَحَسْبُكُمْ أَيُّهَا الأَحْبَاب؛ أَنْ نُتَابِعَ مَا قَالَهُ الشَّيْخ كِشْك وَهُوَ يُصَوِّرُ هَذَا المَشْهَدَ بِأُسْلُوبِهِ الجَذَّاب: يَقُولُ عَلَيْهِ شَآبِيبُ الرَّحمَة: " ذَهَبَ الحُسَينُ إِلى العِرَاقِ بَعْدَمَا أَرْسَلُواْ لَهُ آلاَفَ الرَّسَائِلِ يُبَايِعُونَهُ فِيهَا، وَيُعَاهِدُونَهُ عَلَى الوَلاَءِ وَالنُّصْرَةِ وَالوُقُوفِ مَعَهُ ضِدَّ يَزِيدَ الطَّاغِيَة، وَلَكِنَّ الحُسَينَ في أَثنَاءِ سَيرِهِ قَابَلَ الفَرَزْدَقَ الشَّاعِر، فَسَأَلَهُ الإِمَامُ الحُسَين: مِن أَيْنَ أَنْتَ قَادِمٌ يَا فَرَزْدَق 00؟ الفَرَزْدَق: مِنَ العِرَاقِ يَا إِمَام 00

فَسَأَلَهُ الإِمَامُ الحُسَينُ كَيْفَ حَالُ النَّاسِ هُنَاكَ يَا فَرَزْدَق 00؟ فَقَالَ قَوْلَةَ حَقٍّ أَصْبَحَتْ مَثَلاً * وَأَصْبَحَ الجِيلُ بَعْدَ الجِيلِ يَرْوِيهَا ﴿حَافِظ إِبْرَاهِيم﴾ قَالَ الفَرَزْدَق: يَا ابْنَ بِنْتِ رَسُولِ الله: " قُلُوبُ النَّاسِ مَعَك، لَكِنَّ سُيُوفَهُمْ عَلَيْك " 0 " قُلُوبُ النَّاسِ مَعَهُ لَكِنَّ سُيُوفَهُمْ عَلَيْه " 0 لَقَدْ أَرْسَلُواْ إِلَيْهِ بِالبَيْعَةِ فَمَا الَّذِي حَدَث 00؟ [فَضِيلَةُ الشَّيْخ عَبْدِ الحَمِيد كِشْك في " الخُطَبُ المِنْبَرِيَّةُ " بِتَصَرُّف 0 ص: 19/ 9]

اشْتَرَواْ ضَمَائِرَ النَّاس أَرْسَلَ يَزِيدُ وَابْنُ زِيَادٍ بِالجِمَالِ المُثقَلَةِ بِالمَالِ فَاشْترَواْ ضَمَائِرَ النَّاس، وَمَنْ لَمْ يَطْمَعْ فِيمَا لَدَيْهِمْ مِنَ المَالِ أَذْعَنَ خَشْيَةَ مَا لَدَيْهِمْ مِنَ البَأْس، وَكَفَانَا اللهُ شَرِّ بَرِيقِ الدَّنَانِيرِ وَرَنِينَ الدَرَاهِم 00 اشْتَرَى يَزِيدُ وَابْنُ زِيَادٍ ضَمَائِرَ النَّاسِ وَكِلاَهمَا شَرٌّ مِنَ الآخَر؛ فَذَهَبَ ابْنُ بِنْتِ رَسُولِ اللهِ فَلَمْ يجِدْ غَيرَ آلِ بَيْتِ رَسُولِ الله 00!! ﴿رَبِّ لاَ تَذَرْني فَرْدَاً وَأَنْتَ خَيْرُ الوَارِثِين﴾

وَذَهَبَ الحُسَينُ بُنَاءً عَلَى العُهُودِ وَالمَوَاثِيق، لَكِنَّهُ لَمْ يَرَ رِجَالاً، إِنمَا رَأَى ذِئَابَاً، رَأَى أَهْلَ العِرَاقِ الّذِينَ أَعْطَوْهُ العُهُودَ وَالمَوَاثِيقَ وَحَلَفُواْ لَهُ أَغْلَظَ الأَيمَانَ قَدْ أَعَدُّواْ لَهُ آلاَفِ مُقَاتِلٍ بِقِيَادَةِ ابْنُ زِيَاد، وَلَمْ يَكُنْ مَعَ الحُسَينِ إِلاَّ أَهْلُ بَيْتِه، اثْنَانِ وَسَبْعُونَ فِيهِمُ النِّسَاءُ وَالأَطْفَال 00!! اقْرَأَواْ التَّارِيخَ وَقِفُواْ عِنْدَ أَيَّامِ الله؛ إِنَّ يَوْمَ عَاشُورَاءَ يَوْمٌ مِن أَيَّامِ الله، يَوْمٌ فَاضَتْ فِيهِ أَرْوَاحُ آلِ بَيْتِ رَسُولِ الله 00!!

مُرُوءةُ الإِمَامِ الحُسَينِ رَضِيَ اللهُ عَنهُ وَنُبْلُ أَخْلاَقِه وَبَاتَ الإِمَامُ الحُسَينُ تِلكَ اللَّيْلَةَ يجَهِّزُ لِلمَعْرَكَة، وَكَانَ رَجُلاً نَبِيلاً؛ فَجَمَعَ آلَ بَيْتِهِ تِلكَ اللَّيْلَةَ وَقَالَ لهُمْ رَضِيَ اللهُ عَنهُ: إِنَّ القَوْمَ لاَ يُرِيدُونَ أَحَدَاً مِنْكُمْ، لاَ يُرِيدُونَ إِلاَّ أَنَا؛ فَمَن أَرَادَ مِنْكُمُ الرُّجُوعَ فَليرْجِعْ سَالِمَاً، فَوَاللهِ الَّذِي لاَ إِلَهَ غَيرُهُ قَدْ أَذِنتُ لَكُمْ 00!! لَكَ اللهُ يَا ابْنَ فَاطِمَةَ الزَّهْرَاء 00!! لَكَ اللهُ يَا حَفِيدَ رَسُولِ اللهِ الّذِي خَانُوه، وَبِأَيْدِيهِمْ قَتَلُوه 00!!

وَعِنْدَئِذٍ قَالَ أَهْلُهُ جَمِيعَاً في صَوْتِ رَجُلٍ وَاحِد: " أَنَترُكُكَ وَحْدَكَ يَا ابْنَ بِنْتِ رَسُولِ الله 00؟ مَاذَا نَقُولُ لِرَسُولِ اللهِ إِنْ فَعَلْنَا ذَلِك 00؟ " نحْنُ مَعَكَ يَا حُسَين " 00 قَالُواْ هَذِهِ الكَلِمَةَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ عِلمَ اليَقِينِ أَنَّ بَيْنَهُمْ وَبَينَ الجَنَّةِ خَوْضَ هَذِهِ المَعْرَكَة؛ لأَنهُمْ كَانُواْ عَلَى يَقِينٍ بِأَنَّهُمْ سَيُسْتَشْهَدُون 00!!

وَأَشْرَقَتِ الأَرْضُ بِنُورِ رَبهَا، وَوَقَفَ جَيْشُ ابْنِ زِيَادٍ أَمِيرِ الكُوفَةِ عَلَى مَقرُبَةٍ مِنْ جَيْشِ الحُسَينِ، وَقَبْلَ أَنْ يَنزِلَ الحُسَينُ المَعْرَكَةَ أَخَذَتهُ سِنَةٌ مِنَ النَّوْم، وَكَانَتْ أُخْتُهُ زَيْنَبُ بِنْتُ عَلِيِّ بْنِ أَبي طَالِبٍ كَرَّمَ اللهُ وَجْهَهُ وَرَضِيَ عَنهَا بجُوَارِه، فَلَمَّا اسْتَيْقَظَ قَالَ لهَا: يَا زَيْنَب: لَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في المَنَامِ وَقَالَ لي: " إِنَّكَ عَمَّا قَلِيلٍ سَتَكُونُ عِنْدَنَا " وَهَلْ يُسْأَلُ عَنِ العِنْدِيَّةِ إِنْ كَانَتْ عِنْدَ رَسُولِ الله " 00؟ " عِنْدَ رَسُولِ الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ": تَعْني في جَنَّاتٍ وَنهَر، في مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِر 00!!

جَبَلٌ مِنْ جِبَالِ الصَّبر لَكِنَّ زَيْنَبَ بَكَتْ؛ لأَنَّهَا مُنْذُ سَنَوَاتٍ فَقَدَتْ أُمَّهَا فَاطِمَة، وَبَعْدَ ذَلِكَ فَقَدَتْ أَبَاهَا الإِمَامَ عَلِيَّاً كَرَّمَ اللهُ وَجْهَهُ قَتَلَهُ أَشْبَاهُ ابْنِ زِيَادٍ وَهْوَ خَارِجٌ لِصَلاَةِ الفَجْر، وَبَعْدَهَا قُتِلَ أَخُوهَا الحَسَنُ مَسْمُومَاً، وَهَا هِيَ الآنَ عَلَى وَشْكِ فَقدِ أَخِيهَا 00 أَنَا لاَ أَجِدُ تَعْبِيرَاً يُسْعِفُني لِلتَّعْبِيرِ عَنْ زَيْنَبَ وَثَبَاتِهَا، وَلَكِنْ كُلُّ مَا أَسْتَطِيعُ قَوْلَهُ أَن أَقُول: " إِنَّهَا جَبَلٌ مِنْ جِبَالِ الصَّبر " 00!!

ابْنٌ يُقْتَلُ أَمَامَ أَبِيه وَدَارَتْ رَحَى الحَرْب، وَأَخَذَ أَصْحَابُ الحُسَينِ رَضِيَ اللهُ عَنهُمْ يُسْتَشْهَدُونَ مَثْنى وَفُرَادَى، حَتىَّ وَقَفَ ابْنُهُ عَلِيٌّ لَمَّا رَأَى السِّهَامَ تَنُوشُ أَبَاهُ ذَاتَ اليَمِينِ وَذَاتَ الشِّمَالِ يَقِيهِ بِنَفْسِه، إِلى أَن أَصَابَهُ سَهْمٌ فَقَتَلَه، فَحَمَلَ الحُسَينُ رَضِيَ اللهُ عَنهُ ابْنَهُ إِلى خَيْمَةِ أُخْتِهِ زَيْنَب؛ لِتَسْتَقْبِلَ ابْنَ أَخِيهَا مخْضُوبَاً بِدَمِه 00!! أَبَعْدَ هَذَا البَلاَءِ بَلاَء 00؟! أَبَعْدَ هَذَا الصَّبرِ صَبر 00؟! قَائِدٌ يحْمِلُ جُثْمَانَ ابْنِهِ وَالحَرْبُ قَدْ دَارَتْ رَحَاهَا وَحَمِيَتْ، وَرَحَى الحَرْبِ ثَقِيلَة 00 يَوْمٌ خَطَبَ فِيهِ السَّيْفُ عَلَى مَنَابِرِ الأَعْنَاق، وَارْتَوَتِ الرِّمَاحُ فِيهِ مِنَ الدَّمِ الدَّفَّاق 00!!

وَإِذَا بِالقَاسِمِ الأَخِ الأَصْغَرِ لِعَلِيٍّ يَنَادِي عَلَى الحُسَين: اشْتَدَّ بيَ العَطَشُ يَا أَبي ـ وَكَانَ قَدْ بَلَغَ لُؤمُ ابْنِ زِيَادٍ أَنْ قَدْ مَنَعَ المَاءَ عَنِ الحُسَينِ وَمَنْ مَعَه، فَرَدَّ عَلَيْهِ أَبُوهُ قَائِلاً: أَبُوكَ اليَوْمَ يَا وَلَدِي قَدْ قَلَّ نَاصِرُه، وَزَادَ مَاكِرُه، فَاصْبِرْ يَسِيرَاً يَا وَلَدِي فَعَمَّا قَلِيلٍ سَوْفَ يَسْقِينَا جَدُّكَ مِنَ الحَوْض!! أَيُّهَا الإِخْوَةُ الأَعِزَّاء؛ إِنَّ المَقَامَ لاَ تَشْرَحُهُ العِبَارَات؛ فَمَهْمَا أُوتِيتُ مِنْ بَرَاعَةِ التَّصْوِير، وَالقُدْرَةِ عَلَى التَّعْبِير: فَإِنَّ الفَارِقَ بَيْنَ الحَقِيقَةِ وَالكَلاَمِ كَبِير 00!! لَقَدْ كَانَ بحَقٍّ يَوْمُ كَرْبِلاَء: يَوْمَ كَرْبٍ وَبَلاَء " 0

لحُبِّنَا في الخِلاَفِ اخْتَلَفْنَا حَتىَّ في رَأْسِهِ وَاللهِ لَوْ قَامَ الآنَ الحُسَينُ مِنْ مَضْجَعِهِ؛ لحَزِنَ حُزْنَاً شَدِيدَاً عَلَى أَحْوَالِ المُسْلِمِين 00 لحُبِّهِمْ في الخِلاَفِ اخْتَلَفُواْ حَتىَّ في رَأْسِهِ 00 وَقِيلَتْ أَقَاوِيلُ في مَوْتِهِ * فَمِنهَا الصَّوَابُ وَمِنهَا الخَطَا قَوْمٌ يَقُولُون: رَأْسُهُ في مِصْر، وَآخَرُونَ يَقُولُون: رَأْسُهُ في العِرَاق، وَقَوْمٌ يَقُولُون: رَأْسُهُ في الأُرْدُن، وَآخَرُونَ يَقُولُونَ في سُورِيَّا، وَقَوْمٌ يَقُولُونَ في بَيْتِ المَقدِس، وَآخَرُونَ يَقُولُونَ في البَقِيع، وَتَقُومُ الدُّنيَا وَلاَ تَقْعُدُ لَوِ الْتَقَى الوَاحِدُ مِن هَؤُلاَءِ مَعَ مَنْ يخَالِفُه 00!! مَاذَا يَعْنِيكَ مِنْ رَأْسِ الحُسَين 00؟! هَلْ عَمِلْتَ بِعَمَلِ الحُسَينِ وَأَهْلِ بَيْتِه 00؟! هَلِ اقْتَدَيْتَ بِالحُسَينِ وَأَهْلِ بَيْتِه 00؟!

لاَ تخْتَلِفُواْ فَتَخْتَلِفَ قُلُوبُكُمْ، وَقَبْلَ أَنْ تَسْأَلُواْ عَن هَذَا أَوْ غَيرِهِ اسْأَلُواْ أَنْفُسَكُمْ: هَلْ نحْنُ سِرْنَا وَرَاءَ الحُسَينِ في جِهَادِه 00؟ هَلْ نحْنُ أَمَرْنَا بِالمَعْرُوفِ وَنهَيْنَا عَنِ المُنْكَرِ كَمَا فَعَل 00؟ هَلْ نحْنُ رَبَّيْنَا أَوْلاَدَنَا كَمَا حَتىَّ يَكُونُواْ مِثْلَهُ في بُطُولاَتِهِ وَتَضْحِيَّاتِه " 00؟ حَدَّثَ محَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ عَن أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ أَنَّهُ قَال: «أُتيَ عُبَيْدُ اللهِ بْنُ زِيَادٍ بِرَأْسِ الحُسَيْنِ رَضِيَ اللهُ عَنهُ» 0 [رَوَاهُ الإِمَامُ البُخَارِيُّ في صَحِيحِهِ بِرَقْم: 3748 / فَتْح]

قَالَ شَيْخُ الإِسْلاَمِ ابْنُ تَيْمِيَةَ في الْفَتَاوَى عَظَّمَ اللهُ أَجْرَهُ وَرَفَعَ ذِكْرَهُ في الدُّنيَا وَالآخِرَة عَن هَذِهِ المَسْأَلَة: «وَالَّذِي رَجَّحَهُ أَهْلُ العِلْمِ في مَوْضِعِ رَأْسِ الحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ رَضِيَ اللهُ عَنهُ هُوَ مَا ذَكَرَهُ الزُّبَيْرُ بْنُ بَكَّارٍ في كِتَابِ أَنْسَابِ قُرَيْش 00 وَالزُّبَيْرُ بْنُ بكار هُوَ مِن أَعْلَمِ النَّاسِ وَأَوْثَقُهُمْ في مِثْلِ هَذَا؛ ذَكَرَ أَنَّ الرَّأْسَ حُمِلَ إِلىَ المَدِينَةِ النَّبَوِيَّةِ وَدُفِنَ هُنَاك، وَهَذَا مُنَاسِبٌ؛ فَإِنَّ هُنَاكَ قَبْرَ أَخِيهِ الحَسَنِ رَضِيَ اللهُ عَنهُ وَعَمِّ أَبِيهِ العَبَّاسِ رَضِيَ اللهُ عَنهُ، وَابْنِهِ عَلِيٍّ وَأَمْثَالِهِمْ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ 0 وَالزُّبَيْرُ أَعْلَمُ أَهْلِ النَّسَبِ وَأَفْضَلُ العُلَمَاءِ بِهَذَا السَّبَب» 0

فَتىً مَاتَ بَينَ الطَّعْنِ وَالضَّرْبِ مِيتَةً * تَقُومُ مَقَامَ النَّصْرِ لَوْ فَاتَهُ النَّصْرُ تَرَدَّى ثِيَابَ المَوْتِ حُمْرَاً فَمَا دَجَى * لهَا اللَّيْلُ إِلاَّ وَهْيَ مِنْ سُنْدُسٍ خُضْرُ حُسَينُ عَلَيْكَ سَلاَمُ رَبِّي فَإِنَّني * رَأَيْتُ الكَرِيمَ الحُرَّ لَيْسَ لَهُ عُمْرُ

وَمَا أَعْذَبَ رَائِعَةَ دِعْبِلٍ الخُزَاعِيِّ هَذَا الشَّاعِرِ المَوْهُوب، الَّذِي بَكَى الحُسَينُ بِمَرْثَاةٍ تَتَقَطَّعُ لَهَا القُلُوب، مِنهَا هَذِهِ الأَبْيَاتُ الرَّائِعِات: الشَّمْلُ مِنْ بَعْدِ الحُسَينُ مُبَدَّدُ * كَثُرَتْ أَعَادِيهِ وَقَلَّ المُسْعِدُ لَمْ يَحْفَظُواْ حَقَّ النَّبيِّ محَمَّدٍ * بَلْ جَرَّعُوهُ حَرَارَةً لاَ تَبْرُدُ قَتَلُواْ الحُسَيْنَ وَأَثْكَلُوهُ بِسِبْطِهِ * فَالدِّينُ يَبْكِي فَقْدَهُ وَالسُّؤْدَدُ كَيْفَ القَرَارُ وَفي السَّبَايَا زَيْنَبٌ * تَدْعُو بِفَرْطِ حَرَارَةٍ يَا أَحْمَدُ يَا جَدُّ قَدْ مُنِعُواْ الفُرَاتَ وَقُتِّلُواْ * عَطْشَى فَلَيْسَ لَهُمْ هُنَالِكَ مَوْرِدُ هَذَا حُسَينٌ بِالسُّيُوفِ مُقَطَّعٌ * وَمُلَطَّخٌ بِدِمَائِهِ مُسْتَشْهَدُ يَا جَدُّ إِنَّ الكَلْبَ يَشْرَبُ آمِنَاً * وَبَنُوكَ مِنْ بَينِ البَرَايَا طُرِّدُواْ يَا جَدُّ ذَا صَدْرُ الحُسَينِ مُمَزَّقٌ * وَالخَيْلُ تَنْزِلُ مِن عَلَيْهِ وَتَصْعَدُ فَالشَّمْسُ وَالقَمَرُ المُنِيرُ كِلاَهُمَا * حَوْلَ النُّجُومِ بَكَيْنَهُ وَالفَرْقَدُ

وَفَاةُ مُعَاوِيَة رَضِيَ اللهُ عَنهُ سَيِّدُنَا مُعَاوِيَةُ الَّذِي يَتَحَامَلُ عَلَيْهِ البَعْض، وَكَأَنهُمْ أَرْبَابٌ مِنْ دُونِ اللهِ سَلَّطَهُمْ عَلَى رِقَابِ البَشَر، أَلاَ رَحِمَ اللهُ السَّلَفَ الصَّالح؛ الَّذِينَ كَانُواْ إِذَا ذُكِرَ سَيِّدُنَا مُعَاوِيَةُ رَضِيَ اللهُ عَنهُ بِسُوءٍ قَالُواْ: ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلاَ تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُواْ يَعْمَلُون﴾ ﴿البَقَرَة: 134﴾

أَمَّا عَن هَذَا الكَلاَمِ الّذِي تَلَفَّظَ بِهِ وَهْوَ في الرَّمَقِ الأَخِيرِ فَهْوَ مِنْ بَابِ أَنَّ المُؤْمِنَ لاَ يَبرَحُ يَتَّهِمُ نَفسَهُ بِالتَّقصِيرِ وَالذَّنْبِ حَتىَّ يَلقَى الله، وَهْوَ كَقَوْلِ عُمَر: " لَوْ نَادَى مُنَادٍ أَنَّ كُلَّ النَّاسِ يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ إِلاَّ وَاحِدَاً لَظَنَنْتُ أَنَّهُ أَنَا " 0 وَكَقَوْلِهِ رَضِيَ اللهُ عَنهُ أَيْضَاً لحُذَيْفَةَ: " أَنْشُدُكَ اللهَ يَا حُذَيْفَة؛ هَلِ اسْمِي بَيْنَهُمْ " 00؟ مُعَاوِيَةُ رَضِيَ اللهُ عَنهُ عَلَى فِرَاشِ المَوْت لَمَّا حَضَرَتْهُ رَضِيَ اللهُ عَنهُ الوَفَاةُ قَال: أَقْعِدُوني 00 فَأُقْعِد، فَجَعَلَ يُسَبِّحُ اللهَ جَلَّ جَلاَلُهُ وَيَذْكُرُهُ ثُمَّ بَكَى وَقَال: " تَذكُرُ رَبَّكَ يَا معَاوِيَةُ بَعْدَ الهَرَمِ وَالاَنحِطَاط 00؟!

أَلاَ كَانَ هَذَا وَغُصْنُ الشَّبَابِ غَضٌّ نَضِير 00؟! ثُمَّ بَكَى حَتىَّ عَلاَ بُكَاؤُهُ وَقَال: يَا رَبِّ ارْحَمِ الشَّيْخَ العَاصِي، ذَا القَلْبِ القَاسِي، اللهُمَّ أَقِلِ العَثْرَةَ وَاغْفِرِ الزَّلَّةَ وَعُدْ بحِلْمِكَ عَلَى مَنْ لاَ يَرْجُو غَيرَك، وَلَمْ يَثِقْ بِأَحَدٍ سِوَاك " 0 [الإِحْيَاء 0 دَارُ الوَثَائِقِ المِصْرِيَّة 0 طَبْعَةُ الحَافِظِ العِرَاقِيّ 0 وَفَاةُ الخُلَفَاء: 1873]

يَا حَسْرَتَى عَلَى مَا فَرَّطْنَا في جَنْبِ الله وَرَوَى شَيْخٌ مِنْ قُرَيْشٍ أَنَّهُ دَخَلَ مَعَ جَمَاعَة عَلَيْهِ في مَرَضِه، فَرَأَواْ في جِلْدِهِ غُضُونَاً ـ أَيْ شُحُوبَاً ـ فَحَمِدَ اللهَ وَأَثْنى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ أَمَّا بَعْد: فَهَلِ الدُّنيَا إِلاَّ مَا جَرَّبْنَا وَرَأَيْنَا 00؟

فصول الكتاب · 6 فصل · 8447 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول موسوعة الرقائق والأدب - ياسر الحمداني · 8447 صفحة
ـ[موسوعة الرقائق والأدب]ـ
كِتَابُ الرِّضَا بِالقَلِيل:
كِتَابُ فَقْدِ الأَحِبَّة:
كِتَابُ هُمُومِ المُسْلِمِين:
كِتَابُ هُمُومِ العُلَمَاء
كِتَابُ قَصَائِدِ الأَطْفَال
جارٍ التحميل