كِتَابُ فَقْدِ الأَحِبَّة:
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ياسر الحمداني
- الكتاب
- موسوعة الرقائق والأدب
- المؤلف
- ياسر بن أحمد بن محمود بن أحمد بن أبي الحمد الكويس الحمداني
- عدد الأجزاء
- 1 [الكتاب مرقم آليا]
" كُنَّا عِنْدَ النَّبيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم، إِذْ جَاءهُ رَسُولُ إِحْدَى بَنَاتِهِ يَدْعُوهُ إِلى ابْنِهَا في المَوْت، فَقَالَ النَّبيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم: " ارْجِعْ إِلَيْهَا فَأَخْبِرْهَا أَنَّ للهِ مَا أَخَذَ وَلَهُ مَا أَعْطَى، وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِأَجَلٍ مُسَمّى، فَمُرْهَا فَلْتَصْبِرْ وَلْتحْتَسِبْ " 00 فَأَعَادَتِ الرَّسُولَ أنهَا قَدْ أَقْسَمَتْ لَتَأْتِيَنَّهَا، فَقَامَ النَّبيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَامَ مَعَهُ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ وَمُعَاذُ بْنُ جَبَل، فَدُفِعَ الصَّبيُّ إِلَيْهِ وَنَفْسُهُ تَقَعْقَعُ ـ أَيْ تَفُورُ ـ كَأَنَّهَا في شَنٍّ ـ أَيْ في قِرْبَةٍ ـ فَفَاضَتْ عَيْنَاه؛ فَقَالَ لَهُ سَعْد: يَا رَسُولَ اللهِ مَا هَذَا 00؟!
قَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم: " هَذِهِ رَحْمَةٌ جَعَلَهَا اللهُ في قُلُوبِ عِبَادِهِ وَإِنَّمَا يَرْحَمُ اللهُ مِن عِبَادِهِ الرُّحَمَاءَ " [البُخَارِيُّ في صَحِيحِهِ بِرَقْم: (7377 / فَتْح)، وَمُسْلِمٌ في صَحِيحِهِ بِرَقْم: (923)، وَهُوَ في الشُّعَب بِرَقْم: (9737)، وَفي الكَنْز: 42902] عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ رَضِيَ اللهُ عَنهُ قَال: " أَخَذَ النَّبيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِيَدِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ فَانْطَلَقَ بِهِ إِلى ابْنِهِ إِبْرَاهِيم، فَوَجَدَهُ يَجُودُ بِنَفْسِهِ؛ فَأَخَذَهُ النَّبيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَوَضَعَهُ في حِجْرِهِ فَبَكَى؛ فَقَالَ لَهُ عَبْدُ الرَّحْمَن: أَتَبْكِي؛ أَوَلَمْ تَكُنْ نَهَيْتَ عَنِ البُكَاء 00؟!
قَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم: " لاَ؛ وَلَكِنْ نَهَيْتُ عَنْ صَوْتَيْنِ أَحْمَقَيْنِ فَاجِرَيْن: صَوْتٍ عِنْدَ مُصِيبَة 00 خَمْشِ وُجُوهٍ وَشَقِّ جُيُوب، وَرَنَّةِ شَيْطَان " 0 [حَسَّنَهُ الْعَلاَّمَةُ الأَلبَانيُّ في " سُنَنِ الإِمَامِ التِّرْمِذِيِّ " بِرَقْم: 1005] وَرَنَّةُ الشَّيْطَانِ الخَبِيث؛ يُفَسِّرُهَا هَذَا الحَدِيث: عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ رَضِيَ اللهُ عَنهُ عَنِ النَّبيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَال: " لَمْ أَنهَ عَنِ البُكَاء، إِنَّمَا نَهَيْتُ عَنْ صَوْتَينِ أَحْمَقَينِ فَاجِرَين: صَوْتٌ عِنْدَ نَغْمَةِ مِزْمَارِ شَيْطَانٍ وَلَعِب ـ أَيِ الزَّغَارِيد ـ وَصَوْتٍ عِنْدَ مُصِيبَة " 0 [صَحَّحَهُ الْعَلاَّمَةُ الأَلبَانيُّ في الجَامِعِ بِرَقْم: (9325/ 5194)، وَفي " كَنْزِ العُمَّالِ " بِرَقْم: 42430]
عَن أَبي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ في جِنَازَةٍ فَرَأَى عُمَرُ امْرَأَةً فَصَاحَ بِهَا فَقَالَ النَّبيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم: " دَعْهَا يَا عُمَرُ فَإِنَّ العَيْنَ دَامِعَةٌ وَالنَّفْسَ مُصَابَةٌ وَالعَهْدَ قَرِيبٌ " 0 [ضَعَّفَهُ الْعَلاَّمَةُ الأَلبَانيُّ في " سُنَنِ الإِمَامِ ابْنِ مَاجَةَ " بِرَقْم: 1587] وَلَكِنَّ البُكَاءَ حَرَّمَهُ قَوْمٌ؛ فَبِمَ احْتَجٌّواْ فِيمَا ذَهَبُواْ إِلَيْه 00؟ احْتَجُّواْ بِالآثَارِ وَالأَخْبَارِ التَّالِيَة: عَن عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ أَنَّ حَفْصَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهَا بَكَتْ عَلَى عُمَرَ فَقَالَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ:
مَهْلاً يَا بُنَيَّة؛ أَلَمْ تَعْلَمِي أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَال: " إِنَّ المَيِّتَ يُعَذَّبُ بِبُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْه " 0 [الإِمَامُ مُسْلِمٌ في كِتَابِ الجَنَائِزِ بَاب: المَيِّتُ يُعَذَّبُ بِبُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ بِرَقْم: 927]
وَلَكِنَّ البُكَاءَ لَفْظَةٌ عَامَّة، وَيُقْصَدُ بهَا في هَذَا الحَدِيثِ الصِّيَاحُ وَالعَوِيل، وَهَذِهِ المجْمُوعَةُ مِنَ الأَحَادِيثِ عَلَى مَا أَقُولُ دَلِيل: عَن عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ قَال: لَمَّا طُعِنَ عُمَرُ أُغْمِيَ عَلَيْهِ فَصِيحَ عَلَيْه، فَلَمَّا أَفَاقَ قَال: أَمَا عَلِمْتُمْ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَال: " المَيِّتُ يُعَذَّبُ بِبُكَاءِ الحَيِّ عَلَيْه " 0
[رَوَاهُ الإِمَامُ البُخَارِيُّ في صَحِيحِهِ بِرَقْم: (1292 / فَتْح)، وَالإِمَامُ مُسْلِمٌ في صَحِيحِهِ بِرَقْم: 930 / عَبْد البَاقِي] عَن أَبي مُوسَى الأَشْعَرِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنهُ قَال: " لَمَّا أُصِيبَ عُمَرُ رَضِيَ اللهُ عَنهُ جَعَلَ صُهَيْبٌ يَقُول: وَاأَخَاه؛ فَقَالَ عُمَرُ رَضِيَ اللهُ عَنهُ: أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ النَّبيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَال: " إِنَّ المَيِّتَ لَيُعَذَّبُ بِبُكَاءِ الحَيِّ "؟ [رَوَاهُ الإِمَامُ البُخَارِيُّ في صَحِيحِهِ بِرَقْم: (1290 / فَتْح)، وَالإِمَامُ مُسْلِمٌ في صَحِيحِهِ بِرَقْم: 927 / عَبْد البَاقِي]
عَن أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطَّابِ لمَّا طُعِنَ عَوَّلَتْ عَلَيْهِ حَفْصَةُ ـ أَيْ صَاحَتْ؛ فَقَالَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ: يَا حَفْصَة: أَمَا سَمِعْتِ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُول: " المُعَوَّلُ عَلَيْهِ يُعَذَّب " 00؟! وَعَوَّلَ عَلَيْهِ صُهَيْبٌ فَقَالَ عُمَرُ رَضِيَ اللهُ عَنهُ: يَا صُهَيْب: أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ المُعَوَّلَ عَلَيْهِ يُعَذَّب " 00؟! [الإِمَامُ مُسْلِمٌ في كِتَابِ الجَنَائِزِ، بَاب: المَيِّتُ يُعَذَّبُ بِبُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْه بِرَقْم: 927] الحَدِيثُ العُمْدَةُ في هَذَا البَاب ثمَّ إِنَّ تِلْكَ الأَحَادِيثَ الَّتي نَصَّتْ عَلَى تَعْذِيبِ المَيِّتِ قِيلَ في تَأْوِيلِهَا كَلاَمٌ كَثِير، جَاءَ في أَحَادِيثَ صَحِيحَةٍ تُخَصِّصُ تَعْمِيمَ تِلْكَ الأَحَادِيث، هَذَا بَعْضُهَا:
عَن عَبْدِ اللهِ بْنِ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ أَبي مُلَيْكَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ قَال: " تُوُفِّيَتِ ابْنَةٌ لِعُثْمَانَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ بمَكَّةَ وَجِئْنَا لِنَشْهَدَهَا، وَحَضَرَهَا ابْنُ عُمَرَ وَابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُمْ، وَإِنيِّ لجَالِسٌ بَيْنَهُمَا أَوْ وَإِني جَلَسْتُ إِلى أَحَدِهِمَا، ثُمَّ جَاءَ الآخَرُ فَجَلَسَ إِلى جَنْبي، فَقَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ: لِعَمْرِو بْنِ عُثْمَانَ أَلاَ تَنْهَى عَنِ البُكَاء؛ فَإِنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَال: " إِنَّ المَيِّتَ لَيُعَذَّبُ بِبُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْه " 0
فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ: قَدْ كَانَ عُمَرُ رَضِيَ اللهُ عَنهُ يَقُولُ بَعْضَ ذَلِك، ثُمَّ حَدَّثَ قَال: صَدَرْتُ ـ أَيْ خَرَجْتُ ـ مَعَ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ مِنْ مَكَّةَ حَتىَّ إِذَا كُنَّا بِالبَيْدَاء: إِذَا هُوَ بِرَكْبٍ تحْتَ ظِلِّ سَمُرَةٍ ـ أَيْ شَجَرَةٍ عَظِيمَةٍ ـ فَقَالَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ: اذْهَبْ فَانْظُرْ مَنْ هَؤُلاَءِ الرَّكْب 00؟
فَنَظَرْتُ فَإِذَا صُهَيْب، فَأَخْبَرْتُهُ، فَقَالَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ: ادْعُهُ لي، فَرَجَعْتُ إِلى صُهَيْبٍ فَقُلْتُ: ارْتحِلْ فَالحَقْ أَمِيرَ المُؤْمِنِين، فَلَمَّا أُصِيبَ عُمَرُ دَخَلَ صُهَيْبٌ يَبْكِي يَقُول: وَاأَخَاهُ وَاصَاحِبَاهُ، فَقَالَ عُمَرُ رَضِيَ اللهُ عَنهُ: يَا صُهَيْبُ أَتَبْكِي عَلَيَّ وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم:
" إِنَّ المَيِّتَ يُعَذَّبُ بِبَعْضِ بُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْه " 00؟ فَلَمَّا مَاتَ عُمَرُ رَضِيَ اللهُ عَنهُ ذَكَرْتُ ذَلِكَ لِعَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهَا فَقَالَتْ: رَحِمَ اللهُ عُمَر؛ وَاللهِ مَا حَدَّثَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " إِنَّ اللهَ لَيُعَذِّبُ المُؤْمِنَ بِبُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْه " وَلَكِنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَال: إِنَّ اللهَ لَيَزِيدُ الكَافِرَ عَذَابَاً بِبُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْه، وَقَالَتْ: حَسْبُكُمُ القُرْآن: ﴿وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ ﴿فَاطِر/18﴾ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ عِنْدَ ذَلِك: وَاللهُ ﴿هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى﴾ ﴿النَّجْم/43﴾ " 0 [رَوَاهُ الإِمَامُ البُخَارِيُّ في صَحِيحِهِ بِرَقْم: (1288 / فَتْح)، وَالإِمَامُ مُسْلِمٌ في صَحِيحِهِ بِرَقْم: 929 / عَبْد البَاقِي]
أَمَا إِنَّهُ لَمْ يَكْذِبْ وَلَكِنَّهُ أَخْطَأْ عَن عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبي مُلَيْكَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ قَال: " كُنْتُ جَالِسَاً إِلى جَنْبِ ابْنِ عُمَرَ وَنحْنُ نَنْتَظِرُ جِنَازَةَ أُمِّ أَبَانَ بِنْتِ عُثْمَانَ وَعِنْدَهُ عَمْرُو بْنُ عُثْمَان، فَجَاءَابْنُ عَبَّاسٍ يَقُودُهُ قَائِد، فَأُرَاهُ أَخْبَرَهُ بمَكَانِ ابْنِ عُمَر؛ فَجَاءَ حَتىَّ جَلَسَ إِلى جَنْبي فَكُنْتُ بَيْنَهُمَا، فَإِذَا صَوْتٌ مِنَ الدَّارِ ـ أَيْ صُرَاخ ـ فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ كَأَنَّهُ يَعْرِضُ عَلَى عَمْرٍو أَنْ يَقُومَ فَيَنْهَاهُمْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُول: " إِنَّ المَيِّتَ لَيُعَذَّبُ بِبُكَاءِ أَهْلِه " 0
فَأَرْسَلَهَا عَبْدُ اللهِ مُرْسَلَةً، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاس: كُنَّا مَعَ أَمِيرِ المُؤْمِنِينَ عُمَرَ بْنِ الخَطَّاب، حَتىَّ إِذَا كُنَّا بِالبَيْدَاءِ إِذَا هُوَ بِرَجُلٍ نَازِلٍ في ظِلِّ شَجَرَة، فَقَالَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ لي: اذْهَبْ فَاعْلَمْ لي مَنْ ذَاكَ الرَّجُل 00؟
فَذَهَبْتُ فَإِذَا هُوَ صُهَيْب، فَرَجَعْتُ إِلَيْهِ فَقُلْتُ: إِنَّكَ أَمَرْتَني أَن أَعْلَمَ لَكَ مَنْ ذَاك، وَإِنَّهُ صُهَيْب، قَالَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ: مُرْهُ فَلْيَلْحَقْ بِنَا فَقُلْت: إِنَّ مَعَهُ أَهْلَه، قَال: وَإِنْ كَانَ مَعَهُ أَهْلُه، فَلَمَّا قَدِمْنَا لَمْ يَلْبَثْ أَمِيرُ المُؤْمِنِينَ أَن أُصِيب، فَجَاءَ صُهَيْبٌ يَقُول: وَاأَخَاهْ 00 وَاصَاحِبَاهْ 00 فَقَالَ عُمَرُ رَضِيَ اللهُ عَنهُ: أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَال: " إِنَّ المَيِّتَ لَيُعَذَّبُ بِبَعْضِ بُكَاءِ أَهْلِهِ "؟!
فَقُمْتُ فَدَخَلْتُ عَلَى عَائِشَةَ فَحَدَّثْتُهَا بِمَا قَالَ ابْنُ عُمَر، فَقَالَتْ: لاَ وَاللهِ مَا قَالَهُ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَطُّ " إِنَّ المَيِّتَ يُعَذَّبُ بِبُكَاءِ أَحَد " 0
وَلَكِنَّهُ قَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم: " إِنَّ الكَافِرَ يَزِيدُهُ اللهُ بِبُكَاءِ أَهْلِهِ عَذَابَاً " 00 وَإِنَّ اللهَ لَهُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى؛ فَكَيْفَ يُعَذَّبُ إِن أَحَدٌ بَكَاه ـ أَيْ أَنَّ الضَّحِكَ وَالبُكَاءَ مِنَ الله ـ وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى " 0 وَفي رِوَايَةٍ: أَنهَا لَمَّا بَلَغَهَا قَوْلُ عُمَرَ وَابْنِ عُمَرَ قَالَتْ: إِنَّكُمْ لَتُحَدِّثُوني عَنْ غَيْرِ كَاذِبَيْنِ وَلاَ مُكَذَّبَيْن، وَلَكِنَّ السَّمْعَ يخْطِئ " 0 [الإِمَامُ مُسْلِمٌ في كِتَابِ الجَنَائِزِ بَاب: يُعَذَّبُ المَيِّتُ بِبَعْضِ بُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ بِرَقْم: 928] مَزِيدٌ مِنَ التَّحْقِيقِ وَالتَّدْقِيقِ في المَسْأَلَة وَلَكِنْ مَا تَفْسِيرُ هَذَا التَّنَاقُضُ بَينَ المجْمُوعَتَين، وَالكُلُّ صَحِيح 00؟
تجِيبُكَ عَن هَذَا أَيْضَاً مجْمُوعَةٌ ثَالِثَة:
عَن أُمِّ المُؤْمِنِينَ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهَا قَالَتْ: " إِنَّمَا مَرَّ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى يَهُودِيَّةٍ يَبْكِي عَلَيْهَا أَهْلُهَا فَقَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم: " إِنَّهُمْ لَيَبْكُونَ عَلَيْهَا؛ وَإِنَّهَا لَتُعَذَّبُ في قَبرِهَا " 0 [رَوَاهُ الإِمَامُ البُخَارِيُّ في صَحِيحِهِ بِرَقْم: (1289 / فَتْح)، وَالإِمَامُ مُسْلِمٌ في صَحِيحِهِ بِرَقْم: 922 / عَبْد البَاقِي] عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ عَن أَبِيهِ قَال: " ذُكِرَ عِنْدَ عَائِشَةَ قَوْلُ ابْنِ عُمَر: " المَيِّتُ يُعَذَّبُ بِبُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْه " 0
فَقَالَتْ: رَحِمَ اللهُ أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَن؛ سَمِعَ شَيْئَاً فَلَمْ يحْفَظْهُ، إِنمَا مَرَّتْ عَلَى رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جِنَازَةُ يَهُودِيٍّ وَهُمْ يَبْكُونَ عَلَيْه، فَقَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم: " أَنْتُمْ تَبْكُونَ وَإِنَّهُ لَيُعَذَّب " 0 [الإِمَامُ مُسْلِمٌ في كِتَابِ الجَنَائِزِ، بَاب: المَيِّتُ يُعَذَّبُ بِبُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْه بِرَقْم: 931] عَن عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيرِ رَضِيَ اللهُ عَنهُ قَال: " ذُكِرَ عِنْدَ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا أَنَّ ابْنَ عُمَرَ رَفَعَ إِلى النَّبيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم: " إِنَّ المَيِّتَ يُعَذَّبُ في قَبْرِهِ بِبُكَاءِ أَهْلِه " 00 فَقَالَتْ: وَهَلَ ـ أَيْ: نَسِيَ وَأَخْطَأ ـ إِنَّمَا قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم:
" إِنَّهُ لَيُعَذَّبُ بخَطِيئَتِهِ وَذَنْبِهِ وَإِنَّ أَهْلَهُ لَيَبْكُونَ عَلَيْهِ الآن " 00 قَالَتْ أُمُّ المُؤْمِنِينَ عَائِشَة:
وَذَاكَ مِثْلُ قَوْلِهِ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَامَ عَلَى القَلِيب، وَفِيهِ قَتْلَى بَدْرٍ مِنَ المُشْرِكِينَ فَقَالَ لَهُمْ مَا قَال: " إِنَّهُمْ لَيَسْمَعُونَ مَا أَقُول " 00 إِنَّمَا قَال: " إِنَّهُمْ الآنَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّ مَا كُنْتُ أَقُولُ لَهُمْ حَقٌّ " 00 ثُمَّ قَرَأَتْ: ﴿إِنَّكَ لاَ تُسْمِعُ المَوْتَى﴾ ﴿النَّمْل/80﴾ ﴿وَمَا أَنْتَ بمُسْمِعٍ مَنْ في القُبُور﴾ ﴿فَاطِر/22﴾ " 0 [رَوَاهُ الإِمَامُ البُخَارِيُّ في صَحِيحِهِ بِرَقْم: 3979 / فَتْح، وَالإِمَامُ مُسْلِمٌ في صَحِيحِهِ بِرَقْم: 932 / عَبْد البَاقِي]
وَهَذَا هُوَ الحَدِيثُ الَّذِي طَعَنَتْ فِيهِ السَّيِّدَةُ عَائِشَةُ رَضِيَ اللهُ عَنهَا وَقَالَتْ: إِنَّ ابْنَ عُمَرَ ذَهِلَ فِيه، لِيَعْرِفَهُ القَارِئ: عَن عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ قَال: " اطَّلَعَ النَّبيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى أَهْلِ القَلِيبِ فَقَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم: " وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقَّاً " 00؟ فَقِيلَ لَه: تَدْعُو أَمْوَاتَاً 00؟! فَقَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم: " مَا أَنْتُمْ بِأَسْمَعَ مِنْهُمْ، وَلَكِنْ لاَ يُجِيبُون " 0 [الإِمَامُ البُخَارِيُّ في كِتَابِ الجَنَائِزِ بَاب: مَا جَاءَ في عَذَابِ القَبر بِرَقْم: 1370] عَن أُمِّ المُؤْمِنِينَ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهَا قَالَتْ:
" إِنَّمَا قَالَ النَّبيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم: " إِنَّهُمْ لَيَعْلَمُونَ الآنَ أَنَّ مَا كُنْتُ أَقُولُ لهُمْ حَقّ " 00 وَقَدْ قَالَ اللهُ تَعَالى: ﴿إِنَّكَ لاَ تُسْمِعُ المَوْتَى﴾ ﴿النَّمْل/80﴾ [الإِمَامُ البُخَارِيُّ في كِتَابِ الجَنَائِزِ بَاب: مَا جَاءَ في عَذَابِ القَبر بِرَقْم: 1371] وَأَخْتِمُ كَلاَمِي في هَذَا البَابِ بهَذَا الحَدِيثِ الّذِي يُعَدُّ عُمْدَةً أَيْضَاً في هَذَا المَوْضُوع: عَن عَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَعْدِ بْنِ زُرَارَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا أَنَّهَا أَخْبَرَتْهُ ـ أَيْ أَخْبرَتْ وَالِدَهَا عَبْدَ الرَّحْمَنِ ـ أَنَّهَا سَمِعَتْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا وَذُكِرَ لهَا أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ يَقُول: " إِنَّ المَيِّتَ لَيُعَذَّبُ بِبُكَاءِ الحَيِّ "
فَقَالَتْ عَائِشَة: يَغْفِرُ اللهُ لأَبي عَبْدِ الرَّحْمَنِ ـ أَيِ ابْنِ عُمَر ـ أَمَّا إِنَّهُ لَمْ يَكْذِبْ، وَلَكِنَّهُ نَسِيَ أَوْ أَخْطَأ؛ إِنَّمَا مَرَّ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى يَهُودِيَّةٍ يُبْكَى عَلَيْهَا فَقَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم: " إِنهُمْ لَيَبْكُونَ عَلَيْهَا وَإِنَّهَا لَتُعَذَّبُ في قَبْرِهَا " 0 [رَوَاهُ الإِمَامُ البُخَارِيُّ في صَحِيحِهِ بِرَقْم: (1289 / فَتْح)، وَالإِمَامُ مُسْلِمٌ في صَحِيحِهِ بِرَقْم: 932 / عَبْد البَاقِي]
يَا وَيْلَ مَنْ يُوصَفُ بمَا لَيْسَ فِيه ثُمَّ إِنَّ التَّعْذِيبَ المَذْكُورَ في قَوْلِ ابْنِ عُمَرَ " إِنَّ المَيِّتَ لَيُعَذَّبُ في قَبْرِهِ بِبُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ " قَدْ يَكُونُ مُتَمَثِّلاً في سُؤَالِ مُنْكَرٍ وَنَكِيرٍ لَهُ: أَأَنْتَ كَذَلِك، أَأَنْتَ كَذَا وَكَذَا؟ كَمَا سَيَأْتي،
لاَ سِيَّمَا أَنَّهُ وَرَدَ مِنْ طَرِيقٍ أُخْرَى مُؤَكَّدَةٍ بِالمَوَاثِيق، في رِوَايَةِ المُغِيرَةِ الَّتي مَرَّتْ آنِفَاً بِرَقْم [550] مُسْتَقِلَّةً بِذَاتهَا عَنِ ابْنِ عُمَر رَضِيَ اللهُ عَنهُ حَتىَّ في رِجَالِهَا، كَمَا وَرَدَتْ كَلِمَاتُهُ في القَلِيبِ أَيْضَاً مِنْ طُرُقٍ كَثِيرَةٍ بِأَكْثَرَ مِنْ رِوَايَةٍ، هَاتَانِ الرِّوَايَتَانِ بَعْضُهَا:
عَن أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ عَنِ النَّبيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ تَرَكَ قَتْلى بَدْرٍ ثَلاَثَاً، ثُمَّ أَتَاهُمْ فَقَامَ عَلَيْهِمْ فَنَادَاهُمْ، فَقَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم: " يَا أَبَا جَهْلِ بْنَ هِشَام، يَا أُمَيَّةَ بْنَ خَلَف، يَا عُتْبَةَ بْنَ رَبِيعَة، يَا شَيْبَةَ بْنَ رَبِيعَة، أَلَيْسَ قَدْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقَّاً 00؟ فَإِنيِّ قَدْ وَجَدْتُ مَا وَعَدَني رَبِّي حَقَّا " 00
فَسَمِعَ عُمَرُ قَوْلَ النَّبيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَال: يَا رَسُولَ الله؛ كَيْفَ يَسْمَعُواْ وَأَنىَّ يُجِيبُواْ وَقَدْ جَيَّفُواْ 00؟! قَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم: " وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِه؛ مَا أَنْتُمْ بِأَسْمَعَ لِمَا أَقُولُ مِنْهُمْ، وَلَكِنَّهُمْ لاَ يَقْدِرُونَ أَنْ يُجِيبُواْ " 00 ثُمَّ أَمَرَ بِهِمْ فَسُحِبُواْ فَأُلْقُواْ في قَلِيبِ بَدْر " 0 [رَوَاهُ الإِمَامُ مُسْلِمٌ في صَحِيحِهِ بِرَقْم: 2875 / عَبْد البَاقِي]
عَن أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ قَال: كُنَّا مَعَ عُمَرَ بَيْنَ مَكَّةَ وَالمَدِينَة، فَتَرَاءَ يْنَا الهِلاَل، وَكُنْتُ رَجُلاً حَدِيدَ البَصَرِ فَرَأَيْتُه، وَلَيْسَ أَحَدٌ يَزْعُمُ أَنَّهُ رَآهُ غَيْرِي؛ فَجَعَلْتُ أَقُولُ لِعُمَرَ أَمَا تَرَاه 00؟ فَجَعَلَ لاَ يَرَاه، سَأَرَاه 00 وَأَنَا مُسْتَلْقٍ عَلَى فِرَاشِي، ثمَّ أَنْشَأَ يُحَدِّثُنَا عَن أَهْلِ بَدْرٍ فَقَالَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يُرِينَا مَصَارِعَ أَهْلِ بَدْرٍ بِالأَمْسِ يَقُول: " هَذَا مَصْرَعُ فُلاَنٍ غَدَاً إِنْ شَاءَ الله " 00
فَقَالَ عُمَرُ: فَوَالَّذِي بَعَثَهُ بِالحَقِّ مَا أَخْطَأُواْ الحُدُودَ الَّتي حَدَّ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم، فَجُعِلُواْ في بِئْرٍ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْض؛ فَانْطَلَقَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتىَّ انْتَهَى إِلَيْهِمْ فَقَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم: " يَا فُلاَنَ بْنَ فُلاَن، وَيَا فُلاَنَ بْنَ فُلاَن؛ هَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ حَقَّا 00؟ فَإِنيِّ قَدْ وَجَدْتُ مَا وَعَدَني اللهُ حَقَّا " 0
قَالَ عُمَر: يَا رَسُولَ الله؛ كَيْفَ تُكَلِّمُ أَجْسَادَاً لاَ أَرْوَاحَ فِيهَا 00؟ قَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم: " مَا أَنْتُمْ بِأَسْمَعَ لِمَا أَقُولُ مِنْهُمْ، غَيرَ أَنَّهُمْ لاَ يَسْتَطِيعُونَ أَنْ يَرُدُّواْ عَلَيَّ شَيْئَا " [رَوَاهُ الإِمَامُ مُسْلِمٌ في صَحِيحِهِ بِرَقْم: 2873 / عَبْد البَاقِي] مِمَّا يَتَرَتَّبُ عَلَيْه: أَنَّ العَذَابِ قَدْ يَكُونُ محْمُولاً عَلَى النَّحْوِ الوَارِدِ في بَاقَةِ الأَحَادِيثِ التَّالِيَة:
عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ قَال: " أُغْمِيَ عَلَى عَبْدِ اللهِ بْنِ رَوَاحَة، فَجَعَلَتْ أُخْتُهُ عَمْرَةُ تَبْكِي وَاجَبَلاَهْ، وَاكَذَا وَاكَذَا، تُعَدِّدُ عَلَيْه، فَقَالَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ حِينَ أَفَاق: مَا قُلْتِ شَيْئَاً إِلاَّ قِيلَ لي: أَأَنْتَ كَذَلِك " 00؟ قَالَ النُّعْمَانُ بْنُ بَشِير: فَلَمَّا مَاتَ لَمْ تَبْكِ عَلَيْه " 0 [الإِمَامُ البُخَارِيُّ في كِتَابِ المَغَازِي بَاب: غَزْوَةِ مُؤْتَةَ في أَرْضِ الشَّام بِرَقْم: (4268)، وَالمِشْكَاةُ بِرَقْم: 1745]
عَن أَبي مُوسَى الأَشْعَرِيَّ رَضِيَ اللهُ عَنهُ عَنِ النَّبيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَال: " مَا مِنْ مَيِّتٍ يَمُوتُ فَيَقُومُ بَاكِيهِ فَيَقُول: وَاجَبَلاَه 00 وَاسَيِّدَاه 00 أَوْ نحْوَ ذَلِك: إِلاَّ وُكِّلَ بِهِ مَلَكَانِ يَلْهَزَانِهِ: أَهَكَذَا كُنْت " 00؟ [حَسَّنَهُ الْعَلاَّمَةُ الأَلبَانيُّ في " سُنَنِ الإِمَامِ التِّرْمِذِيِّ " بِرَقْم: (1003)، في " الجَامِعِ " بِرَقْم: 10727]
أَيْ يَهُزَّانِهِ بِشِدَّةٍ قَائِلِينَ لَهُ: أَهَكَذَا كُنْت 00؟ عَن أَبي مُوسَى الأَشْعَرِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنهُ عَنِ النَّبيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَال: " المَيِّتُ يُعَذَّبُ بِبُكَاءِ الحَيّ: إِذَا قَالُواْ وَاعَضُدَاهُ وَاكَاسِيَاه، وَانَاصِرَاهُ وَاجَبَلاَهُ وَنحْوَ هَذَا: يُتَعْتَعُ وَيُقَال: أَنْتَ كَذَلِك 00؟ أَنْتَ كَذَلِك " 00؟ [حَسَّنَهُ الْعَلاَّمَةُ الأَلبَانيُّ في " سُنَنِ الإِمَامِ ابْنِ مَاجَةَ " بِرَقْم: 1594]
قَالَ حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ: أَنْبَأَنَا أَبُو عِمْرَانَ الجَوْنيُّ قَال: " إِنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ رَوَاحَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ أُغْمِيَ عَلَيْه؛ فَأَتَاهُ النَّبيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَال: " اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ حَضَرَ أَجَلُهُ فَيَسِّرْ عَلَيْهِ وَإِلاََّ فَاشْفِهِ " 0 فَوَجَدَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ خِفَّةً فَقَال: يَا رَسُولَ الله؛ أُمِّي قَالَتْ: وَاجَبَلاَه، وَاظَهْرَاه، وَمَلَكٌ رَفَعَ مِرْزَبَةً مِن حَدِيدٍ يَقُول: أَنْتَ كَذَا، فَلَوْ قُلْتُ نَعَمْ لَقَمَعَني بِهَا " 0 [الإِمَامُ الذَّهَبيُّ في سِيَرِ أَعْلاَمِ النُّبَلاَء 0 طَبْعَةِ مُؤَسَّسَةِ الرِّسَالَة 0 ص: 233/ 1] عَنْ قَيْسِ بْنِ عَاصِمٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ قَال: " لاَ تَنُوحُواْ عَلَيَّ فَإِنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يُنحْ عَلَيْه " 0 [صَحَّحَهُ الْعَلاَّمَةُ الأَلبَانيُّ لِغَيرِهِ في سُنَنِ الإِمَامِ النَّسَائِيِّ بِرَقْم: 1851]
طَرَفَةُ بْنُ العَبْدِ يُوصِي مَنْ يَنُوحُ عَلَيْه وَبِرَغْمِ دَعْوَى الجَاهِلِيَّةِ التي كَانَتْ مَوْجُودَةً قَبْلَ الإِسْلاَمِ إِلاَّ أَنَّ الوَاحِدَ مِنهُمْ كَانَ لاَ يَرْضَى أَنْ يُوصَفَ ـ عَلَى كُفْرِهِ ـ إِلاَّ بمَا فِيه، وَاسْمَعْ لِقَوْلِ طَرَفَة: إِذَا مُتُّ فَانعِيني بِمَا أَنَا أَهْلُهُ * وَشُقِّي عَلَيَّ الجَيْبَ يَا ابْنَةَ مَعْبَدِ لَبِيدُ بْنُ رَبِيعَةَ يُوصِي مَنْ يَنُوحُ عَلَيْه وَأَجْمَلُ مِنهُ قَوْلُ لَبِيد: فَقُومَا فَقُولاَ بِالَّذِي قَدْ عَلِمْتُمَا * وَلاَ تخْمِشَا وَجْهَا وَلاَ تحْلِقَا شَعَرْ وَقُولاَ هُوَ المَرْءُ الَّذِي لاَ صَدِيقَهُ * أَضَاعَ وَلاَ خَانَ الأَمِينَ وَلاَ غَدَرْ
إِلى الحَوْلِ ثُمَّ اسْمُ السَلاَمِ عَلَيْكُمَا * وَمَنْ يَبْكِ حَوْلاً كَامِلاً فَقَدِ اعْتَذَرْ بِدَعٌ لهَا العَجَب إِنَّ النَّاسَ لَمْ يَترُكُواْ مِن أُمُورِ الدِّينِ شَيْئَاً إِلاَّ وَابْتَدَعُواْ فِيهِ مَا قَدَرُواْ عَلَيْهِ مِنَ البِدَع، رَغْمَ أَنَّ الدِّينَ لَمْ يَترُكْ صَغِيرَةً وَلاَ كَبِيرَةً إِلاَّ أَحْصَاهَا 00!! فَإِذَا مَاتَ أَحَدُهُمْ يَقُولُون: " رَبِّنَا افْتَكَرُه " وَكَأَنَّ اللهَ جَلَّ جَلاَلُهُ قَدْ نَسِيَهُ لِيَتَذَكَّرَه 00؟ ﴿لاَ يَضِلُّ رَبِّي وَلاَ يَنْسَى﴾ [طَهَ: 52] وَفي العَزَاءِ يَقُولُون: " البَقِيَّةُ في حَيَاتِك " وَ " يَأْخُذُ مِن عُمْرِهِ وَيُعْطِيك " 0 وَلاَ يخْفَى عَلَيْنَا طَبْعَاً مَا في هَذَا مِنَ الجَهْلِ وَالمُخَالَفَة 0
وَأَحْيَانَاً يَقُولُون: " البَقَاءُ لله " 00 وَهَذِهِ العِبَارَةُ ـ وَإِنْ صَحَّتْ مِن حَيْثُ المَعْنى ـ إِلاَّ أَنَّهَا خِلاَفُ السُّنَّة 00 عَن أُبيِّ بْنِ كَعْبٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ عَنِ النَّبيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَال: " مَنْ تَعَزَّى بِعَزَاءِ الجَاهِلِيَّةِ فَأَعِضُّوه، لاَ تَكِنُّواْ " 00 أَيْ لاَ تَسْتَحُواْ 0 [صَحَّحَهُ الأُسْتَاذ شُعَيْب الأَرْنَؤُوط في صَحِيحِ الإِمَامِ ابْنِ حِبَّانَ بِرَقْم: 3153] وَمِنْ بِدَعِ الجَنَائِزِ أَيْضَاً: أَنْ يَمُوتَ لِلأَبَوَيْنِ وَلَدٌ أَوْ وَلَدَان، فَيَرْزُقُهُمَا اللهُ بِثَالِثٍ؛ فَيُسَمِّيَانِهِ تَسْمِيَةً مُنْكَرَةً لِيَعِيش 00!!
عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ عَنِ النَّبيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَال: " كَانَتْ حَوَّاءُ لاَ يَعِيشُ لَهَا وَلَد؛ فَنَذَرَتْ لَئِن عَاشَ لَهَا وَلَدٌ تُسَمِّيهِ عَبْدَ الحَارِث؛ فَعَاشَ لَهَا وَلَدٌ فَسَمَّتْهُ عَبْدَ الحَارِث، وَإِنَّمَا كَانَ ذَلِكَ عَنْ وَحْيِ الشَّيْطَان " 0 [صَحَّحَهُ الإِمَامُ الذَّهَبيُّ في التَّلْخِيص، رَوَاهُ الحَاكِمُ في المُسْتَدْرَكِ بِرَقْم: 4003]
وَمِن أَطْرَفِ مَا يحْكَى في ذَلِك: أَنَّ رَجُلاً وَامْرَأَةً كَانَ لاَ يَعِيشُ لَهُمَا وَلَد؛ فَلَمَّا رَزَقَهُمَا اللهُ بِوَلَد؛ سَمَّوْهُ محَمَّدَاً فَمَات، ثُمَّ رَزَقَهُمَا اللهُ بَعْدِ حِينٍ بِوَلَدٍ آخَر، فَسَمَّوْهُ إِبْرَاهِيمَ فَمَات، فَرَزَقَهُمَا اللهُ بَعْدِ حِينٍ بِبِنْتٍ، فَسَمَّوْهَا فَاطِمَةَ فَمَاتَتْ، فَأَقْسَمَا لَئِنْ رَزَقَهُمَا اللهُ بِرَابِعٍ لَيَخْسِفُنَّ بِاسْمِهِ الأَرْض، فَرُزِقَا بِوَلَدٍ فَسَمَّوْهُ مُصِيبَةً فَعَاش،
وَرُزِقَا بِآخَرَ فَسَمَّوْهُ دَاهِيَةَ فَعَاش، وَرُزِقَا بِبِنْتٍ فَسَمَّوْهَا حَرِيقَةً فَعَاشَتْ، ثمَّ مَضَى مِنَ الدَّهْرِ مَا مَضَى، وَأُصِيبَ دَاهِيَةُ بِدَاءٍ عُضَال، حَارَ فِيهِ الأَطِبَّاء، وَسَاءَتْ بِهِ الأَحْوَال، ثُمَّ تَوَفَّاهُ اللهُ بَعْدَ طُولِ عَنَاء، وَفي هَذِهِ الأَثْنَاء؛ تَصَادَفَ مَرَضُ ابْنَتِهِ حَرِيقَة، وَسَفَرُ ابْنِهِ مُصِيبَة، فَكَانَ النَّاسُ يُعَزُّونَهُ قَائِلِين: " اصْبرْ وَاحْتَسِبْ 00 في دَاهِيَة، جَلَبَ اللهُ لَكَ مُصِيبَة، وَعَجَّلَ لَكَ بِقِيَامِ حَرِيقَة " 00!!
كَلِمَةُ العَزَاءِ في الإِسْلاَم عَن أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ قَال: " كُنَّا عِنْدَ النَّبيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم، إِذْ جَاءهُ رَسُولُ إِحْدَى بَنَاتِهِ يَدْعُوهُ إِلى ابْنِهَا في المَوْت، فَقَالَ النَّبيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم: " ارْجِعْ إِلَيْهَا فَأَخْبِرْهَا أَنَّ للهِ مَا أَخَذَ وَلَهُ مَا أَعْطَى، وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِأَجَلٍ مُسَمّى، فَمُرْهَا فَلْتَصْبِرْ وَلْتحْتَسِبْ " 00 فَأَعَادَتِ الرَّسُولَ أنهَا قَدْ أَقْسَمَتْ لَتَأْتِيَنَّهَا، فَقَامَ النَّبيُّ ** صلى الله عليه وسلم **
وَقَامَ مَعَهُ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ وَمُعَاذُ بْنُ جَبَل، فَدُفِعَ الصَّبيُّ إِلَيْهِ وَنَفْسُهُ تَقَعْقَعُ ـ أَيْ تَفُورُ ـ كَأَنَّهَا في شَنٍّ ـ أَيْ في قِرْبَةٍ ـ فَفَاضَتْ عَيْنَاه؛ فَقَالَ لَهُ سَعْد: يَا رَسُولَ اللهِ مَا هَذَا 00؟! قَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم: " هَذِهِ رَحْمَةٌ جَعَلَهَا اللهُ في قُلُوبِ عِبَادِهِ وَإِنَّمَا يَرْحَمُ اللهُ مِن عِبَادِهِ الرُّحَمَاءَ " [رَوَاهُ الإِمَامُ البُخَارِيُّ في صَحِيحِهِ بِرَقْم: (7377 / فَتْح)، وَالإِمَامُ مُسْلِمٌ في صَحِيحِهِ بِرَقْم: (923)، وَفي " كَنْزِ العُمَّالِ " بِرَقْم: 42902] فَضْلُ كَلِمَة: " إِنَّا للهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُون "
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيم: ﴿الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُواْ: إِنَّا للهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ المُهْتَدُونَ﴾ ﴿البَقَرَة/156﴾ رَوَى الإِمَامُ البُخَارِيُّ عَن عُمَرَ بْنَ الخَطَّابِ رَضِيَ اللهُ عَنهُ أَنَّهُ قَالَ عَن هَذِهِ الآيَة: " نِعْمَ العِدْلاَنِ وَنِعْمَ العِلاَوَة " 0 [الإِمَامُ البُخَارِيُّ في كِتَابِ الجَنَائِزِ بَاب: الصَّبرِ عِنْدَ الصَّدْمَةِ الأُولى بِرَقْم: 1302] عَن أَبي مُوسَى الأَشْعَرِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنهُ عَنِ النَّبيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَال: " إِذَا مَاتَ وَلَدُ العَبْدِ قَالَ اللهُ لِمَلاَئِكَتِهِ: قَبَضْتُمْ وَلَدَ عَبْدِي 00؟ فَيَقُولُونَ نَعَمْ، فَيَقُول: قَبَضْتُمْ ثَمَرَةَ فُؤَادِه 00؟
فَيَقُولُونَ نَعَمْ، فَيَقُول: مَاذَا قَالَ عَبْدِي 00؟ فَيَقُولُونَ حَمِدَكَ وَاسْتَرْجَع؛ فَيَقُولُ الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالى: ابْنُواْ لِعَبْدِي بَيْتَاً في الجَنَّةِ وَسَمُّوهُ بَيْتَ الحَمْد " 0 [حَسَّنَهُ الأَلبَانيُّ في الجَامِعِ وَالتِّرْمِذِيِّ بِرَقْم: (1021)، وَهُوَ في الشُّعَب بِرَقْم: (9700)، وَفي الْكَنْزِ بِرَقْم: 6552] عَن أَبي أُمَامَةَ البَاهِلِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنهُ عَنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ رَبِّ العِزَّةِ جَلَّ جَلاَلُهُ أَنَّهُ قَال: " ابْنَ آدَم: إِنْ صَبَرْتَ وَاحْتَسَبْتَ عِنْدَ الصَّدْمَةِ الأُولى لَمْ أَرْضَ لَكَ ثَوَابَاً دُونَ الجَنَّة " 0 [حَسَّنَهُ الْعَلاَّمَةُ الأَلبَانيُّ في " سُنَنِ الإِمَامِ ابْنِ مَاجَةَ " بِرَقْم: 1597]