موسوعة الرقائق والأدب - ياسر الحمدانيصفحات 3497-3537
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كِتَابُ فَقْدِ الأَحِبَّة:

صفحات 3497-3537
عن هذه الطبعة
عَلَم
ياسر الحمداني
الكتاب
موسوعة الرقائق والأدب
المؤلف
ياسر بن أحمد بن محمود بن أحمد بن أبي الحمد الكويس الحمداني
عدد الأجزاء
1 [الكتاب مرقم آليا]

إِكْرَامُ اللهِ لِلْمُؤْمِنِ حَتىَّ بَعْدَ مَوْتِه وَعَن أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ أَنَّ النَّبيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَال: " إِنَّ اللهَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالى وَكَّلَ بِعَبْدِهِ المُؤمِنِ مَلَكَيْنِ يَكتُبَانِ عَمَلَه، فَإِذَا مَاتَ قَالَ المَلَكَانِ اللَّذَانِ وُكِّلاَ بِه: قَدْ مَاتَ ـ أَيْ قَالاَ لله ـ فَأَذَنْ لَنَا أَنْ نَصْعَدَ إِلى السَّمَاء، فَيَقُولُ اللهُ جَلَّ جَلاَلُه: سَمَائِي مَمْلُوءةٌ مِنْ مَلاَئِكَةٍ يُسَبِّحُوني؛ فَيَقُولاَنِ فَأَيْن 00؟ فَيَقُولُ قُومَا عَلَى قَبْرِ عَبْدِي فَسَبِّحَانِي وَاحمَدَاني وَكَبِّرَاني وَهَلِّلاَني وَاكْتُبَا ذَلِكَ لِعَبْدِي " 0 [الإِمَامُ البَيْهَقِيُّ في " شُعَبِ الإِيمَانِ "، وَفي " كَنْزِ العُمَّالِ " بِرَقْم: 42967]

تَوْبَةُ شَابَّينِ في المَطَارِ عَلَى يَدِ أَحَدِ الدُّعَاة " عَلَى حَضَرَاتِ الرُّكَّابِ المُسَافِرِينَ عَلَى الرِّحْلَةِ رَقم [0000] التَّوَجُّه إِلى صَالَة المغَادَرَة " دَوَّى هَذَا الصَّوْتِ في جَنَبَاتِ مَبْنى المَطَار، أَحَدُ الدُّعَاةِ كَانَ هُنَاكَ جَالِسَاً في الصَّالَةِ وَقَد حَزَمَ حَقَائِبَه، وَعَزَمَ عَلَى السَّفَرِ إِلى بِلاَدِ اللهِ الوَاسِعَة لِلدَّعْوَة إِلى اللهِ جَلَّ جَلاَلُهُ سَمِعَ هَذَا النِّدَاءَ فَأَحَسَّ بِامْتِعَاضٍ في قَلبِه؛ لأَنَّهُ يَعْلَمُ لِمَاذَا يُسَافِر كَثِيرٌ مِنَ الشَّبَابِ إِلى تِلكَ البِلاَد، وَفَجْأَةً: لَمَحَ هَذَا الشَّيْخُ شَابَّينِ في العِشْرِينَ مِن عُمْرِهمَا أَوْ يَزِيدُ قَلِيلاَ، وَقَدْ بَدَا مِنْ ظَاهِرِهمَا مَا يَدُلُّ عَلَى أَنهُمَا لاَ يُرِيدَان إِلاَّ المُتْعَةَ الحَرَامَ مِنَ السَّفَرِ إِلى تِلكَ البِلاَد الَّتي عُرِفَتْ بِذَلِك 0

" لاَ بُدَّ مِن إِنْقَاذِهِمَا قَبْلَ فَوَاتِ الأَوَان " 0 قَالهَا الشَّيْخُ في نَفْسِهِ وَعَزَمَ عَلَى الذَّهَابِ إِلَيْهِمَا وَنُصْحِهِمَا، فَوَقَفَ الشَّيْطَان في وَجْهِهِ وَقَالَ لَهُ: مَا لَكَ وَلهُمَا، دَعْهُمَا يَمْضِيَان في طَرِيقِهِمَا وَيُرَفِّهَا عَنْ نَفْسَيْهِمَا، إِنهُمَا لَنْ يَسْتَجِيبَا لَك 00!! وَلَكِنَّ الشَّيْخَ كَانَ قَوِيَّ العَزِيمةِ ثَابِتَ الجَأْش، عَالِمَاً بمَدَاخِلِ الشَّيْطَانِ وَوَسَاوِسِه؛ فَبَصَقَ في وَجْهِ الشَّيْطَانِ وَمَضَى في طَرِيقِهِ لاَ يَلْوِي عَلَى شَيْء، وَعِنْدَ بَوَّابَةِ الخُرُوجِ اسْتَوْقَفَ الشَّابَّينِ بَعْدَ أَن أَلْقَى عَلَيْهِمَا تحِيَّةَ الإِسْلاَم، وَوَجَّهَ إِلَيْهِمَا النُّصْحَ بِأَبْلَغِ الكَلاَم، وَكَانَ مِمَّا قَالَهُ لهُمَا: " مَا ظَنُّكُمَا لَوْ حَدَثَ خَلَلٌ في الطَّائِرَةِ وَلَقِيتُمَا ـ لاَ قَدَّرَ اللهُ ـ حَتْفَيْكُمَا؛

وَأَنْتُمَا عَلَى هَذِهِ النِّيَّةِ قَدْ عَزَمْتُمَا عَلَى مُبَارَزَةِ الجبَّارِ جَلَّ جَلاَلُه؛ بِأَيِّ وَجْهٍ سَتُقَابِلاَن رَبِّكُمَا يَوْمَ القِيَامَة 00؟ فَذَرَفَتْ عَيْنَا هَذَيْنِ الشَّابَّينِ وَرَقَّ قَلبُهُمَا لِمَوْعِظَةِ الشَّيْخ، وَقَامَا فَوْرَاً بِتَمْزِيقِ تَذَاكِرِ السَّفَرِ وَقَالاَ: لَقَدْ كَذَبْنَا عَلَى أَهْلِينَا يَا شَيْخُ وَقُلنَا لهُمَا: إِنَّنَا ذَاهِبَانِ إِلى مَكَّةَ أَوْ جَدَّةَ؛ فَكَيْفَ الخَلاَصُ وَمَاذَا نَقُولُ لهُمْ 00؟

أَرَادَ الشَّيْطَانُ شَيْئَاً وَأَرَادَ اللهُ شَيْئَا آخَر وَكَانَ مَعَ الشَّيْخِ أَحَدُ طُلاَبِهِ فَقَالَ لَهُمَا: اذْهَبَا مَعَ أَخِيكُمَا هَذَا وَسَوْفَ يَقُومُ بِالَّلاَزِم، وَمَضَى الشَّابَّانِ مَعَ صَاحِبِهِمَا وَقَدْ عَزَمَا عَلَى أَن يَبِيتَا عِنْدَه أُسْبُوعَا كَامِلاً ثمَّ يَعُودَا إِلى أَهْلَيْهِمَا، وَفي تِلكَ اللَّيْلَةِ وَفي بَيْتِ ذَلِكَ الشَّابِّ أَلقَى أَحَدُ الدُّعَاةِ كَلمَةً مُؤَثِّرَةً زَادَتْ مِن حَمَاسِهِمَا؛ فَعَزَمَا عَلَى الذَّهَابِ إِلى مَكَّةَ لأَدَاءِ العُمْرَة 00!! وَهَكَذَا: أَرَادَ الشَّيْطَانُ شَيْئَاً وَأَرَادَ اللهُ شَيْئَاً آخَر، فَكَانَ مَا أَرَادَ الله، وَاللهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِه 00!!

حُسْنُ الخاتمة وَفي الصَّبَاحِ وَبَعْدَ أَن أَدَّى الجَمِيعُ صَلاَةَ الفَجْر؛ انْطَلَقَ الثَّلاَثَةُ صَوْبَ مَكَّةَ شَرَّفَهَا اللهُ، بَعْدَ أَن أَحْرَمُواْ مِنَ المِيقَات، وَفي الطَّرِيقِ كَانَتِ النِّهَايَة، وَفي الطَّرِيقِ كَانَتِ الخَاتِمَة: فَقَدْ وَقَعَ لَهُمَا حَادِثٌ بِالسَّيَّارَةِ ذَهَبُواْ فِيهِ جَمِيعَا؛ فَاخْتَلَطَتْ دِمَاؤُهُمُ الزَّكِيَّةُ بحُطَامِ الزُّجَاجِ المُتَنَاثِر، وَلَفَظواْ أَنْفَاسَهُمُ الأَخِيرَةَ تحْتَ الحُطَامِ وَهُمْ يرَدِّدُونَ هَذِهِ الكَلمَاتِ الخَالِدَة: " لَبيْكَ اللهُمَّ لَبيْك، لَبَّيْكَ لاَ شَرِيكَ لَكَ لَبَّيْك " 0 كَمْ كَانَ بَينَ مَوْتهِمَا وَبَينَ تمْزِيقِ تَذَاكِرِ السَّفَرِ إِلى تِلْكَ البِلاَدِ المَشْبُوهَة؟ إِنهِا أَيَّامٌ مَعْدُودَات، وَلَكنَّ اللهَ أَرَادَ لهمَا حُسْنَ الخِتَام 00!! [العَائِدُونَ إِلى اللهِ الجُزْءُ الثَّالِثُ بِتَصَرُّف 0 لِلشّيخ محَمَّد عَبْدِ العَزِيزِ المُسْنَد]

عَن عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ قَال: " إِنَّ رَاهِبًا عَبَدَ اللهَ في صَوْمَعَتِهِ سِتِّينَ سَنَة، فَجَاءتِ امْرَأَةٌ فَنَزَلَتْ إِلىَ جَنْبِهِ، فَنزَلَ إِلَيْهَا فَوَاقَعَهَا سِتَّ لَيَالٍ، ثُمَّ سُقِطَ في يَدِهِ ـ أَيْ نَدِمَ ـ فَهَرَبَ فَأَتَى مَسْجِدًا، فَأَوَى فِيهِ ثَلاَثًا لاَ يَطْعَمُ شَيْئًا، فَأُتيَ بِرَغِيفٍ فَكَسَرَهُ، فَأَعْطَى رَجُلاً عَنْ يَمِينِهِ نِصْفَهُ، وَأَعْطَى آخَرَ عَنْ يَسَارِهِ نِصْفَه؛ فَبَعَثَ اللهُ إِلَيْهِ مَلَكَ المَوْتِ فَقَبَضَ رُوحَه، فَوُضِعَتِ السِّتُّونَ في كِفَّةٍ وَوُضِعَتِ السِّتَّةُ في كِفَّة، فَرَجَحَتْ ـ أَيِ السِّتَّة ـ ثُمَّ وُضِعَ الرَّغِيفُ فَرَجَح " 0 [صَحَّحَهُ الْعَلاَّمَةُ الأَلْبَانيُّ في صَحِيحِ التَّرْغِيب ح 0 ر: 885]

عَن أَبي مُوسَى الأَشْعَرِيَّ رَضِيَ اللهُ عَنهُ عَنِ النَّبيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ كَانَ في غَزَاةٍ، فَبَارَزَ رَجُلٌ مِنَ المُشْرِكِينَ رَجُلاً مِنَ المُسْلِمِين، فَقَتَلَهُ المُشْرِك، ثُمَّ بَرَزَ لَهُ آخَرُ مِنَ المُسْلِمِين، فَقَتَلَهُ المُشْرِك، ثُمَّ دَنَا فَوَقَفَ عَلَى النَّبيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَال: " عَلَى مَا تُقَاتِلُون " 00؟ قَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم: " دِينُنَا: أَنْ نُقَاتِلَ النَّاسَ حَتىَّ يَشْهَدُواْ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ الله، وَأَنَّ محَمَّدَاً عَبْدُهُ وَرَسُولُه، وَأَنْ نَفِيَ للهِ بِحَقِّه " 0 قَال: وَاللهِ إِنَّ هَذَا لحَسَن، آمَنْتُ بِهَذَا، ثمَّ تَحَوَّلَ إِلىَ المُسْلِمِينَ فَحَمَلَ عَلَى المُشْرِكِينَ فَقَاتَلَ حَتىَّ قُتِل، فَحُمِلَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ فَوُضِعَ مَعَ صَاحِبَيْهِ اللَّذَيْنِ قَتَلَهُمَا؛ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم: " هَؤُلاَءِ أَشَدُّ أَهْلِ الجَنَّةِ تَحَابَّاً " 0 [صَحَّحَهُ الإِمَامُ الهَيْثَمِيُّ في مجْمَعِ الزَّوَائِد 0 طَبْعَةُ دَارِ الْفِكْرِ بِرَقْم: 9531، رَوَاهُ الإِمَامُ الطَّبَرَانيُّ في الأَوْسَط]

رُبَّ كَلِمَةٍ أَنْقَذَتْ صَاحِبَهَا مِنَ النَّار عَن أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ قَال: " كَانَ غُلاَمٌ يَهُودِيٌّ يخْدُمُ النَّبيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَمَرِض؛ فَأَتَاهُ النَّبيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَعُودُهُ، فَقَعَدَ عِنْدَ رَأْسِهِ فَقَالَ لَه: " أَسْلِمْ " 00 فَنَظَرَ إِلى أَبِيهِ وَهُوَ عِنْدَهُ 00؟ فَقَالَ لَه: أَطِعْ أَبَا القَاسِمِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَسْلَم، فَخَرَجَ النَّبيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ يَقُول: " الحَمْدُ للهِ الَّذِي أَنْقَذَهُ مِنَ النَّار " [الإِمَامُ البُخَارِيّ في كِتَابِ الجَنَائِزِ بَابِ: إِذَا أَسْلَمَ الصَّبيُّ فَمَات بِرَقْم: 1356]

وَعَنْ صَفْوَانَ بْنِ عَسَّالٍ المُرَادِيِّ قَال: " دَخَلَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى غُلاَمٍ مِنَ اليَهُودِ وَهُوَ مَرِيضٌ فَقَال صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم: " أَتَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ الله " 00؟ قَالَ نَعَمْ، قَال صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم: " أَتَشْهَدُ أَنَّ محَمَّدَاً رَسُولُ الله "؟ قَالَ نَعَمْ، ثمَّ قُبِض، فَوَلِيَهُ رَسُول اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالمُسْلِمُونَ فَغَسَّلُوهُ وَدَفَنُوه " 0 [حَسَّنَهُ الإِمَامُ الهَيْثَمِيُّ في " المجْمَعِ " ص: 323/ 2، رَوَاهُ الإِمَامُ الطَّبَرَاني في الكَبِير]

عَن أَبي صَخْرٍ العُقَيْلِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنهُ أَنَّ النَّبيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَتَى عَلَى رَجُلٍ مِنَ اليَهُودِ نَاشِرًا التَّوْرَاةَ يَقْرَؤُهَا؛ يُعَزِّي بِهَا نَفْسَهُ عَلَى ابْنٍ لَهُ في المَوْت [أَيْ يَحْتَضِر]، كَأَحْسَنِ الفِتْيَانِ وَأَجْمَلِه؛ فَقَالَ لَهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم: " أَنْشُدُكَ بِالَّذِي أَنْزَلَ التَّوْرَاة؛ هَلْ تجِدُ في كِتَابِكَ ذَا صِفَتي وَمَخْرَجِي " 00؟

فَقَالَ بِرَأْسِهِ هَكَذَا: أَيْ لاَ، فَقَالَ ابْنُهُ: إِنيِّ وَالَّذِي أَنْزَلَ التَّوْرَاة ـ أَيْ إِنيِّ لأَجِدُ ذَلِكَ وَالَّذِي أَنْزَلَ التَّوْرَاة ـ إِنَّا لَنَجِدُ في كِتَابِنَا صِفَتَكَ وَمَخْرَجَك، وَأَشْهَدُ أَنَّ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ وَأَنَّكَ رَسُولُ الله؛ فَقَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم: " أَقِيمُواْ اليَهُودَ عَن أَخِيكُمْ، ثُمَّ وَلِيَ كَفَنَهُ وَحَنَّطَهُ وَصَلَّى عَلَيْه " 0 [قَالَ عَنهُ الإِمَامُ الهَيْثَمِيُّ في المجْمَع، وَالْعَلاَّمَةُ الأَلْبَانيُّ في صَحِيحِ السِّيرَة: إِسْنَادُهُ جَيِّد، رَوَاهُ الإِمَامُ أَحْمَد]

فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِين؛ عَمَّا كَانُواْ يَعْمَلُون يحْكَى أَنَّ شَابَّاً كَانَ اسْمُهُ دِينَار، وَكَان لَهُ وَالِدَةٌ صَالحَةٌ تَعِظُهُ وَهُوَ لاَ يَتَّعِظُ، فَمَرَّ في بَعْضِ الأَيَّامِ بمَقْبرَة، فَأَخَذ مِنهَا عَظْمَا فَتَفَتَّتَ في يَدِه؛ فَفَكَّرَ في نَفْسِهِ وَقَال: وَيحَكَ يَا دِينَار، كَأَنيِّ بِكَ وَقَدْ صَارَ عَظْمُكَ هَكَذَا رُفَاتَا؛ فَنَدِمَ عَلَى تَفْرِيطِهِ وَعَزَمَ عَلَى التَّوْبَة، وَرَفَعَ رَأْسَهُ إِلى السَّمَاءِ وَقَال: إِلهِي وَسَيِّدِي: أَلْقَيْتُ إِلَيْكَ مَقَالِيدَ أَمْرِى فَاقْلِبني حَيْثُ شِئْت، ثمَّ أَقْبَلَ نحْوَ أُمِّهِ مُتَغَيِّرَ اللَّوْنِ مُنْكَسِرَ القَلبِ فَقَال: يَا أُمَّاه: مَاذَا يُصْنَعُ بِالعَبْدِ الآبِقِ إِذَا أَخَذَهُ سَيِّدُه 00؟

قَالَتْ: يخْشِّنُ مَلْبَسهُ وَمَطْعَمه، وَيَغُلُّ يَدَيْهِ وَقَدَمَيْه؛ فَقَال: أُرِيدُ جُبَّةً مِنْ صُوف وَأَقْرَاصَاً مِنْ شَعِيرٍ وَغُلَّين، وَافْعَلِي بي يَا أُمَّاهُ كَمَا يُفْعَلُ بِالعَبْدِ الآبِق؛ لَعَلَّ مَوْلاَيَ إِذَا رَأَى ذُلي يَرْحمُنى، فَفَعَلَتْ بِهِ مَا أَرَاد، فَكَانَ إِذَا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ أَخَذَ في البُكَاءِ وَالعَوِيلِ وَيقُولُ لِنَفْسِه: وَيحَكَ يَا دِينَار: أَلَكَ قوَّة عَلَى النَّار 00؟ كَيْفَ تَعَرَّضْتَ لِغَضَبِ الجَبَّار 00؟ وَلاَ يَزَالُ كَذَلِكَ حَتىَّ يَطْلُعَ الصُّبْح؛ فَقَالَتْ لَه أُمُّه: ارْفُقْ بِنَفْسِكَ يَا وَلَدِي 00؟

فَقَال: دَعِيني يَا أُمَّاهُ أَتْعَبُ قَلِيلاً؛ لَعَلِّي أَسْتَرِيحُ طَوِيلاً، يَا أُمَّاهُ إِنَّ لي غَدَاً مَوْقِفَا طَوِيلاً، وَلاَ أَدْرِي أَيُؤْمَرُ بي إِلى ظِلٍّ ظَلِيل، أَمْ إِلى ذُلٍّ طَوِيل 00؟ قَالَتْ: يَا بُنيَّ خُذْ لِنَفْسِكَ رَاحَة 00؟ قَال: لَسْتُ لِلرَّاحَةِ أَطْلُب، كَأَنَّكِ يَا أُمَّاهُ غَدَاً بِالخَلاَئِقِ يُسَاقُونَ إِلى الجَنَّةِ وَأُسَاقُ إِلى النَّار؛ فَتَرَكَتْهُ وَمَا هُوَ عَلَيْه، فَأَخَذَ في البُكَاءِ وَالعِبَادَةِ وَقِرَاءةِ القُرْآن، فَقَرَأَ في بَعْضِ اللَّيَالي: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِين؛ عَمَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ ﴿الحِجْر/92، 93﴾ فَتَفَكَّرَ فِيهَا وَجَعَلَ يَبْكِي حَتىَّ غُشِيَ عَلَيْه؛ فَجَاءتْ أُمُّهُ فَنَادَتْهُ فَلَمْ يجِبْهَا، فَقَالَتْ لَهُ: يَا حَبِيبي وَقُرَّةَ عَيْني أَيْنَ المُلتَقَى 00؟

فَقَالَ بِصَوْتٍ ضَعِيف: يَا أُمَّاه 00 إِنْ لَمْ تجِدِيني في عَرَصَاتِ القِيَامَةِ فَاسْأَلي عَنيِّ مالِكَاً خَازِنَ النَّار، ثُمَّ شَهِقَ شَهْقَةً فَخَرَجَتْ نَفْسُه، فَغَسَّلَتْهُ أُمُّهُ وَجَهَّزَتْهُ وَخَرَجَتْ تُنَادِي أَيُّهَا النَّاس: هَلُمُّواْ إِلى الصَّلاَةِ عَلَى قَتِيلِ النَّار 00؟ فَجَاءَ النَّاسُ مِنْ كُلِّ جَانِب، فَلَمْ يُرَ أَكثَرَ جَمْعَاً وَلاَ أَغْزَرَ دَمعَاً مِنْ ذَلِكَ اليَوْم، فَلَمَّا دَفَنُوهُ نَامَ بَعْضُ أَصْدقَائِهِ تِلكَ اللَّيْلَة، فَرَآهُ يَتَبَخْتَرُ في الجَنَّةِ وَعَلَيْهِ حُلَّةٌ خضْرَاء وَهُوَ يَقْرَأُ نَفْسَ الآيَة: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِين؛ عَمَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ ﴿الحِجْر/92، 93﴾

وَيَقُول: وَعِزَّتِهِ وَجَلاَلِهِ سَأَلَني وَرَحِمَني وَغَفَرَ لي وَتجَاوَزَ عَنيِّ، أَلاَ أَخْبرُواْ عَنيِّ وَالِدَتي بِذَلِك " 0 [شِهَابُ الدِّينِ الأَبْشِيهِيُّ في المُسْتَطْرَفِ في كُلِّ فَنٍّ مُسْتَظْرَف 0 بِالبَابِ: الحَادِي وَالثَّلاَثِين: مَنَاقِبُ الصَّالحِين] عَن عَبْدِ اللهِ بْنِ بُسْرٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ عَنِ النَّبيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَال: " خَيرُ الْعَمَلِ أَنْ تُفَارِقَ الدُّنيَا وَلِسَانُكَ رَطْبٌ مِنْ ذِكْرِ الله " 0 [صَحَّحَهُ الْعَلاَّمَةُ الأَلبَانيُّ في " الجَامِعِ " بِرَقْم: (5593)، رَوَاهُ أَبُو نُعَيْمٍ في الحِلْيَة]

حَسْرَةُ إِبْلِيسَ عَلَى حُسْنِ خِتَامِ الصَّالحِين عَنْ تَمِيمٍ الدَّارِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنهُ عَنِ النَّبيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَال: " إِنَّ اللهَ إِذَا رَضِيَ عَن عَبْدٍ قَال: يَا مَلَكَ المَوْتِ اذْهَبْ إِلى فُلاَن فَأْتِني بِرُوحِهِ لأُرِيحَه، حَسْبي مِن عَمَلِه ـ أَيْ يَكْفِيني مِن عَمَلِهِ الصَّالحِ مَا قَدْ عَمِل ـ قَدْ بَلَوْتُهُ فَوَجَدْتُهُ حَيْثُ أُحِب، فَيَنزِلُ مَلَكُ المَوتِ وَمَعَهُ خَمْسُمِائَةٍ مِنَ المَلاَئكَةِ مَعَهُمْ قُضْبَانُ الرَّيحَان، وَأُصُولُ الزَّعْفَرَان، كُلُّ وَاحِدٍ مِنهُمْ يبَشِّرُهُ بِبِشَارَةٍ سِوَى بِشَارَةِ صَاحِبِه، وَتَقُومُ المَلاَئِكَةُ صَفَّينِ لخُرُوجِ رُوحِهِ وَمَعَهُمُ الرَّيحَان، فَإِذَا نَظَرَ إِلَيْهِمْ إِبْلِيسُ وَضَعَ يَدَه عَلَى رَأْسِهِ ثمَّ يَصْرُخُ فَيَقُولُ لَهُ جُنُودُهُ: مَا لَكَ يَا سَيِّدَنَا 00؟!

فَيَقُول: أَمَا تَرَونَ مَا أُعْطِيَ هَذَا العَبْدُ مِنَ الكَرَامَة 00؟ أَيْنَ كُنْتُمْ مِن هَذَا 00؟ فَيَقُولُون: قَد جَهِدْنَا بِهِ ـ أَيْ بَذَلْنَا مَعَهُ مجْهُودَاً ـ فَكَانَ مُمْتَنِعَاً " 0 [ضَعَّفَهُ الحَافِظُ العِرَاقِيُّ في " الإِحْيَاءِ " بِكِتَابُ المَوْتِ ص: (1854)، وَذَكَرَهُ ابْنُ كَثِيرٍ في أَوَاخِرِ تَفْسِيرِ الآيَةِ 13/إِبْرَاهِيم] نَمُوذَجٌ مِنْ سُوءِ الخَاتِمَة

عَن عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ عَنِ النَّبيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَال: " لَمَّا أَغْرَقَ اللهُ فِرْعَوْنَ قَال: آمَنْتُ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَ الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيل؛ فَقَالَ جِبْرِيل: يَا محَمَّد؛ فَلَوْ رَأَيْتَني وَأَنَا آخُذُ مِن حَالِ البَحْر ـ أَيْ مِنْ طِينِهِ ـ فَأَدُسُّهُ في فِيهِ مخَافَةَ أَنْ تُدْرِكَهُ الرَّحمَة " 0 [صَحَّحَهُ الْعَلاَّمَةُ الأَلبَانيُّ في الجَامِعِ بِرَقْم: (9337)، وَفي سُنَنِ الإِمَامِ التِّرْمِذِيِّ بِرَقْم: (3107)، رَوَاهُ أَحْمَد]

عَنِ الإِمَامِ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللهُ وَجْهَهُ أَنَّ النَّبيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَال: " مَنْ سَرَّهُ أَنْ يُمَدَّ لَهُ في عُمْرِه، وَيُوَسَّعَ لَهُ في رِزْقِه، وَيُدْفَعَ عَنْهُ مِيتَةُ السُّوء؛ فَلْيَتَّقِ اللهَ وَلْيَصِلْ رَحِمَه " 0 [صَحَّحَهُ الْعَلاَّمَة أَحْمَد شَاكِر في المُسْنَدِ بِرَقْم: 1212، رَوَاهُ الإِمَامُ أَحْمَد] عَن عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ قَال: " آخِرُ شِدَّةٍ يَلْقَاهَا المُؤْمِنُ المَوْت " 0 [صَحَّحَهُ الْعَلاَّمَة أَحْمَد شَاكِر في المُسْنَدِ بِرَقْم: 1946، رَوَاهُ الإِمَامُ أَحْمَد] اللهُمَّ ارْزُقْنَا حُسْنَ الخِتَام، وَتَوَفَّنَا عَلَى الإِسْلاَم، وَأَخْتِمُ بِهَذَا الدُّعَاءِ لِلنَّبيِّ عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَم:

عَنْ كَعْبِ بْنِ عَبَّادٍ الأَنْصَارِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنهُ عَنِ النَّبيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ كَانَ يَدْعُو: " اللهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الهَدْم، وَأَعُوذُ بِكَ مِنَ التَّرَدِّي، وَأَعُوذُ بِكَ مِنَ الْغَرَقِ وَالحَرَقِ وَالهَرَم، وَأَعُوذُ بِكَ أَنْ يَتَخَبَّطَني الشَّيْطَانُ عِنْدَ المَوْت، وَأَعُوذُ بِكَ أَن أَمُوتَ في سَبِيلِكَ مُدْبِرَا، وَأَعُوذُ بِكَ أَن أَمُوتَ لَدِيغَا " 0 [صَحَّحَهُ الْعَلاَّمَةُ الأَلبَانيُّ في " سُنَنِ الإِمَامِ أَبي دَاوُدَ " بِرَقْم: 1552]

أَحْكَامُ الجَنَائِز:

========= آدَابُ شُهُودِ المحْتَضَر عَن أُمِّ المُؤْمِنِينَ أُمِّ سَلَمَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهَا عَنِ النَّبيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَال: " إِذَا حَضَرْتُمُ المَرِيضَ أَوِ المَيِّتَ فَقُولُواْ خَيْرَاً؛ فَإِنَّ المَلاَئِكَةَ يُؤَمِّنُونَ عَلَى مَا تَقُولُون " 0 [الإِمَامُ مُسْلِمٌ في كِتَابِ الجَنَائِزِ مَا يُقَالُ عِنْدَ المَرِيضِ وَالمَيِّت بِرَقْم: 919] رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَشُهُودُهُ لِلمُحْتَضِرِين عَن أَبي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنهُ قَال: " لَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم ـ أَيِ المَدِينَةَ ـ كُنَّا نُؤْذِنُهُ لِمَنْ حُضِرَ مِنْ مَوْتَانَا؛ فَيَأْتِيهِ قَبْلَ أَنْ يمُوتَ فَيَحْضُرُهُ وَيَسْتَغْفِرُ لَهُ وَيَنْتَظِرُ مَوْتَه، فَكَانَ ذَلِكَ رُبَّمَا حَبَسَهُ الحَبْسَ الطَّوِيلَ فَشَقَّ عَلَيْهِ فَقُلْنَا: أَرْفَقُ بِرَسُولِ اللهِ أَلاَّ نُؤْذِنَهُ بِالمَيِّتِ حَتىَّ يَمُوت؛ فَكُنَّا إِذَا مَاتَ مِنَّا المَيِّتُ آذَنَّاهُ بِه، فَجَاءَ في أَهْلِهِ فَاسْتَغْفَرَ لَهُ وَصَلَّى عَلَيْه، ثُمَّ إِنْ بَدَا لَهُ أَنْ يَشْهَدَهُ انْتَظَرَ شُهُودَه، وَإِنْ بَدَا لَهُ أَنْ يَنْصَرِفَ انْصَرَف، فَكُنَّا عَلَى ذَلِكَ طَبَقَةً أُخْرَى، فَقُلْنَا: أَرْفَقُ بِرَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ نَحْمِلَ مَوْتَانَا إِلى بَيْتِهِ وَلاَ نُشْخِصَهُ وَلاَ نُعَنِّيَه ـ أَيْ وَلاَ نخْرِجَهُ وَلاَ نُتْعِبَهُ ـ فَفَعَلْنَا ذَلِك " 0 [صَحَّحَهُ الْعَلاَّمَةُ الأَلْبَانيُّ في أَحْكَامِ الجَنَائِزِ بِرَقْم: (45)، وَوَثَّقَهُ الإِمَامُ الهَيْثَمِيُّ في المجْمَعِ، رَوَاهُ الإِمَامُ أَحْمَدُ في مُسْنَدِه]

إِذَا قُبِضَتِ الرُّوحُ تَبِعَهَا البَصَر عَن أُمِّ المُؤْمِنِينَ أُمِّ سَلَمَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهَا قَالَتْ: " دَخَلَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى أَبي سَلَمَةَ وَقَدْ شَقَّ ـ أَيْ شَخَصَ ـ بَصَرُهُ فَأَغْمَضَهُ ثمَّ قَال: " إِنَّ الرُّوحَ إِذَا قُبِضَ تَبِعَهُ البَصَر " 0 [الإِمَامُ مُسْلِمٌ في كِتَابِ الجَنَائِزِ بَابِ: إِغْمَاضِ المَيِّتِ وَالدُّعَاءِ لَهُ إِذَا حَضَر بِرَقْم: 920، الكَنْز بِرَقْم: 42172]

الرُّوحُ مُسْتَقَرُّهَا وَمُسْتَوْدَعُهَا بَعْدَ المَوْت عَنْ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ أَنَّ النَّبيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَال: " نَسَمَةُ المُؤْمِن [أَيْ رُوحُهُ]: طَائِرٌ يَعْلَقُ في شَجَرِ الجَنَّة، حَتىَّ يَرُدَّهَا اللهُ جَلَّ وَعَلاَ إِلىَ جَسَدِهِ يَوْمَ القِيَامَة " 0 [صَحَّحَهُ الأُسْتَاذ شُعَيْب الأَرْنَؤُوط في المُسْنَدِ وَفي صَحِيحِ ابْنِ حِبَّانَ بِرَقْمَيْ: 4657، 24009/ 44، وَالْعَلاَّمَةُ الأَلبَانيُّ في سُنَنِ الإِمَامِ النَّسَائِيِّ بِرَقْم: 2073]

عَنْ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ عَنِ النَّبيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَال: " نَسَمَةُ المُؤْمِنِ إِذَا مَات [أَيْ رُوحُهُ]: طَائِرٌ يَعْلَقُ بِشَجَرِ الجَنَّة، حَتىَّ يُرْجِعَهُ اللهُ جَلَّ وَعَلاَ إِلىَ جَسَدِهِ يَوْمَ يَبْعَثُهُ الله " 0 [صَحَّحَهُ الأُسْتَاذ شُعَيْب الأَرْنَؤُوط في المُسْنَدِ بِرَقْم: 15777، وَالْعَلاَّمَةُ الأَلبَانيُّ في سُنَنِ الإِمَامِ ابْنِ مَاجَةَ بِرَقْم: 4271]

أَيْ تُمْسَخُ الرُّوحُ بِأَمْرِ اللهِ طَائِرَاً يَنْتَقِلُ بَينَ أَشْجَارِ الجَنَّةِ حَتىَّ يَأْذَنُ جَلَّ جَلاَلهُ لَهَا في الْعَوْدَةِ إِلىَ ذَلِكَ الجَسَدِ مَرَّةً أُخْرَى؛ حِينَ يُرِيدُ أَنْ يَبْعَثَ مَنْ في الْقُبُور 0 وَفي رِوَايَةٍ لِلإِمَامِ أَحمَدَ رَحِمَهُ اللهُ عَنْ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ عَنِ النَّبيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَال: " حَتىَّ يُرْجِعَهَا اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالى إِلىَ جَسَدِهِ يَوْمَ يَبْعَثُهُ " 0 [صَحَّحَهُ الأُسْتَاذ شُعَيْب الأَرْنَؤُوط في المُسْنَدِ بِرَقْم: 24009/ 44] وَهَكَذَا بِتَوْفِيقِ اللهِ وَجَدْتُ مَعْنى كَلِمَةِ " النَّسَمَةِ " في شَرْحِ الأَلبَانيِّ لهَذَا الحَدِيثِ بِالآيَاتِ البَيِّنَات

وَيُؤَيِّدُهُ أَيْضَاً هَذَا الحَدِيثُ المُفَسِّر: عَن أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ أَنَّ النَّبيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَال: " إِنَّ أَرْوَاحَ المُؤْمِنِينَ طَيْرٌ خُضْرٌ تَعْلَقُ في شَجَرِ الجَنَّة " 0 [صَحَّحَهُ الْعَلاَّمَةُ الأَلبَانيُّ في " سُنَنِ الإِمَامِ ابْنِ مَاجَةَ " بِرَقْم: (1470)، وَفي " كَنْزِ العُمَّالِ " بِرَقْم: 42690] وَتَعْلَقُ في شَجَرِ الجَنَّة: أَيْ تَتَعَلَّقُ بِهِ؛ مِن عَلِقَ بِالشَّيْءِ عَلَقَاً أَيْ نَشِبَ فِيه 0 ﴿لِسَانُ العَرَب﴾

عَنْ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ عَنِ النَّبيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَال: " إِنَّ أَرْوَاحَ المُؤْمِنِينَ في أَجْوَافِ طَيْرٍ خُضْرٍ تَعَلَّقُ بِشَجَرِ الجَنَّة " 0 [صَحَّحَهُ الْعَلاَّمَةُ الأَلْبَانيُّ في صَحِيحِ الجَامِعِ بِرَقْم: 912، وَالأُسْتَاذ شُعَيْب الأَرْنَؤُوط في المُسْنَدِ بِرَقْم: 27166]

عَن أُمِّ هَانِئٍ رَضِيَ اللهُ عَنهَا عَنِ النَّبيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَال: " تَكُونُ النَّسَمُ ـ أَيِ الأَرْوَاح ـ طَيرَاً تَعْلَقُ بِالشَّجَر، حَتىَّ إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَة؛ دَخَلَتْ كُلُّ نَفْسٍ في جَسَدَهَا " [صَحَّحَهُ الْعَلاَّمَةُ الأَلبَانيُّ في الصَّحِيحِ وَالصَّحِيحَةِ بِرَقْمَيْ: (2989، 679)، رَوَاهُ الإِمَامُ أَحْمَدُ وَالطَّبرَانيُّ في الْكَبِير]

عَن عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ رَضِيَ اللهُ عَنهُ عَنِ النَّبيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَال: " إِنَّ أَرْوَاحَ المُؤْمِنِينَ تَلْتَقِي عَلَى مَسِيرَةِ يَوْم 00 مَا رَأَى أَحَدُهُمْ صَاحِبَهُ قَطّ " 0 [صَحَّحَهُ الْعَلاَّمَة أَحْمَد شَاكِر في المُسْنَدِ بِرَقْم: 6636، رَوَاهُ الإِمَامُ أَحْمَدُ في مُسْنَدِه]

أَرْوَاحُ المُؤْمِنِين وَلَكِنْ لِلإِحَاطَةِ يَبْقَى سُؤَالٌ في مُنْتَهَى الأَهمِّيَّة: مَا دَامَتْ أَرْوَاحُ المُؤْمِنِينَ مُعَلَّقَةً في شَجَرِ الجَنَّة؛ فَكَيْفَ يَسْمَعُونَ قَرْعَ نِعَالِنَا وَيجِيبُونَ عَلَى سُؤَالِ المَلَكَينِ في القُبُور 00؟! عَن أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ أَنَّ النَّبيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَال: " إِنَّ العَبْدَ إِذَا وُضِعَ في قَبْرِهِ وَتَوَلَّى عَنهُ أَصْحَابُهُ إِنَّهُ لَيَسْمَعُ قَرْعَ نِعَالِهِمْ " 0 [رَوَاهُ الإِمَامُ البُخَارِيُّ في صَحِيحِهِ بِرَقْم: (1374 / فَتْح)، وَالإِمَامُ مُسْلِمٌ في صَحِيحِهِ بِرَقْم: 2870 / عَبْد البَاقِي]

وَهَذَا مَرْدُودٌ عَلَيْه: بِأَنَّ المَيِّتَ تُرَدُّ لَهُ رُوحُهُ حِينَ يُدْفَنُ لِيُحَاسَب، ثمَّ يَنَامُ كَالعَرُوسِ حَتىَّ يُبْعَث 0 عَن أَبي هُرَيرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ عَنِ النَّبيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَال: " إِذَا قُبرَ المَيِّتُ أَتَاهُ مَلَكَان، أَسْوَدَانِ أَزْرَقَان، يُقَالُ لأَحَدِهِمَا المُنْكَر، وَلِلآخَرِ النَّكِير، فَيَقُولاَن: مَا كُنْتَ تَقُولُ في هَذَا الرَّجُل 00؟

فَيَقُولُ مَا كَانَ يَقُول: هُوَ عَبْدُ اللهِ وَرَسُولُه، أَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ وَأَنَّ محَمَّدَاً عَبْدُهُ وَرَسُولُه، فَيَقُولاَن: قَدْ كُنَّا نَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُولُ هَذَا؛ ثُمَّ يُفْسَحُ لَهُ في قَبرِهِ سَبْعُونَ ذِرَاعَاً في سَبْعِين، ثُمَّ يُنَوَّرُ لَهُ فِيه، ثُمَّ يُقَالُ لَهُ: نَمْ، فَيَقُول: أَرْجِعُ إِلى أَهْلِي فَأُخْبرُهُمْ 00؟

فَيَقُولاَنِ نمْ كَنَوْمَةِ العَرُوسِ الَّذِي لاَ يُوقِظُهُ إِلاَّ أَحَبُّ أَهْلِهِ إِلَيْه، حَتىَّ يَبْعَثَهُ اللهُ مِنْ مَضْجَعِهِ ذَلِك، وَإِنْ كَانَ مُنَافِقَاً قَال: سَمِعْتُ النَّاسَ يَقُولُونَ قَوْلاً فَقُلْتُ مِثْلَه، لاَ أَدْرِي، فَيَقُولاَن: قَدْ كُنَّا نَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُولُ ذَلِك؛ فَيُقَالُ لِلأَرْض: التَئِمِي عَلَيْه، فَتَلْتَئِمَ عَلَيْهِ فَتَخْتَلِفَ فِيهَا أَضْلاَعُه، فَلاَ يَزَالُ فِيهَا مُعَذَّبَاً حَتىَّ يَبْعَثَهُ اللهُ مِنْ مَضْجَعِهِ ذَلِك " 0 [صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ مُسْلِم، وَحَسَّنَهُ الأَلبَانيُّ في " سُنَنِ التِّرْمِذِيِّ " بِرَقْم: (1071)، وَالحَدِيثُ في " الكَنْزِ " بِرَقْم: 42500]

وَيَقُولُ جَلَّ جَلاَلُه: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوَّاً وَعَشِيَّاً، وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُواْ آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ العَذَاب﴾ ﴿غَافِر/46﴾ وَأَمَّا حُلُولُ الأَرْوَاحِ المُؤْمِنَةِ مِنهَا في أَجْسَادِ طَيرٍ يَعْلَقُ شَجَرَ الجَنَّة، كَمَا نَصَّتْ بِذَلِكَ الأَحَادِيثُ الصَّحِيحَة؛ فَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالى: ﴿في أَيِّ صُورَةٍ مَّا شَاءَ رَكَّبَك﴾ ﴿الاَنْفِطَار/8﴾ وَأَمَّا تَغَيُّرُ مَكَانِهَا فَقَدْ ثَبُتَ لَدَيْنَا بِالكِتَابِ وَالسُّنَّةِ أَنَّهَا تُقْبَضُ وَتُرْسَلُ وَتَصْعَدُ وَغَيرُ ذَلِك:

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيم: ﴿اللهُ يَتَوَفَّى الأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتي لَمْ تَمُتْ في مَنَامِهَا، فَيُمْسِكُ الَّتي قَضَى عَلَيْهَا المَوْتَ وَيُرْسِلُ الأُخْرَى إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى، إِنَّ في ذَلِكَ لآَيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُون﴾ ﴿الزُّمَر: 42﴾

عَن أَبي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ عَنِ النَّبيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَال: " إِذَا أَوَى أَحَدُكُمْ إِلى فِرَاشِه، فَلْيَنْفُضْ فِرَاشَهُ بِدَاخِلَةِ إِزَارِه؛ فَإِنَّهُ لاَ يَدْرِي مَا خَلَفَهُ عَلَيْه، ثمَّ يَقُول: بِاسْمِكَ رَبِّ وَضَعْتُ جَنْبي وَبِكَ أَرْفَعُه، إِن أَمْسَكْتَ نَفْسِي ـ أَيْ رُوحِي ـ فَارْحَمْهَا، وَإِن أَرْسَلْتَهَا فَاحْفَظْهَا، بِمَا تحْفَظُ بِهِ عِبَادَكَ الصَّالِحِين " 0 [رَوَاهُ الإِمَامُ البُخَارِيُّ في صَحِيحِهِ بِرَقْم: 6320 / فَتْح، وَالإِمَامُ مُسْلِمٌ في صَحِيحِهِ بِرَقْم: 2714 / عَبْد البَاقِي]

وَأَمَّا دُخُولهَا الجَنَّةَ فَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالى: ﴿يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ المُطْمَئِنَّةُ {27﴾ ارْجِعِي إِلى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً ﴿28﴾ فَادْخُلِي في عِبَادِي ﴿29﴾ وَادْخُلِي جَنَّتي} ﴿الفَجْر﴾ وَمِنَ الآثَارِ الصَّحِيحَةِ الَّتي تُؤَيِّدُ جُلَّ مَا وَرَدَ في هَذَا الحَدِيث:

وَقَالَ شَيْخُ الإِسْلاَمِ ابْنُ تَيْمِيَةَ في الفَتَاوَى الكُبرَى بهَذَا الصَّدَد: " وَإِنْ كَانَتْ مَعَ ذَلِكَ قَدْ تُعَادُ إِلى البَدَن، كَمَا أَنَّهَا تَكُونُ في البَدَنِ وَيُعْرَجُ بهَا إِلى السَّمَاء، كَمَا في حَالِ النَّوْم " 0 [شَيْخُ الإِسْلاَمِ ابْنُ تَيْمِيَةَ بِبَابِ: العَقِيدَةِ في " الفَتَاوَى الكُبرَى " طَّبْعَةِ مَكْتَبَةِ ابْنِ تَيْمِيَةَ بِالْقَاهِرَة 0 ص: 447/ 5]

فصول الكتاب · 6 فصل · 8447 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول موسوعة الرقائق والأدب - ياسر الحمداني · 8447 صفحة
ـ[موسوعة الرقائق والأدب]ـ
كِتَابُ الرِّضَا بِالقَلِيل:
كِتَابُ فَقْدِ الأَحِبَّة:
كِتَابُ هُمُومِ المُسْلِمِين:
كِتَابُ هُمُومِ العُلَمَاء
كِتَابُ قَصَائِدِ الأَطْفَال
جارٍ التحميل