موسوعة الرقائق والأدب - ياسر الحمدانيصفحات 2985-3025
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كِتَابُ الرِّضَا بِالقَلِيل:

صفحات 2985-3025
عن هذه الطبعة
عَلَم
ياسر الحمداني
الكتاب
موسوعة الرقائق والأدب
المؤلف
ياسر بن أحمد بن محمود بن أحمد بن أبي الحمد الكويس الحمداني
عدد الأجزاء
1 [الكتاب مرقم آليا]

إِنَّ اللهَ قَسَّمَ المَوَاهِبَ كَمَا قَسَّمَ الأَرْزَاق إِنَّ اللهَ جَلَّ جَلاَلُهُ أَيُّهَا الرِّفَاق؛ قَسَّمَ المَوَاهِبَ كَمَا قَسَّمَ الأَرْزَاق، وَفي بَعْضِ صُحُفِ أَهْلِ الكِتَاب: إِنَّ اللهَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالى قَسَّمَ أَرْزَاقَ العِبَادِ نهَارَاً؛ لِذَا فَكُلُّ وَاحِدٍ يَنْظُرُ إِلى نَصِيبِ غَيرِه، وَقَسَّمَ عُقُولَ العِبَادِ لَيْلاً فَلَمْ يَرَ كُلُّ وَاحِدٍ نَصِيبَ غَيرِهِ مِنَ العَقْل؛ لِذَا فَكُلُّ وَاحِدٍ مُعْجَبٌ بِعَقْلِهِ وَيَظُنُّ أَنَّهُ أَعْقَلُ النَّاس!! فَلاَ تحْسُدِ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللهُ مِنْ فَضْلِه، واعْلَمْ أَنَّ غَثَّكَ خَيرٌ مِنْ سَمِين غَيرِك 00!! بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيم:

﴿وَلاَ تَتَمَنَّواْ مَا فَضَّلَ اللهُ بِهِ بَعْضَكمْ عَلَى بَعْض﴾ ﴿النِّسَاء: 32﴾ وَالجَدِيرُ بِالذِّكْرِ أَنَّ الحَسَدَ المَنهِيَّ عَنهُ في هَذِهِ الآيَةِ كَانَ في الدِّين؛ فَكَيْفَ بِالحَسَدِ في الدُّنيَا؟! عَنْ مجَاهِدٍ عَن أُمِّ المُؤْمِنِينَ أُمِّ سَلَمَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهَا أَنَّهَا قَالَتْ: " يَغْزُو الرِّجَالُ وَلاَ تَغْزُو النِّسَاء، وَإِنَّمَا لَنَا نِصْفُ المِيرَاث، فَأَنْزَلَ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالى: ﴿وَلاَ تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْض﴾ ﴿النِّسَاء/32﴾

قَالَ مجَاهِد: " وَأُنْزِلَ فِيهَا: ﴿إِنَّ المُسْلِمِينَ وَالمُسْلِمَاتِ وَالمُؤْمِنِينَ وَالمُؤْمِنَاتِ وَالقَانِتِينَ وَالقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالخَاشِعِينَ وَالخَاشِعَاتِ وَالمُتَصَدِّقِينَ وَالمُتَصَدِّقَاتِ والصَّائِمِينَ والصَّائِمَاتِ وَالحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللهَ كَثِيرَاً وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرَاً عَظِيمَا﴾ ﴿الأَحْزَاب/35﴾ [صَحَّحَهُ الْعَلاَّمَةُ الأَلبَانيُّ في " سُنَنِ الإِمَامِ التِّرْمِذِيِّ " بِرَقْم: 3022] الحَسُودُ لاَ يَسُود يَكْفِيكَ عَنَ الحَسُودِ اغْتِمَامُهُ عِنْدَ سُرُورِك 00

وَمِمَّا يُحْكَى في ذَلِكَ مِنَ الأَسَاطِيرِ أَنَّ فَقِيرًا مُعْدِمَاً كَانَ لَهُ جَارٌ مُؤْذٍ ظَلَّ يَتَحَرَّشُ بِهِ وَيَكِيدُ لَهُ حَتىَّ سَلَّطَ عَلَيْهِ الْوَالي فَطَرَدُوهُ مِنَ الْقَرْيَة؛ فَخَرَجَ عَلَى وَجْهِهِ يَهِيمُ في الأَرْضِ وَيَضْرِبُ في مَنَاكِبِهَا، يَبْحَث لَهُ عَن عَمَل، فَعَثَرَ بَيْنَمَا هُوَ يَمْشِي في طَرِيقِهِ؛ عَلَى قَصْعَةٍ جَمِيلَةٍ مِنَ الخَشَبِ العَاجِ فَأَعْجَبَتْهُ فَاقْتَنَاهَا، وَمَضَى في سَبِيلِهِ حَتىَّ وَجَدَ بحْرَاً وَمَرَاكِبَ تحْمِلُ النَّاس، فَأَدْخَلَ يَدَهُ في جَيْبِهِ وَأَخْرَجَهَا بَيْضَاءَ مِن غَيرِ دِرْهَمٍ وَلاَ دِينَار، فَقَالَ في نَفْسِهِ: وَاللهِ لأَمْضينَّ مَعَ هَؤُلاَءِ ولْيَكُنْ مَا يَكُون، فَلَعَلَّ وَرَاءهَذَا البَحْرِ خَيرَاً كَثِيرَاً،

وَبَيْنَمَا هُوَ عَلَى ظَهْرِ السَّفِينَةِ يُفَكِّرُ في أُجْرَةِ الرُّكُوب؛ إِذِ ابْتَلاَهُمُ اللهُ بِرِيحٍ عَاصِفٍ تُدَمِّرُ، كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبهَا، فَحَطَّمَتِ السَّفينَة، فَأَلهَمَهُ اللهُ حينَ أَدرَكَهُ الغَرَقُ أَنْ يَخْلَعَ بَعْضَ أَلْوَاحِ السَّفِينَةِ لِيَتَشبَّثَ بِه، وَوَضَعَ الْقَصْعَةَ عَلَى رَأْسِه، وَنجَا بِأُعْجوبَةٍ بَعْدَمَا وَاجَهَ أَمْوَاجَاً كَالجِبَال، فَأَسْلَمَتْهُ في النِّهَايَةِ إِلى جَزِيرَةٍ لَمْ تخْطُرْ لَهُ بِبَال، فِيهَا مخْلُوقَاتٌ غَرِيبَةٌ كَالَّتي يُحْكَى عَنهَا في عَالَمِ الخَيَال؛ فَأَوْجَسَ في نَفْسِهِ مِنهُمْ خِيفَةً وَقَال: أَسْتَعْملُ مَعَهُمُ الحِيلَة، وَهَيْهَاتَ هَيْهَاتَ أَنْ يَنْفَعَ مَعَهُمُ المِحَال، فَتَقَدَّمَ إِلى مَلِكِهِمْ وَقَالَ لَهُ:

جِئْتُكَ أَيُّهَا المَلِكُ مِنْ بِلاَدٍ بَعِيدَةٍ بِلَطَائِفَ وَهَدَايَا، ذَهَبَتْ كُلُّهَا في البَحْرِ لَمْ يَبْقَ مِنهَا إِلاَّ هَذِهِ التُّحْفَةُ الثَّمِينَةُ النَّادِرَة ـ يَعْني القَصْعَة ـ فَأَخَذَهَا المَلِكُ وَقَلَّبَهَا ظَهْرَاً لبَطْنٍ ثمَّ وَضَعَهَا عَلَى رَأْسِه؛ فَإِذَا بِهَذِهِ المَخْلُوقَاتِ تُصَفِّقُ وَتُهَلِّلُ ابْتِهَاجَاً بِتَاجِ السَّلطَنَةِ الجَديد، فَأَرَادَ المَلِكُ مُكَافَأَتَه؛ فَأَعْطَاهُ مِلئَهَا مِنِ الأَحْجَارِ الكَرِيمةِ وَاليَاقُوتِ وَالمَرْجَان ـ

وَهُوَ كَالحَصَى في بِلاَدِ الجَان ـ وَأَعَادَه إِلى بَلَدِهِ سَالِمَاً، سَمِعَ بِقِصَّتِهِ أَحَدُ الحَسَدَةِ الحَقَدَةِ وَمَا أَكْثَرَهُمْ في هَذَا الزَّمَان؛ فَبَاعَ دَارَهُ وَكلَّ مَا يمْلِكُ وَاشْتَرَى لَطَائِفَ وَهَدَايَا ثمِينَة، وَخَزَفَاً وَتحَفَاً أَثَريَّةً نَادِرَة، وَذَهَبَ بها إِلى هَذَا المَلِك، فَاسْتَقبَلَهُ بِالتَّرْحَابِ وَقَبِلَ مِنهُ هَدَايَاهُ وَفَرِحَ بهَا كَثِيرَا، بَلْ وَكَافَأَهُ بِشَيْءٍ لَمْ يخْطُرْ لَهُ عَلَى بَال؛ فَشَكَرَهُ عَلَى تِلكَ الهَدَايَا وَقَال:

إِني كُلَّمَا نَظَرْتُ إِلى شَيْءٍ أُقَدِّمُهُ لَك؛ وَجَدْتُهُ أَقَلَّ بِكَثِيرٍ ممَّا أَعْطَيْتَني؛ فَقَرَّرْتُ أَخِيرَاً بَعْدَمَا فَكَّرْتُ كَثِيرَاً؛ أَن أَمْنَحَكَ أَعْظَمَ شَيْءٍ عِنْدِي: إِنَّهُ تَاجُ السَّلْطَنَة: " القَصْعَة " 00!! [هَذِهِ القِصَّةُ كَتَبَهَا لِلإِذَاعَةِ المِصْرِيَّةِ الأُسْتَاذُ الْكَاتِب / عَبْدِ الفَتَّاح مُصْطَفَى، تحْتَ عِنوَان: قِسَم] انْظُرْ إِلى مَا فَعَلَهُ بِهِ الحَسَد 00 خَسِرَ غِنَاهُ وَعَادَ بِقَصْعَة 00!! مَلِكُ المُلُوكِ إِذَا وَهَبْ * لاَ تَسْأَلَنَّ عَنِ السَّبَبْ

وَقَالَ بَكْرُ بنُ عَبْدِ الله: " كَانَ رَجُلٌ يَغْشَى بَعْضَ المُلُوك، فَكَانَ يَقُومُ بحِذَاء المَلِكِ فَيَقُول: أَحْسِن إِلى المحْسِنِ بِإِحْسَانِه؛ فَإِنَّ المُسِيءَ سَتَكْفِيكَهُ إِسَاءَ تُه، فَحَسَدَهُ رَجُلٌ عَلَى هَذَا المقَامِ وَهَذَا وَالكَلاَم؛ فَسَعَي بِهِ إِلى المَلِك ـ وَكُلُّنَا يَعْرِفُ أَنَّ المُلُوكَ تَغْضَبُ غَضَبَ الصَّبيّ، وَتَبْطِشُ بَطْشَ الأَسَد ـ فَقَالَ لَهُ: أَيُّهَا المَلِك؛ إِنَّ فُلاَنَاً هَذَا الَّذِي يَقُومُ بحِذَائِك، وَيَقُولُ مَا يَقُول؛ يَزْعُمُ أَنَّكَ أَبْخَر، فَقَالَ المَلِك: وَكَيْفَ يَصِحُّ ذَلِكَ عِنْدِي 00؟

قَال: تَدْعُوهُ إِلَيْكَ وَتُدْنِيه، فَإِنَّهُ إِذَا دَنَا مِنْكَ وَضَعَ يَدَهُ عَلَى أَنْفِه 00 فَقَالَ لَهُ المَلِك: انْصَرِفْ حَتىَّ أَنْظُرَ في أَمْرِه، فَخَرَجَ مِن عِنْدِ المَلِكِ فَدَعَا ذَلِكَ الرَّجُلَ الطَّيِّبَ إِلى مَنزِلِه،

وَأَطْعَمَهُ طَعَامَاً أَكْثَرَ فِيهِ مِنَ الثَّوْم؛ فَخَرَجَ مِن عِنْدِهِ وَقَامَ كَعَادَتِهِ بحِذَاءِ المَلِكِ فَقَال: أَيُّهَا المَلِك؛ أَحْسِن إِلى المحْسِنِ بِإِحْسَانِهِ فَإِنَّ المُسِيءَ سَتَكْفِيهِ إِسَاءَ تُه، فَقَالَ لَهُ المَلِك: ادْنُ مِنيِّ يَا فُلاَن، فَوَضَعَ يَدَهُ عَلَى فِيهِ مخَافَةَ أَنْ يَشُمَّ المَلِكُ مِنهُ رَائِحَةَ الثَّوم؛ فَقَالَ المَلِكُ في نَفْسِه: مَا أَرَى فُلاَنَاً إِلاَّ قَدْ صَدَق؛ فَكَتَبَ لَهُ كِتَابَاً بخَطِّه، وَقَالَ اذْهَبْ بِهِ إِلى كَاتمِ السِّرّ، جَاءَ في الكِتَابِ أَن إِذَا أَتَاكَ حَامِلُ هَذَا الكِتَابِ فَاقْطَعْ عُنُقَهُ وَابْعَثْ بِهَا إِليّ، وَلاَ تَقْبَلْ مِنهُ صَرْفَاً وَلاَ عَدْلاَ، فَأَخَذَ الرَّجُلُ الكِتَابَ وَخَرَج، فَلَقِيَهُ ذَلِكَ الحَاسِدُ الَّذِي سَعَى بِه؛ فَقَالَ لَه: مَا هَذَا الكِتَاب؟

فَقَالَ الرَّجُلُ الطَّيِّب: خَطَّ لي المَلِكُ فِيهِ بِصِلَة ـ أَيْ بهَدِيَّة ـ فَقَالَ هَبْهُ لي؛ فَأَرَادَ مُكَافَأَتَهُ عَلَى تِلْكَ الدَّعْوَةِ فَوَهَبَهُ لَه، فَأَخَذَهُ وَمَضَى بِهِ إِلى كَاتِمِ السِّرّ، فَلَمَّا قَرَأَهُ كَاتِمُ السِّرِّ قَالَ لَهُ: إِنَّ المَلِكَ يَأْمُرُني في هَذَا الكِتَابِ أَن أَقْطَعَ رَقَبَتَكَ وَأَبْعَثَ بِهَا إِلَيْه، فَقَال: إِنَّ الكِتَابَ لَيْسَ لي؛ فَاللهَ اللهَ في أَمْرِي حَتىَّ تُرَاجِعَ المَلِك، فَلَمْ يُصَدِّقهُ كَاتمُ السِّرِ وَقَالَ لَهُ: إِنَّ كِتَابَ المَلِكِ لاَ يُرَاجَع، وَذَبحَهُ وَقَطَعَ رَقَبَتَهُ وَبَعَثَ بِهَا إِلى المَلِك، فَلَمَّا رَآهُ المَلِك؛ تَعَجَّبَ غَايَةَ العَجَب، وَبَعَثَ إِلى ذَلِكَ الرَّجُلِ الطَّيِّبِ وَسَأَلَه: مَا فَعَلَ الكِتَاب 00؟!

فَقَال: لَقِيَني فلاَنٌ فَاسَتَوْهَبَهُ مِنيِّ فَوَهَبْتُهُ لَه، فَأُلْقِيَ في رُوعِ المَلِكِ أَنَّ الأَمْرَ لاَ يجْرِي عَلَى هَذَا النَّحْوِ إِلاَّ بِتَدْبِيرٍ مِنَ الله؛ فَقَالَ المَلِك: إِنَّهُ ذَكَرَ أَنَّكَ تَزْعُمُ أَنِّي أَبخَر 00؟! فَقَالَ الرَّجُل: مَا قُلتُ ذَلِك، فَقَالَ المَلِك: فَلِمَ كُنْتَ تَضَعُ يَدَكَ عَلَى فَمِكَ وَأَنْتَ تحَدِّثُني 00؟! فَقَال: إِنَّهُ أَطْعَمَني في ذَلِكَ اليَوْمِ طَعَامَاً فِيهِ ثَوْم؛ فَكَرِهْتُ أَنْ يَشُمَّهُ مَوْلاَيَ المَلِك؛ هُنَا قَالَ المَلِك: الآنَ حَصْحَصَ الحَقّ، صَدَقْتَ وَاللهِ؛ فَقَدْ كَفَتِ المُسِيءَ إِسَاءَ تُهُ، فَأَعَادَهُ المَلِكُ إِلى مَكَانِه، وَرَفَعَ مَنزِلَتَهُ وَأَكْرَمَ مَثْوَاه 0

[الإِمَامُ الغَزَاليُّ في " الإِحْيَاء " 0 الطَبْعَة الأُولى لِدَارِ الوَثَائِقِ المِصْرِيَّة 0 كِتَابُ ذَمُّ الحَسَد 0 ص: 1084] وَهَكَذَا الحَسُودُ الحَقُود؛ فَإِنَّ الدَّائِرَةَ عَلَيْهِ تَعُود 00!! قَاتَلَ اللهُ الحَسَد؛ أَوَّلَ مَا يَفْتِكُ يَفْتِكُ بِصَاحِبِه 0 وَصَدَقَ شَاعِرُ الفُقَهَاءِ وَفَقِيهُ الشُّعَرَاءِ الإِمَامُ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ الله عِنْدَمَا قَال: اصْبرْ عَلَى كَيْدِ الحَسُودِ فَإِنَّ صَبرَكَ قَاتِلُه فَالنَّارُ تَأْكُلُ بَعْضَهَا إِنْ لَمْ تجِدْ مَا تَأْكُلُهْ ﴿ابْنُ المُعْتَزّ، وَتُنْسَبُ أَيْضَاً اِلإِمَامِ الشَّافِعِيّ﴾ وَكَمَا قَدْ قَالُواْ في الأَمْثَال: " الحَسُودُ لاَ يَسُود " 0

وَتُعَلِّمُنَا هَذِهِ القِصَّةُ أَيْضَاً أَلاَ نَعْجَلَ في أَمْرِ الصِّحَاب، لمجَرَّدِ وِشَايَةٍ أَتَتْنَا مِنْ مُتَمَلِّقٍ كَذَّاب، وَلاَ بُدَّ أَنْ يَسْبِقَ العِتَابُ العِقَاب 00!!

هَكَذَا يَصْنَعُ الحَسَدُ بِأَصْحَابِه عَنْ سَهْلِ بْنِ أَبي أُمَامَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ، أَنَّهُ دَخَلَ هُوَ وَأَبُوهُ عَلَى أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ بِالمَدِينَة، في زَمَانِ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ رَضِيَ اللهُ عَنهُ وَهُوَ أَمِيرُ المَدِينَة، فَإِذَا هُوَ يُصَلِّي صَلاَةً خَفِيفَةً دَقِيقَة، كَأَنَّهَا صَلاَةُ مُسَافِرٍ أَوْ قَرِيبَاً مِنْهَا؛ فَلَمَّا سَلَّمَ قَالَ أَبي: يَرْحَمُكَ الله، أَرَأَيْتَ هَذِهِ 00 الصَّلاَةُ المَكْتُوبَةُ أَوْ شَيْءٌ تَنَفَّلْتَهُ 00؟!

قَالَ إِنَّهَا المَكْتُوبَة، وَإِنَّهَا لَصَلاَةُ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم، مَا أَخْطَأْتُ إِلاَّ شَيْئَاً سَهَوْتُ عَنْهُ، إِنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَقُول: " لاَ تُشَدِّدُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ فَيُشَدَّدَ عَلَيْكُمْ؛ فَإِنَّ قَوْمَاً شَدَّدُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ فَشَدَّدَ اللهُ عَلَيْهِمْ، فَتِلْكَ بَقَايَاهُمْ في الصَّوَامِعِ وَالدِّيَار، وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ " 0 ثُمَّ غَدَا مِنْ الغَدِ فَقَال: أَلاَ تَرْكَبُ لِتَنْظُرَ وَلِتَعْتَبِر 00؟ قَالَ نَعَمْ، فَرَكِبُواْ جَمِيعَاً، فَإِذَا هُمْ بِدِيَارٍ بَادَ أَهْلُهَا وَانْقَضَوْا وَفَنَوا، خَاوِيَةٍ عَلَى عُرُوشِهَا؛ فَقَالَ أَتَعْرِفُ هَذِهِ الدِّيَار 00؟

فَقُلْتُ مَا أَعْرَفَني بِهَا وَبِأَهْلِهَا 00 هَذِهِ دِيَارُ قَوْمٍ أَهْلَكَهُمْ البَغْيُ وَالحَسَد " 0 [قَالَ الإِمَامُ الهَيْثَمِيُّ في " المجْمَعِ ": رِجَالُهُ رِجَالُ سَعِيدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَهُوَ ثِقَة 0 ص: 256/ 6] الشَّيْءُ الَّذِي يحْمَدُ فِيهِ الحَسَد إِنَّ الحَسَدَ لاَ يحْمَدُ إِلاَّ في الدِّين، وَطَبْعَاً لاَبُدَّ أَنْ نُفَرِّقَ هُنَا بَينَ الحَسَدِ وَالغِبْطَة 00 عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ عَنِ النَّبيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَال: " لاَ حَسَدَ إِلاَّ في اثْنَتَيْن: رَجُلٌ آتَاهُ اللهُ مَالاً فَسُلِّطَ عَلَى هَلَكَتِهِ في الحَقّ، وَرَجُلٌ آتَاهُ اللهُ الحِكْمَةَ فَهُوَ يَقْضِي بِهَا وَيُعَلِّمُهَا "

[الإِمَامُ البُخَارِيُّ في " فَتْحِ البَارِي " بِرَقْم: (73)، وَالإِمَامُ مُسْلِمٌ في نُسْخَةِ " فُؤَاد عَبْد البَاقِي " بِرَقْم: 816]

عَن أَبي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ عَنِ النَّبيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَال: " لاَ حَسَدَ إِلاَّ في اثْنَتَيْن: رَجُلٌ عَلَّمَهُ اللهُ القُرْآنَ فَهُوَ يَتْلُوهُ آنَاءَ اللَّيْلِ وَآنَاءَ النَّهَار، فَسَمِعَهُ جَارٌ لَهُ فَقَال: لَيْتَني أُوتِيتُ مِثْلَ مَا أُوتيَ فُلاَن؛ فَعَمِلْتُ مِثْلَ مَا يَعْمَل، وَرَجُلٌ آتَاهُ اللهُ مَالاً فَهُوَ يُهْلِكُهُ في الحَقّ؛ فَقَالَ رَجُلٌ لَيْتَني أُوتِيتُ مِثْلَ مَا أُوتيَ فُلاَن؛ فَعَمِلْتُ مِثْلَ مَا يَعْمَل " [الإِمَامُ البُخَارِيُّ في " فَتْحِ البَارِي " بِرَقْم: (5026)، وَالحَدِيثُ في " المُسْنَدِ " بِرَقْم: 9857]

عَن أَبي كَبْشَةَ الأَنْمَارِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنهُ عَنِ النَّبيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَال: " مَثَلُ هَذِهِ الأُمَّةِ كَمَثَلِ أَرْبَعَةِ نَفَر: رَجُلٌ آتَاهُ اللهُ مَالاً وَعِلْمَا، فَهُوَ يَعْمَلُ بِعِلْمِهِ في مَالِهِ يُنْفِقُهُ في حَقِّه، وَرَجُلٌ آتَاهُ اللهُ عِلْمَاً وَلَمْ يُؤْتِهِ مَالاً، فَهُوَ يَقُول: لَوْ كَانَ لي مِثْلُ هَذَا ـ أَيْ مِثْلُ ذَلِكَ العَبْدِ الصَّالِح ـ

عَمِلْتُ فِيهِ مِثْلَ الَّذِي يَعْمَل؛ فَهُمَا في الأَجْرِ سَوَاء، وَرَجُلٌ آتَاهُ اللهُ مَالاً وَلَمْ يُؤْتِهِ عِلْمَاً؛ فَهُوَ يَخْبِطُ في مَالِهِ يُنْفِقُهُ في غَيرِ حَقِّه، وَرَجُلٌ لَمْ يُؤْتِهِ اللهُ عِلْماً وَلاَ مَالاً؛ فَهُوَ يَقُول: لَوْ كَانَ لي مِثْلُ هَذَا ـ أَيْ مِثْلُ ذَلِكَ العَبْدِ السُّوء ـ عَمِلْتُ فِيهِ مِثْلَ الَّذِي يَعْمَل؛ فَهُمَا في الوِزْرِ سَوَاء " 0 [صَحَّحَهُ الأَلبَانيُّ في " سُنَنِ الإِمَامِ ابْنِ مَاجَةَ " بِرَقْم: (4228)، الإِمَامُ الغَزَاليُّ في " الإِحْيَاءِ ": 1086]

قَالَ الخُلْدِيّ: قَالَ لي أَبُو أَحْمَدَ الْقَلاَنِسِيّ: " فَرَّقَ رَجُلٌ أَرْبَعِينَ أَلْفَاً عَلَى الْفُقَرَاء؛ فَقَالَ لي: أَمَا تَرَى مَا أَنْفَقَ هَذَا وَمَا قَدْ عَمِلَهُ 00؟ وَنحْنُ لاَ نَرْجعُ إِلىَ شَيْءٍ نُنْفِقُه؛ فَامْضِ بِنَا إِلىَ مَوْضِع؛ فَذَهَبْنَا إِلىَ المَدَائِنِ فَصَلَّيْنَا أَرْبَعِينَ أَلْفَ رَكْعَة " 0 [الإِمَامُ الذَّهَبيُّ في سِيَرِ أَعْلاَمِ النُّبَلاَء 0 طَبْعَةِ مُؤَسَّسَةِ الرِّسَالَة 0 ص: 172/ 13]

الثِّقَةُ فِيمَا عِنْدَ الله وَيُرْوَى أَنَّ سَيِّدَنَا سُلَيْمَانَ عَلَيْهِ السَّلاَمُ رَأَى نَمْلَةً تحْمِلُ حُبَيْبَةَ قَمْح؛ فَأَشْفَقَ عَلَيْهَا مِنَ الحِمْل؛ فَسَأَلَهَا: كَمْ حَبَّةٍ تَكْفِيكِ في العَامِ يَا نَمْلَة 00؟ قَالَتْ لَهُ: حَبَّتَان؛ فَأَخَذَهَا فَوَضَعَهَا في قُمْقُمٍ وَوَضَعَ لَهَا حَبَّتَينِ وَأَغْلَقَهُ عَلَيْهَا، ثُمَّ انْشَغَلَ بِالجُيُوشِ وَالفُتُوحَاتِ فَلَمْ يَذْكُرْهَا إِلاَ بَعْدَ عَامَين؛ فَأَحَسَّ بِالذَّنْبِ وَهَرَعَ إِلَيْهَا فَزِعَاً، فَوَجَدَهَا حَيَّةً تُرْزَق؛ فَتَعَجَّبَ وَقَالَ لَهَا: أَلَمْ تَقُولي يَا نَمْلَة: إِنَّي آكُلُ في العَامِ حَبَّتين 00؟!

قَالَتْ: إِنَّي أَكَلْتُ في هَذِهِ السَّنَةِ حَبَّةً وَاحِدَة، وَادَّخَرْتُ الأُخْرَى، فَلَقَدْ كُنْتُ آكُلُ حَبَّتَينِ في السَّنَة؛ عِنْدَمَا كَانَ يَرْزُقُني مَنْ لاَ يَنْسَاني؛ وَلَكِن أَكَلْتُ هَذِهِ السَّنَةَ حَبَّةً وَاحِدَة؛ عِنْدَمَا صَارَ رِزْقِي عَلَى الإِنْسَانِ 00!! يَقُولُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ في الأَرْضِ إِلاَّ عَلَى اللهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا﴾ ﴿هود: 6﴾

قِيلَ لأَبي أُسَيْد ـ وَكَانَ رَجُلاً صَالحَاً ـ مِن أَيْنَ تَأْكُلُ يَا أَبَا أُسَيْد 00؟ فَقَال: سُبْحَانَ اللهِ 00 إِنَّ اللهَ يَرْزُقُ الكَلْب؛ أَفَلاَ يَرْزُقُ أَبَا أُسَيْد " 0؟ [الإِمَامُ القُرْطُبيُّ في " تَفْسِيرِهِ " لِلآيَةِ السَّابِقَةِ بِسُورَةِ هُود 0 الطَّبْعَةُ الثَّانِيَةُ لِدَارِ الشَّعْب 0 القَاهِرَة: 7/ 9]

فَرِزْقُكَ عَلى اللهِ يَا ابْنَ آدَم؛ فَلِمَ تَنْشَغِلُ بمَا عَلَى اللهِ وَتَترُكُ مَا عَلَيْك 00؟! لِمَ تَنْشَغِلُ بمَا خُلِقَ لَكَ عَمَّا خُلِقْتَ لَه 00؟!! الرِّزْقُ أَشَدُّ طَلَبَاً لِلعَبْدِ مِنَ الأَجَل، وَلَكِنَّهُ خُلِقَ الإِنْسَانُ مِن عَجَل عَن أَبي الدَّرْدَاءِ رَضِيَ اللهُ عَنهُ عَنِ النَّبيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَال: " إِنَّ الرِّزْق لَيَطْلُبُ العَبْدَ كَمَا يَطْلُبُهُ أَجَلُه " 0 [وَثَّقَهُ الإِمَامُ الهَيْثَمِيُّ في المجْمَع، وَحَسَّنَهُ الأَلبَانيُّ في الجَامِع، وَقَالَ الأُسْتَاذ شُعَيْب الأَرْنَؤُوط في صَحِيحِ ابْنِ حِبَّان: حَدِيثٌ قَوِيّ، رَوَاهُ الإِمَامُ الطَّبرَانيّ]

وَعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ رَضِيَ اللهُ عَنهُ عَنِ النَّبيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَال: " لَوْ أَنَّ ابْنَ آدَمَ هَرَبَ مِنْ رِزْقِهِ كَمَا يَهْرَبُ مِنَ المَوْت؛ لأَدْرَكَهُ رِزْقُهُ كَمَا يُدْرِكُهُ المَوْت " 0 [حَسَّنَهُ الْعَلاَّمَةُ الأَلبَانيُّ في صَحِيحِ الجَامِعِ بِرَقْم: 9371/ 5240، أَبُو نُعَيْمٍ في الحِليَة] عَن عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ عَنِ النَّبيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَال: " جَاءَ سَائِلٌ إِلىَ النَّبيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم، فَإِذَا تَمْرَةٌ عَائِرَةٌ فَأَعْطَاهُ إِيَّاهَا وَقَالَ لَهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم: " خُذْهَا، لَوْ لَمْ تَأْتِهَا لأَتَتْك " 0 [صَحَّحَهُ الْعَلاَّمَةُ الأَلْبَانيُّ في التَّرْغِيبِ وَفي الظِّلاَلِ بِرَقْم: 265، وَقَالَ الأُسْتَاذ شُعَيْب الأَرْنَؤُوط في صَحِيحِ ابْنِ حِبَّان: إِسْنَادُهُ قَوِيّ]

عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ رَضِيَ اللهُ عَنهُ عَنِ النَّبيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَال: " أَيُّهَا النَّاس: إِنَّ أَحَدَكُمْ لَنْ يَمُوتَ حَتىَّ يَسْتَكْمِلَ رِزْقَه؛ فَلاَ تَسْتَبْطِئُواْ الرِّزْق، وَاتَّقُواْ اللهَ أَيُّهَا النَّاسُ وَأَجْمِلُوا في الطَّلَب: خُذُواْ مَا حَلَّ وَدَعُواْ مَا حَرُم " 0 [صَحَّحَهُ الإِمَامُ الذَّهَبيُّ في التَّلْخِيص، وَالْعَلاَّمَةُ الأَلْبَانيُّ في الصَّحِيحِ وَالصَّحِيحَةِ بِرَقْمَيْ: 7323، 2607، رَوَاهُ الحَاكِمُ في المُسْتَدْرَكِ وَالبَيْهَقِيُّ في سُنَنِه]

وَفي رِوَايَةٍ لِلإِمَامِ ابْنِ مَاجَةَ عَنْ جَابِرٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ أَيْضَاً إِلاَّ أَنَّهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ فِيهَا: " أَيُّهَا النَّاس؛ اتَّقُوا اللهَ وَأَجْمِلُواْ في الطَّلَب؛ فَإِنَّ نَفْسًا لَنْ تَمُوتَ حَتىَّ تَسْتَوْفِيَ رِزْقَهَا، وَإِن أَبْطَأَ عَنْهَا؛ فَاتَّقُوا اللهَ وَأَجْمِلُواْ في الطَّلَب، خُذُواْ مَا حَلَّ وَدَعُواْ مَا حَرُم " [صَحَّحَهُ الْعَلاَّمَةُ الأَلبَانيُّ في سُنَنِ الإِمَامِ ابْنِ مَاجَةَ بِرَقْم: 2144]

عَن أَبي حُمَيْدٍ السَّاعِدِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنهُ عَنِ النَّبيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَال: " أَجْمِلُواْ في الطَّلَب؛ فَإِنَّ كُلاً مُيَسَّرٌ لِمَا خُلِقَ لَه " 0 [صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَينِ بِنَحْوِه 0 المُسْتَدْرَكُ بِرَقْم: 2133، صَحَّحَهُ الأَلبَانيُّ في " الصَّحِيحَة " بِرَقْم: 898] عَن أَبي حُمَيْدٍ السَّاعِدِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنهُ عَنِ النَّبيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَال: " أَجْمِلُواْ في طَلَبِ الدُّنْيَا؛ فَإِنَّ كُلاًّ مُيَسَّرٌ لِمَا كُتِبَ لَهُ مِنهَا " 0 [صَحَّحَهُ الْعَلاَّمَةُ الأَلبَانيُّ في سُنَنِ ابْنِ مَاجَةَ بِرَقْم: 2144، وَقَالَ الإِمَامُ الذَّهَبيُّ في التَّلْخِيص: صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَين]

لَيْتَنَا نَطْلُبُ الدِّينَ كَمَا نَطْلُبُ الرِّزْق وفي بَعْضِ الأَحَادِيثِ القُدُسِيِّة: " يَا ابْنَ آدَم؛ لاَ تُطَالِبْني بِرِزْقِ غَدٍ مَا لَمْ أُطَالِبْكَ بِعَمَل غَدٍ؛ فَإِني لاَ أَنْسَى مَن عَصَاني؛ فَكَيْفَ بمَن أَطَاعَني " 00؟ عَن أَبي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ عَنِ النَّبيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ رَبِّ العِزَّةِ جَلَّ جَلاَلُهُ أَنَّهُ قَال: " يَا ابْنَ آدَم: تَفَرَّغْ لِعِبَادَتي؛ أَمْلأْ صَدْرَكَ غِنىً، وَأَسُدَّ فَقْرَك، وَإِلاَّ تَفْعَلْ: مَلأْتُ يَدَيْكَ شُغْلاً، وَلَمْ أَسُدَّ فَقْرَك " 0 [صَحَّحَهُ الأَلبَانيُّ في الصَّحِيحِ وَالصَّحِيحَةِ وَفي سُنَنِ الإِمَامِ التِّرْمِذِيِّ بِرَقْم: 2466، وَالْعَلاَّمَة أَحْمَد شَاكِر في المُسْنَدِ بِرَقْم: 8681، وَالإِمَامُ الذَّهَبيُّ في التَّلْخِيص] فَرِزْقُكَ آتِيكَ آتِيك ـ لاَ محَالَةَ سَخطْتَ أَمْ رَضِيت ـ فَأَحْسِنِ الظَّنَّ باللهِ وَاصْبرْ صَبرَاً جمِيلاً 00!!

عَن أَبي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ عَنِ النَّبيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ رَبِّ العِزَّةِ جَلَّ جَلالُهُ أَنَّهُ قَال: " يَا ابْنَ آدَم؛ تَفَرَّغْ لِعِبَادَتِي؛ أَمْلأْ قَلْبَكَ غِنىً، وَأَمْلأْ يَدَكَ رِزْقَاً، يَا ابْنَ آدَم؛ لاَ تَبَاعَدْ مِنيِّ؛ أَمْلأْ قَلْبَكَ فَقْرَاً، وَأمْلأْ يَدَكَ شُغُلاً " 0 [صَحَّحَهُ الإِمَامُ الذَّهَبيُّ في التَّلْخِيص، وَالْعَلاَّمَةُ الأَلبَانيُّ في صَحِيحِ التَّرْغِيبِ ح 0 ر: 3165] فَرِزْقُكَ آتِيكَ آتِيك ـ لاَ محَالَةَ سَخطْتَ أَمْ رَضِيت ـ فَأَحْسِنِ الظَّنَّ باللهِ وَاصْبرْ صَبرَاً جمِيلاً 00!!

الأَمْرُ أَعْجَلُ مِن هَذَا عَن عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ رَضِيَ اللهُ عَنهُ قَال: " مَرَّ عَلَيْنَا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَنحْنُ نُعَالجُ خُصَّاً لَنَا ـ أَيْ يُصْلِحُونَهُ ـ فَقَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم: " مَا هَذَا " 00؟! فَقُلْتُ: خُصٌّ لَنَا وَهَى ـ أَيْ ضَعُفَ تمَاسُكُه ـ نَحْنُ نُصْلِحُه، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم: " مَا أُرَى الأَمْرَ إِلاَّ أَعْجَلَ مِنْ ذَلِك " 0 [صَحَّحَهُ الْعَلاَّمَةُ الأَلبَانيُّ في سُنَنِ الأَئِمَّةِ ابْنِ مَاجَةَ وَالتِّرْمِذِيِّ وَأَبي دَاوُدَ بِأَرْقَام: 4160، 2335، 5236، وَالْعَلاَّمَة أَحْمَد شَاكِر في المُسْنَد، وَالأُسْتَاذ شُعَيْب الأَرْنَؤُوط في صَحِيحِ ابْنِ حِبَّان بِرَقْم: 2997] فَلا تَشْغَلَنَّكَ يَا أَخِي الدُّنيَا عَنِ الدِّين 00

مَوْقِفٌ لأَبي العَتَاهيَةِ يُعَلِّمُنَا القَنَاعَة وَقَفَ أَبُو العَتَاهِيَةِ عَلَى أَعْرَابِيَّةٍ كَالقَمَر، تَبِيعُ الحِمَّصَ في طَرِيقِ الحَجِيجِ إِلى مَكَّة، حَيْثُ حَرَارَةُ الشَّمْسِ وَنُدْرَةُ المَاء، تَسْتَظِلُّ بِظِلُّ مِيلٍ رَكَزَتْهُ في الأَرْض، وَوَضَعَتْ عَلَيهِ شَمْلَتَهَا ـ أَيْ عَبَاءَ تَهَا، وَالمِيلُ هُوَ الغُصْنُ اليَابِسُ مِنَ الشَّجَر ـ فَقَالَ لَهَا: مَا الَّذِي أَقْعَدَكِ هُنَا يَا أَمَةَ اللهِ؟! فَقَالَتْ لَهُ: يَا هَذَا؛ لَوْلاَ أَنْ قَنَّعَ اللهُ بَعْضَ العِبَادِ بِشَرِّ البِلاَد؛ لَمَا وَسِعَ خَيرُ البِلاَدِ كُلَّ العِبَاد!!

فَقَالَ لهَا: أَتَبِيعِينَ الحِمَّصَ وَلَكِ هَذَا الجَمَال 00؟! قَالَتْ: قَدَرُ الله 00!! فَسَأَلهَا: مِن أَيْنَ مَعَاشُكُمْ بَعْدَ انْقضَاءِ المَوْسِم 00؟!! فَأَطْرَقَتْ مَلِياً ثُمَّ قَالَتْ: لاَ أَدْرِي، غَيرَ أَنَّا نُرْزَقُ مِن حَيْثُ لاَ نحْتَسِب؛ أَكْثَرَ ممَا نحْتَسِب 00!! فَقَالَ أَبُو العَتَاهِيَةِ قَصِيدَتَهُ الشَّهِيرَةَ الَّتي مَطْلَعُهَا: هَبِ الدُّنيَا تُوَاتِيكَا أَلَيْسَ المَوْتُ يَأْتِيكَا فَمَا تَرْجُو مِنَ الدُّنيَا وَظِلُّ المِيلِ يَكْفِيكَا [الأَصْفَهَاني في كِتَابِ " الأَغَاني "، بِالطَّبْعَةِ الثَّانِيَةِ لِدَارِ الفِكْر 0 بَيرُوت 0 ص: 86/ 4] لَيْتَنَا نَدَّخِرُ لِلآخِرَةِ كَمَا نَدَّخِرُ لِلدُّنيَا

عَنْ هِلاَلِ بْنِ سُوَيْدٍ أَنَّهُ قَال: " سَمِعْتُ أَنَسَاً رَضِيَ اللهُ عَنهُ يَذْكُرُ أَنَّ النَّبيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُهْدِيَ لَهُ ثَلاَثَةُ طَوَائِر، فَأَطْعَمَ خَادِمَهُ طَائِرَاً، فَلمَّا كَانَ مِنَ الغَدِ أَتَاهُ بِه؛ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم: " أَلَمْ أَنهَكَ أَنْ تخَبِّئَ شَيْئَاً لِغَد 00؟ إِنَّ اللهَ يَأْتي برِزْقِ كُلِّ يَوْم " 0 [حَسَّنَهُ العَلاَّمَةُ أَحْمَد شَاكِر في المُسْنَدِ بِرَقْم: (12977)، وَالحَدِيثُ في " شُعَبِ الإِيمَانِ " بِرَقْم: 1465]

وَفي رِوَايَةٍ عَن أَنَسٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ أَيْضَاً عَنِ النَّبيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَال: " أُهْدِيَتْ لِرَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثَلاَثَةُ طَوَائِر، فَأَطْعَمَ خَادِمَهُ طَائِرَاً، فَلَمَّا كَانَ مِنْ الغَدِ أَتَتْهُ بِهِ ـ أَيْ زَوْجَتُه ـ فَقَالَ لهَا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم: " أَلَمْ أَنْهَكِ أَنْ تَرْفَعِي شَيْئَاً؟! فَإِنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ يَأْتِي بِرِزْقِ كُلِّ غَدٍ "

[حَسَّنَهُ الإِمَامُ الهَيْثَمِيُّ في " المجْمَع " ص: (303/ 10)، وَحَسَّنَهُ العَلاَّمَةُ أَحْمَد شَاكِر في المُسْنَدِ بِرَقْم: 12977] مَنْ كَانَ رِزْقُهُ عَلَى اللهِ فَلاَ يحْزَن وَقَالَ أَحَدُ الصَّالحِين: مَرَرْتُ بِرَاهِبٍ فَقُلتُ لَهُ مِن أَيْنَ تَأْكُل 00؟!

فَقَال: مِنْ بَيْدَرِ اللَّطِيفِ الخَبِير؛ فَالَّذِي خَلَقَ الرَّحَى ـ وَأَشَارَ إِلى أَضْرَاسِهِ ـ يَأْتِيهَا بِالطَّحِين 0 البَيْدَر: هُوَ المَطْحَن 0 ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ في الأَرْضِ إِلاَّ عَلَى اللهِ رِزْقُهَا﴾ ﴿هُود: 6﴾ [الإِمَامُ الغَزَاليُّ في " الإِحْيَاء " 0 الطَّبْعَةُ الأُولى لِدَارُ الوَثَائِق: 1141] عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ أَنَّ الأَشْعَرِيِّينَ أَبَا مُوسَى وَأَبَا مَالِكٍ وَأَبَا عَامِرٍ في نَفَرٍ مِنهُمْ: لَمَّا هَاجَرُواْ قَدِمُواْ عَلَى رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في فُلْكٍ وَقَدْ أَرْمَلُواْ مِنَ الزَّاد ـ أَيْ نَفِدَ زَادُهُمْ ـ

فَأَرْسَلُواْ رَجُلاً مِنهُمْ إِلى رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَسْأَلُه، فَلَمَّا انْتَهَى إِلى بَابَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَمِعَهُ يَقْرَأُ هَذِهِ الآيَة: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ في الأَرْضِ إِلاَّ عَلَى اللهِ رِزْقُهَا﴾ ﴿هود: 6﴾

فَقَالَ الرَّجُل: مَا الأَشْعَرِيُّونَ بِأَهْوَنِ الدَّوَابِّ عَلَى الله؛ فَرَجَعَ وَلَمْ يَدْخُلْ عَلَى رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ لأَصْحَابِهِ: أَبْشِرُواْ، أَتَاكُمْ الغَوْث، وَلاَ يَظُنُّونَ إِلاَّ أَنَّهُ قَدْ كَلَّمَ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَوَعَدَهُ، فَبَيْنَا هُمْ كَذَلِكَ إِذْ أَتَاهُمْ رَجُلاَنِ يحْمِلاَنِ قَصْعَةً بَيْنَهُمَا ممْلُوءةً خُبْزَاً وَلحْمَاً، فَأَكَلُواْ مِنهَا مَا شَاءواْ، ثُمَّ قَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْض: لَوْ أَنَّا رَدَدْنَا هَذَا الطَّعَامَ إِلى رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِيَقْضِيَ بِهِ حَاجَتَه 00؟

فَقَالُواْ لِلرَّجُلَين: اذْهَبَا بهَذَا الطَّعَامِ إِلى رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم، وَإِنَّا قَدْ قَضَيْنَا مِنهُ حَاجَتَنَا، ثمَّ إِنهُمْ أَتَواْ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالُواْ: يَا رَسُولَ الله، فَمَا رَأَيْنَا طَعَامَاً أَكْثَرَ وَلاَ أَطْيَبَ مِنْ طَعَامٍ أَرْسَلْتَ بِه 0 فَقَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم: " مَا أَرْسَلْتُ إِلَيْكُمْ شَيْئَا " 0 فَأَخْبرُوهُ أَنهُمْ أَرْسَلُواْ صَاحِبَهُمْ، فَسَأَلَهُ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم 00؟! فَأَخْبرَهُ مَا صَنَعَ وَمَا قَالَ لهُمْ؛ فَقَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم: " ذَلِكَ شَيْءٌ رَزَقَكُمُوهُ اللهُ سُبْحَانَه " 0 [نَوَادِرُ الأُصُول 0 الأَصْلُ رَقْم: (215)، الإِمَامُ القُرْطُبيُّ في تَفْسِيرِهِ لهَذِهِ الآيَة: 7/ 9]

عَنْ مَالِكِ بْنِ عَبْدِ اللهِ المُعَافِرِيِّ عَنِ النَّبيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ مَرَّ بِعَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ فَقَال: " لاَ تُكْثِرْ هَمَّك، مَا قُدِّرَ يَكُن وَمَا تُرْزَقْ يَأْتِك " 0 [ضَعَّفَهُ الأَلبَانيُّ في الضَّعِيفَةِ بِرَقْم: 4792، البَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ بِرَقْم: 1188، وَالغَزَاليُّ في الإِحْيَاءِ 0 ص: 1141] وَمِنْ مَأْثُورِ كَلاَمِ الإِمَامِ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللهُ وَجْهَهُ قَوْلُه: " اعْلَمْ؛ أَنَّكَ لَسْتَ بِسَابِقٍ أَجَلَك، وَلاَ مَرْزُوقَاً مَا لَيْسَ لَك، وَاعْلَمْ أَنَّ الدَّهْرَ يَوْمَان: يَوْمٌ لَكَ وَيَوْمٌ عَلَيْك، وَأَنَّ الدُّنيَا دَارُ دُوَل؛ فَمَا كَانَ مِنهَا لَكَ أَتَاكَ عَلَى ضَعْفِك، وَمَا كَانَ مِنهَا عَلَيْكَ فَلَنْ تَدْفَعَهُ بِقُوَّتِك " 0 [انْظُرْ مِنهَاجَ البَلاَغَةِ لِلشَّرِيفِ الرَّضِيّ 0 في خُطَبِ الإِمَامِ عَلِيّ]

فصول الكتاب · 6 فصل · 8447 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول موسوعة الرقائق والأدب - ياسر الحمداني · 8447 صفحة
ـ[موسوعة الرقائق والأدب]ـ
كِتَابُ الرِّضَا بِالقَلِيل:
كِتَابُ فَقْدِ الأَحِبَّة:
كِتَابُ هُمُومِ المُسْلِمِين:
كِتَابُ هُمُومِ العُلَمَاء
كِتَابُ قَصَائِدِ الأَطْفَال
جارٍ التحميل