كِتَابُ الرِّضَا بِالقَلِيل:
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ياسر الحمداني
- الكتاب
- موسوعة الرقائق والأدب
- المؤلف
- ياسر بن أحمد بن محمود بن أحمد بن أبي الحمد الكويس الحمداني
- عدد الأجزاء
- 1 [الكتاب مرقم آليا]
فَدَنَوْنَا مِنْهُ حَتىَّ وَضَعْنَا رُكَبَنَا عَلَى رُكْبَتِه، وَكَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يجْلِسُ مَعَنَا، فَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَقُومَ قَامَ وَتَرَكَنَا؛ فَأَنْزَلَ اللهُ جَلَّ وَعَلاَ: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالغَدَاةِ وَالعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلاَ تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾: أَيْ وَلاَ تجَالِسِ الأَشْرَاف 0 ﴿تُرِيدُ زِينَةَ الحَيَاةِ الدُّنْيَا، وَلاَ تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا﴾ يَعْني عُيَيْنَةَ بْنَ حِصْنٍ وَالأَقْرَعَ بْنَ حَابِس 0
﴿وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطَا﴾ ﴿الكَهْف/28﴾ أَيْ هَلاكَاً 00 أَمْرُ عُيَيْنَةَ وَالأَقْرَع، ثمَّ ضَرَبَ لهُمْ مَثَلَ الرَّجُلَيْنِ وَمَثَلَ الحَيَاةِ الدُّنْيَا؛ يَقُولُ خَبَّاب: " فَكُنَّا نَقْعُدُ مَعَ النَّبيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم، فَإِذَا بَلَغْنَا السَّاعَةَ الَّتي يَقُومُ فِيهَا؛ قُمْنَا وَتَرَكْنَاهُ حَتىَّ يَقُوم " [صَحَّحَهُ الْعَلاَّمَةُ الأَلبَانيُّ في سُنَنِ الإِمَامِ ابْنِ مَاجَةَ بِرَقْم: 4127]
هَكَذَا كَانَتْ نَظْرَةُ الغَنيِّ الكَافِرِ إِلى فُقَرَاءِ المُسْلِمِين، وَلاَ عَجَبَ أَنْ يُفَكِّرَ الكَافِرُونَ بِهَذِهِ العَقْلِيَّة؛ فَكَمَا قِيل: " لَيْسَ بَعْدَ الكُفرِ ذَنْب " 00 فَلَقَدْ قَالُواْ ـ لُعِنُواْ بِمَا قَالُواْ ـ قَالُواْ أَكْبرَ مِنْ ذَلِك 00 قَالُواْ: كَيْفَ يَتَقَدَّمُ عَلَيْنَا غُلاَمٌ يَتِيمٌ وَنُطَأْطِئُ رُءوسَنَا لَه 00؟!!
وَقَالَ الوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَة: " أَيُنزَلُ عَلَى محَمَّدٍ وَأُتْرَكُ وَأَنَا كَبِيرُ قُرَيشٍ وَسَيِّدُهَا 00؟! وَيُترَكُ أَبُو مَسْعُودٍ عَمْرُو بنُ عُمَيرٍ الثَّقَفِيّ، سَيِّدُ ثَقِيف؛ وَنحْنُ عُظَمَاءُ القَرْيَتَين 00؟!
فَأَنْزَلَ اللهُ هَذِهِ الآيَة: ﴿وَقَالُواْ لَوْلاَ نُزِّلَ هَذَا القُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ القَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ {31﴾ أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ، نحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُم مَّعِيشَتَهُمْ في الحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَات؛ لِّيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضَاً سُخْرِيَّاً وَرَحْمَةُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يجْمَعُونَ} ﴿الزُّخْرُف﴾ [ابْنُ هِشَامٍ في سِيرَتِهِ 0 دَارُ الجِيل 0 بَيْرُوت: 207/ 2] ـ وَالفُقَرَاءُ أَيْضَاً؛ عَاتَبَ النَّبيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيهِمْ أَبَا بَكْر 00
عَن عَائِذِ بْنِ عَمْرٍو المُزَنيِّ رَضِيَ اللهُ عَنهُ أَنَّ أَبَا سُفْيَانَ أَتَى عَلَى سَلْمَانَ وَصُهَيْبٍ وَبِلاَلٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُمْ في نَفَرٍ فَقَالُواْ: وَاللهِ مَا أَخَذَتْ سُيُوفُ اللهِ مِن عُنُقِ عَدُوِّ اللهِ مَأْخَذَهَا؛ فَقَالَ أَبُو بَكْر: أَتَقُولُونَ هَذَا لِشَيْخِ قُرَيْشٍ وَسَيِّدِهِمْ 00؟ فَأَتَى النَّبيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَخْبَرَهُ؛ فَقَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم: " يَا أَبَا بَكْر، لَعَلَّكَ أَغْضَبْتَهُمْ 00 لَئِنْ كُنْتَ أَغْضَبْتَهُمْ لَقَدْ أَغْضَبْتَ رَبَّك " 00 فَأَتَاهُمْ أَبُو بَكْرٍ فَقَال: يَا إِخْوَتَاه، أَغْضَبْتُكُمْ 00؟ قَالُواْ لاَ، يَغْفِرُ اللهُ لَكَ يَا أَخِي " 0 [رَوَاهُ الإِمَامُ مُسْلِمٌ في صَحِيحِهِ بِرَقْم: 2504 / عَبْد البَاقِي]
وَكُلُّنَا يَعْرِفُ مَا حَكَاهُ القُرْآنُ في شَأْنِ عَبْدِ اللهِ ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ الصَّحَابيِّ الأَعْمَى، حَيْثُ اسْتَأْذَنَ عَلَى النَّبيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعِنْدَهُ نَفَرٌ مِن أَشْرَافِ قُرَيْشٍ يَدْعُوهُمْ إِلى الإِسْلاَم، فَشَقَّ ذَلكَ عَلَى النَّبيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم، فَتَرَكَهُ بِالبَابِ بُرْهَةً؛ حَتىَّ يَفْرُغَ مِمَّا في يَدَيْه؛ فَعَاتَبَهُ اللهُ في ذَلِكَ وَأَنْزَلَ قَوْلَهُ جَلَّ جَلاَلُه: ﴿عَبَسَ وَتَوَلي {1﴾ أَنْ جَاءهُ الأَعْمَى ﴿2﴾ وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى ﴿3﴾ أَو يَذَّكَّرُ فَتَنفَعَهُ الذِّكرَى ﴿4﴾ أَمَّا مَنِ اسْتَغْنى ﴿5﴾ فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى ﴿6﴾ وَمَا عَلَيْكَ أَلاَ يَزَّكَّى ﴿7﴾ وَأَمَّا مَنْ جَاءَكَ يَسْعَى ﴿8﴾ وَهُوَ يخْشَى ﴿9﴾ فَأَنْتَ عَنهُ تَلَهَّى ﴿10﴾ كَلاَّ إِنهَا تَذْكِرَة ﴿11﴾ فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَه} ﴿عَبَسَ﴾
عَن أُمِّ المُؤْمِنِينَ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا قَالَتْ: " أُنْزِلَ عَبَسَ وَتَوَلى في ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ الأَعْمَى؛ أَتَى رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَجَعَلَ يَقُول: يَا رَسُولَ اللهِ أَرْشِدْني، وَعِنْدَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَجُلٌ مِنْ عُظَمَاءِ المُشْرِكِين؛ فَجَعَلَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُعْرِضُ عَنهُ وَيُقْبِلُ عَلَى الآخَرِ وَيَقُول: " أَتَرَى بِمَا أَقُولُ بَأْسَاً " 00؟ فَيَقُولُ لاَ 00 فَفِي هَذَا أُنْزِل " 0 [صَحَّحَهُ الْعَلاَّمَةُ الأَلبَانيُّ في سُنَنِ الإِمَامِ التِّرْمِذِيِّ بِرَقْم: 3331، وَقَالَ الإِمَامُ الذَّهَبيُّ في التَّلْخِيص: صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَين]
إِنَّ اللهَ جَلَّ جَلاَلُهُ لاَ يَصْرِفُ الدُّنيَا عَنِ العَبْدِ إِلاَّ إِذَا كَانَ يحِبُّه عَنْ قَتَادَةَ بْنِ النُّعْمَانِ رَضِيَ اللهُ عَنهُ عَنِ النَّبيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَال: " إِذَا أَحَبَّ اللهُ عَبْدَاً حَمَاهُ الدُّنيَا، كَمَا يَظَلُّ أَحَدُكُمْ يحْمِي سَقِيمَهُ المَاء " 0 [صَحَّحَهُ الإِمَامُ الذَّهَبيُّ في النَّلْخِيصِ بِرَقْم: (7464)، وَحَسَّنَهُ الإِمَامُ الهَيْثَمِيُّ في المجْمَع، وَصَحَّحَهُ الأَلبَانيُّ في سُنَنِ الإِمَامِ التِّرْمِذِيِّ بِرَقْم: 2036]
عَن أَبي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنهُ عَنِ النَّبيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَال: " إِنَّ اللهَ جَلَّ وَعَلاَ لَيَحْمِي عَبْدَهُ المُؤْمِنَ الدُّنْيَا وَهُوَ يُحِبُّه؛ كَمَا تَحْمُونَ مَرِيضَكُمْ الطَّعَامَ وَالشَّرَابَ تَخَافُونَ عَلَيْه " 0 [صَحَّحَهُ الإِمَامُ الذَّهَبيُّ في النَّلْخِيصِ بِرَقْم: (7465)، وَالأُسْتَاذ شُعَيْب الأَرْنَؤُوط في المُسْنَدِ بِرَقْم: 23622، وَالْعَلاَّمَةُ الأَلبَانيُّ في صَحِيحِ الجَامِعِ وَفي التَّرْغِيب] وَعَن حُذَيْفَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ عَنِ النَّبيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَال: " إِنَّ اللهَ جَلَّ جَلاَلُهُ يحْمِي عَبْدَهُ المُؤْمِن؛ كَمَا يحْمِي الرَّاعِي الشَّفِيقُ غَنَمَهُ عَنْ مَرَاتِعِ الهَلَكَة " 0 [صَحَّحَهُ الْعَلاَّمَةُ الأَلبَانيُّ في سُنَنِ التِّرْمِذِيِّ بِرَقْم: 2036، وَهُوَ في الشُّعَب بِرَقْم: 10451، وَفي الكَنْزِ بِرَقْم: 6826]
لَوْ يَعْلَمُ الفُقَرَاءُ مَا في الفَقْرِ مِنَ الأَجْر 00!! عَنِ العِرْبَاضِ بْنِ سَارِيَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ عَنِ النَّبيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَال: " لَوْ تَعْلَمُونَ مَا ادُّخِرَ لَكُمْ: مَا حَزِنْتُمْ عَلَى مَا زُوِيَ عَنْكُمْ " 0 [صَحَّحَهُ الْعَلاَّمَةُ الأَلْبَانيُّ في التَّرْغِيبِ وَالجَامِعِ بِرَقْمَيْ: 3208، 9392، رَوَاهُ الإِمَامُ الطَّبرَانيُّ في مُسْنَدِ الشَّامِيِّين] عَن أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ عَنِ النَّبيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَال: " إِنَّ اللهَ لاَ يَظْلِمُ المُؤْمِنَ حَسَنَةً؛ يُثَابُ عَلَيْهَا الرِّزْقَ في الدُّنيَا، وَيُجْزَى بِهَا في الآخِرَة، فَأَمَّا الْكَافِر: فَيُطْعَمُ بحَسَنَاتِهِ في الدُّنيَا، فَإِذَا أَفْضَى إِلىَ الآخِرَةِ لَمْ تَكُنْ لَهُ حَسَنَةٌ يُعْطَى بهَا خَيْرَاً " [قَالَ الأُسْتَاذ شُعَيْب الأَرْنَؤُوط في صَحِيحِ ابْنِ حِبَّانَ وَفي المُسْنَد: صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَين]
وَعَن عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ قَال: " لاَ يُصِيبُ عبْدٌ مِنَ الدُّنيَا شَيْئاً؛ إِلاَّ نَقَصَ مِنْ دَرَجَاتِهِ ثَمَّ الله ـ أَيْ عِنْدَ الله ـ وَإِنْ كَانَ عَلَيْهِ كَرِيمَا " 0 [صَحَّحَهُ الأَلبَانيُّ في " التَّرْغِيب " بِرَقم: (3220)، ابْنُ أَبي الدُّنيَا وَالبَيْهَقِيُّ في " الشُّعَبِ " بِرَقْم: 10676] عَن عُتْبَةَ بْنِ عَبْدٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ عَنِ النَّبيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَال: " لَوْ أَنَّ رَجُلاً يُجَرُّ عَلَى وَجْهِهِ مِنْ يَوْمِ وُلِدَ إِلىَ يَوْمِ يَمُوتُ هَرِمَاً، في مَرْضَاةِ اللهِ عَزَّ وَجَلّ؛ لَحَقَرَهُ يَوْمَ الْقِيَامَة " 0 [صَحَّحهُ الْعَلاَّمَةُ الأَلبَانيُّ في الصَّحِيحِ الصَّحِيحَة، قَالَ الإِمَامُ الهَيْثَمِيُّ في المجْمَع، وَالأُسْتَاذ شُعَيْب الأَرْنَؤُوط في المُسْنَد: إِسْنَادُهُ جَيِّد]
وَفي رِوَايَةٍ أُخْرَى عَن محَمَّدِ بْنِ أَبي عُمَيرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ عَنِ النَّبيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَال: " لَوْ أَنَّ عَبْدَاً خَرَّ عَلَى وَجْهِهِ مِنْ يَوْمِ وُلِدَ إِلى يَوْمِ يمُوتُ هَرِمَاً، في طَاعَةِ اللهِ عَزَّ وَجَلّ؛ لحَقَّرَهُ ذَلِكَ اليَوْم، وَلَوَدَّ أَنَّهُ يُرَدُّ إِلى الدُّنيَا كَيْمَا يَزْدَادَ مِنَ الأَجْرِ وَالثَّوَاب " 0 [رِجَالُهُ رِجَالُ الصَّحِيح 0 المجْمَع: 225/ 10، وَصَحَّحهُ الأَلبَانيُّ في التَّرْغِيب: 3597، الكَنْز: 43120، المُسْنَد: 17198] وَعَن أَبي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنهُ أَنَّ النَّبيِّ صَلَّىاللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَال: " إِنَّ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلاَمُ قَال: أَيْ رَبّ، عَبْدُكَ المُؤْمِنُ مُقَتَّرٌ عَلَيْهِ في الدُّنْيَا 00؟!
فَيُفْتَحُ لَهُ بَابُ الجَنَّةِ فَيَنْظُرُ إِلَيْهَا؛ قَالَ جَلَّ جَلاَلُه: يَا مُوسَى، هَذَا مَا أَعْدَدْتُ لَهُ؛ فَقَالَ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلاَم: أَيْ رَبّ، وَعِزَّتِكَ وَجَلاَلِك؛ لَوْ كَانَ أَقْطَعَ الْيَدَيْنِ وَالرِّجْلَيْن، يُسْحَبُ عَلَى وَجْهِهِ مُنْذُ يَوْمِ خَلَقْتَهُ إِلى يَوْمِ الْقِيَامَة، وَكَانَ هَذَا مَصِيرَهُ؛ لَمْ يَرَ بُؤْسَاً قَطّ، ثُمَّ قَالَ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلاَم: أَيْ رَبّ، عَبْدُكَ الْكَافِرُ تُوَسِّعُ عَلَيْهِ في الدُّنْيَا 00؟!
فَيُفْتَحُ لَهُ بَابٌ مِنَ النَّارِ فَيُقَال: يَا مُوسَى، هَذَا مَا أَعْدَدْتُ لَهُ؛ فَقَالَ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلاَم: أَيْ رَبّ، وَعِزَّتِكَ وَجَلاَلِك؛ لَوْ كَانَتْ لَهُ الدُّنْيَا مُنْذُ يَوْمِ خَلَقْتَهُ إِلى يَوْمِ الْقِيَامَة، وَكَانَ هَذَا مَصِيرَه؛ كَأَنْ لَمْ يَرَ خَيرَاً قَطّ " 0 [قَالَ الهَيْثَمِيُّ في " المجْمَعِ ": فِيهِ ابْنُ لَهِيعَةَ وَدَرَّاجٌ وَقَدْ وُثِّقَا عَلَى ضَعْفِهِمَا 0 ص: (266/ 10)، وَهُوَ في " المُسْنَدِ " بِرَقْم: (11358)، وَفي " الكَنْزِ " بِرَقْم: 16666] وَعَن عَبدِ اللهِ بنِ عَمْرِو بْنِ العَاصِ رَضِيَ اللهُ عَنهُ عَنِ النَّبيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَال: " تَقُولُ المَلاَئِكَةُ يَا رَبّ: عَبْدُكَ المؤْمِنُ تَزْوِي عَنهُ الدُّنيَا وَتعَرِّضُهُ للبَلاَء وَهُوَ مُؤْمِنٌ بِكَ؟!
فَيَقُول: اكْشِفُواْ عَنْ ثَوَابِه؛ فَإِذَا رَأَواْ ثَوَابَهُ تَقُولُ المَلاَئِكَةُ يَا رَبّ؛ مَا يَضُرُّهُ مَا أَصَابَهُ في الدُّنيَا، وَتَقُولُ المَلاَئِكَةُ يَا رَبّ: عَبْدُكَ الكَافِرُ تَبْسُطُ لَهُ الدُّنيَا وَتَزْوِي عَنهُ البَلاَءَ وَقَدْ كَفَرَ بِك؟! [الحِليَةُ لأَبي نُعَيْم، جَامِعُ الأَحَادِيثِ القُدُسِيَّةِ بِرَقْم: (318)، وَالحَدِيثُ في " الكَنْزِ " بِرَقْم: 16667] فَيَقُولُ اكْشِفُواْ عَن عِقَابه؛ فَإِذَا رَأَواْ عِقَابَهُ قَالُواْ يَا رَبّ، مَا يَنْفَعُهُ مَا أَصَابَهُ في الدُّنيَا "؟ وَعَن عَطَاءٍ الخُرَاسَانِيِّ أَنَّهُ قَال: " مَرَّ نَبيٌّ مِنَ الأَنْبيَاءِ بِسَاحِلٍ، فَإِذَا هُوَ برَجُلٍ يَصْطَاد، فَقَالَ بِسْمِ اللهِ وَأَلقَى الشَّبَك، فَلَمْ يخْرجْ فِيهِ شَيْء 00!!
ثمَّ مَرَّ بِآخَرَ فَوَجَدَهُ يَقُولُ باسْمِ الشَّيْطَانِ وَيُلْقي بِالشَّبَك، فَيَخْرُجُ وَبِهِ مِنَ السَّمَك: مَا كَانَ يَتَقَاعَسُ مِنْ كَثْرَتِه 00!! فَقَالَ هَذَا النَّبيُّ عَلَيْهِ السَّلاَم: يَا رَبّ، مَا هَذَا وَقَدْ عَلِمْتُ أَنَّ كُلَّ ذَلِكَ بِيَدِك 00؟! فَقَالَ جَلَّ جَلاَلُهُ لمَلاَئِكَتِهِ: " اكْشِفُواْ لِعَبْدي عَنْ مَنْزِلَتَيْهِمَا، فَلَمَّا رَأَى مَا أَعَدَّ اللهُ لِهَذَا منَ الكَرَامَة، وَلِذَاكَ مِنَ الهَوَان؛ قَالَ رَضِيتُ يَا رَبّ " 0 [الزُّهْدُ لاَبْنِ المُبَارَكِ بِرَقْم: (621)، الإِمَامُ الغَزَاليُّ في " الإِحْيَاءِ " طَبْعَةُ دَارِ الوَثَائِقْ 0 بَابُ فَضِيلَةِ الفَقر: 1555]
أَيُّهُمَا أَفْضَل: الغَنيُّ الشَّاكِرُ أَمِ الفَقِيرُ الصَّابِر 00؟! وَاللهِ يَا أَخِي مِنْ قَدِيمٍ وَالنَّاسُ مخْتَلِفُونَ حَوْلَ هَذَا الأَمْر ـ أَعْني المُفَاضَلَةَ بَينَ الشُّكْرِ وَالصَّبر ـ فَمِنهُمْ مَنْ يَرَى أَنَّ الشَّاكِرَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الصَّابِر، وَمِنهُمْ مَنْ يَرَى أَنَّ الصَّابِرَ أَعْظَمُ دَرَجَة 0 أُمُورٌ قَبْلَنَا اختَلَفُواْ عَلَيْهَا * وَطَالَ البَحثُ وَاتَّصَلَ الحِوَارُ ﴿محْمُود غُنَيْم﴾
نَعَمْ يَا أَخِي، كِلاَهُمَا نِصْفُ الإِيمَان ـ كَمَا نَصَّتْ عَلَى ذَلِكَ الأَحَادِيثُ في مَوَاطِنَ كَثِيرَة ـ لَكِنْ نَاهِيكَ في ذَلِكَ أَنَّ كَلِمَةَ الصَّبْر [بِدُونِ مُشْتَقَّاتِهَا]: ذَكَرَهَا القُرْآنُ خَمْسَ عَشْرَةَ مَرَّة، أَمَّا كَلِمَةُ الشُّكْر: فَلَمْ تَرِدْ في القُرْآنِ الكَرِيمِ إِلاَّ مَرَّةً وَاحِدَة، وَجَاءتْ نَكِرَة 00!! لَكَ اللهُ يَا أَخِي، أَفَمَنْ يَصْبِرُ وَهُوَ مُضْطَرّ، وَيَعْلَمُ أَنَّهُ لاَ مَفَرَّ مِنَ الصَّبْر: كَمَنْ يُسَلِّكُ أَسْنَانَهُ بِالشُّكْر 00؟! إِنَّكَ لأَنتَ الحَلِيمُ الرَّشِيد 00!! أَفَشُكْرُ الشَّبْعَانِ * يَسْتَوِي في المِيزَانِ مَعَ صَبْرِ الجَوْعَانِ
فَقُدْرَةُ الغَنيِّ عَلَى الشُّكْر: أَيْسَرُ بِكَثِيرٍ مِنْ قُدْرَةِ الفَقِيرِ عَلَى الصَّبر 0 عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ عَنِ النَّبيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ لأَصْحَابِهِ يَوْمَاً: " أَيُّ النَّاسِ خَير " 00؟ فَقَالَ بَعْضُهُمْ: مُوسِرٌ غَنيٌّ يُعْطِي حَقَّ نَفْسِهِ وَمَالِه، فَقالَ النَّبيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم: " نِعْمَ الرَّجُلُ هَذَا وَلَيْسَ بِه، وَلَكِن خَيرُ النَّاسِ مُؤْمِنٌ؛ وَالحَاصِلُ ـ أَيْ وَقَعَدَ ـ يُعْطِي جُهْدَه " 0 [ابْنُ عَدِيٍّ في " الضُّعَفَاءِ " طَبْعَةِ دَارِ الفِكْر 0 بَيرُوت 0 ص: 238/ 4] وَجُهْدُ الفَقِيرِ المُقِلِّ هَذَا لاَ يُسْتَهَانُ بِه؛ فَهْوَ عِنْدَ اللهِ خَيرٌ مِنَ الأُلُوفِ المُؤَلَّفَة، الَّتي قَدْ لاَ تُسَاوِي شَيْئَاً بِالنِّسْبَةِ إِلى ثَرْوَةِ صَاحِبِهَا 00!!
وَعَن أَبي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ عَنِ النَّبيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَال: " سَبَقَ دِرْهَمٌ مِائَةَ أَلْف " 0 قَالُواْ: يَا رَسُولَ الله؛ وَكَيْف 00؟! قَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم: " رَجُلٌ لَهُ دِرْهَمَان، فَأَخَذَ أَحَدَهُمَا فَتَصَدَّقَ بِه، وَرَجُلٌ لَهُ مَالٌ كَثِير، فَأَخَذَ مِن عُرْضِ مَالِهِ مِائَةَ أَلْفٍ فَتَصَدَّقَ بِهَا " 0 [حَسَّنَهُ الأَلبَانيُّ في سُنَنِ الإِمَامِ النَّسَائِيِّ بِرَقْم: 2528، وَفي مُشْكِلَةِ الْفَقْرِ بِرَقْم: (119)، وَفي الجَامِعِ بِرَقْم: 5919، وَالأُسْتَاذ شُعَيْب الأَرْنَؤُوط في صَحِيحِ الإِمَامِ ابْنِ حِبَّان]
سُئِلَ المَسِيحُ عَلَيْهِ السَّلاَمُ عَنْ رَجُلَيْنِ مَرَّا بِلَبِنَةٍ مِنْ ذَهَبٍ أَيُّهُمَا أَفْضَل 00 أَمَّا أَحَدُهُمَا: فَتَخَطَّاهَا وَلَمْ يَلْتَفِتْ إِلَيْهَا، وَأَمَّا الآخَرُ فَأَخَذَهَا وَأَنْفَقَهَا في طَاعَةِ الله 00؟! فَقَالَ عَلَيْهِ السَّلاَم: الَّذِي تخَطَّاهُ وَلَمْ يَلْتَفِتْ إِلَيْه " 0 [ابْنُ القَيِّمِ في " عُدَّةِ الصَّابِرِينَ وَذَخِيرَةِ الشَّاكِرِينَ " بِالبَابِ العِشْرِين]
وَيَقُولُ ابْنُ القَيِّمِ في كِتَابِهِ القَيِّمِ " عُدَّةِ الصَّابِرِينَ وَذَخِيرَةِ الشَّاكِرِين " مَا مخْتَصَرُه: " وَلَقَدْ رَأَيْنَا كَيْفَ كَانَتِ الدُّنيَا تُعْرَضُ عَلَيْهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَوْ قَبِلَهَا لأَنْفَقَهَا كُلَّهَا في سَبِيلِ الله، وَلَكِنَّهُ كَانَ يُؤْثِرُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَعِيشَ عِيشَةَ الفُقَرَاء؛ لِمَا في الصَّبْرِ عَلَيْهَا مِنَ المَثُوبَةِ وَالجَزَاء، وَلَوْ كَانَ الشُّكْرُ أَعْظَمَ أَجْرَاً لَفَعَل " 0 [ابْنُ القَيِّمِ في " عُدَّةِ الصَّابِرِينَ وَذَخِيرَةِ الشَّاكِرِينَ " بِتَصَرُّف 0 البَابُ العِشْرُون]
وَبِالطَّبْعِ أَنَا لاَ يخْفَى عَلَيَّ أَنَّ هُنَاكَ فِئَةً مِمَّنْ تَنَاوَلُواْ المَسْأَلَة؛ الفَضْلُ عِنْدَهَا لَيْسَ بِالفَقْرِ وَلاَ الغِنى، إِنمَا هُوَ بحَسَبَ التَّقْوَى وَالإِيمَان، وَطَاقَةِ كُلِّ إِنْسَان، وَهَذِهِ الفِئَةُ ـ مَعَ احْترَامِنَا لهَا الشَّدِيد ـ لَمْ تَأْتِنَا بجَدِيد، ثمَّ أَنهَا احْتَجَّتْ عَلَى كَلاَمِهَا بِشَاهِدٍ بَعِيد؛ إِذْ أَنَّهُ مَعْلُومٌ بِالضَّرُورَةِ أَنَّ التَّقْوَى مِقْيَاسُ التَّفَاضُلِ بَينَ النَّاسِ عُمُومَاً، وَلَيْسَ بَينَ الفُقَرَاءِ وَالأَغْنِيَاءِ فَقَطْ؛ يَقُولُ جَلَّ جَلاَلُه: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللهِ أَتْقَاكُمْ﴾ ﴿الحُجُرَات/13﴾ فَنُقْطَةُ الخِلاَفِ هِيَ: إِذَا اسْتَوَى فَقِيرٌ وَغَنيٌّ في التَّقْوَى وَالعِبَادَات؛ أَيُّهُمَا أَفْضَل 00؟
وَلَن أُجِيبَ أَنَا، لَكِنْ سَيُجِيبُ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم: عَن أَبي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ عَنِ النَّبيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَال: " يَدْخُلُ الفُقَرَاءُ الجَنَّةَ قَبْلَ الأَغْنِيَاء؛ بخَمْسِمِائَةِ عَام 00 نِصْفِ يَوْمٍ " 0 [صحَّحَهُ الأَلبَانِيُّ في " سُنَنِ الإِمَامِ التِّرْمِذِيِّ " بِرَقْم: (2353)، وَالحَدِيثُ في " الكَنْزِ " بِرَقْم: 16592] بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيم: ﴿وَإِنَّ يَوْمَاً عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ﴾ ﴿الحَجّ: 47﴾
هَذَا 00 وَكُلُّ الأَحَادِيثِ الَّتي قَدَّمْنَاهَا سَالِفَاً يُسْتَشْهَدُ بهَا في ذَلِك؛ لإِثْبَاتِ فَضْلِ أَهْلِ الفَقْرِ عَلَى أَهْلِ الغِنى، إِنَّ الأَحَادِيثَ الَّتي ثَوَّبَتْ فَضْلَ فَقْرِ الفَقِيرِ أَكْثَرُ مِن أَنْ تحْصَى، وَأَكْثَرُهَا لَمْ يجْعَلْ صَبرَهُ شَرْطَاً، وَإِنمَا جَاءَ التَّثْوِيبُ لِمَا يخْتَصُّ بِهِ الفَقْرُ مِنَ البَلاَء، في حِينِ أَنَّهُ لاَ تُوجَدُ أَحَادِيثُ عَلَى الإِطْلاَقِ مَدَحَتْ غِنى الغَنيّ ـ اللهُمَّ إِلاَ مَشْرُوطَاً بِالإِنْفَاقِ في سَبِيلِ الله ـ بَلْ عَلَى العَكْس تَمَامَاً؛ ذَمَّتِ الغِنى وَحَذَّرَتْ مِنهُ 0
ثمَّ إِنَّهُمْ لَمَّا أَعْيَتْهُمُ الحِيلَةُ في الرَّدّ؛ بَدَأُواْ يَبْحَثُونَ عَنْ كُلِّ مَا ثَوَّبَ الشُّكْرَ وَقَدَّمُوهُ لَنَا، وَهَذَا خَلطٌ آخَر، فَالشَّاكِرُ لاَ غُبَارَ عَلَيْه، لَكِنَّ الَّذِي يَعْنِينَا هُنَا كَمَا نَقُول: هُوَ الفَضْلُ بَينَ الفَقْرِ وَالغِنى وَفي أَيِّهِمَا الأَجْر، وَلَيْسَ عَنْ فَضْلِ الشُّكْرِ وَالصَّبر 0 وَمِمَّا قَدْ قَالُوهُ: إِنَّ الصَّبرَ دَرَجَاتٌ وَالشُّكْرَ دَرَجَات؛ وَفَضْلُ كُلِّ صَابِرٍ أَوْ شَاكِرٍ بحَسْبِ دَرَجَتِه، وَهَذَا كَلاَمٌ لاَ يُعَدُّ تَأْوِيلاً وَلاَ يَسُدُّ غَلِيلاً: فَكُلُّ عِبَادَةٍ يَنْطَبِقُ عَلَيْهَا هَذَا الكَلاَم، وَلَيْسَ الصَّبرُ وَالشُّكْرُ فَقَطْ: فَالذَّاكِرُونَ دَرَجَات، وَالمُصَلُّونَ دَرَجَات، وَالصَّائِمُونَ دَرَجَات، وَكَذَا كُلُّ العِبَادَات 00!!
وَاسْتَشْهَدَ بَعْضُهُمْ بِقَوْلِهِ جَلَّ جَلاَلُه: ﴿إِنْ يَكُن غَنِيَّاً أَوْ فَقِيرَاً فَاللهُ أَوْلى بهِمَا﴾ ﴿النِّسَاء: 135﴾ وَقَالُواْ: إِنَّ الآيَةَ لَمْ تُفَرِّقْ بَينَ فَقِيرٍ وَغَنيّ 0 وَنَسُواْ أَنَّ هَذِهِ الآيَةَ جَاءتْ في مَعْرِضِ الكَلاَمِ عَنِ القَضَاء، حَيْثُ أَمَرَتْ بِالتَّسْوِيَةِ بَينَ الفَقِيرِ وَالغَنيّ: فَلاَ نجَامِلُ الغَنيَّ لأَجْلِ غِنَاه، وَلاَ نحْكُمُ لِلْفَقِيرِ شَفَقَةً عَلَيْه 00
يَقُولُ جَلَّ جَلاَلُه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ بِالقِسْطِ شُهَدَاءَ للهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الوَالِدَيْنِ وَالأَقرَبِين، إِنْ يَكُن غَنِيَّاً أَوْ فَقِيرَاً فَاللهُ أَوْلى بِهِمَا؛ فَلاَ تَتَّبِعُواْ الهَوَى أَنْ تَعْدِلُواْ، وَإِنْ تَلوُواْ أَوْ تُعْرِضُواْ فَإِنَّ اللهَ كَانَ بمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرَا﴾ [النِّسَاء: 135] ﴿أَ: هـ﴾ [الإِمَامُ القُرْطُبيُّ في " تَفْسِيرِهِ " طَبْعَةِ دَارُ الشَّعْبِ 0 القَاهِرَة: 413/ 5] وَأَقُول: إِنَّهُ وَإِنْ كَانَ ظَاهِرُ القَضِيَّةِ نِزَاعَاً بَينَ الفَقِيرِ وَالغَنيّ؛ إِلاَ أَنَّ البَصِيرَ لاَ يخْفَى عَلَيْهِ أَنَّ بَاطِنَهَا نِزَاعٌ بَينَ الفَقْرِ وَالغِنى، وَالبَحْثُ عَن أَيِّهُمَا أَفْضَل 00؟ وَمِمَّا لاَ شَكَّ فِيهِ أَنَّ الفَقْرَ أَفْضَلُ لِسَبَبَين:
أَوَّلُهُمَا: أَنَّ الفَقْرَ لاَ يُعَرِّضُ صَاحِبَهُ لِفِتْنَةِ الدُّنيَا كَالغِنى 00 عَن عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ قَال: حِينَ قَدِمَ أَبُو عُبَيْدَةَ بِمَالِ البَحْرَيْنِ عَلَى رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم ـ فَوَافَاهُ الأَنْصَارُ لِيَأْخُذُواْ مِنهُ ـ تَبَسَّمَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ رَآهُمْ ثُمَّ قَال: " أَظُنُّكُمْ سَمِعْتُمْ أَنَّ أَبَا عُبَيْدَةَ قَدِمَ بِشَيْءٍ " 00؟
قَالُواْ أَجَلْ يَا رَسُولَ الله، قَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم: " فَأَبْشِرُواْ وَأَمِّلُواْ مَا يَسُرُّكُمْ، فَوَاللهِ مَا الفَقْرَ أَخْشَى عَلَيْكُمْ، وَلَكِني أَخْشَى أَنْ تُبْسَطَ عَلَيْكُمُ الدُّنْيَا كَمَا بُسِطَتْ عَلَى مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ، فَتَتَنَافَسُوهَا كَمَا تَنَافَسُوهَا؛ وَتُهْلِكَكُمْ كَمَا أَهْلَكَتْهُمْ " 0 [الإِمَامُ البُخَارِيُّ في " فَتْحِ البَارِي " بِرَقْم: 4015] وَعَن عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ قَال: " ابْتُلِينَا مَعَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالضَّرَّاءِ فَصَبَرْنَا، ثُمَّ ابْتُلِينَا بِالسَّرَّاءِ بَعْدَهُ فَلَمْ نَصْبِرْ " 00!! [حَسَّنَهُ الْعَلاَّمَةُ الأَلبَانيُّ في " سُنَنِ الإِمَامِ التِّرْمِذِيِّ " بِرَقْم: 2464]
ثَانِيهِمَا: أَنَّ الفَقْرَ قَاسٍ لاَ يُطَاقُ إِلاَّ بِشِقِّ الأَنْفُس، بخِلاَفِ الغِنى، وَالأَجْرُ عَلَى قَدْرِ المَشَقَّة؛ وَلِذَا كَانَتْ لِلفَقِيرِ الفَاقِدِ في الإِسْلاَمِ خُصُوصِيَّةٌ لَيْسَتْ لِلغَنيِّ الوَاجِد 00 رَأْيٌ قَيِّم لاَبْنِ القَيِّم يَقُولُ الإِمَامُ ابْنُ القَيِّمِ في كِتَابِهِ القَيِّم / عُدَّةِ الصَّابِرِينَ وَذَخِيرَةِ الشَّاكِرِين: " شَرَعَ اللهُ سُبْحَانَهُ قِتَالَ الكُفَّار، وَشَرَعَ الكَفَّ عَنِ الرُّهْبَان؛ لاَعْتِزَالهِمْ عَنِ الدُّنيَا وَزُهْدِهِمْ فِيهَا، فَمَضَتِ السُّنَّةُ بِأَن لاَ يُقَاتَلواْ وَلاَ تُضْرَبَ عَلَيْهِمُ الجِزْيَة 00
هذا 00 وَهُمْ أَعْدَاؤُهُ وَأَعْدَاءُ رَسُولِهِ وَدِينِهِ؛ فَاعْلَم أَنَّ الزُّهْدَ فِيهَا عِنْدَ اللهِ بمَكَان، وَكَذَلِكَ اسْتَقَرَّت حِكْمَتُهُ في شَرْعِهِ عَلَى أَنَّ عُقُوبَةَ الوَاجِدِ أَعْظَمُ مِن عُقُوبَةِ الفَاقِد: فَهَذَا الزَّاني المحْصَنُ عُقُوبَتُهُ الرَجْم، وَعُقُوبَةُ مَنْ لَمْ يُحْصَنِ الجَلْدُ وَالتَّغْرِيب 00 وَهَكَذَا يَكُونُ ثَوَابُ الفَاقِدِ أَعْظَمَ مِنْ ثَوَابِ الوَاجِد " 0 [الإِمَامُ ابْنُ القَيِّمِ في " عُدَّةِ الصَّابِرِينَ وَذَخِيرَةِ الشَّاكِرِينَ " بِالبَابِ الثَّالِثِ وَالعِشْرِين] عَنِ الحَسَنِ البَصْرِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنهُ قَال: " خَرَجَ رَسُولُ اللهِ في أَصْحَابِهِ إِلى بَقِيعِ الغَرقَد ـ أَيِ المَقَابِر ـ فَقَال صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم:
" السَّلاَمُ عَلَيْكُمْ يَا أَهْلَ القُبُور، لَوْ تَعْلَمُونَ مَا نجَّاكُمُ اللهُ مِنهُ مِمَّا هُوَ كَائِنٌ بَعْدَكُمْ " 00؟! ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى أَصْحَابِهِ فَقَال: " هَؤُلاَءِ خَيرٌ لي مِنْكُمْ " 00 فَقَالُوا يَا رَسُولَ اللهِ إِخوَانُنَا، أَسلَمْنَا كَمَا أَسْلَمُوا، وَهَاجَرْنَا كَمَا هَاجَرُواْ، وَجَاهَدْنَا كَمَا جَاهَدُواْ، وَأَتَواْ عَلَى آجَالهِمْ، فَمَضَواْ فِيهَا وَبَقِينَا في آجَالِنَا؛ فَمَا بجْعَلُهُمْ خَيرَا مِنَّا 00؟! قَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم: " إِنَّ هَؤُلاَءِ خَرَجُواْ مِنَ الدُّنيَا وَلَمْ يَأْكُلُواْ مِن أُجُورِهِمْ شَيْئَا، وَخَرَجُواْ وَأَنَا الشَّهِيدُ عَلَيْهِمْ ـ أَيْ شَهِيدٌ عَلَى حُسْنِ خَاتِمَتِهِمْ ـ وَإِنَّكُمْ قَدْ أَكَلتُمْ مِن أُجُورِكُمْ، وَلاَ أَدْرِي مَا تُحْدِثُونَ بَعْدِي " 0
فَلَمَّا سَمِعَهَا القَوْمُ وَاللهِ عَقَلُوهَا وَانْتَفَعُواْ بِهَا، قَالواْ: وَإِنَا لمحَاسَبُونَ بِمَا أَصَبْنَا مِنَ الدُّنيَا، وَإِنَهُ لَيُنْقِصُ بِهِ مِن أُجُورِنَا 00؟! فَأَكَلُواْ وَاللهِ طَيِّبَاً، وَأَنْفَقُواْ قَصْدَاً، وَقَدَّمُواْ فَضْلاَ " 0 [ابْنُ القَيِّمِ في " عُدَّةِ الصَّابِرِينَ وَذَخِيرَةِ الشَّاكِرِينَ " بِالبَابِ رَقم: (23)، وَابْنِ المُبَارَكِ في " الزُّهْد " بِرَقم: 498] انْظُرْ مَا جَرَّتْهُ كَثْرَةُ الأَمْوَالِ عَلَى أَهْلِ الغِنى: حَمَلَهُمْ حُبُّ المَالِ عَلَى أَنْ قَطَعُواْ أَرْحَامَهُمْ، وَأَكَلُواْ الحُقُوقَ وَظَلَمُواْ العِبَاد 00!!
أَلاَ تَرَى كَيْفَ رَبَطَ اللهُ جَلَّ جَلاَلُهُ بَينَ البَغْيِ وَالغِنى فَقَالَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالى: ﴿وَلَوْ بَسَطَ اللهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَواْ في الأَرْض، وَلكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَا يَشَاء، إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِير﴾ ﴿الشُّورَى: 27﴾
رَأْيٌ لِشَيْخِ الإِسْلاَمِ ابْنِ تَيْمِيَة
وَقَالَ أَيْضَاً شَيْخُ الإِسْلاَمِ ابْنُ تَيْمِيَةَ في الفَتَاوَى الكُبرَى:
" إِنَّ الصَّلاَحَ في الفُقَرَاءِ أَكْثَرُ مِنهُ في الأَغْنِيَاء، كَمَا أَنَّهُ إِذَا كَانَ في الأَغْنِيَاءِ فَهُوَ أَكْمَلُ مِنهُ في الفُقَرَاء، فَهَذَا في هَؤُلاَءِ أَكْثَر، وَفي هَؤُلاَءِ أَكْثَر ـ أَيْ كَثِيرٌ أَيْضَاً ـ لأَنَّ فِتْنَةَ الغِنى أَعْظَمُ مِنْ فِتْنَةِ الفَقْر؛ فَالسَّالِمُ مِنهَا أَقَلّ، وَمَنْ سَلِمَ مِنهَا: كَانَ أَفْضَلَ مِمَّنْ سَلِمَ مِنْ فِتْنَةِ الفَقْرِ فَقَطْ؛ وَلِهَذَا صَارَ النَّاسُ يَطْلُبُونَ الصَّلاَحَ في الفُقَرَاء؛ لأَنَّ المَظَنَّةَ فِيهِمْ أَكْثَر، وَاللهُ أَعْلَم " 0 [شَيْخُ الإِسْلاَمِ ابْنُ تَيْمِيَةَ في " الفَتَاوَى الكُبرَى " 0 ص: 131 ـ 132/ 11] هَذَا 00 وَلَطَالَمَا كَانَ الهَلاَكُ مِنَ الغِنى * وَسَلاَمَةُ الإِنْسَانِ في إِمْلاَقِهِ ﴿الشَّاعِرُ الْقَرَوِيّ / رَشِيد سَلِيمٌ الخُورِي﴾
إِذَا مَا أَرَادَ اللهُ إِهْلاَكَ نَمْلَةٍ * سَمَتْ بجَنَاحَيْهَا إِلى الجَوِّ تَصْعَدُ إِنَّ الصَّحَابَةَ مَا فَتَحُواْ الأَرْضَ وَعَمَرُوهَا إِلاَّ بِالجُوع، ولاَ طُوِيَتْ لهُمُ الأَرْضُ إِلاَّ بِالجُوع، وَلاَ اجْتَبَاهُمُ اللهُ جَلَّ جَلاَلُهُ إِلاَّ بِه 0 فَضْلُ الجُوعِ وَالحِرْمَانِ يَوْمَ القِيَامَة عَن عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ أَنَّهُ قَالَ في قَولِهِ جَلَّ جَلاَلُه: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الخَوْفِ وَالجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الأَمْوَالِ وَالأَنْفُسِ وَالثَّمَرَات، وَبَشِّرِ الصَّابِرِين﴾ ﴿البَقَرَة/155﴾
قَال رَضِيَ اللهُ عَنهُ: " أَخْبَرَ جَلَّ جَلاَلُهُ المُؤْمِنينَ أَنَّ الدُّنيَا دَارُ بَلاَء، وَأَنَّهُ مُبْتَلِيهِمْ فِيهَا، وَأَمَرَهُمْ بِالصَّبر، وَبَشَّرَهُمْ فَقَالَ جَلَّ جَلاَلُه: ﴿وَبَشِّرِ الصَّابِرِين﴾ ﴿البَقَرَة/155﴾ ثمَّ أَخْبرَهمْ أَنَّهُ هَكَذَا فَعَلَ بِأَنْبِيَائِهِ وَصَفْوَتهِ؛ يُطَيِّبُ نُفُوسَهُمْ، فَقَالَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالى: ﴿مَسَّتْهُمُ البَأْسَاءوَالضَّرَّاءوَزُلْزِلواْ﴾ ﴿البَقَرَة/214﴾ أَمَّا البَأْسَاءُ فَالفَقْر، وَأَمَّا الضَّرَّاءُ فالسَّقَم، وَزُلْزِلْواْ بِالفِتنِ وَأَذَى النَّاسِ إِيَّاهُمْ " 0 [الإِمَامُ البَيْهَقِيُّ في " شُعَبِ الإِيمَانِ " بِرَقْم: (9687)، وَالطَّبرِيُّ في تَفْسِيرِهِ 0 طَبْعَةُ دَارِ الفِكْر 0 ص: 61/ 26]
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيم: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُواْ الجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَواْ مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ البَأْسَاءوَالضَّرَّاءوَزُلزِلواْ حَتىَّ يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ مَتى نَصْرُ الله، أَلاَ إِنَّ نَصْرَ اللهِ قَرِيب﴾ ﴿البَقَرَة: 214﴾
دَعْوَةُ الفَقِيرِ المُضْطَرّ قَالَ رَجُلٌ لِبِشْرِ بْنِ الحَارِثِ رَضِيَ اللهُ عَنهُ ادْعُ اللهَ لي فَقَدْ أَضَرَّ بي العِيَال 00؟ فَقَالَ لَهُ بِشْر: إِذَا قَالَ لَكَ عِيَالُكَ لَيْسَ عِنْدَنَا دَقِيقٌ وَلاَ خُبز؛ فَادْعُ اللهَ لي أَنْتَ عِنْدَئِذٍ؛ فَإِنَّ دُعَاءَكَ أَفْضَلُ مِنْ دُعَائي 00!! [الإِمَامُ الغَزَاليُّ في " الإِحْيَاءِ " الطَبْعَةِ الأُولى لِدَارِ الوَثَائِقِ المِصْرِيَّة 0 ص: 1561] ذَلِكَ لأَنَّهُ مُضْطَرّ، وَاللهُ يجِيبُ المُضْطَرَّ إِذَا دَعَاه 0